الْصَّادِق شُكْرِي: عَطـر زَمَن الْعَطَاء - سِيْرَة وَهَبِي الْبُورِي مِن الْمِيْلاد إِلَى الْرَّحِيْل1 20/6/2010 18:54 الْصَّادِق شُكْرِي: عَطـر زَمَن الْعَطَاء - سِيْرَة وَهَبِي الْبُورِي مِن الْمِيْلاد إِلَى الْرَّحِيْل1
الصادق شكري بحث

عَطـر زَمَن الْعَطَاء
سِيْرَة وَهَبِي الْبُورِي مِن الْمِيْلاد إِلَى الْرَّحِيْل (1)
بِقَلَم/ الْصَّادِق شُكْرِي

(.. أن مُجرَّد إلقاء نظرة على إحصائياّت التعليم عام 1958م لتشعرنا بأن الخطّوات التي حققتها لِيبَيا في طريق نموها في هذه الفترة وبدون دخل البترول كان بفضل جهود أبنائها وعملهم وعزمهم على خلق دولة حديثة مزدهرة جديرة بما بذلوه من تضحيات فِي سَبيل قِيَامِهَا.... وأننا نقلل من جهودنا ومجهوداتنا إذا اعتقدنا نحن أو جعلنا الغير يعتقد أن ما حققناه كان نتيجة مباشرة لاكتشاف الذهب الأسود، أن دخل البترول قد دفع عجلة نمونا وتقدمنا دفعاً جباراً غير أن شعبنا استطاع قبل اكتشاف البترول، وقبل دخول وارداته إلى خزينة الدولة أن يحقق الأسس والمرافق التي قامت عليها نهضتنا الحاليّة..). الدّكتور وهبي أحمَد البوري

الْمُقَدِّمَة

لم ترحل صبيحة يوم الاثنين 7 يونيه/ حزيران 2010م بسلام إذ رحل معها الدّكتور وهبي أحمَد عقيلة البوري أحد أعمدة الثقافة والسّياسة في لِيبَيا. فالبوري يُعد أحد أهم مُثقفِي لِيبَيا في العقود السّتة الأخيرة وأبرز رجالاتها في مجالات الأدب والسّياسة، ويعتبرُه المُؤرّخُون والنقّاد الِلّيبيّون رائد القِصّة القصيرة بلِيبَيا. نالت كتاباته عن تاريخ لِيبَيا اهتماماً واسعاً بين أوساط اللّيبيّين، ولفتت ترجماته عن الإيطاليّة انتباه الوسط الثقافي بالعالم العربي. كان الدّكتور وهبي كثير الإطِّلاع.. وكان الكِتاب أحب رِفاقِه فأخلص له وأَفنَى عمره في تحريره وتحصيله.

ألا يَا مُسْتَعِير الْكُتُب دَعْنِي *** فَّمَحْبُوْبِي مَن الْدُّنْيَا كِتَابِي
فَفِي تَحْرِيْرِه أَفْنَيْتُ عُمُرِي *** وَفِي تَحْصِيْلِه أَفْنَيْتُ زَادِي (2)

وكان رَحِمَه الْلَّه يفتح باب بَيتِه علَى مِصرَاعَيه لضيوفُه ومُريديه، ويُحَسِّن مُلاقاتِهِم ويستَقَبلَهُم بكرم وحفاوة وكَلِمَات طيِّبة تُؤثر في النُّفُوس وتستقر بها. لم يكن ضيوفه من جيل واحد بل كانوا من أجيال مختلفة، ولم تكن اهتمامات زُوّارِه واحدة بل كانت متنوعة فمنهم المُؤِّرخ والصُّحُفِي والشّاعر والأديب والمهموم بقضايا السياسة أو الاجتماع، وبالرّغم من هذا فقد تفاعل مع الجميع على اختلاف أجيالهم ومشاربهم واهتم بتساؤلاتهُم وما يطرحُونه عليه من قضايا فاقتربت المسافات بينه وبين الجميع حيث كان يُنصِت باهتمام ولا يُكثر الكلام حينما يطرح رأيه، ولا يُجيب إلاّ على ما يعرف مُقْتَدِيَاً بقول الأمام الشّافِعِي: ".. إذَا تَرَكَ العَالِمُ (لا أَدْرِي) أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ.."، وقول الأمام مَالِكٌ: ".. مِنْ فِقْهِ الْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ: لا أَعْلَمُ فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يُهَيَّأَ لَهُ الْخَيْرُ..".

لقد كان البوري مُقْتَنِعَاً بِأَن كَثْرَة الكلام يُقَلِّل من أَهَمِّيَّتِه.. ويزيد مِن الأخطاء والخَطَايَا.. ولَه عواقِبُه. ولِذا، كان يُنصِت أَكثَر ممَّا يتكلم، وكان مُحَدَّدَاً في حديثه أَكثَر من كونِه مُستَرسِلاً مُستَطرِداً. وفي ذَلِك، كَان مُقْتَدِيَاً بِالقَاعِدَة الذَّهبِيَّة، القَائِلَة: (مَن كَثُر كَلامُه كَثُر خَطَأَه).

كتب البوري القِصّة والمقال، وترك للمكتبة الِلّيبيّة عدداً من الكتب بعضها من تأليفه وأخرى ترجمها عن الإيطاليّة. وتنقل في وظائفه الرّسميّة بين مصر والكويت وإيطاليا والولايات المُتَّحدة الأمريكيّة فترك في أذهان من عرفوه صورة جميلة عن الإنسان الِلّيبي كمَا كان خير ممثل لوطنه.

دخل الدّكتور وهبي البُوري مساء الخميس 20 مايو/ أيار 2010م إلى مصحة المروة في مدينة بَّنْغَازِي إثر وَعْكَة صِحِّيَّة أَلَمَّت بِه، ليُنقل مباشرة إلى غرفة العناية المركزة، وأنتقل إلى رحمة الله تعالى صباح يوم الاثنين 25 جمادى الآخرة 1431 هجري الموافق 7 يونيه/ حزيران 2010م.

قد كان مشيُك فِي الْحَيَاة عَلَى هُدى *** فانْعم فقد بَلَغ الْمَسِيْرُ بِك الْمَدَى
قد عِشْت متَّخـذاً وُجُوْدَك فِي الدُنَا *** سَبَبَاً لإِدْرَاك الْخُلُوْد وَمَوْرِدَا
تقضي النّهَار مُفكِّرَاً ومُذكِّراً *** وَتظل لَيْلَك سَاجِدَاً مُتهَجِّدا
لَم تَعْرَف الْتِّسْعُون مِنْك سِوَى امْرِىء *** مَا مَدّ قَطّ لَغَيْر طَاهرةٍ يَدَا
هَذَا مَقَامَك فِي الْخُلُوْد فَفُز بِه *** وانْعَم فقد بَلَغ الْمَسِيْرُ بِك الْمَدَى (3)

فِي بَدْء لابُد مِن كَلِمَة

شرعت يوم الثلاثاء الموافق 8 يونيه/ حزيران 2010م في الكتابة عن الدّكتور وهبي البوري أي بعد وفاته بيوم واحد، وترددت في اليوم الثاني أن استمر في الكتابة عنه بعدما نشرت مواقع عديدة، حوارات صحفية أجريت معه ومقالات تناولت محطّات من حياته وسيرته. ومصدر ترددي كان الخوف من تكرار ما نُشر عنه دون إضافة وزيادة لمحَة أو عرض تفاصيل سبق وأن عرضتها من قبل أو غاص في أعماقها غيري. خفت وترددت ممّا يصفه الصحفيون بمضغ اللِبان!، حيث يصف الصحفيون من يكرر ما قيل ولا يضيف شيئاً ولا يتحرك من مكانه بأنه كماضغ اللِبان ويصفون ما يقدمه بالمكرر المُمِل. صممت على استئناف الكتابة أخذاً قصّة اللِبان بعين الاعتبار، وقلت أن الفارق يكمن في الأسلوب فلكل كاتب أسلوبه وطريقته في تناول المواضيع من حيث زوايا النظر وعرض التفاصيل. وتوكلت على الله مجدّداً وكلي أمل أن أقّدِّم نموذجاً مختلفاً وَأعرض شيئاً يَبقى ويُستفاد مِنه.

ويقيني، أن شخصِيّاتُنا الوطنيّة تستحق أن يُعرف بها أكثر وأكثر، وأن يُكتب عنها العديد من الكتابات، ولا ضير أن يكرر الكُتَّاب سطور السيرة شرط أن ينظر كل كاتب من زاويته ويضيف على سطور غيره شيئاً مختلفاً.

إن كل تجربة إنسانيّة، قِصّة كاملة تستحق أن تَروى وتُصدر فِي كِتاب. والدّكتور وهبي البوري تجربة إنسانيّة حافلة ما بين أديب وإعلامي احترف العمل الإذاعي والصحفي، إلى وزير عمل في عهد وطني كان سمته الإخلاص والعطاء وفي مناخ عربي كان مزدحماً بالحوادث والأحداث، إلى مندوب لِيبَيا الدائم بالأمم المُتَّحدة في لحظة مهمّة من تاريخ عَالِمنا العربي.

ولهذا، يكون الدّكتور وهبي البوري فِي مقدمة الشخصيّات الوطنيّة التي ينبغي أن يكتب عنها وتعرض سيرتها لضرب المثل بالأشخاص محل الفخر والإقتداء. وكيف لا، فالدّكتور وهبي شخصيّة عظيمة ساهمت في بناء دولة لِيبَيا الحديثة وأسست للدّبلوماسيّة الِلّيبيّة، أو كمَا قال عنه الأستاذ مفتاح السيّد الشريف في باب التعازي بموقع (لِيبَيا المستقبل) بتاريخ 7 يونيه/ حزيران 2010م، ساهم الدّكتور وهبي.. ".. في تشييد دولة الإستقلال منذ أن كان في معيّة السّيّد إِدْرِيْس السُّنوُسي أمير ثم ملك لِيبَيا الرّاحل، يحرّر له رسائله وبرقيّاته، ثم كمسؤول سياسي تقلّد مناصب وزاريّة عديدة. وكان حلو المعشر ولبق الحديث وواسع الثقافة ناهيك عن الإخلاص للوطن وقضاياه، مع نظافة اليد والذمّة في جميع مناصبه وسيرته الوظيفيّة عبر تقلّبات الزمان على لِيبَيا... وفوق كل ذلك، كان في طليعة الرّعيل الأوّل الذي وضع أسس ثقافة لِيبَيا الوطنيّة، ولم يلق بالقلم من يده، حتّى وهو في ذروة عمره المديد، فأضاف إليها بإصداراته التي أغنت المكتبة التاريخيّة والإجتماعيّة، فكان وفاؤه للثقافة لا نظير له..".

ولابُد أن أقول قبل بَدء الحدِيث، أنني أدرك تمام الإدراك أن الكِتابَة عن رجل في حجم هذا الاستثناء صَّعبة وشاقَة، ولكن الواجِب دعاني لِلكِتَابَة عنه، ودُعَائِي أَن أَوَفَّق. وأمل فِي وقفة التأبين والرثـاء هذه، أن أتناول سيرة حياة الدّكتور وهبي من زاوية مختلفة عن الزوايا التي عرضها غيري. وقد رأيت أن لدي ما يستحق أن يُروى ويُنشر أو هكذا تصورت.. ورجائي أن يقف الحظ إلى جانبي، وأُقدم شيئاً جديراً بالرواية والنشر. وبِاللَّه التَّوفِيق..

مِيْلاد الْبُورِي وَنَشْأَتُه:

للسيد عقيلة جد الدكتور وهبي تسعة أولاد، والسادة هم: أحمَد، حسن، يُوسُف، ميلاد، حسين، عُمر، جبريل، موسى، محَمّد. وكان السّيّد أحمَد عقيلة والد الدّكتور وهبي من كبار موظفي الدولة إبّان حكم الأتراك للِيبَيا (دولة الخلافة الإسلاميّة). تزوج السّيّد أحمَد عقيلة من السّيّدَة جليلة البوري، وأنجبا ولدين هما: السّيّد نعيم والسّيّد وهبي.. وثلاث بنات، هن: السّيّدَة عيدة التي تزوجها الأستاذ حسن إبراهيم الشويهدي، والسّيّدَة سامية التي تزوجها السّيّد عوض الشيباني، والسّيّدَة فوزية التي تزوجها السّيّد نجيب السوادي.

ولد الدّكتور وهبي البوري في مدينة الإسكندريّة في 23 يناير/ كانون الثاني 1916م حيث هاجرت عائلته إلى مصر عقب غزو إيطاليا للِيبَيا عام 1911م. عاد إلى مدينته بَّنْغَازِي فدرس في مدرسة (الفنون والصنائع) حتى تحصل على الشهادة الإعداديّة ثمّ رجع مجدّداً إلى الإسكندريّة ليواصل دراسته بمدارسها الإيطاليّة. سافر إلى إيطاليا وتحصل على شهادته الجامعيّة من جامعة نابولي. ودرس في ستينيات القرن المنصرم بالولايات المُتَّحدة الأمريكيّة حيث تحصل في عام 1968م على شهادة الماجستير في الدّراسات الأفريقيّة، من جامعة (سان جونس) بـ (نيويورك).

عاش الدّكتور وهبي جزءاً من طفولته بشارع (الرعيض) بمدينة بَّنْغَازِي، وجزءاً من شبابه في شارع (بوسن)، ثمّ انتقل إلى شارع إدريّان بيلت وبعده إلى منطقة (البركة) بمقر سكنه الكائن خلف مكتبة الأندلس بشارع بن شتوان. واستقر في سكنه الكائن بمنطقة (الفويهات) منذ منتصف السبعينيات إلى أن وافته المنية في شهر يونيه/ حزيران 2010م.

تنقل البوري في وظائفه ليعمل في مدن ليبيّة عدة: بَّنْغَازِي، إجدابيا، البيضاء، طرابلس. وعمل في وظائف متعددة – وفي فترات مختلفة – في دول عدة: طنجة، روما، ألمانيا، مصر، الولايات المُتَّحدة الأمريكية، الكويت.

وبالرّغم من كثرة تنقلاته وإقامته في أجمل مدن العالم إلاّ أن مدينة بَّنْغَازِي التي ترعرع فيها وقضى بها سنوات طويلة من عمره المديد، كانت مركز البهاء والسحر والجمال عنده ولا مثيل لها بين مدن العالم قاطبة بالنسبة له. أحب بَّنْغَازِي حباً جماً، فَأَحَبَّتْه كَمَا أحبها، وأكرمته كمَا أكرمها، وكيف لا وهُو الذي خدمها بإخلاص منقطع النظير، وكان في مركز حراكها الثَّقَافِي على مدار أَكْثَر مِن سِتِّيْن عَاماً.

شَاهَدْت أَلْف مَدِيْنَة وَمَدِيْنَة *** بَيْن الْمُحِيْط الْجَوْن وَالْقُوَّقَاز
لَكِن كَمِثْلِك مَا رَأَيْت مَدِيْنَة *** وَكَمِثْل أَهْلَك كَان كَالإعْجَاز(4)

على أيّة حَال.. شكل (المهجر) جزءاً من حياته، وتركت حياة المهجر بصماتها الواضحة على تكوينه الثقافي ونظرته للأشياء. وتركت محطّات ثلاثة في حياته، آثاراً إيجابية عليه:

*) تجربة السّيّد إِدْرِيْس السُّنوُسي أميراً وملكاً.
*) معرفته لأحمَد رفيق المهدوي والمناقشات المطولة التي عقدها معه.
*) مُرَافَقَتَه لِلشَّيْخ أَمِيْن الحُسَيْنِي مُفْتِي فِلَسطِين، وعَمَلِه إِلَى جَانِبِه.

واستفَاد كَثيراً مِن ثَلاثَة أَشياء:

*) السفَر.
*) العمل فِي الإعلام.
*) العمل فِي الخَارِجِيَّة.

وسَاهَمَت ثَلاثَة أَشياء أَساسِيّة فِي دَفعِه إِلَى الأمام:

*) رِضَا الوَالِدَين.
*) التَّوفِيق فِي الزَّواج مِن سيِّدة فَاضِلَة كَانَت خَير سنداً لَه فِي دُنياه.
*) الأصدِقَاء المُخلِصُون الذِين وقَفوا إِلَى جانِبِه فِي كل الظُرُوف.

وفي سنة 1955م.. تزوج الدّكتور وهبي البوري من السّيّدَة عُبيدة كنعان فلسطينيّة الجنسيّة والتي ظلّت معه من يوم زواجه في التّاسع والعشرين من شهر سبتمبر/ أيلول 1955م إلى آخر يوم في حياته، وأنجبا من الأولاد: الدّكتور أحمَد الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة عُمان، الدّكتور الطيب خالد المستشار في سوانسي Consultant in Swansea, UK  في المملكة البريطانيّة، المهندس طارق صاحب مكتب هندسي بمدينة بَّنْغَازِي والأستاذ غير المتفرغ بكلية الهندسة بجامعة بَّنْغَازِي، المهندس البحري أسامة والذي تحصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة هارفارد Harvard ويعمل حالياً في شركة أمريكيّة استثماريّة بطرابلس.. ومن البنات: السّيّدَة سوسن الأستاذة بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزيّة في جامعة بَّنْغَازِي والمتزوجة من الأستاذ فريج محمد البسيوني حفيد فريج البسيوني الذي ساند المجاهدين ووقف إلى جانبهم واعتقلته السّلطات الإيطاليّة في معتقل (بنينا) من عام 1930م إلى عام 1933م، والسّيّدَة أميرة الحاصلة على شهادة الماجستير في الهندسة قسم تخطيط المدن من جامعة بفلو Buffalo الأمريكيّة والمتزوجة من الدّكتور هشام التاجوري الذي يعمل طبيباً فِي الولايات المُتَّحِدَة الأمرِيكِيَّة.

وفي بَّنْغَازِي.. أحاط البوري نفسه بمجموعة الشباب المتعلم فِي لِيبَيا إبّان حكم المستعمر الإيطالي، والتحق بالكادر الوظيفي ليشكل مع زملائه بداية النخبة الإداريّة الحديثة فِي لِيبَيا. وعمل في القنصلية الإيطاليّة بطنجة كذلك مدرساً للغة العربيّة بالمدرسة الإيطاليّة في تلك البلاد.

وارتبط بالوسط الثقافي فكتب في الصحافة الِلّيبيّة في مرحلة مبكرة من حياته، وعمل في بَّنْغَازِي موظفاً إبّان حكم المستعمر الإيطالي في فترة المارشال إيتالو بالبو التي قال عنها في كتابه: (مُجْتَمَع بَّنْغَازِي.. فِي الْنِّصْف الأَوَّل مِن الْقَرْن الْعِشْرِيْن)، ما يلي: ".. حاول بالبو التودد إلى العرب ورفع مستواهم ومساواتهم بالإيطاليين إلاّ أن مقترحاته قد رُفضت من قبل روما..".

كذلك، عمل في مناطق أخرى من البلاد كمدينة (إجدابيا) التي قضى بها فترة من الوقت وكان إلى جانبه وقتئذ السّيّد محَمّد الزروق بوكر صديقه الحميم وأحد رواد التعليم في مدينة بَّنْغَازِي والذي كان يوماً مديراً لمدرسة (سيدي سالم) بمدينة بَّنْغَازِي.

ومبكراً، أكتشف الشعر فأحبه، وازداد ارتباطه به بعد معرفته بأحمَد رفيق المهدوي شاعر لِيبَيا الكبير، والذي تعرف عليه أثناء دراسته في الإسكندرية حيث ربطت الشاعر صداقة وطيدة مع عمّه موسى البوري. واستفاد كثيراً من أحمَد رفيق واستأنس برأيه وتوجهاته حينما شرع في كتابة القِصّة القصيرة. وروى الدّكتور وهبي البوري تفاصل علاقته بأحمَد رفيق وبداية كتابته للقِصّة القصيرة حينما تحدث مع الأستاذ سالم حسين الكبتي عن ذكرياته مع رفيق، فقال: {.. كنت أقيم بالإسكندريّة مع أسرتي، وكان أحمَد رفيق يأتي إلى عمي موسى في سوق المغاربة، ويقضي معه وقتاً ويتبادلان معاً الأحاديث والذّكريات، وقد أخبرني فيما بعد بأنه كان يحملني ويداعبني عندما كان عمري وقتئذ خمس سنوات، وأن شقيقته (صالحة المهدوي) زوجة عُمر فخري المحيشي كانت على علاقة ود وتزاور مع والدتي في بَّنْغَازِي... وعندما شرعت في كتابة القِصّة القصيرة وهو اللون الذي استهواني أكثر من أي موضوع أدبي أخر، أذكر أنني عرضت أوّل عمل يُنشر لي وهو قِصّة (لَيْلَة الْزِّفَاف) على رفيق الذي استحسنها وشجع نشرها بمجلة (لِيبَيا المُصَوّرَة) في عددها الصادر في شهر سبتمبر/ أيلول 1936م..}م1.

وما يمكن أضافته هُنا، أن وهبي البوري ومحَمّد علي معتوق وإبراهيم القرقوري وعبدربه الغنّاي كانوا من أخلص تلاميذ الشاعر أحمَد رفيق المهدوي وأحبهم إلى قلبه، وتلاميذ رفيق ومحبيه كانوا كثر.

والحاصل، قرأ البوري الأدب العربي والإيطالي، وبدأ حياته الثقافيّة قاصاً حيث كانت القِصّة القصيرة هي وسيلته الأولى وبداية الكشف عن مواهبه المتعددة. وكان محباً للشعر، ومعجباً بكتَّاب القِصّة في مصر مركز الإشعاع الثقافي في العالم العربي وقتئذ.

وعن بدايات حَيَاة البوري الثقافيّة، يروي الأستاذ أحمَد الفيتوري ما سمعه من البوري شخصيّاً في مقالة نشرها في مُدوَّنتِه، فقال: ".. كانت علاقتي (البوري يتحدث) بالثقافة العربيّة تقتصر على قراءة ما كان يصلنا من كُتُب ومجلات. وقرأت لعمالقة الأدب آنذاك كالمازني ومحَمّد حسين هيكل ومحمود تيمور والزيات وغيرهم. إمّا علاقتي بالثقافة الإيطاليّة فقد تكونت من خلال دراستي في إيطاليا حيث كنت على صلة بـ(مجلّة الشّرق الحديث) وبمُحرِّرِيُّها من كبار المستشرقين الإيطاليين..".

وفِي السِّيَاق نفسه.. كانت لغته الإيطاليّة في مستوى لغته العربيّة الأم، وتعلم في سنوات لاحقة من عمره اللغة الإنجليزيّة وألم بها ففتحت عليه أبواباً واسعة للإطلاع لأن اللغة الإنجليزيّة أكثر لغات العالم انتشاراً، وأكثرها غزارة في الإنتاج.

وكمَا أسْلَفْت، نشر البوري أكثر من عشرة نصوص في (لِيبَيا المُصَوّرَة) فوضع بإنتاجه القصصي المنشور في الثلاثينيات اسم لِيبَيا على خريطة المراكز الحضرية الرّائدة في هذا المجال في الوطن العربي حينئذ مثل مصر وبيروت وبغداد ودمشق.

قال الدّكتور أحمَد إبراهيم الفقيه الفائز بالجائزة الأولى عام 1965م ضمن جوائز اللجنة العليا للآداب والفنون بلِيبَيا، عن مجموعته القصَصِيّة (البحر لا ماء فيه)، عن قِصَص البوري، ما يلي: {.. قرأت قِصَص وهبي البوري فاندهشت للمستوى الراقي الذي كتبت به، واندهشت مرة ثانية لأنها لم تكن قِصّة أو اثنين ، وإنّما وجدته ينشر في (لِيبَيا المُصَوّرَة) فوق عشرة نصوص، وهو عدد من القصص يوازي العدد الموجود في أول مجموعة قصَصِيّة منشورة بعده بعشرين عاماً، أي (نفوس حائرة) للرّاحل الأستاذ عبدالقادر ابوهروس الصّادرة عام 1957م، ثم أن مستوى ما كتبه وهبي البوري يكاد يتفوق فنياً على القصص الواردة في مجموعة (نفوس حائرة)، وأكثر من ذلك فان مستواها لم يكن يقل إطلاقاً بل كان يواكب ويوازي في مستواه ما كان ينشره رواد القِصّة القصيرة في العالم العربي أمثال: محمود تيمور ويحي حقي وتوفيق الحكيم وغيرهم من كتّاب الثلاثينيات..}م2.

ومن جهة ثانية.. لقد عاش البوري أجواء الانقسام العربي في زمن التجاذبات السّياسيّة بين المُساندة لقوَّات التحالف بزعامة بريطانيا العُظمَى وتأييد الألمان ودول المحور. وكــان العراقيان يُونس البحــري (1899م – 1979م) ورشيــد عـالـي الكيلانــي باشّا (1892 - 1965) من بين أشهر الشخصيّات العربيّة الدّاعيّة لدعم وتأييد الألمان حيث نظرا إلى أن ألمانيا الهتلرّيّة ليست لها أي أطماع في العراق ولا أي دولة عربيّة أخرى بدليل أنّها لم تحتل أي من الولايّات العربيّة بعد انهيار دولة الخلافة العثمانيّة!.

لم يتعاطف وهبي البوري مع تصريحات رشيد الكيلاني وبياناته الدّاعيّة إلى ضرورة وقوف العرب إلى جانب الألمان وانتقاض الجيوش العربيّة ضدّ الهيمنة البريطانيّة والفرنسيّة من خلال دعم وتأييد الألمان ودول المحور. ولم تلهب خطابات يونس البحري عبر إذاعة صوت ألمانيا الناطق بالعربيّة، مشاعره كمَا ألهبت مشاعر عرب كثيرين غيره. والبحري كان ذائع الصيت بين العرب مثلما ذاع فيما بعد صيت أحمد سعيد مذيع إذاعة صوت العرب زمن حكم عبدالناصر لمصر، ويذكر أن البحري كان يعمل مذيعاً بالإذاعة العربيّة في برلين، أثناء الحرب العالميّة الثانّية.

وبِالرَّغم مِن مُسَاندة البوري لمواقف الشَّيخ أَمِين الحُسَينِي مُفتِي فِلسطِين وعمله إلى جانبه، إلاّ أنّه خالفه في موقفه السِّياسي الدّاعِي إلى الوقوف إلى جانب ألمانيا حيث دعم فيما بعد موقف السَّيِّد إِدْرِيْس السّنوُسي الدَّاعِي إلى انضمام الِلّيبيّين إلى قوَّات الحلفاء بهدف طرد المستعمر الإيطالي من لِيبَيا. ومن المفارقات، أن يُونس البحري جاء إلى لِيبَيا بعد إستقلالها، وعُين مستشاراً إعلاميّاً وقضى في عمله بلِيبَيا فترة قصيرة من الوقت.

ولتوضيح موقف الرّجُل بشكل أشمل وأدق، نؤكِّد أن البوري كان يعلم ما يجلبُه نظام الحكم القمعي الشُمُولي من مصائب وكوارث على البلد الذي يحكمه وشعوب أخرى من العالم، من خلال معرفته بالنظام الفاشي الإيطالي، فرأى – ومنذ وقتٍ مُبكِّر جَدَّاً – أن الحَّل يَكمُن في أنظمة الحكم الدِّيِمُقْراطِيَّة، ومُساندة الدَّاعِيَن لَهَا، والابتعاد كل الْبُعد من الأنظِمَة الْقَمعِيَّة الْشُّمُولِيَّة. وأنطلق البوري أيضاً في موقفه هذا من ثقافة وطنية جعلت من الوطن نقطة الاهتمام والارتكّاز، لتتوالى بعده الاهتمامات الأخرى في سلم الأولويّات. فلم يترك البوري الفرصة للإيديولوجيات تتقاذفه يميناً ويساراً، بل كان محدداً في اختياره وسار في تَوَجُّهِه بثبات ويقين وإخلاص مُنْقَطِع النَّظِير ولذا ساند السَّيِّد إِدْرِيْس أميراً وملكاً، وانحاز إلى ما اتفقت أمّتِه الِلّيبيّة عليه... هكذا كان الرّجُل وكذا كانت مواقفه.

وفي جانب ثاني.... رأى البوري بأم عينيه، نهاية أشرس طغاة العالم وأكثرهم دموية، وكان ذلك في إيطاليــا حينما رأى موسولينـــي (1883م – 1945م) مشنوقاً في محطة البنزين في مدينة مَيُلانُو. والطاغية الدّكتاتور موسوليني كان قد عمل على ترسيخ الاستيطان الاستعماري في ليبيا، وارتكب أفظع جرائم الإبادة الجماعيّة، والذي أمر بإعدام الشّيخ عُمر المختار رغم أن عمره كان قد جاوز الخامسة والسبعين عاماً، وتم إعدامه يوم 16 سبتمبر/ أيلول 1931م، في بلدة سلوق القريبة من مدينة بَّنْغَازِي. فقد رَوَّى لي صديق مهتم بشؤون التاريخ أنه جلس مع البوري أكثر من مرَّة وسجل له شهادته على عصر كان أحد رجاله وبعض إفاداته ومشاهداته، وأكد لي ذلك الصديق، أن البوري كان قد رأى بينيتو موسوليني بأم عينيه مشنوقاً ومقلوباً من رجليه في محطة البنزين في مدينة ميلانو. ويذكر أن جبهة التحرير الإيطاليّة كانت قد قبضت على موسوليني و(كلارا) عشيقته وأغلب ومعاونيه في شهر أبريل/ نيسان من عام 1945م. وأن جبهة التحرير كانت قد حددت - نقلاً على (ويكيبيديا) الموسوعة الحرّة - ".. خمسة عشر (15) شخصاً، وقامت بإعدامهم، وفي يوم 15 أبريل/ نيسان 1945م تم تجميعهم بما فيهم موسوليني وعشيقته (كلارا) وتم نقلهم ليـُـشنقوا مقلوبين من أرجلهم في محطّة البنزين في مدينة مَيُلانُو، وكان ذلك يوم 28 أبريل/ نيسان 1945م..".

ومن جديد.. عمل البوري فِي الإذاعاتِ العربيّة، وفي وكالة الأنباء الفلسـطينيّة، وكان قريباً من الشّيخ أَمِين الحُسَينِي (1897م – 1974م) مُفتِي فِلسطِين.

وقبيل استقلال لِيبَيا، أوفد الدّكتور وهبي {... إلى الخارجيّة الفرنسيّة في باريس للتدرب (5). وبعد أن عاد تولى مختلف المناصب. رئيساً للدّيوان الملكي، سفيراً، وزيرا، مديرًا لمؤسسة البترول، وزيراً للخارجيّة، مندوباً في الأمم المُتَّحدة. وحيث ما حلّ، خدم الدولة ووطنه بهدوء وعقل والتزام. كمَا تفرضه ثقافته الواسعة، واهتماماته الفكريّة، وخبرته مع الدول والبشر. دون معارك شخصيّة ودون طموح سياسي..!}م3.

صِلَتِه بِالْقَضِيَّة الْفِلَسْطِيْنِيَّة

كان البوري ذا صلة وثيقة بالقضيّة الفلسـطينيّة فهو مؤسس وكالة الأنباء الفلسـطينيّة كذلك عمل مديراً لمكتب مُفْتِي فِلَسطِين أَمِيْن الحُسَيْنِي، ثمّ في (مكتب فلسطين) في جامعة الدول العربيّة، وبعد عودته إلى لِيبَيا كان عضواً في اللجنة التي أرسلت المتطوعين في حرب فلسـطين عام 1948م.

دعاه أَمِيْن الحُسَيْنِي أمين مُفْتِي فِلَسطِين ورئيس الهيئة العربيّة لفلسطين {.. فعمل معهم في روما، ثمّ التحق بهم في ألمانيا، وعاد إلى إيطاليا سنة 1945م. وعلم في روما أنه مطلوب من المخابرات الإنجليزيّة، ولم يكن في إمكانه السّفر لأنّه يحتاج إلى تأشيرة خروج التي يمنحها الحلفاء. وقد اضطر إلى السّفر بصورة غير شرعيّة على ظهر باخرة إيطاليّة ذاهبة إلى كينيا، وتتوقف في بور سعيد، وعندما وصلت الباخرة إلى بور سعيد مُنع من النزول إلى مصر، فأرسل برقية إلى عزَّام باشا ( 1893م - 1976م)، فتدخل في الأمر، وسُمح له بدخول مصر. وفي القاهرة، وجد زُعماء لِيبَيا مشغولين بالقضية الِلّيبيّة، ووجد مُفْتِي فِلَسطِين في أوج نشاطه، من أجل القضيّة الفلسطينيّة، فطلب منه العمل معهم، وقد أسند إليه مكتب أنباء فلسطين الذي يُزود الصحف المصرية بالأخبار..}م4.

وحينما شغل منصب مندوب لِيبَيا الدّائم في الأمم المُتَّحدة من سبتمبر/ أيلول من عام 1967م إلى سبتمبر/ أيلول من عام 1969م، دافع بقوة عن قضايا العالم العربي والإسلامي والتي تأتي في مقدمتها القضيّة الفلسطينيّة. وقد أكد الدّكتور وهبي البوري هذه الحقيقة في حديث خاصّ مع موقع: (لِيبَيا اليوم) بتاريخ 12 مارس/ آذار 2008م ، فقال: "..إن لِيبَيا وقفت إلى جانب القضيّة الفلسطينيّة منذ بدايتها، وقدمت لها كافة سبل الدعم والمساندة..".

فِي الْسِّلْك الْدُّبْلُومَاسِي

رجع البوري إلى بَّنْغَازِي في عام 1947م بعد أن طلب الأمير إِدْرِيْس السُّنوُسي (1890م – 1983م) منه ذلك. وبعد استقرار الأمير في برقة عينه وكيلاً للدّيوان الأميري الذي ترأسه حينئذ عُمر باشا الكيخيا (1880م – 1962م). وعينه الملك إِدْرِيْس بعد إعلان إستقلال لِيبَيا رئيساً للتشريفات الملكية. (أنظر إلى الوثيقة رقم 1)

وفي عام 1953م، عُيِنَ البوري مستشاراً في السفارة الِليبيّة بالقاهرة ثمّ مندوباً للِيبَيا في جامعة الدّول العربيّة بعد انضمام لِيبَيا رسميّاً لجامعة الدول العربيّة بتاريخ 10 رجب 1372 هجري الموافق 28 مارس/ آذار 1953م. ويذكر أن البوري كان قد شغل في فترة عمله في السفارة الِليبيّة بالقاهرة، منصب: القائم بالأعمال الأوّل، فِي عهد تَوَلَّي السَّيِّد إِبراهيم أَحمَد الشَّرِيِف الْسَّنوُسي لِمَنصِب سفِير المملكة فِي مصر.

وعُيِن وزيراً للخارجيّة ثمّ وزيراً للدولة في عهد حكومة السّيّد عبدالمجيد الهادي كعبّار (الحكومة الرّابعة) والتي استمرت من 26 مايو/ أيار 1957م إلى 16 أكتوبر/ تشرين أوّل 1960م. وعُيِن وزيراً للدولة في عهد حكومة محَمّد عثمان الصيد (الوزارة الخامسة، والتي استمرت من 16 أكتوبر/ تشرين أوّل 1960م إلى 19 مارس/ آذار 1963م. فقد عُيِنَ في التعديل الأوّل لحكومة الصيد وزيراً للعدل 3 مايو/ أيار 1961م، واستمر في نفس المنصب في التعديل الثاني الذي جرى في 6 يونيو/ حزيران 1962م. ثمّ وزيراً لشؤون البترول في التعديل الثالث في نفس الحكومة وذلك في (11 أكتوبر/ تشرين أوّل 1962م). وعُين وزيراً للخارجيّة في 18 مارس/ آذار 1965م حتّى 2 أكتوبر/ تشرين أوّل 1965م، وذلك في عهد حكومة حُسين يوسُف مازق (الوزارة الثامنة) والتي استمرت من 18 مارس/ آذار 1965م إلى 1 يوليو/ تموز 1967م.

كذلك عمل سفيراً، ثمّ مندوباً دائماً للِيبَيا في هيئة الأمم المُتَّحدة حتّى ساعة وقوع إنقلاب سبتمبر/ أيلول من عام 1969م.

وبعد إنقلاب سبتمبر/ أيلول 1969م مباشرة، أرسل الدّكتور وهبي أحمَد البوري من مقر إقامته فِي نُيُويُورْك، برقيّة إستقالته إلى الإنقلابيين حيث رأى عدم جواز استمراره في موقعه كمندوب للِيبَيا بالأمم المتَّحدة بعد أن أنقلب حال البلاد من نظام ملكي دستوري إلى نظام عسكري غير شرعي، وأنه عُين في هذا المنصب بصفته ممثلاً لدولة لِيبَيا الملكية لا لأي نظام أخر.

رد الإنقلابيون عليه بما مفاده: أنهم قبلوا استقالته ولكنهم يطلبون منه البقاء في منصبه إلى حين إيجاد البديل له. وهذه ما تم بالفعل بعد فترة قصيرة جداً من الوقت.

اتخذ هذا الموقف إنطلاقاً من إيمانه بشرعية النظام الملكي الذي كان يمثله، ومعرفته بنزاهة الملك إِدْرِيْس وإخلاصه لوطنه، مقتدياً بما قاله الإمام الشافعي في شأن قريباً ممّا هو فيه، حيث قال:

ولا خيـرٌ في خـِلٍّ يـخـُـونُ خـليـلـَه *** ويـلقــَاهُ مِن بعـدِ الموَدَّةِ بالجــَفــَـــا

وأثناء ذلك، عرض عليه السّيّد يُو ثَانْتْ U Thant الأمين العام الثالث للأمم المتَّحدة (6)، وهو أول أمين عام من آسيا من بلاد بورما Burma الواقعة في جنوب شرق آسيا، والذي شغل منصب الأمين العام من 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1961م إلى 1 يناير/ كانون الثاني 1972م، أن يستمر في العمل بالمنظمة الدّوليّة بعقد تبرمه معه الأمم المتَّحدة مباشرة، إلاّ أنه فضل العودة إلى أرض الوطن بعد أن اعتذر إلى السّيّد يُو ثَانْتْ (1909م – 1974م) الذي ربطته به علاقة وطيدة.

ويذكر أن السّيّد يُو ثَانْتْ كان قد قبل دعوة الدّكتور وهبي لزيارة المملكة الِلّيبيّة والتي كان من المقرر أن تتم في الخامس من نوفمبر/ تشرين الثاني 1969م. وقد ذكر الأستاذ بشير السني المنتصر (وزير الدّولة لشئون رئاسة مجلس الوزراء الأسبق) ذلك في مذكراته، وقد أُلغيب الزيارة بعد واقعة إنقلاب الأوّل من سبتمبر، وعن هذه الحادثة يحدثنا المنتصر، فيقول: ".. عند حوالي السّاعة الرّابعة صباحًا من يوم الاثنين 1 سبتمبر/ أيلول 1969م رن جرس الهاتف في بيتي فاستيقظت، إذ كنت أتوقع مكالمة في ساعة متأخرة من الليل من السفير الِلّيبي لدى الأمم المتَّحدة بنيويورك الدّكتور وهبي البوري لتأكيد تفاصيل زيارة المستر يُو ثَانْتْ الأمين العام للأمم المتَّحدة إلى لِيبَيا يوم 5 نوفمبر/ تشرين الثاني، وهي التفاصيل التي سبق لي دراستها مع رئيس الوزراء السّيّد ونيس القذّافي..".

وفي جانب آخر، يذكر أن الإنقلابيين كانوا قد عرضوا على الدّكتور وهبي البوري – بعد سنوات من إستيلائهم على السّلطة – عدة وظائف رسميّة، ولكنه رفض أن يقبلها واعتذر لمن تقدموا له بها بذكاء ودبلوماسيّة، وحينما دعاه صديقه الحميم الدّكتور على أعتيقة للعمل معه في منظمة (الاوابك) قبل على الفور وعمل مستشاراً بالمنظمة في مقرها بدولة الكويت لمدة سبع سنوات متواصلة.

كَلِمَتَه قَبْل سَنَة وَشَهُوْر مِن الإنْقِلاب

سجل الدّكتور وهبي أحمَد البوري رئيس البعثة الِلّيبيّة الدّائمة بالأمم المتَّحدة، حديث خاصّ للإذاعة الِلّيبيّة بمناسبة الذّكري السّادسة عشر لإستقلال لِيبَيا، وأُذعت كلمته يوم 24 ديسمبر/ كانون الأول 1967م، ونُقل نص الكلمة مكتوباً في عدد مجلّة (الإذاعة) الصادر في ديسمبر/ كانون الأوّل 1967م. (أَنظُر إِلَى المِرفَق رَقِم 2)

وجاءت كلمة البوري – نقلاً عن المجلّة المذكورة – كمَا يلي:

بسم الله الرحمن الرحيم
(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ
فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).

تحتفل لِيبَيا اليوم بعيد إستقلالها السّادس عشر، وهي ذكرى عزيزة تثير في نفس كل ليبي مزيجاً من الانفعالات والذّكريات، وتدفعنا إلى تقييم ما حققناه من مكاسب وما تحصلنا عليه من إنجازات في هذه الفترة القصيرة. وتعود بنا إلى الوراء لنذكر فداحة الثمن الذي دفعه الشّعب الِلّيبي في سبيل حريته وضراوة المعركة السّياسيّة التي خاضها من أجل إقرار حقه وفرضه على المجتمع الدّولي.

وقد نص قرار الجمعيّة العامّة للأمم المُتَّحدة رقم 289 المتخذ في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 1949م في فقرته الثالثة بأن يقرر دستور لِيبَيا بما فيه نوع الحكومة بواسطة ممثلي السُكّان فِي برقة وطرابلس وفزّان الذين يجتمعون ويتشاورن في شكل جمعيّة وطنيّة. وقد تكونت الجمعيّة التأسيسيّة الوطنيّة فعلاً وانتقلت في 2 ديسمبر/ كانون الأوّل 1950م بكامل هيئتها إلى بَّنْغَازِي لترفع إلى جلالة الملك المعظم أوّل قرار اتخذته، وهذا نصّه:

"نحن ممثلي شعب لِيبَيا من برقة وطرابلس الغرب وفزّان المجتمعين بطرابلس الغرب في جمعيّة تأسيسيّة بإرادة الله والمزودين بالصلاحيّات الكاملة المعترف بصحتها واستيفائها الشكلي القانوني، والعازمين على تأليف إتحاد بيننا وتكوين دَوْلَة إِتِّحَادِيَّة دِيْمُقْرَاطِيَّة وَذَات سِيَادَة نِظَام الْحُكْم فِيْهَا مَلِكِي دُسْتُورِي. نستهل عملنا بحمد الله وشكره على ما قد مَنَّ علينا من نعمة في تحرير بلادنا وإستقلالها، وأننا اعترافاً بإخلاص صَاحِب الْسُّمُو السَّيِّد مُحَمَّد إِدْرِيْس المَهْدِي السُّنوُسي أمير برقة المعظم وجهاده الطويل المثمر لخير لِيبَيا وشعبها وتحقيقاً لرغبة الشّعب العامّة ، وإقراراً للبيعات الشرعيّة السّابقة التي صدرت من ممثلي الشّعب الشرعيين لسموه، وحرصاً على سعادة بلادنا وإتحادها تحت تاج ملك نجد فيه المثل الأعلى للصفات التي يتطلبها هذا المنصب السامي، فأننا ننادي بسُّمُو الأمير محَمّد إدريس المهدي السُّنوُسي أمير برقة المعظم ونبايعه ملكاً دستورياً للمملكة الِلّيبيّة المتَّحدة ونرجو جلالته أن يتفضل ويقبل ذلك.".

فهذه الوثيقة التاريخيّة تعتبر بحق أساس إستقلال لِيبَيا لأنها عبرت عن رغبة الشّعب الِلّيبي وعزمه على الإستقلال وتكوين دولة ملكيّة دستوريّة يتولى عرشها الإدريسي المعظم. وقد عززت هذه الوثيقة قرار الأمم المتَّحدة، وأكدت إصرار الشّعب الِلّيبي وعزمه على الإستقلال والوحدة تحت التاج الإدريسي، ووضعت حداً للملابسات والمؤامرات التي صاحبت القضيّة منذ نشأتها. كمَا أنها مكنت الجمعيّة الوطنيّة من العمل في هدوء في وضع الدستور الذي أُعلن يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل 1951م، والذي اعتبر دستوراً مثالياً استوحي من وثيقة حقوق الإنسان، وقد ضمن للشّعب الِلّيبي حرياته الأساسيّة وسبق إعلان الدستور تشكيل حكومة مؤقتة في أوائل العام شرعت في استلام السّلطات من الإدارتين الفرنسيّة والبريطانيّة باستثناء شئون الدّفاع والسياسة الخارجيّة. وفي 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م، أصدرت الحكومة البريطانيّة أمراً ملكياً بإنهاء الإدارة البريطانيّة في كل من طرابلس وبرقة، وأصدرت الحكومة الفرنسيّة أمراً مماثلاً بإنهاء الإدارة الفرنسيّة في فزّان.

وفي السّاعة العاشرة والنصف من صباح يوم 24 ديسمبر/ كانون الأوّل 1951م، أعلن مولانا الملك المعظم من قصر المنار ببَّنْغَازِي، أن لِيبَيا أصبحت دولة مستقلة ذَات سِيَادَة وذلك بحضور الوزارة المؤقتة ومندوب الأمم المتَّحدة وممثلين دبلوماسيين من الدّول الأجنبيّة وأعيان ووجهاء البلاد. وفي نفس اليوم نٌقلت كل من بريطانيا وفرنسا شئون الدّفاع والسّياسة الخارجيّة إلى الحكومة المؤقتة التي تولت جميع السّلطات منذ هذا اليوم.

وقد حقق الشّعب الِلّيبي في ذلك اليوم التاريخي هدفه الأسْمَى الذي شرع في العمل من أجله قبل أربعين عاماً عندما أخذت مدافع الأسطول الإيطالي تقصف المُدُن الِلِّيبِيَّة في خريف عام 1911م، والذي دفع الِلّيبيّون من أجله ثمناً باهضاً قل أن دفع شعب آخر مثله. ولا نكون مبالغين لدى استعراض مراحل صراعنا الوطني إذا اعتقدنا أن القرن العشرين لم يشهد شعباً ناضل في سبيل حريته أكثر ممّا ناضل الشّعب الِلّيبي ولا شعباً دفع ثمناً أفدح من الثمن الذي دفعه الشّعب الِلّيبي وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار طول مدة الكفاح وعدد السُكّان وقلة الإمكانيات والظروف الدّوليّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت وقلة التأييد والمساعدة من الخارج.

وقد استقلت ليبيا بعد أن ذاقت مرارة إستعمار قاس دام ثلاثين عاماً، وبعد أن دارت على أراضيها معركة تطاحن فيها جبابرة العالم، خربت مدنها ومزارعها وأراضيها، وبعد إدارة عسكريّة عجفاء دامت سبع سنوات.

وواجهت البلاد عهدها الجديد – عهد الحُريّة والإستقلال – وهي في حاجة لأكثر المقومات التي تستند عليها الدولة. فكان دخل الفرد لا يتجاوز العشرة جنيهات في العام، وكان التعليم لايزال يحبو، والإطار الإداري شبه مفقود، والمرافق العامّة مخربة والأطباء، نادرون، والمُسْتَشْفَيِات في حالة يَرْثِى لَهَا، والمِيزانِيَّة العادِيَّة تُعانِي عجزاً يقدر بِسِتَّة ملايِين مِن الدُولارات، ومع هذا فكان الشّعب الِلّيبي سعيداً بأن يعيش على الكفاف في كنف الحريّة وأن يواجه متطلبات الإستقلال بصبر وشجاعة، وقَد علَّمْتُه الأيَّام أَن شظف العيش والحِرمَان إِذَا أَظَلَّتهُما الحُرِّيَّة خَير مِن السَّعَة والرَّفَاهِيَة في ظِل الذُّل والعُبُودِيَّة.

ولكن العالم الخارجي، لم يكن يشارك الِلّيبيّين هذا الشعور إذ كان يراقب بحذر وتخوف مصير التجربة الجديدة التي تتمثل في استقلال لِيبَيا وهي أوّل تَجرِبَة مِن نَوْعِهَا تَجرِي فِي أَفريقيا بعد الحَرب العَالَمِيَّة الثَانية.

وقد صادف يوم استقلال لِيبَيا وقت إنعِقاد الدَّورة السَّادِسَة لِلجَمعِيَّة العَامَّة في بَارِيس، وكان على مندوب الأمم المتَّحدة ومجلس لِيبَيا أن يقدموا تقريرهم إلى الجمعيّة العامّة عن إتمام مهمتهم وإعلان إستقلال لِيبَيا وتنفيذ قرار الأمم المتَّحدة، وقد ركز أغلب أعضاء الأمم المُتَّحدة الذين اشتركوا في المناقشة أمام اللجنة السّياسيّة، ملاحظاتهم في ناحيتين:

الأولى: الإشادة والإعجاب والتقدير للنضوج السِّياسي الذي أظهره الشّعب الِلّيبي والذي تمثل في دستوره المثالي وتنظيمه لحكومته وإدارته وإستلامه وتوليه لسّلطاته في فترة قصيرة ممّا يدل على مبلغ شعوره بمسئولياته التي شرع يواجهها. وتقدير خاص لجلالة الملك الذي استطاع بحكمته وحنكته السّياسيّة أن يحقق للشّعب الِلّيبي أهدافه وأمانيه.

وأود أن استشهد على سبيل المثال بما قاله بعض المندوبين حيث أن المجال لا يسمح باستعراض كل ما دار في تلك الجلسات التاريخيّة. فقد قال مَندُوب بُوْلِيْفْيَا: أن الوقت الذي منح للِيبَيا لتطوير أسسها الدّستوريّة كان قصيراً بيد أن النتيجة كانت سارة، وأن مَنْدُوب الأمم المُتَّحدة والدّول المتولية للإدارة يستحون التهنئة غير أن الشّعب الِلّيبي وملكه وزُعَمَاؤُه هم الذين يستحقون الإطراء والإعجاب بما حققوه.

وقال مَندُوب تركيّا: أن مهمّة إعداد لِيبَيا للإستقلال لم تكن سهلة وقد أمكن التغلب على جميع المشاكل والصعوبات في الوقت القصير المحدد، وبرهنت مساهمة الشّعب الِلّيبي في إعداد الإستقلال على نضوجه السّياسي وعلى أن الجمعيّة العامّة لم تخطيء عندما قررت أن تنال لِيبَيا إستقلالها.

وقال مَندُوب الهند: أنه يهنيء الشّعب الِلّيبي المغوار الذي حارب بصدق من أجل تحرير بلاده ويحي ملكه الذي ساهمت حكمته وزعامته السّياسيّة وخبرته الدّوليّة مساهمة عظيمة في تحرير الدولة الجديدة. وأضاف بأن إستقلال لِيبَيا قد عزز هيبة الأمم المُتَّحدة وجدد الأمل في الشعوب المغلوبة على أمرها في الحصول على حقها الإنساني بالطّرُق السِّليمة.

أمّا الناحية الأخرى التي التقى عندها جميع الخطباء هي أوضاع لِيبَيا الإقتصاديّة والإجتماعيّة الصعبة وعدم استطاعة البلاد التغلب عليها بدون مساعدة خارجيّة كبيرة. وقد ذهب التشاؤم بمندوب (شيلي) إلى القول بأنه إذا لم تبذل جهود بناءة وكثيرة لصالح لِيبَيا فيخشى أن تكون الأمم المُتَّحدة بإقرارها إستقلال لِيبَيا قد سجلت أكبر فشل.

فإذا ما استعرضنا الظروف القاسية التي ولدت فيها لِيبَيا، وتخوف العالم من عجزها عن المحافظة على إستقلالها أو الصمود في وجه الصعاب التي تواجهها، وقارئنا بين هذه الظروف ما حققناه اليوم لنشعر بالغبطة والاعتزاز لأن الشّعب الِلّيبي قد استطاع رغم كل العقبات أن يكون بعد ستة عشر عاماً دولة مزدهرة مستقرة أذهلت العالم بإنجازاتها ومكاسبها في جميع الميادين.

وأننا نقلل من جهودنا ومجهوداتنا إذا اعتقدنا نحن أو جعلنا الغير يعتقد أن ما حققناه كان نتيجة مباشرة لاكتشاف الذهب الأسود، أن دخل البترول قد دفع عجلة نمونا وتقدمنا دفعاً جباراً غير أن شعبنا استطاع قبل اكتشاف البترول، وقبل دخول وارداته إلى خزينة الدولة أن يحقق الأسس والمرافق التي قامت عليها نهضتنا الحاليّة.

ففي الفترة ما بين عام 1952م و 1958م أي قبل أن تصل واردات البترول إلى خزينة الدولة قد استطعنا أن نعيد إلى بلادنا ملامحها الطبيعية ونزيل عنها أثار الحرب والخراب وحققنا الكثير من المشاريع مثل: إصلاح الطرق والموانيء والمطارات، والتوسع في إنشاء المدارس والمستشفيات، وتأسيس الجامعة الِلّيبيّة وبنك لِيبَيا والبنك الزراعي ومؤسسة التأمين الإجتماعي، وإعادة إنشاء مدينتي بَّنْغَازِي وطبرق، وازدياد العمران في مدينة طرابلس، وتحسين الزراعة والتوسع في الصناعات الصغيرة، وإصدار الكثير من القوانين المنظمة لمختلف أوجه نشاطنا الإقتصادي والإحتماعي وغير ذلك من الإنجازات التي لا يمكن حصرها في هذه العجالة.

أن مُجرَّد إلقاء نظرة على إحصائياّت التعليم عام 1958م لتشعرنا بأن الخطّوات التي حققتها لِيبَيا في طريق نموها في هذه الفترة وبدون دخل البترول كان بفضل جهود أبنائها وعملهم وعزمهم على خلق دولة حديثة مزدهرة جديرة بما بذلوه من تضحيات فِي سَبيل قِيَامِهَا.

وقد ورد في نشرة خاصّة أعدها مكتب المساعدة الفنيّة التابع للأمم المُتَّحدة حول لِيبَيا، ما يلي: أن العهد الجديد فِي لِيبَيا جاء نتيجة للتصميم والتعاون والثروة. ويمثل هذه الثورة اكتشاف النفط وهو حدث وقع في عام 1959م وترك أثره الملموس الأوّل في الميزانية الوطنيّة الِلّيبيّة في أوائل عام 1962م.

ولا يوجد شك في أن هبة الطبيعة هذه هي العامل الكبير لمظهر لِيبَيا الإقتصادي الجديد، ولكنه على كل حال، ليس العامل الوحيد لأنه لولا المجهود البشري الغير اعتيادي الذي رافق هذا التطور لما كان لعامل البترول وحده أن يحصل على أهميته الحاضرة.

والسّلام عَليكم ورَحَمْة الله وبَرَكاتُه.

(انتهَت كلمة البوري بمناسبة الذّكري السّادسة عشر لإستقلال لِيبَيا)

حقاً، أنّها كلمة رائعة تستحق القراءة بِتَمَعُّن والوقوف عندها طويلاً.. فهي كلمة تُؤَكِّد لَنَا بِوُضُوْح تَام ما خسره الشّعب الِلّيبي من جرَّاء التقليل من شأن الرِّجَال المخلصين الأوفياء.. والحط من قدر إنجازات عظيمة في عهد عظيم.. والتعالي على تاريخ لم يشهد القرن العشرين مثيلاً له فليس هناك من شعب ناضل في سبيل حريته أكثر ممّا ناضل الشّعب الِلّيبي ولا شعباً دفع ثمناً أفدح ممّا دفع.. فلولا الجحود والنكران ما كان للجموع الطيبة الغافلة أن تقع في شباك العصابات السّياسيّة.. وما كان لكارثة الأوّل من سبتمبر/ أيلول 1969م أن تحل بوطننا بعد أن كان الوطن قرية أمنة مُطمئِنَّةً يأتيها رِزقُها مِن كُلِّ مكان، فأذاق الله النَّاس بسبب جُحُودِهِم ونكرانهم لِباسَ الخوف والجوع وعدم الاِطْمِئْنَان... حقاً، أنها كلمة عظيمة قيلت في مناسبة أعظم ألا وهي ذكرى الإستقلال.

وإذا كان جائزاً القول إن الدّكتور وهبي البوري لم يكتب في حياته إلاّ هذه الكلمة فحسب لقلنا قد كَفى الرَّجُل ووَفَى لأِن كلمته جاءت جامعة وافيه في وزن كتاب.. وسرد فيها من الحقائق والوقائع ما يجعل كل ليبي يعتز بتاريخه ويفتخر. وَلَكِن، الرَّجُل تَرَك لَنَا أكثر منها بكثير فقد ترك للمكتبة الِلّيبيّة التاريخيّة والإجتماعيّة ما أغناها من أعمال، فكان وفَاؤُه لِلثَقَافَة عَظِيماً ووفَاؤُه لِوَطَنِه أَجَل وأَعظَم.

كِتَابَاتِه وَمُؤَلَّفَاتِه

لقد أمضى الرّاحل الكبير الدّكتور وهبي البوري حياة زاخرة بالمساهمات والإنجازات فقد عمل في (إذاعة روما) الناطقة بالعربيّة، ثمّ (إذاعة فلسطين)، ومراسلاً صُحُفِيّاً للجامعة العربيّة فِي عهد رئاسة عبْدالرّحمن عزّام التي استمرّت من 1945م إلى 1952م، ولكن بدايته في الصحافة كانت مع الصحافة الليبيّة، ومع صحيفة (لِيبَيا المُصَوّرَة) تحديداً. وبالرّغم من قلة أعماله القصَصِيّة إلاّ أنّه يعد بحق هو الرّائد الأوّل لِفن القِصّة القصيرة فِي لِيبَيا.

أَبْعَدَه الإِنْقْلابِيُّون عن مجالات العمل الدُّبْلُومَاسِي والسِّيَاسِي فَاستَقَر فِي مدينة بَّنْغَازِي من عام 1970م إلى عام 1979م حيث عُيِنَ في هذا العام مستشاراً في العلاقات الدّوليّة بمنظمة (الاوابك) المصدرة للبترول في دولة الكويت. وقد رشحه لهذه الوظيفة، الدّكتور علي اعتيقة وزير النفط في العهد الملكي بلِيبَيا والأمين العام لمنظمة (الاوابك)، واستمر في عمله كمستشار بالمنظمة من تاريخ تعيينه حَتّى تاريخ تقاعده في عام 1986م، حيث عاد في هذا العام إلى مدينته بَّنْغَازِي واستقر بها حَتَّى سَاعَة وَفَاتِه.

الدّكتور وهبي البوري أوّل من كتب القِصّة القصيرة بلِيبَيا، حيث نشرت له مجلة (لِيبَيا المُصَوّرَة) التي أسسها في عام 1935م الأستاذ عُمر فخري المحيشي (1898م - 1942م)، في عددها الصّادر في أكتوبر/ تشرين الأول 1936م، أَوْلَى قَصَصِه المُعَنْوَنَة بِإِسم (لَيْلَة الْزِّفَاف)، وهي القِصـّة التي يعتبرها المؤرخون والنقاد فِي لِيبَيا – أوّل قصـّة لِيبيّة متكاملة فنياً في الأدب اللّـيبي المعاصر. ويذكر أن قصّة البوري جاءت بعد ثلاث سنوات فقط من كتابة نجيب محفوظ الحائز على جائزة نُوَبِّل لِلأدَب لِمَجْمُوْعَتِه القَصَصِيَّة الأُوْلَى.

ترجم البـوري مقالات وكتب عن الإيطاليّة إلى العربيّة، وقدّم عدة تقارير صحفيّة للصحافة الليبيّة كمَا أعد صفحة تسالي (الكلمات المتقاطعة) في ثلاثينات القرن الماضي، وكان هو أوّل من أدخلها إلى الصحافة الليبيّة، وربّما إلى الصحافة العربيّة بشكلَ عام. عمل كإعلامي عربي في روما من خلال إذاعة إيطاليا، وإذاعة فلسطين التي تُعرف بـ (إذاعة العرب) والتي كانت تبث مِن رُوْمَا وَمِن أَحْرَاش غَابَات يُوَغُسْلافْيَا. كان البوري مسئولاً علي نشرة الأخبار في الإذاعة حيث كان يقوم بقراءة ما تكتبه وكالات الأنباء كلها فيأخذ منها الأخبار ثمّ يترجمها ويعدها ويذيعها على المستمعين. وعمل أيضاً في مكتب فلسطين في الجامعة العربيّة بعد تأسيسه لقسم الإعلام، ووكالة أنباء فلسطين، وكان ذلك عقب الحرب مباشرة حيث سيعود إلي بلاده لِيبَيا ليشارك في مناصب سياسيّة ودبلوماسيّة تجعله علي صلة بالكثير من حكام العالم من أمثال: نهرو وكنيدي وجمال عبدالنّاصر، إلى صلته بخبراء ومثقفين من دول مختلفة من العالم.

وأثناء إقامته بالكويت من عام 1979م إلى عام 1986م، كتب لِصُحُف ومجلات كويتيّة وأردُنِيّة، وهي كالتالي: (العربي) المجلة الكويتيّة الشهيرة، (الإداري) المجلة الكويتيّة، (الأنباء) الصحيفة الكويتيّة، (الرأي) الصَّحِيْفَة الأردُنِيَّة، بِالإضَافَة إلى النشرة الشهريّة التي تصدر عن منظمة الأقطار العربيّة المصدرة للبترول، ومجلة بتروليّة تصدر عن نفس الجهة. وألف كتابين حول البترول وصلته بالعلاقات بين الدُّوَل، وَهُمَا: (البترول والعلاقات العربيّة والإفريقيّة)، (النفط في العلاقات العربيّة والدّوليّة) اللذان أصدرتهما منظمة الدُّوَل العربيّة المصدرة للبترول، وقد ترجم الأوّل إلى اللُّغَتَين الإنجليزيّة والفرنسيّة.

وبعد عودته من الكويت عام 1986م، تقاعد، وتفرغ للكتابة والتأليف. ونشر مقالاته المتنوعة في المجلاّت الَلِّيَبِيَّة، التَّالِيَة: الثَقَافَة العربِيَّة، الفُصُول الأربعة، لا، تُراث الشَّعْب، المُؤْتَمَر.

وأصدر له مجلس الثقافة العام بلِيبَيا كتاباً، بعنوان: (بَّنْغَازِي فِي فترة الإستعمار الإيطالي) حيث صدرت طبعته الأولى عام 2007م وطبعته الثانيّة عام 2008م. كمَا أصدر له نفس المجلس عام 2008م كتاباً تحت عنوان: (مُجْتَمَع بَّنْغَازِي فِي النِّصف الأوَّل مِن القَرْن العِشْرِيْن). وقد أصدرت له مؤلفات أخرى، من بينها: (بواكير القِصّة الليبيّة) الصَّادِرَة عَام 2004م، و(بَنَّك رُوْمَا والتَّمهِيد لِلْغَزْو الإيطَالِي) الْصَّادِرَة عَام 2007م.

وترجم عدة كتب من الإيطاليّة إلى العربيّة:

- كتاب: (الحرب الليبيّة 1911م- 1912م) لفرانشيسكو مالجيري.
- كتاب: (الكفرة الغَامِضَة) لدانتي ماريا توتينيتي.
- كتاب: (ببلوغرافيا لِيبَيا) للكاتب الإيطالي تشكي الذي جمع فيه ثلاثة الآلف عنوان عن ليبيا قبل عام 1914م.
- كتاب: (حَيَاة: أنريكو ماتي) رائد البترول فِي لِيبَيا.

تَكْرِيْمُه (7)

أقام المركز الثقافي الإسلامي فِي نُيُويُورْك فِي شهر يونيه/ حزيران من عام 1970م حفلاً كرَّم فيه الدكتور وهبي البوري قَبل مُغَادَرَتِه لنُيُويورُك وعَودَتَه إلى لِيبَيا، نظراً لما قدّمه من خدمات جليلة للجالية العربِيَّة والمُسَلَّمَة فِي الوِلايات المُتَّحدَة الأمريكيَّة، ونُيُويورُك علَى وَجْه التَّحدِيد. حَضَر الاحتفَال عدد من السُّفَرَاء ومشايِخ المساجِد، ورئيس وأَعضاء الجمعيَّة العَامَّة لِلمَرْكَز الثَّقَافِي الإسلامِي فِي نُيُويُورْك بِالإضَافَة إِلَى كِبَار المُوظَّفِين بِالمدِينَة. وقُدِّم المَركَز فِي نهاية الاحتِفَال، تِذكَار لِلدُّكتُور وَهَبِي، مَكْتُوب علَى لَوَّحَتْه المعدِنِيَّة، كَلِمَات بِاللُغَة الإنجِلِيزِيَّة، تَرجَمَتِهَا علَى النَّحو التَّالِي:

المَركَز الثَّقَافِي الإسلامي فِي نُيُويُورْك

يُقَدِّم إِلَى مَعَالِي الدُّكتُور وَهَبِي البُورِي سَفِيْر الجُمهُورِيَّة العربِيَّة الَلِّيَبِيَّة لِلأمَم المُتَّحِدَة ورَئِيس مجلس الأمَنَاء، التَّقْدِير الصَّادِق عَلَى خِدمَاتِه وإِسِهَامَاتِه المُكَرَّسة غير الأنَانِيَّة لِلجماعَة الإسلامِيَّة في نُيُويُورْك.

يونِيْه 1970م

(أَنظُر إِلَى المِرفَق رَقِم 3)

وجَاء التَّكْرَيِم الثَّانِي للدّكتور وهبي البُوري في شهر نوفمبر/ تشرين الْثَّانِي من عام 2009م. أقيمت مساء يوم الثلاثاء 17 نوفمبر/ تشرين الثَّانِي 2009م ضَمَّن الفَعَّالِيَّات الثَّقَافِيّة لِمَعرض الكِتاب الدّولي بمدينة بَّنْغَازِي فِي دَوْرَتَه الْتَّاسِعَة والذي أقيم في الفترة الواقعة ما بين 10 نوفمبر/ تشرين الْثَّانِي 2009م و 21 نوفمبر/ تشرين الْثَّانِي 2009م، أمسية إحتفائية بالدّكتور وهبي البوري. وقد حضر هذه الإحتفائيّة جمع غفير من الأدباء والكتّاب الِلّيبيّين بعضهم أتى من مدن بعيدة عَن بَّنْغَازِي للمشاركة في تكريم هذا الْرَّجُل الذي عُرِف بوطَنِيْتِه ونَزَاهَتِه وعَطَائِه الدَّائِم المستَمِر، وافْتَتَحَهَا القَاص مُحَمَّد عَلِي جَاب الْلَّه الشويهدي رئِيس دار الكُتُب الوطنيَّة.

وَفَاتِه (8)

وبعد أن دخلت أوضاع الدّكتور وهبي الصحيّة في مرحلة التعب، وضعف سمعه وبصره، وتَعَدَّى مِن الْعُمْر التسعين عَامّاً، أصر ألا يتوقف عن الكتابة ويُنجز كتباً أخرى – حتى لو حوت بعض الأخْطَاء وَالْسَّهْو وَالْنِّسْيَان – وأمله كان عظيماً في القَارِيِّء المُحّتَرَم الذِي سوف يعذِرُه حينما يقع نظره على هذه الأخْطَاء فَيُصَحِّح ما يَجِب تَصحِيحِه ويضيف إِلَى سَردِه ما يُفِيد.

قَرَّر مُوَاصَلَة مِشْوَار الكتابة بالرّغم من كُل ما هُو فيه، وعين سيدّة فلسطينيّة كسكرتيرة تقرأ له الجرائد والكتب.. وتُأرشف أوراقه.. وتُنَظِّم مكتبته.. وتكتب ما يرويه لها ويَسْرِد.

وفي يوم 19 مايو/ أيار 2010م أي قبل يوم واحد من دخوله إلى مصحة المروة، كان قد أتم المراجعة النهائيّة لكتابه الجديد: (عُمَر المُخْتَار وغِرَّاسْيَانِي) الذي لايزال تحت الطبع حَتّى اللحظة، وأعاده إلى المطبعة بتصحيحاته ولمساته الأخيرة عليه. حَقَّق الْلَّه مَا تَمَنَّاه البُورِي، مِن أَن يُكَمِّل كتابه عن شيخ الشُّهَدَاء عُمَر المُخْتَار قَبْل أَن يَرحَل عن هَذِه الفَانِيَة. وهذا ما رَوَتْه الأستاذة هِنْد الهوني في مقالتها عن الرّاحل الكبير، حيث نقلت عنه، قوله: {.. أَنَّنِي أجهز في كتاب عن شيخ الشُّهَدَاء عُمَر المُخْتَار مع إن نظري لا يسمح لي ولكني استعنت بمن يساعدني على تدوين ما أَدْلَى بِه وكُل ما يُفِيد الكتاب وإِنِّي مُصر على استكماله حَتَّى تَتَوَفَّانِي المَنِيَّة..}م5.

أمّا الأستاذ مفتاح الشّريف صديقه الوَفِي، فقد قال: ".. لم يلق البوري بالقلم من يده، حتّى وهُو في ذروة عمره المديد، فأضاف بإصداراته التي أغنت المكتبة التاريخيّة والإجتماعيّة، فَكَان وَفَاؤُه لِلْثَقَافَة لا نَظِيْر لَه..". وختم قوله بما كان يَتَمَنَّاه مِنْه حيث قال: ".. كم كنت متلهّفاً على أن نقرأ للدّكتور وهبي البُوري مذكّراته السّياسيّة عن الأحداث المفصليّة التي شكّلت جسم الدولة الليبيّة الحديثة، ولكن وجودنا في الغربة القسريّة حال بيننا وبين أن نحثّه على ذلك، فربّما ترك وراءه ما يشفي الغليل وينير مسالك الضالّين..".

ولابُد مِن أَن أُضيف هُنا من عِندِي، على ما تمنَّاه الأستَاذ مفتَاح الشَّرِيف، شيئاً، فَأَقُول: لابُد أَن يشرع كل صَاحِب تَجرِبَة إِنسانِيَّة فِي تَسَجِيِل ذَاكِرَتِه ولا ينتَظر كل هذا الزَّمن آملاً أَن يتَحصَّل على وثَائِق لَيس مِن السَّهل الحُصُول علَيها، ولا يعرف متَى تَكون بِحوزته. فعمر الإنسان قصير، والصِّحّة قد يُصيبها – وفي أيّ لحظّة من الوقت - ما يُلغي مشاريع كان الإنسان يطمح في إنجازها قبل أن تتوفاه المَنِيَّة، ولذا، من المُستحسن بل من الواجب أن تُنجز الأعمال الهامّة قبل فوَات الأوَان.

ومَع الإقرار بأهميّة الوثائق، لابُد مِن أن نُؤّكد أَيَضَاً بأنّها لا تَحمل أحياناً فَي طَيَّاتِهَا كُل شَيْء، ولا يُمكن الاعْتِمَاد عَلَيْهَا دُون الرُّجُوع إِلَى الأشخاص الّذين عَايْشَوا الحدث وَكَانُوْا شُهُوَدَاً عَلَى مَا جَرَى وكان. فَكثيراً، ما تَجِد فِي الوثَائق وِجهَة نَظَر كَاتِبُهَا وهي لَيست بِالضَّرُوُرَة التَّفسير الصَّحِيح لمَّا كَان، أَو تَجِد فِيهَا وِجهَة نَظَر رسمِيَّة واحدة ولا تجد وجِهَات نَظَر أُخرى لأطراف ذَات صِلَة بِالموضُوع.

وفِي النِّهَايَة، التُّرَاث الشَّفَهِي وثِيق الصِّلَة بِالتَّاريخ، بل هُنَاك مَن يرى أَن التَّارِيخ المُدوَّن وُلِد في أَحضانه. فَلابُد إِذَن مِن تَسجِيل الذَّاكرة والتَّارِيخ الشَّفَهِي واستعماله بِاعتباره مصدراً تَاريخيّاً، فَبِالإِمكَان مِن خِلال هذا التُّرَاث تَلَمُّس الحَقَّائِق، ومعرفَة معلوّمات نفيسة لا نجدها في الوثَائق الرَّسميَّة. وبِالإِمكان أَيضاً مُقَارنَة الرِّوايات الشَّفَهِيَّة المُسجَّلَة بِالوثَائق الصَّادِرَة عن جِهَات مُختلفَة، وهذا يُثْرِي ويُغنِي المادَّة التَّاريخيّة.

وَهَذَا, ما حَذَا بِالدُّكْتُور عبدالله بن إِبرَاهِيْم العسكَر إِلَى التَّنوِيه بأَهمِّيَّة هذِه المَسأَلَة فـي دِرَاسة نَشَرَهَا في مجلَّة: (الدرعيـــة) فِي عَدَدَيهَا [39] و[40] فَقَال:

".. إِن التُّراث الشَّفَهِي وثيق الصِّلَة بِالتَّارِيْخ، ذَلِك أَن الأوَّل يُعَد مِرْآَة المَرْحَلَة الحَضَارِيَّة التِي يعيشها النَّاس، وهُو يُعَبِّر عن أَفْكَارِهِم وعواطفَهُم، كَمَا أَنَّه يُصوِّر شَيئاً غير يسير مِن النَّظْم الاقْتِصَادِيَّة وَالإجتماعِيَّة والسِّياسيَّة والثَّقَافِّيَّة السّائدة، بل إِن بعض الباحِثِين يعتقد أَن التَّارِيْخ المُدوَّن وُلِد فِي أَحْضَان التُّراث الشَّفَهِي..".

ومن جديد، وفي مساء يوم الخميس الموافق 20 مايو/ أيار 2010م، دخل الدّكتور وهبي البوري إلى مصحة المروة في مدينة بَّنْغَازِي أَثَر وَعْكَة صِحِّيَّة أَلَمَّت بِه، وَتَوَفَّاه الْلَّه يَوْم الاثنين 25 جمادى الآخرة 1431 هجري الموافق 7 يونيه/ حزيران 2010م عن عمر بلغ الرّابعة والتّسعين سنة، بعد رحلة مُعاناة مع المرض، ولكنه كان دائماً ثابت الجنان راضياً مُستَسلِماً بِقَضَاء الْلَّه وقَدَرِه.

وشُيِّع جُثْمَانِه الطَّاهِر جمع غفير من النَّاس شمل أَطْيَاف مُخْتَلِفَة من الوسط الأدبي الثَّقَافِي الِلّيبي، بعد صلاة الظهر من يوم الثلاثاء 26 جمادى الآخرة 1431 هجري الموافق 8 يونيه/ حزيران 2010م. ودُفِن بمقبرة (الهواري) جنوب مدينة بَّنْغَازِي. وأُقِيَمّت لَيَالِي العزاء، في مَنزِلِه الكَائِن في ِالفويهاتِ بشارعِ دبي أو " الواقع في الزاوية على مطل الشارع الذي كناه رواده بشارع دبي" كما وصف مقر سكنه الأستاذ أحمَد الفيتوري. وقد توافد على بيته كافة أبناء مدينة بَّنْغَازِي وعدد من أبناء الوطن من كَافَة المُدُن اللِّيبِيَّة.

وقد نعته رابطة المثقَّفين والكُتّاب الليبيين التي تأسست عام 1997م، في بيان (9) صدر عنها بتاريخ 25 جمادى الآخرة 1431هحري الموافق 8 يونيه/ حزيران 2010م، جاء فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم
رابطة الْمُثَقَّفِيْن وَالْكُتَّاب الِلّيبيّين
The league of Libyan Intellectuals and Writers

تنعي رابطة المُثَقَّفِيْن والكُتَّاب الِلّيبيّين إلى الشّعب الِلّيبي وفاة الدّكتور وهبي أحمَد البوري الذي وافته المنية بمدينته، التي أحب، بَّنْغَازِي، يوم الاثنين للسّابع من شهر يونيو 2010م.

وغني عن القول أن الدّكتور البوري أحد أبرز معالم ووجوه الوطن التي يُتباهىَ بها على أصعدة الدّبلوماسيّة والسياسة، والثقافة والأدب، حيث يُعدُّ من أحد معالم السياسة الِلّيبيّة في تاريخها الحديث، بما تشرّف به من تحمل لمسؤولية تمثيل لِيبَيا أمام دول وحكومات العالم عبر عقود طويلة، في الوقت الذي كان يُعدّ فيه أحد بُناة كيانها الثقافي من خلال ريادته وإسهاماته في مجال القِصّة بخاصّة وفي عالم الترجمة والتأريخ بعامّة. ولم يتوقف عن العطاء والإبداع الثّقافي والأدبي حتّى آخر أيام حياته، حيث كان لحضوره الشخصي وإسهامه المؤثِّر على الساحة الثقافيّة الِلّيبية الأثر الطيب والنافذ في عقول متتبعي الحركة الأدبيّة الِلّيبيّة المعاصرة وبخاصّة جيل المبدعين الشباب، وذلك منذ ثلاثينيات القرن الماضي وإلى حين أقعده المرض في المرحلة الأخيرة من عمره الذي وهبه لحب وخدمة لِيبَيا عبر العقود ومن خلال إسهاماته وعطاءاته الثّقافيّة والسّياسيّة والدّبلوماسيّة التي لم تنقطع، والتي كانت جميعها تتشرف بعطاءاته الجمة التي لا حدود لها.

تغمَّد الله الفقيد بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته وجزاه الله عن عطاءاته الطيبة فِي سبيل لِيبَيا خير الجزاء.

رابطة المُثَقَّفِيْن والكُتَّاب الِلّيبيّين
25 جمادى الآخرة 1431هجري.
8 يونيه/ حزيران 2010م.

الخَاتِمَة

حينما نستعرض ماضي الدّكتور وهبي البوري وما بذله من جهود سنيّة عظيمة في خدمة وطنه ومواطن بلاده، لا ننسى أن الأحرار من أبناء لِيبَيا والأوفياء من أبناء بَّنْغَازِي مدينته التي أحبها بصدق وعشقها بشكل خرافي، قدروا إسهاماته وتضحياته حق قدرها وتواصلوا معه وقتما ضرب الإِنْقْلابِيُّون عليه وعلى أبناء جيله من بناة دولة الإستقلال، الحصار والتضييق والمؤامرة تلو المؤامرة لتشويه سيرة هؤلاء الرِّجَال الصَّنَادِيْد العِظَام والغَطَارِفَة الكِرَام أَو جر أرجلهم إلى مستنقع سياساتهم القذرة حتّى لا يبقى للِيبَيا رجالاً تفتخر بهم وتتخذ من سيرتهم المثال الذي يُقْتَدَى بِه.

لم يخن الدّكتور وهبي البُوري العهد الذي قطعه مع السَّيِّد إِدْرِيْس أميراً وملكاً، ولم يتنازل عن مبدأ أمن به، ولا حابى يوماً من جلبوا للوطن الخراب والدَّمَار وأَكثرُوا فيه النِّفَاق.

إِذَا المَرْء فِي دِيَن وَعَرَض وَمَبْدَأ *** تسَامح أَو حَابَى فَلَيْس بِإِنْسَان (10)

لم تغير المناصب في أخلاق الدّكتور وهبي البوري شيئاً، ولم يرض يوماً على نفسه بأن يستغل موقعه الرّسمي لغرض شخص أو لِمَنَافِع خَاصَّة يُقَدِّمُهَا علَى صَالِح الوَطَن ومَصلَحَة المَوَاطِن. وهذا ما جعله محل احترام الجميع في حياته.. ويجد الأيدي مرتفعة إلى السماء داعية له بالشفاء في ساعات مرضه، ومرتفعة إلى السماء بعد وفاته تطلب من المولى عز وجل أن يغفر له ويرحمه ويدخله جنات عرضها السَّمَاوَات وَالأرْض.. ورأى الجميع كيف تتنافس الأقلام الشّريفة على خط سيرة حياته وتسجيل ما سَمِعُوه مِنه من رِوَايَات وذّكَريِات.

يِبَيـد الـزَمـان وَمُدَّتِه *** وَتَفْنَى الْخَلائِق جَدَّتِه
تُطْوَى الْدُّهُور سَجِّل الْحَيَاة *** وَتُبـقَى مِن الْمَرْء سـيَرْتَه (11)

حقاً، لقد عاش الدّكتور وهبي البوري رجلاً، ومضى رجلاً.. وهو تاريخ في رجل، ورجلُ ساهم في مجالات عدة وترك بصماته في كلّ مكان عمل به.

كان رحمه الله يمتلك ذاكرة حديديّة ويفتح بيته إلى كلّ باحث جاد يعمل من أجل إظهار الحقيقة وإنصاف الرِّجال الذين قدموا للِيبيَـا كل ما أستأمنه الله عندهم.

ولم يكن البوري ليبياً فحسب بل كان قلبه ينبض بحُب لِيبَيا والدعاء لها.. ولم يسكُن بَّنْغَازِي كَكَثِيرِين سكَنُوها إِنَّمَا بَّنْغَازِي سكَنَتْه. عاش فقيدنا مهمُومِاً بقضايا الوطن ومتحسراً على ما جره إنقلاب سبتمبر 1969م من كوارث ونكبات عليه حيث أوقف أولئك الإِنْقْلابِيُّون مسيرة بناء عظيمة أسس لها رجال مُخلِصُون من بُنَاة دولة لِيبَيا الحديثة. وعاش على أمل مثل الكثيرين مِن مُحِبِّي الوطَن ورافضي النِّفَاق ومُجْتنبّي الحَرَام أن يخرج وطننا من محنته الجاثمة على صدره منذ أربعين عاماً، فشاءت الأقدر ألا يحي لحظة الانفراج التي انتظرها طويلاَ لكنه ترك في نُفُوسنَا أَمَل رَاسِخ مُتَجَدِّر بعودة زمن العدل والحُرِّيَّة والمُسَاوَاة مهِما طال الوقت أو قصر.

وفِي المُنتَهى.. رحل البوري عنا ولكن ستبقي مساهماته في بناء دولة لِيبَيا الحديثة ومواقفه وكتاباته خالدة بأذهاننا عبر الأجيال المقبلة. فقد خَلَف البُوري ".. رصيداً خالداً على مر الزمن، وعاش قرناً زاخراً بالعطاء في هُدُوُء وبِدُون ضَجِيج"، كمَا قال القاص الِلّيبي أحمَد يُوسُف عقيلة.

وحتماً.. سيبقى عطر الأحباب باقياً يملأ زوايا الحياة بالتصميم والإرادة وحبّ الخير.. وبأرقى أنواع العُطُوْر وَأَزْهَى ألوَان الزَّهــــوَر.. فَالذي يرحل عَن الدُّنيا ويترك ورائه سِيرة طَيِّبَة وأَعمال جَلِيلَة مِثْلَمَا تَرَك الدُّكْتُور وَهَبِي البُورِي لَن تَمُوت أَعمالِه وسِيرتِه إِلَى أَن يفنى الدَّهر.

تَرَكْت ذَكَرَاً فِي بِلادِك *** وَالذِّكْر بَعْد الْمَوْت عُمَر (12)

رحم الله الدّكتور وهبي أحمَد البوري رحمة واسعة، وسلام وتحِيَّة إِلَى رُوْحَه فِي عَلْيَاء ملكُوْتِهَا.

  

مِرْفَق الْوَثَائِق:

الوَثِيقَة الأولَى: هذه الوثيقة، سبق وأن نشرها الدّكتور محَمّد محَمّد المفتي في مقالته: (الدّكتور وهبي البوري في ذمـة الله)، في موقع: (لِيبَيا المستقبل) بتاريخ 9يونيه/ حزيران 2010م. الوَثِيْقَة الْثَّانِيَة: جُزء مِن الصَّفحة الأولَى (نُسْخَة)، عن مجَلَّة: (الإذَاعَة) الصَّادِرَة فِي دِيسمبِر/ كَانُون الأوَّل 1976م، الْخاص بِكَلمة الدُّكتُور وَهَبِي البُورِي فِي الذِّكرى السَّادِسَة عشر لإِستقْلال لِيبَيا. ويُذكَر أَن الأسْتَاذ بن جوَّاد كَان قَد نشر نُسخَة كَامِلَة مَنسُوخَة مِن أَصل مجَلَّة الإذَاعَة فِي موقع: (لِيبَيا وطننا) بِتَارِيخ 25 دِيسمبر/ كَانُون الأوَّل 2005م، وأَكتَفِي في مَقَالَتِي هذه بِإِعادة نشر جُزء من الصَّفحة الأولَى (نُسخة) فَقَط، وأُعِيد نُشر نَص الكَلِمَة مطْبُوعاً كَمَا جاءت فِي المجلَّة المذكُورَة، لأِجل تَوثيقها وجعلَها مُتَاحة لِلبَاحِثِين. الوَثِيْقَة الثَّالِثَة: صُوْرَة مِن التِّذْكَار الَّذِي مَنَحَه المَرْكَز الثَّقَافِي المركز الثقافي الإسلامي فِي نُيُويُورْك فِي شهر يونيه/ حزيران من عام 1970م تكريماً للدّكتور وهبي البوري وشكره على ما قدّمه من خدمات جليلة للجالية العَرَبِيَّة والمُسَلَّمَة فِي الْوِلايات المُتَّحدة الأمريكيَّة، وكان ذلك قَبل مُغَادرتِه لنُيُويورُك وعودتَه إلى لِيبَيا بعد إنقلاب سبتمبر 1969م.

مِرْفَق الْصُّوَر:

أرسل أحد أقارب فقيدنا الكبير مجموعة الصور المنشورة بشكل خاص للمؤلف، وهي تٌنشر لأوّل مرَّة، وهي كالتالي:

 الصُّورة الأولَى: صُورة شخصيَّة للبوري، أُخِذَت عام 2008م بعدسة أحمد العريبي. الْصُّورة الْثَّانِيَة: الصُّورة أُخِذَت في عام 1926م فِي مدينة بَّنْغَازِي، ويظهر البوري واقِفَاً يَضَع طَّربُوشاً علَى رأسِه، وتُضم الصُّورة كُل من: عُمَر عَبْدِاللّه جعودة، حُسَين بن عَامِر، حُسَين بلعون، خَيرِي فَوزِي، خَلِيفَة الماقَني. الصُّوَرَة الثَّالِثَة: صُورة شخصيَّة للبوري، أُخذَت فِي عام 1926م. الصُّوَرَة الرَّابِعَة: صُورة شَخْصِيَّة للبوري، أَخذَت عام 1928م. الصُّوَرَة الخَامِسَة: صُورة شَخْصِيَّة للبوري، أُخذَت في طَرَابُلُس عَام 1942م. الصُّوَرَة السَّادِسَة: صُورة شَخْصِيَّة للبوري، أَخذت عام 1958م. الصُّوَرَة السَّابِعَة: صُورة شَخْصِيَّة للبوري، أَخذت عام 1964م. الصُّوَرَة الثَّامِنَة: صُورة البوري مع السّيِّد إِبراهيم الشّلحي والمَلِك إِدْرِيْس عند زيارة المَلِك رَحِمَه الْلَّه لأَسْبَانيّا عَام 1953م. الصُّوَرَة التَّاسِعَة: صورة البُوري مع الأمير حُسن الرِّضَا ولي العهد، وإِلى جَانِبِهِمَا الأمير صَبَاح السَّالِم. الصُّوَرَة العَاشِرَة: صُورة البُوري مع لِينِّدُون جُوَنْسُوْن الرَّئيس السَّادِس والثَّلاثِين لِلوِلايات المُتَّحِدَة الأمريكيَّة (1963م-1969م). الصُّوَرَة الحادِيَّة عشر: صُورة البُوري مع هيلا سَلاسِي (1892م-1975م) ملك الحَبَشَة (إِّثْيُوبِيا) ثم إِمبِراطُورِهَا مِن 1928م إِلَى 1974م. الصُّوَرَة الثَّانِيَة عشر: صُورة البُوري مع الشَّيخ عِيسَى بِن سلمان آَل خَلِيفَة (3 يونِيْه/ حُزَيرَان 1923م-6 مَارَس/ آَذَار 199م) أَمِير دولَة البحرين مِن 2 نوفَمبر/ تَشرين الثَّانِي 1961م حَتَّى وَفَاتِه فِي 6 مارس/ آَذَار 1999م. وقد خلفه أَبِنه حَمِد بن عِيسَى آَل خَلِيفَة بعد وفَاتِه مُباشرة. الصُّوَرَة الثَّالِثَة عَشَر: صُورة البُوري مع الرَّئِيس الِمِصرِي جمال عبدالنَّاصِر. الصُّوَرَة الرّابعة عَشَر: صُورة البُوري مع مستر يُو ثَانْت (U Thant) الأمين العام لِهَيْئَة الأمم المُتَّحِدَة من 1961م حَتَّى عَام 1971م.

مُلاحَظَات وَإِشَارَات:

1) هذه المقالة: كنت قد نشرت أجزاءً كبيرة من سيرة الدّكتور وهبي البوري في مقالة تحت عنوان: (غزّة بين المملكة والجماهيريّة !) بموقع: (لِيبَيا المستقبل) بتاريخ 6 يناير/ كانون الثاني 2009م. وقد اعتمدت في التعريف بسيرته على حديث للدّكتور وهبي البوري أجراه معه الأستاذ أحمَد الفيتوري صاحب مدونة (سريب)، المنشور في قسم (الحوارات) يوم الثلاثاء الموافق 16 ديسمبر/ كانون الأوّل 2008م، تحت عنوان: (البوري رجل العصر الذي أسس وكالة الأنباء الفلسـطينيّة.. يتحدث لمدونة سريب عن علاقته بالقضية الفلسـطينيّة قبيل الحرب العالميّة الثانيّة). وما نُشر في موقع (مجلة كراسي) قسم (الملاحق الثقافيّة) والذي خصصه الأستاذ فتحي العريبي رئيس تحرير المجلّة، للدّكتور وهبي أحمَد البـوري. وعلى ما كتبه الصحفي خالد المهير في (الجزيرة نت) بتاريخ 23 يناير/ كانون الثاني 2008م حول الأستاذ وهبي أحمَد البوري تحت عنوان: (لِيبَيا تؤرخ للاستعمار الإيطالي في كتاب جديد).

2) بيتا الشعر: من أبيات الشعر التي أوردها الشيخ طاهر الزاوي في كتابه: (أعلام لِيبَيا) دون أن يذكر اسم الشاعر.

3) الأبيات أعلى الصفحة: من أشعار الأستاذ بشير المغيربي في رثاء شيخه ومعلمه الشيخ رحومه الصاري، منشورة في كتاب: (أعلام ليبيا) للشيخ طاهر الزاوي.

4) بيتا الشعر: من أشعار حسن السوسي.

5) دورة التدريب في فرنسا: أوفدته الخارجيّة للدّراسة في معهد خاصّ بالدّبلوماسيّة تابع لجامعة السربون (Sorbonne) أشهر الجامعات الفرنسية.

6) السيد يُو ثَانْتْ (U Thant): تولى يُو ثَانْتْ (U Thant) المولود في 22 يناير/ كانون الثاني 1909م، رئاسة الهيئة الدّوليّة (أمانة الأمم المُتَّحدة) بعد مقتل الأمين العام داغ همرشولد في حادث تحطم طائرة وقع في أيلول/ سبتمبر 1961م. مارس يُو ثَانْتْ العمل في مجالي التعليم والإعلام، وعَمِل كمدرس أوّل في المدرسة الوطنيّة العليا التي انتظم بها تلميذاً في بنتاناو، وفي عام 1931م أصبح ناظراً لها بعد أن حصل على المركز الأوّل في امتحان شغل المناصب التعليميّة في المدارس الثانويّة الإنكليزيّة والوطنيّة. وفي عام 1942م، عمل يوثانت بضعة أشهر كأمين للجنة إعادة تنظيم التعليم في بورما. وفي السنة التالية، عاد إلى المدرسة الوطنيّة العليا كناظر لها لمدة أربع سنوات أخرى. وفي عام 1947م، عُين مديراً صحفياً لحكومة بورما ثمّ أصبح في عام 1948م مديرا للإذاعة، وفي السنة التالية عُين وكيلاً لوزارة الإعلام في حكومة بورما. وفي عام 1953م، أصبح يوثانت أميناً للمشاريع في مكتب رئيس الوزراء. وعُهدت إليه في عام 1955م مهام أخرى بوصفه الأمين التنفيذي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي لبورما. وعندما عُين يوثانت أميناً عاماً للأمم المُتَّحدة بالنيابة، كان يشغل منصب الممثل الدّائم لبورما لدى الأمم المُتَّحدة، برتبة سفير. تقاعد يوثانت من أمانة هيئة الأمم المُتَّحدة في نهاية فترة ولايته الثانيّة في عام 1971م، وتوفي في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 1974م بعد مرض طويل. وكان عمره 65 عاماً. أنظر ما جاء في التعريف الخاص بالسيد يوثانت (U Thant) في الموسوعة الحرَّة (ويكيبيديا)، فهذا التعريف منقول عن المصدر المذكور.

7) تكريم: هناك تكريم أخر للدّكتور وهبي البوري لم أسجله في الوقفة الخاصّة بالتكريم لأنّ الدّكتور وهبي لم يسعد به ولم يذهب لحضور حفل التكريم كمَا فعل في التكريمين المسجلين في الوقفة المُشار إليها. حَاوَل الإِنْقْلابِيُّون بعد سنوات من إِستِيلائِهُم على السّلطَة، التودد إلى الدّكتور وهبي ومحاولة كسبه إلى صفهم إلاّ أنّه نجح بذكاء شديد في جعل المسافة بينه وبين الإِنْقْلابِيِّين ظَاهِرَة حَتَّى لا يُشَوِّه تَارِيْخِه وَيَضَع يده فِي يد سلَطَة انقَلبت علَى الشَّرعِيَّة والدُّستُور ولَم تَجلب إِلَى الْوَطَن والْمُوَاطِن إِلاّ كُل خَرَاب ودَمَار. وضع الإِنْقْلابِيُّون اسم الدّكتور وهبي البوري ضمن الأدباء المُكرمِين بِالجائزة التَّقْديريَّة لما يُسمُّونَه بـ(جائزة الفاتح للأدب) التي أقيمت في شهر ديسمبر/ كانون الأوّل 2009م في بيت الثقافة بالزاوية.

8) وفاة البوري ومراسم دفنه: نقل الصّحفي الِلّيبي أحمَد العريبي بتاريخ 8 يونيه/ حزيران 2010م مراسم دفن الرّاحل الدّكتور وهبي البوري، فِي تقرير صحفي نشره فِي موقع: (جيل لِيبَيا) مرفق بالصور وكلمات التأبين الصّادرة عن سعد نافو مدير المؤسسة العامّة للثقافة – المنطقة الشرقيّة، والأستاذ أحمَد الفيتوري الأديب والكاتب وصاحب مدونة (سريب).

9) بيان النعي: نُشر بيان النعي في موقع: (جيل ليبيا) بتاريخ 8 يونيه/ حزيران 2010م.

10) بيت الشعر: من أشعار أحمَد رفيق المهدوي.

11) بيتا الشعر: من أشعار حسين الغنّاي.

12) بيت الشعر: من أشعار الشّيخ حسين لحلاقي.

مصَادِر وَمَرَاجِع:

م1) لأستاذ سالم حسين الكبتي – كتاب: (وميض البارق الغربي: نصوص ووثائق عن الشاعر احمَد رفيق المهدوي) – إصدارات مجلس الثقافة العام سنة النشر 2009م.

م2) الدّكتور أحمَد إبراهيم الفقيه – مقالة: ( أستاذ بلا تلاميذ.. حول رحيل الدّكتور وهبي البوري) – موقع: (لِيبَيا وطننا) بتاريخ 11يونيه/ حزيران 2010م.

م3) الدّكتور محَمّد محَمّد المفتي – مقالة: (الدّكتور وهبي البوري في ذمـة الله) – موقع: (لِيبَيا المستقبل) بتاريخ 9يونيه/ حزيران 2010م.

م4) تشييع جثمان القاص الِلّيبي الرّاحل وهبي البوري إلى مثواه الأخير – موقع: (لِيبَيا المستقبل) بتاريخ 8 يونيه/ حزيران 2010م.

م5) الأستاذة هِند الهوني – مقالة: (رحل البوري وبقت أعماله وذكراه) – المنشورة بموقع (جيل لِيبَيا) بتاريخ 6 يونيه/ حزيران 2010م.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الصادق شكري
استدراك، فأتِنِي أن أذكر الشخصِيّات التي تضمها الصُّوَرَة الثَّالِثَة عَشَر (صُورة البُوري مع الرَّئِيس الِمِصرِي جمال عبدالنَّاصِر)، وهي بِالتَّرتِيب كمَا يلي: الفريق نوري الصِّدِّيق، الدّكُتور وهبي البُورِي، الرَّئِيس جمال عبدالنَّاصِر،…...
التكملة
مجهول
ارجو على كاتب المقال الاحترام في اخذ المعلومات التي بعضها خاظء جدا جداnو عدم التكلم عن الشخص دون الاستئذان...
التكملة
مهم
ارجو الي صاحب المقال nالاتصال بي اقرب وقت[email protected]وذلك لمسئلة شخصيهnشكر...
التكملة
محمود شمام
هذا عمل توثيقي ورائع ليس بغريب عن المتميز صادق شكري الذي يتابع المشهد التاريخي الليبي باستفاضة وحرفية. كما ان شخصية الراحل الكبير الفذة تظهر حجم الكفاءات الرائعة للمتميزين اللبيين ودورهم…...
التكملة
عبدالمنصف البورى
الاستاذ الفاضل الصادق شكرى تحية ملؤها التقدير والامتنان على جهدك العلمى الكبير فى اعادة التوثيق التاريخى للشخصيات الوطنية الليبية بشكل موضوعى يضع ما تكتب اقرب مايكون الى الدراسات والابحاث ويلقى…...
التكملة
اخيكم :خالد العنزى
تصحيحا لاسم امير دولة الكويت الذى يظهر فى الصورة جالسا بجانب الامير الليبى حسن الرضا ولى العهد وجاء اسمه خطا فى المقال فان اسمه الصحيح هو الشيخ عبد الله السالم…...
التكملة
عقيـــــــــله بدر
صديقي العزيز الأستاذ الصادق شكريnبارك الله فيك علي هذه السيرة التاريخيه القيمه التي خصت في هذه المره فقيد الوطن وبطل من ابطال رجالات الأستقلال الا وهو استاذنا المرحوم بأذن الله…...
التكملة