الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء التاسع 6/7/2010 01:36 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء التاسع
الليبية بحث

10. الإقصاء الذي مارسه النظام:

أورد المحاضر في سياق حديثه عن الأسباب التي يعتقد أنها أدت إلى عدم توصل تجربة والده في الديمقراطية المباشرة إلى "النتيجة المثالية المتوخاه"، والتي شكلت في نظره إحدى المشاكل الجدية التي واجهت التجربة، ما عبّر عنه بقوله "ساد لدينا مبدأ الإقصاء فيما يتعلق بالليبيين الذين يحملون معتقدات سياسية مختلفة أو المعارضين".

وأرى في البداية ضرورة أن أذكِّر القارئ بأن أسلوب "الإقصاء" و "العزل السياسي" هو أحد السمات المتأصلة والبارزة في ممارسات القذافي منذ إستيلائه على السلطة في ليبيا عام 1969.

فمنذ الأيام الأولى للإنقلاب جرى عزل وإقصاء كافة الذين عملوا في ظل النظام الملكي فوق درجة وظيفية معينة.

ومنذ مرحلة مبكرة من الإنقلاب جرى تقسيم المجتمع الليبي إلى فئتين: الأولى فئة أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة، والثانية فئة أعداء الثورة، وتقسيم المثقفين إلى نوعين: الأول المثقفون الثوريون، والثاني: المثقفون غير الثوريين.

وعندما إستنسخ القذافي من النظام الناصري فكرة "التنظيم السياسي الواحد" المتمثلة في الإتحاد الإشتراكي العربي، استعار معها فكرة عزل شرائح كثيرة من الشعب الليبي وتم أقصاؤها من المشاركة في تلك التجربة.

لم يكتف النظام باعتبار الإتحاد الإشتراكي العربي هو التنظيم الشعبي السياسي الوحيد في البلاد (يونيو1971)، بل تجاوز ذلك إلى حد إصدار قانون تجريم الحزبية والنشاط الحزبي (مايو 1972).

وعندما أعلن القذافي في أبريل 1973 ما أطلق عليه "الثورة الشعبية"، كان من بين الشعارات التي صاحبتها: "تطهير البلاد من المرضى والمنحرفين" (أصحاب التوجهات الحزبية) و"الحرية للشعب وليس لأعداء الشعب" و"لا فكر إلا فكر معمر" و"المعارضة ستُسحَق وتُسحَق حتى يُقطع دابرها"، ولم يقتصر الأمرعلى الشعارات فقط بل تجاوز ذلك إلى إعتقال وتعذيب المئات من أصحاب التوجهات الفكرية والحزبية المخالفة لفكر القذافي.

إذن ففكرة "الإقصاء للآخر" متأصِّلة في تفكير وسلوك ونظام والد المحاضر، وقد مارسها بالفعل منذ البداية بمجرد أن تمكن من إستلام مقاليد الحكم في ليبيا، وبالتالي فإنه لم يكن غريبا أن يتكرر الشئ ذاته في ظل "تجربة القذافي الديمقراطية الجديدة" منذ عام 1977. وقد مارس النظام "الإقصاء والعزل السياسي" عن طريق إستحداث أسلوب "التصعيد الغوغائي" كبديل لعملية "الإنتخاب" في اختيار من يشغلون مختلف المواقع سواء في المؤتمرات الشعبية أو اللجان الشعبية، وعن طريق إستخدام "اللجان الثورية" لتنفيذ سياسة الإقصاء بشتى الأساليب والوسائل، الخفية والعلنية. كما لعبت خطب القذافي، المحرِّضة علانية على ممارسة السحق والعنف في إقصاء "خصوم الثورة وأعدائها"، دورا هاما في إستخدام اللجان الثورية لتنفيذ سياسة الإقصاء.

وفي الواقع فإن ظاهرة عزوف المواطنين (بما في ذلك النخب المثقفة وأصحاب الرأي الآخر) عن حضور إجتماعات المؤتمرات الشعبية العامة والمشاركة في هذه التجربة الديمقراطية المزعومة ليست في نظري سوى ردة فعل واعية وإقصاءً ذاتياً مارسته مختلف شرائح المجتمع الليبي للتعبيرعن رفضها لهذه التجربة، ونابع من إيمانها بأنها ليست سوى خديعة وأكذوبة كبيرة. 

11. لماذا الإصرار على الإستمرار في التجربة؟

في شهرسبتمبرعام 1989، وبعد مرورعشرين عاما على قيام الإنقلاب المشؤوم، وأكثر من إثني عشر عاما على قيام "النظام الجماهيري" و "تجربة الديمقراطية المباشرة"، أجرت مجلة "الموقف العربي" القاهرية(1) حوارا مطولا مع القذافي، وكان من بين ما جاء فيه على لسانه التالي:

"لم يكن واجبا أن تقوم في ليبيا مثل هذه الثورة (الديمقراطية المباشرة)، بل في بلد واعٍ حتى يكون نموذحا.. لو قامت في السويد مثلا أو سويسرا(2) كان أفضل. كنا سنرى النظام الجماهيري يطبق مثل الساعة بشكل مثالي. في أي بلد متعلم ليس هناك عائق يحول دون تطبيق النظام الجماهيري، تدرسه الناس وتطبقه فورا.."

"ليبيا مكان غير مناسب لتطبيق النظرية، أوروبا الغربية هي أفضل مكان لتطبيق النظام الجماهيري حيث يوجد الشخص المثقف المتعلم، ولكن كلما تخلفت المجتمعات كلما واجهت النظرية صعوبة في تطبيقها، تطبيق النظرية في سويسرا أوالسويد أفضل، وسويسرا قريبة من النظام الجماهيري، لديها مؤتمرات شعبية غير دائمة، النظام الجماهيري ليس مثاليا هكذا (يقصد أنه واقعي)، بل هو قابل للتطبيق حسب النظرية ولكن المواطنين يجب أن يكونوا متعلمين. في أي بلد متعلم ليس هناك عائق يحول دون تطبيق النظام الجماهيري، تدرسه الناس وتطبقه فورا. النظرية الجماهيرية بغض النظر عن شروطها، المهم فيها الوعي وليس الهيكلية".

وخلال الشهر نفسه (سبتمبر 1989) أجرت الإذاعة البريطانية – القسم العربي – مقابلة مع العقيد القذافي، كان من بين ما جاء فيها على لسانه(3) التالي:

"كنت آمل أن ليبيا تقدم نموذجا لعصر الجماهير.. ولكن الثورة الجديدة هذه وقعت في بلد متخلف ثقافيا.. المجتمع الليبي غير مؤهل لأن يقدم النموذج الجيد للنظام الجماهيري. ثم أن عدد السكان القليل في ليبيا ورقعة ليبيا الكبيرة التي تساوي مساحة أوروبا هي التي جعلت التجربة غير واضحة ونموذج في مكان وبيئة غير مناسبة... إن النظام الجماهيري مناسب لبلد ترتفع فيه نسبة عدد السكان أكثر من تلك التي تتميز بقلة عدد السكان، فكلّما كبُرعدد السكان(4) كلما كنا محتاجين للنظام الجماهيري وللمؤتمرات واللجان الشعبية في كل مكان على مستوى قاعدي". (؟!؟)

كما ردد القذافي هذه الأقوال ذاتها خلال لقائه مع طلبة العلوم السياسية بجامعة ناصر الأممية يوم 11/1/1990، حيث كان من بين ما جاء على لسانه(5):

"ومما يؤسف له أن الجماهيرية التي هي النموذج المصغر لعالم الغد، ظهرت في بلد ليست مثقفة وعدد سكانها قليل وصحراويون وبدو ورعاة والقليل من الفلاحين وينتشرون على مساحة مليوني كيلومتر مربع والتعليم فيها ضعيف... النموذج الموجود في ليبيا الآن هو نموذج للأسف سئ...".

"وبالتالي فالنموذج الجماهيري الذي تقدمه ليبيا يعد نموذجا سيئا لأن ليبيا سيئة بسبب ظروفها المناخية الطبيعية (؟!؟) والظروف الإستعمارية التي مرت بها وجعلت منها مستعمرة أمية(6)".

وليعذرني القارئ وآمل أن لا أكون قد أثقلت عليه بنقل هذه المقتطفات المطولة من أقوال صاحب النظرية، إلا أني رأيت أني ملزمة بأن أوردها لخطورة دلالاتها بالنسبة إلى هذه التجربة الفجة التي فُرضت على شعبنا كل هذه السنوات، وكذلك لأهميتها في كشف درجة الإستخفاف والدجل التي مارسها المحاضر بحق مستمعيه.

إن هذه المقتطفات تستوجب عددا من الملاحظات والتساؤلات:

أولها: لا نستطيع إلا أن نفترض أن القذافي كان يعلم - قبل شروعه في تأليف نظريته - بحجم ليبيا الجغرافي الكبير، وعدد سكانها القليل وظروفها الطبيعية والمناخية السيئة، وأن الشعب الليبي (حسب وصفه) شعب أميّ ومتخلّف وغير مثقف وغير متعلم وغير واعٍ، ومكون من الصحراويين والبدو والرعاة والقليل من الفلاحين. فإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يجبر القذافي أن يفرض على هذا الشعب نظريته البديعة في الديمقراطية المباشرة التي تتطلب حسب رأيه أن يكون حجم السكان كبيرا وأن يكون هؤلاء السكان على درجة عالية من التعليم والثقافة والوعي؟!

ثانيها: إذا كان القذافي يدرك مبكرا (أو حتى لاحقا) أن حُسن تطبيق نظريته في الديمقراطية المباشرة يستلزم أن يكون الشعب على درجة عالية من التعليم والثقافة والوعي، ألا يقتضي ذلك - إذا كان القذافي حريصا فعلا على تطبيق نظريته (تجربته) تطبيقا ناجحا - أن يولي قضايا التعليم والثقافة والتوعية إهتماما خاصا وكبيرا؟! أعتقد أن سجل نظام القذافي في هذه المجالات بالذات يكشف بشكل قاطع بأنه سار بالليبيين في الإتجاه المعاكس تماما، ونحو تكريس الأمية والجهل وانعدام الثقافة والوعي. إن دلالة هذا الأمر واضحة وليست في حاجة إلى تعليق.

ثالثها: إذا كان القذافي قد اكتشف منذ عام 1989 فقط (وليس قبل ذلك) أن نظريته في الديمقراطية المباشرة ونظامها الجماهيري البديع غير مناسبة للشعب الليبي وفوق مستواه وغير ملائمة له حتى من ناحية حجم السكان والظروف الطبيعية والمناخية(7), ألم يكن من مقتضى هذا الإكتشاف أن يراجع القذافي نفسه وأن يتوقف عن محاولة فرض هذه التجربة غير المناسبة (والأصح أن يقال الفاشلة) على الشعب الليبي المغلوب على أمره؟

رابعها: إذا كانت كافة هذه الحقائق معروفة لدى المحاضر بشأن إعترافات والده بخصوص نظريته، وهو ما أرى أنها ينبغي أن تكون معروفة لديه (مالم يكن جاهلا أو مختلا عقليا)، ألا يوجب ذلك عليه أن يكف عن ترديد ترهات وهذيان والده بشأن نظريته وتجربته الفريدة البديعة، بل وألاَّ يجرؤ على القول وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على هذه التجربة المسخة الفاشلة أن "الكتاب الأخضر هو نظامنا السياسي والإقتصادي"؟ 

12. السبب الحقيقي وراء "فشل التجربة":

أود في البداية أن أشير إلى أن المحاضر قد تلاعب حتى بالتسمية التي إختارها لما آلت إليه تجربة والده. وفي الحقيقة فإن حتى كلمة "الفشل" التي تحاشى المحاضر إستخدامها لا ترقى إلى أن تعبر عن حقيقة ما جرى. وفي إعتقادي إن كل ما أشار إليه المحاضر في بيان الأسباب التي حالت في رأيه دون أن تصل التجربة إلى "النتيجة المثالية المتوخاه"، لا يقترب من بيان السبب الحقيقي لما آلت إليه هذه التجربة. إن ما حدث لليبيا ولشعبها تحت هذه "التجربة" قد كان عن سبق إصرار وتعمد. لقد رسّخ والد المحاضر بهذه "التجربة" الغاية الأساسية إلتي أقيمت من أجلها، وهي أنه لم يكن في نية القذافي التخلي أو التنازل عن السلطة المطلقة في البلاد، ولم يكن في نيته أبدا تمكين الشعب الليبي من حكم نفسه بنفسه أو إعطائه السلطة (لا مطلقة ولا محدودة)، أو تمكينه من المشاركة المباشرة في صنع القرارات وإصدار القوانين، ولكن كل الذي سعى إلى تحقيقه منذ  البداية هو إقامة "واجهة" (المؤتمرات الشعبية العامة واللجان الشعبية والإتحادات إلى جانب مؤتمر الشعب العام) تمكّنه من مواصلة حُكم البلاد حُكما فردياً مطلقا، كما تُمكِّنه من أن يتهرب من المساءلة والمحاسبة وأن يتنصَّل من المسؤولية عما يصدرعنه من قرارات وأوامر بحجة أن "السلطة بيد الشعب" وبيد هياكل السلطة الشعبية. وفي الحقيقة فإن عزوف الليبين وفي مقدمتهم الفئات المثقفة هو راجع إلى تنامي إدراكهم بحقيقة هذه "التجربة الخدعة"، وإن هذا العزوف هو الذي أدى بالتالي إلى إفتضاح أمرها وأيلولتها إلى ما آلت إليه. إن عامة الشعب الليبي لم يكن سوى "مادة" تلك التجربة الظالمة، بينما كانت لجانه بمختلف تسمياتها ووظائفها هي "الأدوات" لها، وعليه فإنه علميا، ليس من المنطق، متى فشلت التجربة في الوصول إلى "النتيجة المثالية المتوخاه"، أن تلقى اللائمة على أدواتها ومادتها (الشعب الليبي) بدلا من مصممها وواضعها في حيز التطبيق!

13. "الأمة كانت الضحية الرئيسية" - فمن هو الجلاد؟

ختم المحاضرحديثه عن إخفاقات تجربة والده، سواء في بناء ديمقراطية مباشرة أو إقامة العدل الإجتماعي (الإشتراكية)، بقوله "والضحية الرئيسية كانت الأمة بأكملها".

حسب ما أرى، فإنه بقدر ما في هذه العبارة من صحة إلا أنها تظل ناقصة ومبتورة، والأرجح أن المحاضر قد تعمد أن يبقيها على هذا النحو. نعم، لا يوجد أدنى شك في أن الشعب الليبي بأكمله كان هو الضحية لكافة توجهات وممارسات النظام طوال الأربعين سنة الماضية. ولقد دفع الشعب الليبي أبشع وأفدح ثمن لهذه التوجهات والممارسات من تعليمه ومن صحته ومن أمنه ومن رفاهيته وسِلمه الإجتماعي وحقوقه وحرياته وتقدمه وازدهاره، كما دفعه من سمعته ومن علاقاته الخارجية ومن مستقبل أجياله. لقد دفعه أموالا منهوبة، وثروات طبيعية مستنزفة، وفرصا مضيّعة، ومخاطر تهدد وحدة البلاد ومستقبلها. إلا أن الأمرالمثير للإستهجان هو أن يتجاهل المحاضر الإشارة أو الحديث عن المسؤول أو "الجهة المسؤولة" عما لحق بليبيا وبشعبها خلال الأربعين عاماً الماضية وفي ظل "التجربة الديمقراطية المباشرة" المزعومة، من دمار وفساد وظلم وتخلّف.

في إعتقادي أن المحاضر قد تعمّد أن لا يشير إلى من تسبب لهذه الأمة بأن تكون الضحية، فهو يعلم أن المسؤول الأول والرئيسي عن هذه الكارثة التي حلت بالشعب الليبي ليس سوى والده، بأفكاره الفوضوية المتخلفة وبتوجهاته الإستبدادية التسلطية، وبكتابه الأخضر وبنظامه "الجماهيري البديع"، وبتدخلاته وإملاءاته وأوامره التي شملت كل شئ في البلاد.

وبالطبع يطيب للمحاضر، وفي مناسبات كثيرة، أن يلقي باللائمة بشأن ما وقع في ليبيا على "اللجان الثورية" ، والأجهزة الامنية، وعلى مؤسسات النظام، إلخ.. ولكنه يعلم جيدا أن هذه جميعا لم تكن في يوم من الأيام سوى "أدوات" في يد والده، وأنها كانت ولا تزال تأتمر في كل كبيرة وصغيرة بأوامرٍ وتعليماتٍ مباشرةٍ منه فقط. ومن ثَم فإن مسؤولية هذه الجهات هي مسؤولية ثانوية وتأتي تابعة لمسؤولية والده.

14. من يملك حق مراجعة التجربة؟

في بداية شهر أبريل من عام 1974 قرر والد المحاضر التخلِّي عن القيام بالإلتزامات البروتوكولية التي يفرضها عليه منصبه كرئيس مجلس قيادة الثورة (إستقبال ضيوف ليبيا ورؤساء الدول واستقبال السفراء الأجانب الجدد عند تقديمهم لأوراق إعتمادهم.. إلخ..)، وقرر التفرغ لما أطلق عليه "قضايا التنظير والثورة". وهكذا، بدون تكليف من أحد، أو موافقة أحد بمن في ذلك شركاؤه في الإنقلاب (أعضاء مجلس قيادة الثورة) بدأ القذافي في تأليف ما أطلق عليه "الكتاب الأخضر". وفي يناير 1976 جرى الإعلان عن صدور الفصل الأول منه تحت عنوان "حل مشكلة الديمقراطية – سلطة الشعب".

ما أن حل شهر مارس 1977 حتى كانت الأفكار والتصورات التي وردت بذلك الكتاب قد فُرِضَت على الشعب الليبي كأساس لنظام الحكم (بموجب ما أطلق عليه "وثيقة قيام سلطة الشعب")، دون إستشارته ودون أن يُسمح له بإجراء أي حوارات أو إستفتاء حولها، ووجدت الوثيقة ومعها الكتاب الأخضر طريقهما إلى السراي الحمراء والجريدة الرسمية كوثائق رسمية للنظام الثوري.

وعلى مدار الثلاثين سنة اللاحقة أعطى القذافي لنفسه - دون الشعب الليبي بأكمله - الحق في تفسير الأفكار و"المقولات" التي صدرت في ذلك الكتاب (والأصح أن يقال الترهات) الواردة بكتيبه حسبما يروق له. كما عدّل من أعداد ومسميات وهياكل "النظام الجماهيري" وفقا لمزاجه فتراوح عدد المؤتمرات الشعبية الأساسية ما بين بضع مئات وبضعة آلاف، كما استحدث للتجربة إسم "الجماهيرية الشعبية الحقيقية السليمة"(1989-1990)، ثم "الجماهيرية الشعبية النقابية الجديدة" (1990-1991)، ثم إستحدث "الكومونات" (بأعدادها الخرافية) و"الفعاليات الإجتماعية" و"الشعبيات"، وهكذا...

المسألة التي أرغب في ترسيخها والتأكيد عليها هي أن القذافي أبقى الشعب الليبي، وهو الذي يُفترض أن هذه التجربة الديمقراطية قد اختُرعت من أجل تمكينه من تحقيق أكبر مشاركة ممكنة في الحكم وفي إتخاذ القرارت، بعيدا ومغيبا بالكامل عند صياغة النظرية وعند فرضها عليه، وكذلك عند أي مراجعة لمتطلبات تنفيذها. لقد تولّى القذافي كل ذلك نيابة عن الشعب الليبي، وحتى عندما "تبين" للقذافي في عام 1989 (كما رأينا سابقا) عدم مناسبة النظرية للشعب الليبي ولظروفه، فقد قرر من عنده - ودون أخذ رأي الشعب الليبي – الإستمرار في تطبيقها عليه.

يبدو أن المحاضر عازم على أن يعيد السيناريو نفسه على الشعب الليبي، وأن يفكر - كما فعل والده من قبله - بالنيابة عن الشعب الليبي، وأن يقوم بمراجعة تجربة والده في الديمقراطية المباشرة نيابة عنهم، ويُفهَم ذلك مما جاء في قوله في محاضرته "لساعات طوال أفكر في الدروس التي تعلمناها في التجربة الليبية وكيف يمكن بناء ليبيا الغد". إذن فالوالد فكَّر في الماضي نيابة عن الشعب الليبي، وها هو الإبن اليوم يفكر من جديد نيابة عن الشعب الليبي.

والسؤال الذي يفرض نفسه وبقوة هنا هو أنه إذا كان مفهوما، وإن لم يكن مبررا أو مقبولا، أن يقوم والده بما قام به، إلا أنه من غير المفهوم أو المبرَّر أو المقبول أن يقوم الإبن الذي يدعي أنه إصلاحي وديمقراطي، بتكرار الأمر ذاته ويلغي الشعب الليبي بكامله ويستأثر بالتفكير بالنيابة عنه.

أليس من حق الشعب الليبي أن تتاح له، بعد كل ما تجرعه تحت وطأة هذه التجربة، على إمتداد الثلاثين سنة الماضية، فرصة مراجعة هذه التجربة وبنفسه دون وصاية أو نيابة من الأب أو إبنه؟

المأساة كما يتضح من بقية المحاضرة، وكما سأتناوله بالتعليق في الأجزاء القادمة، لم تقتصر على مجرد قيام المحاضر بالتفكير "لساعات طوال" نيابة عن الشعب الليبي في الدروس التي "تعلمناها" (أرجو الإنتباه إلى صيغة الجمع) من التجربة الليبية (أرجو أيضا الإنتباه إلى وصفه بالتجربة بأنها ليبية في حين أن الشعب الليبي ليس له بها أي صلة إبتداءً وانتهاءً)، بل تجاوز ذلك بأن وضع الكثير من "أفكاره ورؤاه" موضع التنفيذ، وفرضها على الشعب الليبي بدون تفويض من أحد له بذلك.

(يتبع..)

الهوامش:

1. نشر الحوار في مجلة "الموقف العربي" العدد رقم (286) 4-10 سبتمبر 1989، وقد أعادت نشر هذه المقتطفات صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية في عددها الصادر يوم 4/ 9/1989

2. هذا طبعا قبل أن تحدث الوقيعة بينه وبينها بسبب إبنه هانيبال!

3. نشرت المقابلة في صحيفة "الزحف الأخضر" العدد الصادر في 25/09/1989 م. كما نشرت صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية مقتطفات من المقابلة في عددها الصادر يوم 15/09/1989

4. الصين مثلا؟

5. راجع المجلد (21) من السجل القومي الذي يحتوي على أقوال وخطب وتصريحات القذافي، الصفحات (374- 388).

6. المعزوفة إياها التي كررها المحاضر بعد عشرين سنة!

7. في الواقع فإن المرء يجد صعوبة إن لم تكن إستحالة في فهم منطق القذافي عندما يقول أن حجم السكان الأكبرهو الأنسب لتطبيق النظرية، أوعندما يزعم أن الظروف الطبيعية والمناخية في ليبيا غيرمناسبة لتطبيق النظرية الجماهيرية فيها!!

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
منير
ما الحل ؟؟ سؤال فيه نوع من السذاجة إن لم يكن غباء ... من يسأل عن الحل الحل بيدك ما دمت قد علمت زيف الاب والابن ، الحل فعل وليس…...
التكملة
قارئ ومتابع ومهتم
أنصح الأخت الفاضلة الليبية بأن لا ترد على هؤلاء الذين يحاولون الإنقاص من أهمية ما تكتب، فهم إما مزروعين من قبل النظام أو أنهم تأكلهم الغيرة من عدم مقدرتهم على…...
التكملة
الليبية تعي ما لا يعيه اغلب المواطنين
استغرب في التعليقات التي تفترض ان الناس يدركون اهداف شعارات ووعود الابناء ولن تنطلي عليهم بعدما تعلموا درسا قاسيا من تصديق شعارات ووعود ابيهم. نسأل اصحاب هكذا تعليقات اليس عامة…...
التكملة
حائر
وبعدين كشفنا سيف وبيناه وعرفنا الاعيبه شن الحل ؟ هل لديك حل؟ عرفنا لعب والاعيب الاب وتغاينا عنها والان نعرف الاعيب الابن وكذبه والجيمع يعرف ويعي ذلك . يبقى السؤال…...
التكملة
لسنا اغبياء
يا اختنا الليبيه محاضرة سيف وما احتوته لا يخفى علينا ولسنا اغبياء او سذج لتنطلي علينا الاعيبه فنحن نمتلك عقول ايضا ولك الشكر لجهدك على كل حال والله المستعان...
التكملة
الليبية
أشكر القراء والإخوة المعلقين. لا شك أن السلسلة طويلة، إلا أن ما دفعني إلى كتابة هذا التحليل على هذا النحو وبهذه التفاصيل هو ما حملته رسالت المحاضر من محتوى ونوايا…...
التكملة
التركيز على الابناء هو الطريق الصحيح
اشكر الليبية وكل من يهتم بما يقوموا به الابناء لأنهم شركاء والدهم في السلطة والسيطرة على البلاد والعباد وشغل العائلة الشاغل الان هو تمرير التوريث وبالتالي تكريس وترسيخ الوضع القائم…...
التكملة
عبدالرحمن
ذئب في جلد حمل وديع، هولاء الذين يقدمون "النُصح" أين يجب أن تنشر هذه المقالة. هولاء إما أن يكونوا عملاء للنظام وهذه التعليقات يُقصد بها التحبيط ، أو أن يكونوا…...
التكملة
الي بشير
والله الموضوع مش مستاهل كل هذه الدوشه وهذا رأي الكثيرين بس للاسف اختنا الليبيه لا تستمع الى النصح وتظن ان خطاب سيف بحاجة الى هذا الكم الهائل من التحليل وكل…...
التكملة
بشير الليبي
المقال ربما يكون مهم ولكن ليس للمواقع الليبية المعارضة كموقع ليبيا المستقبل بل سيكون ذو فائدة اكثر لو نشر في المواقع الاصلاحية او التي تتبع لشركة الغد هذا رأيي...
التكملة
محمد بن احميدة
شكرا للكاتبة على هذا المجهود . الإبن لا يختلف عن الأب في الكذب وتوزيع الأوهام. لعل من أكبر أخطائنا التي وقعنا فيها في الماضي وخاصة في السبعينات هو عدم التيقظ…...
التكملة
صالح حويل
الكتاب الاخضر ماصار منا في بوركينا فالصو وخذو عليه فلوس ملاحد ؟ جو هنا لقو الشعب الليبي يشري في الكبريت بالعوادين ! كل عشر عيدان مربوطات في سللك كيف الصاروخ…...
التكملة
عبد الرحمن
يامهند الظاهر أن الإبرة ضايعة منك من زماااااااان وما انتبهتش الا الآن. ولهذا ما قلته صحيح فلن تفيدك مثل هذه المقالات. أنصحك بالذهاب الى قصص الميكي ماوس، فهي حتما ستساعدك…...
التكملة
مهند
اختنا الليبيه الموضوع لا يستحق كل هذا العناء ، طولتي الخيط ايودر اليبره...
التكملة
عبدالحكيم البوسيفي
بسم الله . ان سياسة الاقصاء الدي يتبع فيها القذافي من اليوم الاول بعد الانقلاب عزل الضباط من رتبة نقيب وما فوق . وسيف سوفا يقوم بنفس سياسة الاقصاء ؟...
التكملة
الوالد يعرف سر التحنيط وشن يسوس الملح
لا يعرف الوالد من لا يعرف أنه خارق الذكاء وانه يحقق كل اهدافه عن طريق دغدغة عواطف ومشاعر المستهدفين (المواطنين والعرب) وانه عادة لا يفشل في شيء وإذا فشل في…...
التكملة
لكنك لا تاتي على دور سيف الاسلام
سليم الرقعي دائما يتهم الاب ولا يتعرض لصلاحيات ودور شركائه وورثته - ابنائه. فهو لا يشير حتى لدور سيف الاسلام في التفاوض والتسويات والاتفاقيات وقفل الملفات مع الغرب رغم انه…...
التكملة