الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء الثامن 1/7/2010 04:39 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء الثامن
الليبية بحث

قبل أن أواصل، أرغب في تنبيه القارئ أنني في كتابة هذه السلسلة قد أعتمدت النص المسجل، وعليه، فإنه سيجد فيها إختلافا عما ورد في النص المكتوب الذي إعتمده السيد جربوع في ترجمته، حيث أن الجزء المكتوب في مجلة قورينا، سواء بالعربية أو بالإنجليزية لا يتضمن بعضا مما صرح به سيف في محاضرته في لندن.

7. إدعاءات كاذبة بشأن النظام الجماهيري

إشتملت محاضرة سيف على مجموعة من الإدعاءات والأكاذيب بشأن تجربة والده في "الديمقراطية المؤسسة على مبدأ المشاركة المباشرة كبديل عن الديمقراطية السائدة في العالم، المبنية على تعدد الأحزاب والإنتخاب التمثيلي"، ومن هذه الإدعاءات والأكاذيب: 

ـ أوجدت تجربة والده نظاما وطنيا للمشاركة السياسية الشعبية المباشرة "على غرار إجتماعات المدينة (تاون ميتنج) (وهي إجتماعات تُدعى بالمؤتمرات الشعبية)".

- أن تجربة والده "خولت قانونيا المواطنين الليبيين بسلطة صنع القرار".

- أن تجربة والده "تعطي السلطة المطلقة للشعب وتعطيهم المقدرة على المشاركة المباشرة في صنع القوانين التي تحكمهم".

ويمكنني، لبيان زيف هذه الإدعاءات، أن أكتفي بالإشارة إلى ما ورد على لسان المحاضر نفسه عندما إعترف في محاضرته ذاتها بأن "المشاركة في المؤتمرات الشعبية العامة كانت منخفضة وغالبا سطحية". في نظري، هذه العبارة بمفردها تكشف عن كذب الإدعاءات التي أوردها المحاضر، غير أنني أرى أنه من الضروري أن أضيف الملاحظات التالية أيضا، لكي أوضح بجلاء جهل المحاضر ومغالطاته:

أ. إن إجتماعات سكان المدينة التي أشار إليها المحاضر تختلف كليا وجوهريا عن المؤتمرات الشعبية في جماهيرية والده، فاجتماعات سكان المدينة تتم في بلدان تحكمها دساتير وتسود فيها القوانين، كما يتمتع فيها المواطنون بحرية التعبير والإجتماع، ولا يوجد فيها حكام نَصَّبوا عليها أنفسهم مدى الحياة وبدون أن تختارهم شعوبهم، وأعطوا لأنفسهم صلاحيات ثورية لا تعرف الحدود والقيود، كذلك فإنهم يقررون لهذه الإجتماعات بنود أعمالها، وما يجوز وما لا يجوز لها مناقشته، كما أنه لا توجد فيها لجان ثورية ترهب المواطنين وتقمع إرادتهم. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الإجتماعات تتم بإرادة المواطنين وهم الذين يحددون لها بنود أعمالها. كما أن إجتماعات المدينة ليست بديلا للسلطة التشريعية المتمثلة في المجالس التي تضم ممثلي الأمة، وهي لا تملك صلاحية سنّ القوانين. فأين هذه الإجتماعات من المؤتمرات الشعبية؟ وأين وجه التطابق والشبه؟ 

إن الإجابة على هذين السؤالين ليست بخافية على المحاضر، وكذلك فإنه يعلم أنه، بهذه المغالطة المتعمدة، يخادع حتى مستمعيه ويستخف بعقولهم فيصور لهم واقعا من نسج خياله لا يطابق الحقيقة بأي شكل من الأشكال، ولا عجب، فمتى كانت الحقيقة هي ما يسعى إليه المحاضر؟ إنه يسيرعلى خطا والده، ويسمي الأشياء بغير مسمياتها ليصل إلى عقول الناس وقلوبهم كوسيلة لتحقيق طموحاته، فقط لا غير.

ب. إن الصلاحيات الثورية والعسكرية المطلقة التي يمتلكها والد المحاضر بموجب ما يسمى ب"وثيقة قيام سلطة الشعب" و "وثيقة الشرعية الثورية"، وبموجب تحكُّمه الكامل في الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، إن هذه الصلاحيات تلغي أي سلطة مزعومة للشعب الليبي في صنع القرارات أو إصدار القوانين. ويكفي في هذا الصدد التذكير بأن الفقرة الأولى من وثيقة الشرعية الثورية (الصادرة في 10 مارس 1990) تجعل من مجرد "التوجيهات" التي تصدر من والد المحاضر بخصوص أي شأن من شؤون الدولة، أمرا ملزم التنفيذ. وإذا أضفنا إلى هذه الحقيقة حقائق أخرى أهمها:

  • أن والد المحاضر هو الذي يحدد مواعيد دعوة المؤتمرات الشعبية للإنعقاد.
  • وأن هذه المؤتمرات لا تملك حتى صلاحية المبادرة بالإجتماع.
  • وأن "الوالد القايد" هو الذي يضع لهذه المؤتمرات جداول أعمالها، ويحدد لها ما يجوز وما لايجوز مناقشته في شؤون الدولة،
  • وهو الذي يتحكم، عن طريق أعضاء لجانه الثورية، في القرارات التي تصدر عن هذه المؤتمرات.

وإذا أضفنا إلى هذا الحقيقة التي إعترف بها المحاضر نفسه، وهي أن "حضور الشعب ومشاركته في المؤتمرات الشعبية منخفض، وغالبا سطحي"، وكذلك إذا أخذنا بعين الإعتبار كافة هذه الحقائق، فلا أتصور أنه يبقى للمحاضر عذر في أن يقف أمام مستمعيه ويدعي أمامهم بأن تجربة والده أعطت للشعب الليبي سلطة مطلقة (أو حتى محدودة!) في تقرير أي شئ، أو صنع أي قرارات أو قوانين. ولا يمكن للمرء أن يجد من وصفٍ لإدعاءات المحاضر بشأن تجربة والده في الديمقراطية المباشرة سوى أنها دجل، وكذب غبي ووقح.

ج. هناك حقيقة أخرى أعتقد أنها تقدم مثالا حيا وقاطعا على زيف كل إدعاءات المحاضر بشأن وجود "السلطة في يد الشعب الليبي" في ظل "تجربة والده الديمقراطية"، هذه الحقيقة تتمثل في وجود المحاضر ذاته أمام مستمعيه يحدثهم، ليس فقط عن أحلامه وتصوراته بشأن "ليبيا الغد"، ولكن أيضا عن الخطوات والقرارات والسياسات التي قد "نفَّذها فعلاً" خلال السنوات الماضية عن طريق تطبيق هذه التصورات والأحلام والطموحات. فبصرف النظر عن صحة أو عدم صحة هذه التصورات:

من هو الذي أعطى "الإبن المحاضر" الحق في أن "يفكر" بالنيابة عن الشعب الليبي ل"ساعات طوال"، وأن يضع هذه التصورات؟

أين هو محل هذا الإبن (ومن قبله أبيه) في هذه النظرية المزعومة للديمقراطية المباشرة؟

هل أخذ المحاضر الإذن من المؤتمرات الشعبية ولجانها الشعبية، بما فيها اللجنة الشعبية العامة، للقيام بهذه المهمة؟ وهل فوضته هذه المؤتمرات وأعطته الصلاحيات للقيام بهذه المهمة (تفكيرا وتنفيذا)، وهي المهمة التي شملت كل شئ في الجماهيرية ذات النظام البديع (السياسة والإقتصاد والإدارة والعلاقات الخارجية وو...)؟

وهل يبقى بعد هذه الحقيقة الدامغة مجال للدجل حول سلطة الشعب في ليبيا والتبجح بأنه قد قامت في ليبيا خلال العقود الثلاثة الماضية "تجربة إجتماعية كبيرة النطاق في محاولة لخلق بديل عن الديمقراطية السائدة يتمثل في ديمقراطية مؤسسة على مبدأ المشاركة المباشرة"؟

د. هناك حقيقة هامة أخرى ذات صلة هنا تتعلق بالدور الذي لعبته "اللجان الثورية" بشأن هذه التجربة الديمقراطية المباشرة المزعومة. فالمعروف أن "صاحب" هذه التجربة المزعومة (والد المحاضر) قام، بالتوازي مع نشر كتابه الأخضر ونظريته بشأن المؤتمرات واللجان الشعبية، قام بالإعلان عن تأسيس اللجان الثورية (وبالمناسبة، فإن اللجان الثورية ليست جزءاً من النظرية، ولم يرد ذكرها إطلاقا في كتابه)، وقد كلف والد المحاضر بموجب صلاحياته الثورية، هذه اللجان بعدد واسع من المهام الثورية، أهمها فيما يتعلق بهذه التجربة الديمقراطية المباشرة الفريدة (تحريض الجماهير على ممارسة السلطة، ترسيخ سلطة الشعب، ممارسة الرقابة الثورية، تحريك المؤتمرات الشعبية، ترشيد اللجان الشعبية وأمانات المؤتمرات). والذي يعلمه كافة المتابعين لنشاط اللجان الثورية منذ تأسيسها فيما يتعلق بهياكل هذه التجربة من مؤتمرات شعبية ولجان شعبية وروابط واتحادات ومؤتمر الشعب العام، هو تنفيذ تعليمات وتوجيهات وترشيدات والد المحاضر التي تهدف إلى التحكم المطلق والكامل في مداولات ومناقشات وقرارات هذه الهياكل. إن هذه الحقيقة معروفة تمام المعرفة لكل من عايش أو تابع هذه التجربة المشوهة للديمقراطية المباشرة، وهي إلى جانب الحقائق الأخرى التي أشرت إليها سابقا، تجعل من إدعاءات المحاضر حولها نوعا من الهذيان والكذب. وقد يكون من المناسب التذكير بما صدر عن المحاضر في مناسبات سابقة من شكوى حول قيام هذه العناصرالثورية بعرقلة جهوده الإصلاحية المزعومة.

هـ.  حقيقة أخرى ومظهر آخر من المظاهر التي تؤكد بما لا يترك أي مجال للشك  زيف الإدعاءات بشأن هذه التجربة المسخة. وتتضح هذه الحقيقة من مراجعة الموضوعات التي أدرجت على جداول أعمال المؤتمرات الشعبية العامة للمناقشة واستصدار توصيات وقرارات بشأنها. فالمطالع لبنود هذه الجداول يلاحظ بكل جلاء أنها خلت من عدد من الموضوعات الحيوية والتي لا يمكن بدون مناقشتها الإدعاء بأن الشعب هو الذي بيده السلطة أو أنه صاحب القرارات. من هذه الموضوعات: الميزانية السنوية العامة للدولة، والحساب الختامي للدولة وشؤون القوات المسلحة والتسليح والأمن والسياسات النفطية، والعلاقات الخارجية للدولة بما فيها الإتفاقيات والمعاهدات الدولية وقضايا الحرب والمساعدات والمساهمات التي يقدمها النظام للدول والمنظمات الأخرى.

ولن يغير من هذه الحقيقة قيام النظام بطرح بعض هذه الموضوعات في عدد من السنوات أو المناسبات دون غيرها وبشكل مقتضب، فالمفروض أن تُطرح هذه الموضوعات سنويا وبشكل دوري وبالتفصيل وبشفافية.

ومن الأمثلة الصارخة على عدم قيام النظام، وبناء على تعليمات من صاحب النظرية والد المحاضر، بطرح عدد من الموضوعات بالغة الأهمية على المؤتمرات الشعبية العامة لأخذ رأيها بشأنها:

  • إختيار شكل العلم الحالي للبلاد.
  • إضافة لقب "العظمى" إلى إسم ليبيا الحالي.
  • قرارات الزج بالقوات المسلحة الليبية في حروب مع عدد من الدول الإفريقية والعربية (مصر 1977, أوغندة 1979، تشاد منذ 1980).
  • قرارات دفع التعويضات إلى الحكومة التنزانية بشأن الأسرى الليبيين (1981).
  • قرارات ترحيل الإخوة الفلسطينيين المقيمين في ليبيا (1995).
  • قرارات دفع التعويضات إلى أهالي ضحايا طائرة لوكربي، ويو تي إي، والتعويضات المرتبطة بجرائم النظام وتدخلاته في إيرلندا الشمالية وألمانيا، أو تلك المتعلقة بتمويل الكثير من مبادرات القذافي الخرقاء في إفريقيا وغيرها (القرية الإيطالية الأخيرة مثلا!).
  • قرارات دفع الفديات إلى الجماعات الإرهابية لتخليص مختطفين أجانب من قبضتهم.

ومن الأمور المرتبطة بهذه الحقيقة، والتي تزيد من فداحة دلالتها، أن المناقشات التي تجري داخل المؤتمرات الشعبية حول الموضوعات المحدودة التي يقرر والد المحاضر عرضها عليها، عادة لا يخصص لها الوقت الكافي، كما أنها تتم في ظل غياب كامل للتقارير والمعلومات الضرورية بشأنها، بالإضافة إلى أن هذه المناقشات تتم بواسطة أعضاء المؤتمرات الذين تغلب عليهم الأمية ويفتقدون الدراية والخبرة المطلوبة. وينطبق الأمر نفسه على عملية إصدار القوانين والتشريعات التي يفترض أنها من إختصاص هذه المؤتمرات.

لا أعتقد أن هذه الملاحظات والحقائق تترك أي مجال للشك حول زيف وكذب إدعاءات المحاضر بشأن ما حققته تجربة والده الديمقراطية المباشرة من تمكين الليبيين – ولو على نطاق محدود – من ممارسة السلطة أو حتى أنها "خولتهم" سلطة صنع القرار وصنع القوانين أو حتى "علمتهم" بقضاياهم في السياسة العامة على حد إدعائه وزعمه.

8. ماذا حلّ بليبيا في ظل هذه التجربة؟

لا بد من التنبيه إلى أن مُعِدّ هذه المحاضرة، والذي لا يخالجني أدنى شك بأنه ليس سيف القذافي، قد تعمّد وبخبث أن يوجه تفكير مستمعي المحاضرة ومتلقيها وبخاصة في الغرب، إلى أن ينظروا إلى ما حدث في ليبيا تحت حكم القذافي الأب على إمتداد الأربعين سنة الماضية من زاوية أنه مجرد محاولة جادة ونبيلة لإقامة نوع من الديمقراطية (المباشرة) في بلد ليس له عهد بالديمقراطية، بل وفي بيئة مقاومة للديمقراطية أصلا. وبهذا يستطيع صرف أذهان المستمعين عن السجل الحقيقي والكامل لنظام حكم القذافي خلال هذه العقود الأربعة وبخاصة في مجالات إفساد العلاقات الدولية وتمويل وتبني الإرهاب الدولي وإشعال الفتن والحروب الأهلية المحلية والإقليمية، والإنتهاكات الواسعة لحقوق وحريات الإنسان الليبي وسواه، وصور الفساد المالي والإداري غير المسبوقة.

لقد حرص مُعِدّ المحاضرة أن يبتعد عن هذه الموضوعات وألا يخوض فيها، وأن يقدم حديثه بشأن ما جرى في ليبيا على أنه مجرد محاولة لإقامة ديمقراطية مباشرة في ليبيا، وأن عجز المحاولة عن بلوغ "النتيجة المثالية المتوخاه" لا يرجع إلى قصور في الفكرة أو النظرية ذاتها بل لأسباب خارجة عنها، ك "الإرث الإستعماري، وغياب التقاليد الديمقراطية في الدولة الليبية (دولة الإستقلال)، ولأن ليبيا تقع في منطقة متأثرة بالصراعات السياسية الجغرافية وتعاني من لعنة النفط".

إن الذي أعنيه هنا هو ضرورة التنبيه إلى أن الحصاد المرّ لهذه السنوات الأربعين التي عاشتها ليبيا تحت "قبضة النظام الثوري" الذي أقامه والد المحاضر لا يتمثل في مجرد فشل هذه التجربة الديمقراطية التي وُلِدت مشوّهة وميّتة، ولكنه يتمثل في الكارثة الرهيبة والدمار الهائل الذي حلّ بالشعب الليبي وبكافة مُقدّراته البشرية والمادية حاضرا ومستقبلاً، والذي لم تقتصر آثاره التدميرية على مجرد إعاقة مسيرة الديمقراطية فيها، بل تجاوزتها إلى إعاقة مسيرة الإنسان الليبي ذاته والمجتمع الليبي بكامله.

وباختصار، فإن المسألة تتجاوز فشل التجربة الديمقراطية، إلى فشل النظام بكامله وبكافة أفكاره وتوجهاته وسياساته ورموزه.

9. أسباب فشل التجربة:

رغم كل الشواهد على فشل ما أسماه المحاضر ووالده من قِبْله بتجربة "الديمقراطية الشعبية المباشرة" فشلا ذريعا وكاملا، إلا أنه أبى أن يستعمل كلمة "الفشل" في وصف ما آلت إليه تلك التجربة، وكل ما أمكنه أن يقوله في هذا الصدد هو أن "حقيقة الواقع لم يتوصل على النتيجة المثالية المتوخاة" و "واجه تطبيق ديمقراطيتنا المباشرة مشاكل جدية كثيرة". وبالطبع فقد كان المحاضر منسجما مع نفسه، فهو لا يستطيع أن يصف التجربة بالفشل ثم يؤكد من جهة أخرى أن الكتاب الأخضر هو مذهبه السياسي والإقتصادي، وأن معمر القذافي (ومعه بالطبع نظريته وكتابها) هو خط أحمر. وعلى أي حال، سواء إعترف المحاضر بفشل التجربة أو لم يعترف، فقد وجد نفسه مضطرا أن يرضي سامعيه بالإعتراف بوجود الكثير من المشاكل الجدية التي تواجهها التجربة وهي التي كانت وراء ما آلت إليه، سأتوقف معها على الترتيب الذي ورَدَت به:

  • أول هذا المشكلات/ الأسباب التي إعترف بها المحاضر هي: "على أرض الواقع كان لدينا مجتمع مدبَّر مع تدخلات من المؤسسات المختلفة والقيادة".

ويتضح من هذه العبارة أنها صيغت بشكل مبهم، تجنب فيه المحاضر تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية. فهو مثلا يقول بأنه كان لدينا مجتمع "مدبَّر" ولم يقل بالضبط مِن قِبَلِ مَن كان هذا التدبير؟ لم يقل بأن التدبير كان يتم وفقا لمزاج وتوجهات والده وبواسطة لجانه الثورية، وأجهزته الأمنية القمعية، وبأساليب وحشية تسلطية متخلفة. أما "المؤسسات" التي يتحدث عنها المحاضر فهو يعلم أنها جميعا من صنع والده وتأتمر بأمره، فلا توجد في جماهيرية القذافي أي مؤسسات (عسكرية، أمنية، ثورية، شعبية) لا تخضع مباشرة لتعليماته أو أوامره. أما "تدخلات القيادة"، فمن الواضح أن المحاضر، من فرط أمانته العلمية، أو تجنبا للحرج، أو بقصد التدليس على مستمعيه، قد تحاشى ذكر إسم والده أو صفته وأشار إليه بدلا من ذلك بعبارة "تدخلات القيادة" موحيا بذلك كأنه توجد في ليبيا قيادة جماعية أو أن هناك قيادة أخرى إلى جانب قيادة والده (!!).

"القيادة" هنا كلمة مضللة، وبالإضافة إلى ذلك فإن كلمة "التدخلات" نفسها كلمة مهذبة، ولا تكفي في وصف ما قام به والده، فالذي حدث من والده لم يكن مجرد تدخلات، بل أنه أخذ شكل أوامر وإملاءات تعسفية شملت كل شئ يتعلق بهذه التجربة المزعومة، هذا بالطبع إلى جانب التجاهل الكامل من قِبَلِِهِ لهياكل هذه التجربة عند إتخاذه للقرارات منفرداً بشأن الكثير من القضايا التي يفترض أنها من إختصاص هذه الهياكل.

السؤال الذي يبقى هنا بين أيدينا هو: إذا كانت تدخلات القيادة قد شكَّلت في الماضي إحدى المشاكل الجدية التي عرقلت مسيرة هذه التجربة، فلماذا الإصرار من قبل المحاضر على إعتبار والده "خطا أحمرا" لا ينبغي تجاوزه أو المساس به، وبالطبع فإن هذا اللون الأحمر ينطبق على تدخلاته أيضا.

  • ثاني هذه المشكلات/ الأسباب التي أعترف المحاضر بأنها أعاقت مسيرة تجربة الديمقراطية المباشرة في جماهيرية والده السعيدة تمثل في "غياب الإعلام المستقل، وغياب المجمتع المدني". إن الذي اعترف به المحاضر يعرفه الجميع وهو ليس حتى بنصف الحقيقة، فالذي كان يتحتم على المحاضر أن يذكره، والذي غيّبه عن عمد، هو أن الذي حدث أن "الإعلام المستقل" و "المجتمع المدني" قد غُيِّبا عن عمد وبأوامر من القيادة (والده) ولم يَغِيبا من عندهما أو بمحض إرادتهما الحرة!

(يتبع..)

الليبية

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الفشل نقيض الاصرار وترصد
عندما نقيم نظاما يحتكر جميع السلطات والاعلام ويتصرف في ثروات هائلة، على مدى عشرات السنين، ولم نر منه خلالها غير الخراب والدمار، لابد أن يكون حكمنا هو سبق الاصرار والترصد…...
التكملة
عبدالرحمن
يامحرم نظرتك للأشياء تختلف عن نظرتي.قد ترى انت بأنه لايوجد خطر كبير من سيف يهدد ليبيا وهذا رأيك اما أنا فأرى بان خطر سيف لا يقل عن خطر والده ويجب…...
التكملة
محرم
هامش الديمقراطيه والراى الاخر لديكم لا يختلف عن هامش ديمقراطية النظام وقبوله للراى المخالف..... وحدكم تحتكرون الحقيقه وغيركم دوما مناهض لها...... ليست من هواياتى تقييم المقالات ولا النيل من كتابها…...
التكملة
خليفة
محرم كمن يشنهي ولكنه عاجز. يامحرم انصحك بالبحث عن اهتمامات اخرى فهذا المجال اكبر من حجمك....
التكملة
معاذ
إلى محرم (ومن على شاكلته): إذا كانت لديكم أي مساهمة إيجابية، يبنغي أن لا تترددوا في كتابتها دون أي محاولة للنيل من هذه المقالة أو غيرها. إن هذا الأسلوب السلبي…...
التكملة
منير
نعم يا اخ محرم سيف كلامه واضح ومباشر ومن قال غير ذلك ، ما فهمته من الاخت الليبية منذ بداية سلسلة هذه الحلقات ، ان كلامها وتحليلها موجه ليس ردا…...
التكملة
محرم
بتصورى ان الاهتمام بمحاضرة سيف وتحليلها فى حلقات هو تضخيم للحدث وصاحبه، كل ما يفعله سيف الاسلام هو محاولة اظهار نفسه انه البديل الوحيد الملائم لمستقبل الحكم فى ليبيا، فهو…...
التكملة
عبدالحكيم البوسيفي
بسم الله . الى ابناء ليبيا المخدوعين الدي يحرسوا في القذافي . اني اخاطب عقولكم الدي ميزكم الله على باقي خلقه اي الحيوانات الدي تعيش بلفطره . هل القذافي اشتراكم…...
التكملة
محمد بن احميدة
من تربى على شيء شاب عليه. سيف تربى على الكذب ولا يوجد كذاب في ليبيا أكبر من أبيه والدليل وعده بالنعيم الأرضي والذي لم يراه الا ابنائه أما بقية الشعب…...
التكملة
ابوبكر
تحليل جيد كالعادةو تعرية فى محلها لهذا الدجال الجديد.أرجو أن نقرأ المزيد .مقالاتك مقرؤة على نطاق واسع فى الداخل والنظام وعملاؤه منزعجون منها كثيرا وهم لا يستطيعونالرد عليها. واصلى ومعك…...
التكملة