الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء الخامس 17/6/2010 05:24 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء الخامس
الليبية بحث

 سأتوقف في هذا الجزء عند ثلاثة عوامل أخرى أوردها المحاضر خلال محاولته لتقديم المبررات عن عدم قيام ديمقراطية حديثة في ليبيا وفي المنطقة العربية عموما. هذه العوامل، حسب رأي سيف تتمثل في "سيادة  الأفكار الثورية"، و "الواقع الجيوسياسي" و "لعنة النفط"، سأتناول في هذا الجزء كلاً منها على حدة:

1. سيادة الأفكار الثورية:

"بعد ذلك سادت الأفكار الثورية وما صاحبها من تلقينها مذهبيا، واستمرت الأوضاع لأربعين سنة"

بهذه العبارة الفضفاضة، الغامضة والباهتة والمراوغة، لخّص المحاضر سنوات حكم والده الأربعين. نعم، إن سياق العبارة، وبدون شك، يوحي بأن "الأفكار الثورية" كانت أحد الأسباب وراء إعاقة الديمقراطية في ليبيا، إلاّ أن الكلمات التي إختارها المحاضر كانت مضللة ً ولم تعبر إطلاقا عن حقيقة ما جرى خلال هذه الأربعين سنة، أو مدى حجم الكارثة التي جرّتها هذه "الأفكار الثورية" على الديمقراطية، بل وعلى كل شئ جميل وطيِّبٍ في ليبيا.

أرى أنه من الضروري أن أشير إلى عدد من الملاحظات بخصوص هذه العبارة بالذات:

أولا: إن المحاضر، باستخدامه لعبارة "بعد ذلك" في هذه الجملة التي جاءت مباشرة بعد قوله بأن الملك الراحل قد منع الأحزاب، قد تعمّد أن يتجاهل، وأن يتخطى سنوات الإنجازات الطيبة التي تحققت خلال العهد الملكي في مجال الحريات العامة والممارسة الديمقراطية والتجربة البرلمانية، لتبدو تلك الحقبة المضيئة كأنها مرتبطة إرتباطا مباشراً بسيادة الأفكار الثورية، وأوحى المحاضر للمستمع كما لو أن تلك السنوات في ظل الحكم الملكي قد كانت على غرار السنوات الأربعين التي تلتها حين سادت فيها الأفكار الثورية، وأن ما حدث من جرائم باسم تلك الأفكار الثورية والتي استمرت "بعد ذلك" للأربعين سنة من حكم والده، كانت قد بدأت قبل حكمه وأنه ورثها بعد أن إستلم مقاليد الحكم 40 سنة مضت. وكما يرى القارئ، إن في هذا تجني وتشويه متعمد للتاريخ، ومجافاة كاملة للحقيقة.

ثانياً: إن ما أشار إليه الكاتب ووصفه ب"الأفكار الثورية" لم يكن مجرد أفكار ثورية طُرِحَت للنقاش والحوار والأخذ والعطاء ومصحوبة بتلقين مذهبي، ولكنها كانت أفكارا أحادية وقطعية وغير قابلة للأخذ والعطاء أو الرفض والقبول، كما أنها كانت مصحوبة بممارسات قمعية باطشة وإقصائية، صودرت فيها الحريات، وأغلقت فيها كافة منابر التعبير الحر، بل ونُكِّل بأصحاب الرأي المخالف وحرموا من حقوقهم، ولقيت أعداد منهم حتفها على أعواد المشانق. 

ثالثا: لقد تجنب المحاضر عمداً الإشارة إلى "الكيفية" التي سادت بها هذه الأفكار الثورية، ولم يتطرق إلى حقيقة أنها فُرِضَت فرضا على الشعب الليبي وخالفت أمانيه وتطلعاته وإرادته، كذلك فإن نظام والده لم يترك لهذا الشعب أي فرصة للتعبيرعن رأيه فيها أصلاً. بالإضافة إلى ذلك، فإن عبارة "وما صاحبها من تلقينها مذهبيا" التي إختارها المحاضر في وصف كيف سادت هذه الأفكار الثورية على إمتداد هذه الأربعين سنة، لا تعبر إطلاقا بأي شكل من الأشكال عن الوصف الحقيقي للكيفية القمعية والإرهابية التي تم بها فرض هذه الأفكار باسم "الشرعية الثورية" ، وبواسطة "اللجان الثورية".

رابعا: خلال هذا السرد، لم يورد المحاضر إطلاقا أن والده ولا أحد غيره هو من كان وراء كافة هذه الأفكار الثورية التي فرضت على الشعب الليبي طوال هذه العقود الأربعة، وأنه هو "منظّرها" و"مفكّرها" و"ملهمها".

ومن هنا أود أن أشير إلى مدى إستغرابي كيف لا يجد المحاضر أي حرجٍ في إشتراط وفرض أن يكون والده (صاحب هذه الأفكار الثورية التي أوصلت ليبيا إلى هذا الدرك) أهم وأول الخطوط الحمراء التي لا ينبغي المساس بها، بينما في نفس الأوان يتباهي ويتبجح بتوجهاته الديمقراطية. منطقيا، لا يمكن لهذين النقيضين أن يلتقيا، حيث أن لا إصلاح ولا ديمقراطية يمكنهما أن ينشآ على أرض وفي شعب بدون أن يصحب ذلك أيضا إشتراط محاسبة من أتى بهذه الأفكار ومن سايره في تطبيقها، وهي التي دمرت ليبيا وأوقفت مسيرتها نحو التقدم، بل وهدمت حتى ما تم بناؤه خلال السنوات القصيرة بعد الإستقلال.  

خامسا: في ضوء الملاحظات السابقة، وبمراجعة مضمون هذه الأفكار الثورية، سواء في مجال الحكم أو الإدارة أو الإقتصاد أو التعليم أو السياسة الخارجية، فإنه يمكن القول بكل يقين أن هذه الأفكار الثورية كانت ولا تزال هي السبب الأول والرئيسي والأخطر الذي حال دون قيام ديمقراطية حديثة في ليبيا على إمتداد الأربعين سنة وحتى الآن، وبالتالي فإنها ستكون السبب الرئيسي والأهم الذي سيحول دون قيام ديمقراطية حقيقية في ليبيا مستقبلا على يد المحاضر أو أي مخلوق آخر مازال يعتبر أن ما وقع في ليبيا في ظل تلك الأفكار الثورية كان "مقدمة ضرورية"، وأنه "تجربة ديمقراطية حرّكتها طموحات وأحلام نبيلة" وأن "الكتاب الأخضر وما ورد فيه من ترهات مازال يشكل المذهب السياسي والإقتصادي للبلاد"، وأن "صاحب هذه الأفكار الثورية وصاحب هذا الكتاب يجب أن يظل خطاً أحمرا لا يمكن المساس به".

2. الواقع الجيوسياسي:

ورد في ورقة المحاضر التالي:

"الجغرافيا السياسية أيضاً عامل مهم يجعل أمر نمو الديموقراطية في المنطقة صعب. الصراعات ما بين الدول في الشرق الأوسط، الصراع العربي الإسرائيلي،  تعمل على تعزيز الهياكل السلطوية السياسية والأمنية. الدول العربية تنفق على الأمن من نسبة إجمالي الدخل المحلي العام ثلاث مرات أكثر مما تنفقه دول حلف الناتو."

قبل أن أنطلق في تحليل وتفكيك هذه العبارة وما ورد فيها من دجل ومغالطات، بودي أن أدعو المحاضر إلى أن يسأل نفسه: لماذا لم يشكل هذا العامل أي عائق، ولماذا لم تمنع النزاعات التي يتحدث عنها المحاضر أن يقيم بلدان يتقاسمان الحدود، كلبنان وإسرائيل، ديمقراطية في بلديهما وهما طرفان دائمان في الصراع "العربي الإسرائيلي"؟ بل إن ذلك حتى خلال فترات إشتعال الحروب الخارجية والأهلية لم يحل دون أن يقيما في بلديهما ديمقراطية حديثة، ناهيك عن واقعهما الجيوسياسي!

ولكي لا أدخل بالقارئ في متاهات الواقع الجيوسياسي العربي الذي أراد المحاضر أن يجر مستمعيه إليها للإختباء وراءه وللتعتيم عليه لفهم حقائق الأمور، فإنني سأحصر ملاحظاتي في "الواقع الجيوسياسي الليبي" منذ إستولى والد المحاضر على السلطة في ليبيا.

فيما يتعلق بالنزاعات العربية والإفريقية التي أشار إليها المحاضر، فإنه من المعلوم أن نظام القذافي لم يرث عن العهد الملكي أي نزاعات مع الجيران أو الأشقاء العرب والأفارقة أو أي من الدول الأخرى في العالم، بل أن علاقات ليبيا خلال ذلك العهد كانت على أفضل ما يمكن أن تكون عليه العلاقات، إفريقيا وعربيا وإسلاميا ودوليا، ورغم ذلك، فقد أدخل هذا النظام ليبيا، تحت رعاية القذافي، منذ سنواته الأولى في خصومات ونزاعات بل وحروب متواصلة مع هؤلاء جميعاً، ولم يكن ذلك من أجل مصالح ليبيا الحيوية، أو دفاعا عن حدودها، أو حماية لأمنها القومي، بل بتأثير "الأفكار الثورية"* التي جاء بها والد المحاضر، وجريا وراء أوهام زعامة قومية ودور عالمي من صنع أحلام الملازم الذي إنتزع السلطة من الملك الراحل. كذلك، فلم يكن في هذه الأفكار والأوهام أي توافق مع أماني وتطلعات وإرادة شعب ليبيا. ومن ثم، ألا يدعو للسخرية هذا الجهل والإستخفاف من الإبن اليوم أن يأتينا محاضرا ومستخدماً هذه "الصراعات" في تبريرعدم قيام ديمقراطية حديثة في ليبيا في ظل حكم والده طوال أربعين سنة كاملة؟! ألم يكن من الأجدى والأكرم لليبيا ولشعبها أن يوظف والده الإمكانيات البشرية والمادية التي إستهلكتها هذه الصراعات والتدخلات والحروب في خدمة قضايا التنمية والتعاون والتقدم في ليبيا وفي محيطها؟ ألم يكن من شأن ذلك أن يخدم قضية التنمية البشرية وأن يؤسس لديمقراطية حديثة وراسخة في ليبيا؟

أما مسألة إستخدام معظم الدول العربية للصراع العربي الإسرائيلي من أجل تعزيز الهياكل السلطوية السياسية والأمنية على حساب الحرية والديمقراطية، فهذه حقيقة واضحة للعيان وليست في حاجة لأن يكتشفها المحاضر أو أن يعترف بها. إلا أن هناك حقيقة أخرى وهي الأهم هنا، حاول المحاضر أن يعتم عليها وأن يحجبها، وهي أنه قد يكون مفهوما (ولو جزئيا) وإن لم يكن مقبولا أو مبررا، أن تستخدم الدول المواجهة للكيان الصهيوني هذا الصراع في تعطيل الديمقراطية وفي تعزيز هياكلها السلطوية، غير أنه من غير المفهوم وغير المقبول بأي منطق وتحت أي حجة، أن تستخدم دولة عربية ليست من دول المواجهة، ولم يسجل لها التاريخ أي دور فعال وجاد في هذا الصراع، كجماهيرية والد المحاضر، في تبرير تعطيل الديمقراطية على أرضها، وفي حكم شعبها بالحديد والنار على إمتداد أربعين سنة.

كذلك، فإنه بالنسبة للإنفاق الهائل الذي قامت به الدول العربية على الأمن بما في ذلك التسليح، وكيف أنه يشكل نسبة من إجمالي الدخل المحلي العام تعادل ثلاثة أضعاف معدل نسبة الإنفاق المماثلة في حلف الناتو، فلا أملك إلا أن أعيد على مسامع المحاضر أنه قد يكون مفهوما أن تنفق دول المواجهة مع الكيان الصهيوني حصة (قد تبدو عالية) من ثروتها على الأمن والسلاح، إلا أنه من غير المفهوم أو المبرر إطلاقا أن تقوم دولة جماهيرية والد المحاضر، والتي ليست من دول المواجهة، ولم توجه أو تطلق رصاصة واحدة ضد هذا الكيان، ولم تتعرض لأي تهديد سواء ظاهر أو مبطن من قِبَله أو من أي قوة أخرى، أن تقوم بإنفاق حجم هائل من ميزانياتها على التسليح والأمن قارب نصف عائداتها النفطية.

هذه هي الحقيقة التي يجب على المحاضر أن يدلي بها إلى مستمعيه، أو يضيفها إلى معلوماته إن كان على جهل بها، وأرى أنه من الواجب أن أذكر المحاضر بالمزيد من الحقائق الأخرى في هذا السياق:

أولها: أن معدل الإنفاق الأمني والعسكري في ليبيا بلغ خلال عقد الثمانينات ضعف المعدل العالمي(1).

ثانيها: أن الإنفاق العسكري والأمني في ليبيا خلال الأربعين سنة الماضية تجاوز، وفقا لتقديرات الخبراء، كافة إحتياجات ليبيا الأمنية والدفاعية.

ثالثها: أن هذا الإنفاق العسكري والأمني الهائل قد خُصِّص لحماية النظام نفسه وليس لحماية ليبيا وشعبها، وللمغامرات العسكرية الخارجية ولتمويل الإرهاب الدولي.

رابعها: من الثابت أن هذا الإنفاق العسكري والأمني لم يوظف من أجل خدمة الأهداف الوطنية والقومية المعلنة(2)، بل وُظِّف كل هذا الإنفاق من قبل والد المحاضر ضد هذه الأهداف وضد أماني وطموحات الشعب الليبي.

هذه هي قصة الإنفاق الأمني والعسكري في ظل النظام الثوري والأفكار الثورية على يد والد المحاضر، وهي تؤكد كيف أن هذا الإنفاق المجنون كان من بين أخطر الأسباب التي حالت دون قيام ديمقراطية حقيقية وحديثة في ليبيا.

3. لعنة النفط:

الإفتراء الآخر الذي ساقه المحاضر في معرض تفسيره لعدم قيام ديمقراطية حديثة في ليبيا وعدد آخرمن الدول العربية (الدول الريعية) هو ما أطلق عليه إسم "لعنة النفط" . وبخصوص هذه النقطة، فقد ذكر المحاضر ما يلي:

  • إن وجود السيولة المالية التي توفرها الموارد الطبيعية في أي دولة نفطية من شأنه أن يجعل هذا الدولة لا تأبه بأن تسعى للتوصل إلى شكل من أشكال "العقد الإجتماعي" مع شعبها ينص فيه على فرض جباية ضرائب مقابل الصوت في الكيفية التي يتم بها الحكم.
  • إن من شأن هذه السيولة أن تجعل هذه الدول الريعية ذات بيروقراطية عالية المركزية باعتبار أنها هي المستلم والموزع الوحيد للثروة.
  • إن من شان هذه الحالة أن تجعل المواطنين في هذه الدول يميلون إلى الإستكانة السلبية وإلى طلب حصة من الكعكة من خلال الإستعداد لدعم من يوزع ثروة الدولة أو رشوته.
  • من مظاهر لعنة النفط أن يكون المجتمع المدني ضعيفا وأن يكون خاضعا للدولة التي تتولى تحديد مساره.
  • كما أن من مظاهر هذه اللعنة أن لا يوجد سوى القليلين من المبادرين النشطين (القطاع الخاص).
  • ويخلص المحاضر إلى القول (وإن لم يكن بطريقة مباشرة وصريحة) أن ليبيا ليست سوى واحدة من الدول العربية النفطية الريعية الإحدى عشر التي لا تعد دولا ديمقراطية وفقا لمعاييير فريدوم هاوس.

وكالعادة، فما أورده المحاضر تحت هذا العنوان محشو بالمغالطات وبشتى صور التضليل والدجل المتعمد. ف "العقد الإجتماعي" لم يكن غريبا على الدولة الليبية حتى قبل ولادتها، وبالتحديد عندما نصّ واضعو الدستور الليبي (7 أكتوبر 1951 )، وقبل ان تحصل ليبيا على إستقلالها (24 ديسمبر 1951)، نصوا في مقدمة ذلك الدستور على أن "غاية الشعب الليبي ودولته" المتمثلة في المملكة الليبية المتحدة" هي:

"تكوين دولة ديمقراطية مستقلة ذات سيادة تؤمِّن الوحدة القومية،

 وتصون الطمأنينة الداخلية، وتهيئ وسائل الدفاع المشتركة،

 وتكفل إقامة العدالة وتضمن مبادئ الحرية والمساواة والإخاء، وترعى الرقي الإقتصادي والإجتماعي والخير العام"

وهو العقد الذي تأسس ببيعة أعضاء الجمعية الوطنية التأسيسية للسيد محمد المهدي السنوسي ملكا على ليبيا، وتعزز هذا العقد بقيام الملك إدريس، رحمه الله، يوم 25 مارس 1952 بأداء القسم التالي أمام مجلسي النواب والشيوخ:

"أقسم بالله العظيم أن أحترم دستور البلاد وقوانينها،

وأن أبذل كل ما لدي من قوة للمحافظة على إستقلال ليبيا،

 والدفاع عن سلامة أراضيها"

وقد بقي هذا العقد الإجتماعي قائما حتى آخر لحظة من عمر النظام الملكي عندما استولى والد المحاضر وزمرته المتآمرة على السلطة في البلاد وألغوا دستور 1951 ، ومؤسساتها الدستورية. كذلك فإن إكتشاف النفط عام 1959، وتحول ليبيا إلى "دولة ريعية" منذ عام 1963 لم يؤدِّ إلى تجاهل ذلك العقد الإجتماعي أو إلغائه، بل ظل قائما إلى أن حلت اللعنة الحقيقة للنفط بليبيا بقيام إنقلاب سبتمبر 1969. فمنذ وقوع إنقلاب الأول من سبتمبر وحتى اليوم لم تعرف ليبيا أي عقد إجتماعي بينها وبين حكامها الجدد، وعلى رأسهم والد المحاضر، حيث لم تعرف ليبيا أي دستور، وحتى الوعود التي اطلقها هؤلاء سواء في "بيانهم الأول" أو في "الدستور المؤقت" الذي أصدروه، لم يتم الوفاء بها، ولم يحدث بأي شكل من الأشكال أن أدَّى والد المحاضر أي قسم بالوفاء بأي عهد أو بأي إلتزام تجاه الشعب الليبي.

إن هذا هو السبب الحقيقي  وراء عدم قيام "عقد إجتماعي" في ليبيا منذ عام 1969 وليس لعنة النفط كما زعم المحاضر.

حقيقة أخرى ينبغي على المحاضر أن يتذكرها تسفِّه ما جاء في محاضرته، وهي زعمه أن من مظاهر لعنة النفط عدم قيام الدولة الريعية بفرض ضرائب على مواطنيها، وهو ما أضعف لديهم الإحساس بحقوق المواطنة وممارسة حق  المشاركة في التصويت وفي العملية الإنتخابية. هذا الزعم يكشف جهل المحاضر بأوضاع ليبيا قبل إستيلاء والده على السلطة، فقد سنت ليبيا الملكية عام 1968 أول نظام ضريبي عصري ومتكامل بها، وذلك فور إكتشافها للنفط وتحولها إلى دولة ريعية. لقد حدث ذلك أثناء حكومة السيد عبدالحميد البكوش رحمه الله، عندما أصدرت حكومته قانون ضرائب الدخل رقم 21 لسنة 68 ، وكان من بين أبرز معالمه إستحداث الضريبة التصاعدية لأول مرة في ليبيا.

الملاحظة الأخيرة الجديرة بالتسجيل هنا هي أن المظاهر الأخرى التي عددها المحاضر، واعتبرها من أعراض ونتائج لعنة النفط "البيروقراطية عالية المركزية، والإستكانة السلبية لدى المواطنين، واستعدادهم لدعم من يوزع الثروة أو رشوته أو الإقتراب منه، وضعف المجتمع المدني وقلة المبادرين النشطين (القطاع الخاص)" ، فهذه كلها نتائج وإفرازات طبيعية للنظام الثوري والأفكار الثورية بما في ذلك التأميمات والمصادرات والتطبيقات الإشتراكية العقيمة التي وصلت حتى دكاكين الحلاقة، التي جاء بها والده وأصرَّ على فرضها على الشعب الليبي بالحديد والنار، والتي تحكّم من خلالها في كل شئ يتعلق بحياة المواطنين، وفي أرزاقهم وتعليمهم وصحتهم ومسكنهم، وليس لهذه الظواهر التي ذكرها أي علاقة بما أطلق عليه المحاضر إسم لعنة النفط على الإطلاق.

وفي الختام، ينبغي على المحاضر أن يعلم أنه ليس من المحتَّم أن يكون النفط لعنة، بل يمكنه أن يكون نعمة كبيرة إذا وُجِدت الدولة التي تحسن توظيف هذه النعمة،  كما يحدث في عدد من الدول الغربية كالدانمارك والسويد.  كذلك عليه أيضا ان يعلم أن عددا من الدول العربية النفطية، حتى من بين تلك التي توصف بأنها غير ديمقراطية، إستطاعت من خلال حرصها على رفاهية وتقدم شعوبها، أن تحقق لها الكثير مما عجز نظام والده أن يحققه للشعب الليبي. (قارن بين حالة ليبيا والإمارات في عام 1970، وبين حالتيهما الآن).

على المحاضر أن يعلم أن ما يراه شعب ليبيا هو أن لعنة ليبيا الحقيقية لم تكن في النفط ذاته ولكنها تتمثل فيما جلبه هذا النفط على ليبيا من تكالب وأطماع خارجية أدت إلى سقوط دولتها الشرعية واستبدالها بنظام ثوري يستند إلى شرعية وأفكار ثورية أعاقت كل شئ طيب وجميل في بلادنا ومن بينها الديمقراطية.

(يتبع..)

الليبية 

هوامش:

*يندرج ضمن هذه الأفكار الثورية التصدي للرجعية، والإستعمار والإمبريالية وتصدير الثورة وتثوير العالم وتحقيق الإنعتاق النهائي للبشرية.

1. راجع كتاب عبدالرزاق الفارس "السلاح والخبز: الإنفاق العسكري في الوطن العربي 1970-1990 " ، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 1992 .

2. قام نظام القذافي بتكديس ترسانة سلاح ضخمة بحجة الإعداد لخوض معركة العرب في فلسطين، وعندما استنجد أبو عمار بالقذافي عام 1982، أثناء غزو إسرائيل للبنان، وهجومها على القوات الفلسطينية المتمركزة هناك، جاء رد القذافي بالإعتذار عن تقديم النجدة بحجة وجود عوامل جغرافية تحول دون إرسال النجدة المنشودة، بل لم يكتفِ بذلك ونصح ابو عمار ورفاقه بالإنتحار! 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
التفقير والجباية من اهم سياساتهم
محاضر ومنظر المستقبل لا يكتفي يقلب الحقائق نصيا بل يفترض نقيضها كمعطيات مفروغا منها ينطلق منها ويؤسس منطقه عليها. فهاهو كمثال يقول "عدم قيام الدولة الريعية بفرض ضرائب على مواطنيها،…...
التكملة
منصور
الى صاحب التعليق باسم راىء: تحليل السيدة الليبية الرائع والذى امتعنا ليس موجه لشخص سيف التافه لان القريبيين منه يعرفون انه مجرد ببغاء ولكن هذه التحليلات موجهه الى من يقف…...
التكملة
رأي
الواقع ان خطاب سيف لا يحتاج لتحليل ومقال من خمس اجزاء...
التكملة
حنين الوطن
صدقتي وأبدعتي واجدتي.لك كل التقديروالاحترام على هئا التحليل الموضعي الراتع.رعاك الله وسدد خطاك...
التكملة
الليبي
السيدة الفاضلة الليبية قرأتى وسمعتى وترجمتى لكلكة سيف المكتوبة له فأجدتى بموضوعية وبحرفيـّة كاتبة وهبها الله عقل نير وحبا صادقا لوطنهاما أحوج مواقعناالإلكترونية لمثل هذه التحليلات الناضجة ولتعلمي أيها الفاضلة…...
التكملة
صالح حويل
ياسويفه فكك منها دوة لعنة البترول تي توا ياراجل لوكان مفيش بترول في ليبيا تخطب جامعة في عريقه في وسط لندن ؟ تي اتجي اتقوللهم نبي نخطب ؟ يخبطوك بحبله…...
التكملة
نجاة
ابدعتي يا عظيمة شكرا لكي جزيل الشكر...
التكملة
AbuHammam
افعال وصنائع القدافى وابنائه الاجرامية والتى اعتدوا فيها على كل جوانب الحياة الساسية والاقتصادية والقانونينة لدولة ليبيا هى حقائق مسلمة ويعلمها كل فرد داخل ليبيا وخارجها. فلا نحتاج لوصف القبيح…...
التكملة
هشام
سيف ليس بمحاضر وانما شخص كذاب كان فقط بقراء ما كتبه له مرتزقة عائلته امثال بلير والذين يعرفون ما يحب أن يسمعه ابناء جلدتهم. الاوربيون بدورهم محتاجون الى ورقة التوت…...
التكملة