الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء السابع. 26/6/2010 01:44 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء السابع.
الليبية بحث

                                                                                                                                          

سأواصل في هذا الجزء تناول ما ورد في محاضرة سيف القذافي من إدعاءات ومغالطات حول تجربة والده التي أطلق عليها إسم  "الديمقراطية المباشرة"، وفرضها على الشعب الليبي طوال الثلاثين سنة الماضية وما يزال:

4. أي ضرورة أملت هذه التجربة؟

أورد المحاضر (مثلما فعل والده الثلاثين سنة الماضية) أن هناك ضرورات قد أملت على والده أن يخوض هذه التجربة في الديمقراطية، وفي إعتقادي، فإن هذا القول عارٍ من الصحة، فالمعروف أنه لم يكن في كافة المعطيات المتعلقة بالواقع الإجتماعي والسياسي والإقتصادي للشعب الليبي، عندما استولى والده على مقاليد السلطة في البلاد عام 69، ما يملي أو يوجب أن يَسِير والده في طريق هذه التجربة الشاذة والغريبة، التي يطلق عليها إسمي "الديمقراطية المباشرة" و"النظام الجماهيري البديع"، ولا أتصور أن أي باحث في "أوضاع المجتمع الليبي وأمانيه" قبل وقوع الإنقلاب سيعثر أو يضع يده على ما ينم أن الشعب الليبي كان يتطلع إلى هذه "التجربة الفريدة" التي "تفتَّق" بها ذهن والده (إن صح أنها جاءت فعلا من بنات أفكاره). وحسب علمي، فإن هناك إجماعا على أن الشعب الليبي لم يكن يتطلع يومذاك سوى إلى المزيد من حرية التعبير والعمل السياسي، وإلى إنضاج التجربة البرلمانية وجعلها أكثر شفافية، وإلى المزيد من الرفاهية والعدالة الإجتماعية ومحاربة الفساد وبناء القوات المسلحة، والمزيد من المشاركة الفعالة على صعيد العمل العربي. كذلك فإنه لم يكن هناك ضمن تطلعات الشعب الليبي وأمانيه أي شئ يتعلق بتأليف "نظرية عالمية ثالثة" تقدِّم "الحل النهائي الوحيد لكافة مشاكل البشرية"!

وفي الواقع فإن من يتصفح "البيان الأول للإنقلاب"، لا يجد فيه أي عبارة تنم عن هذا التوجه لدى قادته، فالبيان المذكور لم يخرج عن إطلاق الوعود لليبيين لأجل "بناء دولة جمهورية حرة ذات سيادة صاعدة بعون الله إلى العمل، إلى العلا، سائرة في طريق الحرية والوحدة والعدالة الإجتماعية، كافلة لأبنائها حق المساواة، فاتحة أمامهم أبواب العمل الشريف، لا مهضوم ولا مغبون ولا مظلوم، لا سيد ولا مسود، بل إخوة أحرار في ظل مجتمع ترفرف عليه، إن شاء الله، راية الرخاء والمساواة" هذا هو ما جاء في الصيغة التي سمعها شعبنا في ذلك اليوم المشؤوم.

وفضلا عن ذلك، فقد ظل والد المحاضر، خلال السنوات الأولى للإنقلاب، يتكلم ويعد الليبيين بوضع دستور وإجراء إنتخابات عامة وإقامة مجلس للشعب، وهي كلها مفاهيم تندرج ضمن مفاهيم الديمقراطية التمثيلية غير المباشرة. فما الذي حدث بعد ذلك وجعل القذافي يتراجع عن هذه الوعود، ويتحول إلى فكرة "الديمقراطية المباشرة"؟ وما هي الضرورات التي طرأت على أوضاع الحياة في ليبيا وفرضت على القذافي أن يغير وجهته ويسير في هذا الإتجاه الجديد والمخالف، ويفرض على الشعب الليبي أن يعيش تحت نير هذه التجربة الفجة اللعينة رغما عن إرادته؟

إنني على يقين بأنه ليس بمقدور المحاضر أو غيره أن يشير إلى أي عامل من العوامل الطبيعية أو البشرية أو الإقتصادية أو الإجتماعية أو السياسية أو الأمنية الخاصة بالمجتمع الليبي، على أنها هي التي أملت على والده هذا "التحول"، وأجبرته على أن يسير في الإتجاه الذي سار فيه منذ إصداره للجزء الأول من خربشاته السطحية المخجلة وفارغة المحتوى، التي أسماها "الكتاب الأخضر" رُغم كل ما ترتب على ذلك من فشل متواصل ودمار شامل لجميع الأُسس والمقومات التي يمكن لدولة نامية مثل ليبيا أن تبني عليها حاضرها ومستقبلها. إن "الضرورات" التي يتكلم عنها المحاضر ليس لها وجود سوى في رأس القذافي الأب، وهي ذات صلة وثيقة بأوهامه الزعامية وبتعطشه للبقاء في الحكم بأي ثمن (أو عند الجهة التي جاءت به على رأس الإنقلاب)، وما هي إلا دلالة واضحة وصريحة على حجم الشذوذ والخلل المتأصل الذي يعاني منه والد المحاضر.

5: أيّ نبلٍ في هذه التجربة؟

لقد ردد المحاضر أكثر من مرة أنه، بصرف النظر عن السلبيات التي صاحبت تجربة والده في "الديمقراطية المباشرة" وفي "الإشتراكية"، وبصرف النظر أيضا عن النتائج الكارثية التي آلت إليها هذه التجارب، فإن المحاضر يرى أن هذه التجربة كانت ولا تزال تشكل "حلما نبيلا" و"طموحات نبيلة"... وحقيقةً، لقد إعترتني دهشة شديدة وأنا أستمع إلى هذا الإدعاء من قبل المحاضر، وجال بفكري أنه لابد أن يكون  لِ"النبل" مفهوما آخرا في القاموس الأخلاقي للمحاضر ولوالده، وأن هذا المفهوم بالتأكيد مختلف جذريا عن المتعارف عليه لدى بقية البشر، ذلك لأن ما ارتكبه والده باسم "الدميقراطية المباشرة والإشتراكية" بحق ليبيا وبشعبها على امتداد الثلاثين سنة الماضية التي إهتم بها المحاضر، وحتى ما سبقها من سنوات: منذ إستيلاء أبيه على الحكم، آخر وصف يمكن أن يُطلق عليه هو "النبل". في تراثنا وثقافتنا وديننا، بل حتى بجميع المقاييس الأخلاقية بغض النظر عن الأديان أو إختلاف المجتمعات، وبدون الحاجة إلى الرجوع إلى معتقداتنا في مجتمعنا، فإن النبل من الفضائل ومن مكارم الأخلاق، وعليه، ما دام المحاضر يريد أن يتحدث عن النبل، فإني أرى أنه من حق الليبيين أن يسألوه، وبإصرار، التالي:

  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق إفقار شعب ليبيا وتجويعه وحرمانه من أبسط حقوقه المعيشية في المأكل والملبس والمسكن، والزج بعشرات الآلاف من الأسر الليبية إلى العيش تحت خط الفقر، بينما تُهدر ثرواته، بلا حسيب ولا رقيب، فيما لا يرضي العبد والخالق؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يمارس النظام سياسة التجهيل المتعمد، ويُحرَم أبناء وبنات ليبيا من التعليم الأساسي وأن تواجه ليبيا المستقبلَ بأجيالٍ لا تملك القدر الكافي من التعليم للرقي بها في شتى المجالات ومختلف التخصصات؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يجد المواطن الليبي وأسرته صعوبة في الحصول على وسيلة نقل خاصة أو حتى عامة، في الوقت الذي يمتلك المحاضر وأسرته العشرات من السيارات الفاخرة فضلا عن اليخوت والطائرات الخاصة، كلها مستنزفة من خزينة ومال هذا الشعب المحروم؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يتنقل أزلام النظام بحرية متى وإلى أينما شاءوا، ويشترون العقارات، ويقيمون الصفقات والتعاقدات مع الشركات كيفما شاءوا، وبأي ثمن أرادوا، على حساب خزينة الشعب وبدون حق، بينما يُحظَر على الليبيين والليبيات حتى الحد الأدني من حقوقهم الأساسية في التعبير والإجتماع والتنقل بحرية والحصول على عمل شريف، وحقوقهم في المساواة والعدل؟
  • هل من النبل ومكارم الأخلاق أن تجري مصادرة وتأميم أموال وممتلكات المواطنين (في السبعينات وما بعدها) بدون وجه حق، بحجة العدل والمساواة، والإستيلاء عليها عنوة من قبل اللجان الثورية ولجان التطهير؟ وهل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يقضي النظام على القطاع الخاص في السبعينات، ويتهم رجال الأعمال حينها بشتى أنواع الصفات المهينة، ثم يأتي بعد ثلاثين سنة ليُرجع إليهم أو إلى أهاليهم مقابل قيمة ممتلكاتهم المغتصبة، ويعبر عن رغبته في الخصخصة؟ هل من مبرر للإنتكاس طوال هذه السنوات، لنرجع بعدها لنبدأ في البناء على أساس هش وأرض غير ثابتة، بعد أن كانت بلادنا قد إجتازت هذه المرحلة، وكانت في الطريق الصحيح تجاه الإقتصاد النامي على أيدي هؤلاء الرجال ذاتهم منذ ما يزيد عن أربعة عقود مضت؟ لماذا أراد والد المحاضر أن تبدأ ليبيا من مرحلة ما قبل الصفر ولم يعترف بأي مجهودات سبقت قد أثبتت بالتجربة  نجاحها من رجال أقدر وأوفى وأصدق وأكثر حرصا منه، بدون أدنى وجه مقارنة معه ومع ممارساته الفاشلة والبائسة؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يُحرَم الليبيون والليبيات من أبسط مظاهر الرعاية الصحية الأساسية رغم إمكانيات بلادهم الهائلة، وأن تتخذ الدولة سياسة زعزعة ثقة المواطن في الخدمات الصحية في ليبيا إلى درجة أن تضطر الآلاف منهم إلى البحث عن العلاج في الخارج، وعلى حسابهم الخاص أيضاً؟ كذلك، هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يحدث ذلك للغالبية الساحقة من الليبيين والليبيات بينما المحاضر وأخته وإخوته ووالديهم وكل من يمت إليهم بصلة القرابة لا يقومون ب"فحوصاتهم الطبية الدورية" ولا "يتلقون العلاج"  إلا في أرقى المستشفيات الأوروبية، وتصرّ زوجاتهم أن لا ينجبن سوى في أغلى المصحات الأوروبية الخاصة، وعلى حساب خزينة هذا الشعب المنكوب؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يتعرض أطفال بنغازي إلى الحقن بفيروس الآيدز عمداً ثم، بدلا من التعاطف معهم أو إظهار الحقيقة للأسر المنكوبة ومحاسبة المتسببين الحقيقيين في هذه الكارثة، يخرج علينا والد المحاضر بوجهه البغيض متشنجاً، متشمتاً ومتهماً آباءهم وأمهاتهم بالرذيلة، متوعداً بنغازي وإياهم بالمزيد من الكوارث والأمراض، مالم يهتدوا إلى طريق الحقّ (طاعته والرضا به)؟*
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن تُدفن النفايات النووية في صحراء ليبيا بالقرب من مساكن المدنيين (طبرق مثلا)، فيُصاب أبناؤنا وبناتنا بشتى أنواع السرطانات, ثم يتعذرعليهم العلاج لعدم توفره في ليبيا ولانعدام برنامج يكفل للمواطن حق العلاج في الخارج على نفقة المجتمع متى تعذَّرعلاجه في ليبيا ولضيق مواردهم المادية فلا يملكون ما يمكِّنهم من العلاج على نفقتهم الخاصة في الخارج؟ بل، وفوق كل هذا، يمتنع النظام (لأسباب أمنية) عن القيام بالتحقيق أو بالبحث العلميّ ليجد الرابط بين إرتفاع نسبة أعداد المرضى بهذه الأورام الخبيثة من منطقة واحدة وبين البيئة المحيطة بهم، لتحديد المصدر، ولمنع إستمرار هذا النوع من الكوارث وتجنبها في المستقبل، ولمحاسبة المسؤولين عن ذلك؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يُلاحَق أصحاب الرأي المخالف، والمعارضون للنظام بالإعتقال التعسفي وبالتعذيب الوحشي وبالإختفاء القسري، وبالعقوبات الجماعية وبالإغتيالات، وبتعليقهم على أعواد المشانق في الساحات العامة وفي باحات المدارس وحرم الجامعات وبالمعسكرات وبالملاعب الرياضية أو أماكن أعمالهم لمجرد أنهم جاهروا بعدم رضاهم بسياسات النظام؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يُزَجَّ بتلاميذ المدارس، وبمنتسبي المقاومة الشعبية، في أتون حروب عدوانية ظالمة شنها والد المحاضر على تشاد وأوغندا؟ وهل من النبل ومكارم الأخلاق أن يتنكر القذافي لهؤلاء الذين ضاعوا بين قتيل وجريح وأسير ومفقود، وأن تبقى أشلاؤهم مبعثرة على وسع صحراء ليبيا منذ ثلاثة عقود، ولم يتكلف النظام عناء البحث عنهم والتأكد من مصائرهم، أو إرجاع أشلاء من بالصحراء إلى أهاليها إحتراما لحرمة الموتى إن لم يكن تكريما لهم على "أداءهم للواجب"؟ وفوق هذا كله، هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن لا تعلم أسرهم جميعا عن مصيرهم شيئا إلى يومنا هذا؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يقوم النظام بتفجير الطائرة الليبية عام 1992 في رحلتها من بنغازي إلى طرابلس، ليَلقَى أكثر من 150 راكباً حتفهم، كمحاولة لإبعاد الأضواء عن جريمة لوكربي، ثم يمنع التحقيق فيها إلى يومنا هذا؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يجري إختطاف المواطنِين جاب الله مطر، وعزات المقريف (1990) ، ومنصور رشيد الكيخيا (1993) من القاهرة، ولا أحد يدري بمصيرهم إلى هذا اليوم؟
  • هل من النبل ومكارم الأخلاق أن يأمر النظام بإزهاق أرواح الشيخ البشتي، وأحمد عبدالقادر الثلثي والدكتور عمرو النامي والكثيرين غيرهم بالطريقة الوحشية التي يعرفها المحاضر جيدا، ثم يتنصل عن مسؤوليته ويضع نفسه فوق القانون والمساءلة القانونية؟
  • هل من النبل ومكارم الأخلاق ترك الشهيد فتحي الجهمي بدون علاج ومعاقبته بالموت البطئ  فقط لجهره بكلمة حق؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يقوم النظام بترحيل الأسر الفلسطينية التي كانت مقيمة في ليبيا منذ عشرات السنوات ووضعها على الحدود بين ليبيا ومصر صيف 1995، الأمر الذي أدى إلى وفاة أعداد من المرحَّلين، وتعريض الأسر والأطفال والنساء إلى عذابات شديدة، لمجرد الرغبة لدى القذافي لممارسة ضغوط على السلطة الفلسطينية؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يختفي السيد موسى الصدر ورفاقه بينما هم في ضيافة ليبيا، ولا يوجد لهم أثر إلى يومنا هذا؟
  • وهل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يقوم النظام بتسريب المعلومات الأمنية حول بعض القيادات الفلسطينية التي كانت في ضيافة النظام إلى المخابرات الإسرائيلية؟ الأمر الذي أدى إلى تسهيل عملية إغتيالهم فور مغادرتهم لليبيا (أبوجهاد أبريل 1988 والدكتور فتحي الشقاقي أكتوبر 1995).
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يدعم النظام الحركات الإرهابية العالمية، ويتسبب في الكثير من المآسي للعديد من الشعوب، وبعد ذلك يستفيد من تلك العلاقات، ويدفع المزيد من الاموال من خزينة الشعب الليبي لكي يبيض صفحته، بينما يظل شعبنا يعاني من تبعات هذه الجرائم ويدفع ثمنها من سمعته وتطوره، بالإضافة إلى الإستنزاف اللامحدود من خزينته، وفوق هذا كله لا  يملك الحق حتى في إبداء رأيه في كل هذا؟
  • هل من النبل ومكارم الأخلاق تدبير أو تحمل مسؤولية تفجيري الطائرة الفرنسية يو تي أيه والطائرة الأمريكية فوق لوكربي وتفجير ملهى برلين ويتعرض شعبنا إلى الإهانة والمذلة والتحقير من جرائها، ثم يخرج منها النظام وجميع الأطراف الأخرى منتصرين ظافرين، بينما يزداد القمع والتنكيل بشعبنا وتزداد خسارته على جميع الأصعدة؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يستغل النظام حجة الحصار الجوي الذي فُرِض على ليبيا بسبب ممارسات النظام الإرهابية تجاه العالم، ويوظفها لكي يكيل المزيد من الذل لشعب ليبيا ويذيقه من ألوان البؤس ما لا يتصوره عقل، بينما يكدس إيرادات مصادر ثروته الطبيعية في حسابات خاصة غير معلنة، وفوق هذا كله، تقوم والدة المحاضر في نفس الوقت ذاته، بتسوقها في أوروبا في قافلة من أفخر موديلات السيارات متوجهة من بون إلى الشانز إليزيه باريس لترضي غرورها؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يحاكم المعتقلون السياسيون أمام عصابات اللجان الثورية التي لا تمتلك أي مؤهل قانوني أو أخلاقي، وأن تصدر أحكام الإعدام بحق هؤلاء المعتقلين دون أن يكون لهم الحق في تعيين محامين عنهم، وبدون أن يكون لهم حق إستئناف هذه الأحكام؟
  • هل من النبل ومن مكارم الأخلاق أن يجري إبقاء أعداد من المعتقلين في السجون لعشرات السنوات دون أن يتم تقديمهم إلى المحاكمة، وأن يبقى أعداد آخرين منهم ممن إنتهت مدة عقوبتهم المزيد من السنوات داخل السجون؟
  • هل من النبل ومكارم الأخلاق أن تنفذ جريمة مثل مذبحة سجن بوسليم، والتي ذهب ضحيتها أكثر من 1200 شهيد خلال ساعات قلائل، ثم التعتيم عليها وتجاهل جميع الاصوات المنادية بتطبيق العدالة، بل ورفض أي تحقيق عادل لأجل تقديم المسؤولين إلى القضاء حتى الآن؟ وهل من النبل ومكارم الأخلاق أن تستمر أسر هؤلاء الشهداء في إيصال أغراض لأبنائها على مدى ثلاثة عشر عاما مع علم النظام بأنهم قد استشهدوا وغُدِر بهم على أيديه، ورغم هذا فإنه لم يشعر بأي "يقظة ضمير" حين اضطر إلى تسليم شهادات الوفاة بعد كل تلك المدة التي تواصلت فيها هذه الجرائم بحق هؤلاء الأسر وبحق الشعب الليبي بأكمله، ولم يقر إلى يومنا هذا بحجم فداحة جرمه أو بمسؤوليته المباشرة؟
  • هل من النبل ومكارم الأخلاق أن تحرم الأمهات من أولادهن والآباء من أبنائهم والزوجات من أزواجهن والأطفال من آبائهم لسنوات وسنوات دون أن يعرفوا مصائرهم؟
  • هل من النبل ومكارم الأخلاق أن لا يستجيب والد المحاضر ولو مرة واحدة أو يرق قلبه لاستجداء عشرات الأمهات لكي يخفف أحكام الإعدام الظالمة والجائرة بحق أبنائهن؟
  • وهل من النبل أو من مكارم الأخلاق أن يرفض النظام تسليم جثث الشهداء إلى أسرهم، وأن يمنع هذه الأسر من تقبل العزاء فيهم، وأن يقدم على نبش قبور بعضهم والإلقاء بجثثهم في عرض البحر؟
  • هل من النبل ومكارم الأخلاق أو من الرجولة أن يحيط القذافي نفسه بالراهبات الثوريات ليتولين حراسته؟
  • هل من النبل أن يقوم النظام بعد جميع جرائمه في حق الشعب الليبي بالمزيد من الضغط على من تبقى منه ليلزم الصمت؟

لا أتصور وجود إنسان عاقل واحد يملك ذرة من ضمير وخلق، يمكنه أن يطلق صفة النبل" على تجربة حكم تجري في ظلها كل هذه الجرائم. إن الذي جرى باسم هذه "التجربة" خلال الثلاثين سنة الماضية (وما قبلها) ليس من النبل في شئ. إنه ليس سوى محض دناءة وخسة وحقد ورغبة دفينة كامنة في قلب والد المحاضر للإنتقام من الشعب الليبي.

ولا يخالجني شك في أن إطلاق المحاضر لصفة "النبل" على تجربة والده في حكم ليبيا يدل دلالة قاطعة على أي نوع من الناس هو، وأي نوع من المعايير الأخلاقية يحملها. وعلى الذين يراهنون على الإصلاح الآتي من بين أيدي هذا الرجل، أن يراجعوا أنفسهم ولينظروا إلى ما ورد أعلاه وليحكِّموا عقولهم، ماذا يُرتجى مِن مَن يصف كل هذا بالنبل؟ 

6: "نظريا، ليبيا أكثر دولة ديمقراطية في العالم"

بعد أن يُرهق القذافي الأب قُرَّاء الجزء الأول من كتيبه الأخضر، بشرح تصوراته (ترهاته) حول حل مشكلة الديمقراطية في العالم وهو الحل القائم على فكرة اللجان الشعبية والمؤتمرات الشعبية، إلخ.. ، يفاجئ القذافي قُرَّاءه بالعبارة التالية**: "هذه هي الديمقراطية الحقيقية من الناحية النظرية. أما من الناحية الواقعية فإن الأقوياء دائما يحكمون.. أي أن الطرف الأقوى في المجتمع هو الذي يحكم" . وبالطبع فإن هذه العبارة تجعل من الهرطقات التي وردت في ذلك الجزء من الكتاب نوعا من التخريف والهذيان والهراء. والذي يتوقعه أي إنسان سويّ بعد قراءة هذه الفقرة هو ألا يفكر كاتبها في تطبيق ما ورد في كتابه من أفكار على شعبه المغلوب على أمره، وأن الأحرى به أن يضع ما كتبه في المكتبات العامة أو حتى في المتاحف الوطنية، غير أن وكما يعرف الجميع، فقد ألحّ القذافي على فرض ترهات كتابه باسم "سلطة الشعب والنظام الجماهيري" مستخدما ما يملكه من قوة متمثلة في المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية واللجان الثورية. ومن ثم فلم يكن غريبا ولا عجيبا أن تؤول هذه التجربة إلى ما آلت إليه من فوضى وفساد واستبداد وظلم، وأن لا تخرج عن أن تكون صورة من أبشع صور الحكم الدكتاتوري الفردي حيث تجري كافة الممارسات التسلطية باسم الشعب وباسم سلطة الشعب وباسم الديمقراطية.

العجيب أن يقف بعد قرابة أربعة عقود من صدور ذلك الكتاب، إبن القذافي محاضرا ليردد الهراء ذاته والذي سبق لوالده أن تقيأه في كتيبه وليقول لمستمعيه "وهكذا نظريا، تكون ليبيا هي أكثر دولة ديمقراطية في العالم"، وبالطبع فقد ألقى المحاضر هذه العبارة بنوع من الإستخفاف والسخرية، وسواء قصد المحاضر ذلك أم لم يقصد فهذا الإستخفاف والسخرية موجهة إلى تجربة والده، كما أنها لا تنفي عن كلمات المحاضر نفسه اللغو والهراء، وهو ما عبر عنه مستمعو تلك المحاضرة بالضحك ومشاركته السخرية، وهو ضحك –على ما أعتقد- تجاوز المحاضر إلى والده، صاحب النظرية. 

(يتبع..)

الليبية

هوامش:

*راجع الروابط التالية بخصوص قضية الآيدز ببنغازي:

مسمار في نعش مملكة "ملك الملوك"- صرخة د. أشرف الحجوج -

هل أنفلونزاهم أشد من طاعوننا ؟ ولماذا يخشى النظام الليبي ظهور تفاصيل قضية الآيدز؟

المال والبنون - زينة الحياة الدنيا..

** الفصل الأول من الكتاب الأخضر، حل مشكلة الديمقراطية "سلطة الشعب"، الطبعة العربية الرابعة والعشرين 1998 م. ص 71.  

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
معاذ
شكراً من الاعماق و مزيدًا من هذا العطاء المتألق ودمت للوطن ....
التكملة
يخفون نوياهم ويقلبون الحقائق على امد العقود
باسم وتحت غطاء الشعارات الوطنية والقومية والدينية عبر اعلام هائل يصل ويخدر العرب اينما كانوا، تمكنوا من تزييف الرأي العام المحلي والقومي لصالحهم ومن ثم تمكنوا من تقويض الوطن واستعباد…...
التكملة
ابن الشيخ
شكرًا لك اختي الليبية...
التكملة
عبدالحكيم البوسيفي
بسم الله . ان بناء المجتمع السليم الحي يجب ان تكون القيادة حكيمة وان تتجرد من حب الذاة . توزيع الفرص و الثروة بالعدل بين افراد الشعب و تخلق من…...
التكملة
احسنت يا عبدالحكيم
تعليق ذكي ويكشف الحقيقة في كلمات قليلة. الاب خدع المواطنين ليصل الى السلطة، لكن ذلك الاسلوب لم يعد ينفع خاصة لأبنائه ولهذا نراهم يخدعون ويرشون العالم لتبريئة والدهم وتمرير التوريث....
التكملة
ليبية الي الابد
صدقت سيد بن حميدة ولا ننسوا حرق جثة سالم الرتيمي الذي قتل في ايطاليا بعد دفنه واخراج جثته وحرقها ووضعت علي جرارة برويطة تلف شوارع طرابلس ثم احرقت ورميت في…...
التكملة
عبدالحكيم البوسيفي
بسم الله . القذافي الاب خدع الليبيين ثم وصل الى السلطة . القذافي الابن يخدع شعوب العالم لكي يصل الى السلطة . شكرآ لكي اختي الليبية ....
التكملة
محمد أمين العيساوي
سيدتي الفاضلة ، نعم مثلما تكرمت بتذكيرنا بذلك البيان المخادع ، لم يكن في ذهن ذلك الصعلوك أي مشروع لبناء دولة ولا لإقامة أي نوع من الديمقراطية، لم يكن الانقلاب…...
التكملة
محمدبن احميدة
صدقتي، من أين لهم النُبل ومكارم الأخلاق عندما يأمر والده بعدم دفن المرحوم أحمد احواس ويأمر بوضع جثمانه على الأقل ثلاث سنوات كاملة في ثلاجة الأموات بمستشفى طرابلس المركزي ليأتي…...
التكملة
صالح حويل
والله يا ليبيه أنك ليبيه صح مش لعب !!! كفيتي ووفيتي في كل ما قلتيه واللي مش عاجبه الكلام هضا وعنده أي شك فيه ياريت اينورنه حتى من الحكومه مفيش…...
التكملة