الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال – الجزء العاشر 8/7/2010 21:27 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال – الجزء العاشر
الليبية بحث

خصّص المحاضر بقية محاضرته للحديث عن مشروعه حول "كيفية بناء ليبيا الغد" والذي لخّصه بعبارة "كيف نظل نبلاء وفي الوقت نفسه من ذوي الفاعلية". كما تحدث بإسهاب أيضا عن الخطوات الكثيرة التي قام بها أو إدعى أنه قام بها على طريق وضع هذا المشروع موضع التنفيذ. وسأتوقف في هذا الجزء والجزء الذي يليه عند جملة من النقاط التي وردت على لسان المحاضر بشأن هذا "المشروع".

 أولا: المفكّر والمدبّر الجديد:

 لا يخفى على أي مستمع أو قارئ للمحاضرة أن المحاضر قدّم نفسه لمستمعيه ليس فقط كمفكر وصاحب رؤى وأحلام بالنسبة لمستقبل ليبيا ولكن أيضا كمدبِّر وصاحب مبادرات وبرامج وصانع قرارات على أرض الواقع. وهو لم يقتصر على إستخدام عبارات مثل "فكرت لساعات طوال" و"بدأت أفكر" و"قمت بالدعوة إلى" بل تجاوزها إلى إستخدام عبارات أخرى مثل "لقد طبقنا هذا.." و"لقد دافعت عن سلسلة تدابير" و"قمت بدعم.." و"نحن نعمل على تعديل.."، "نحن نقوم بتحويل.."، "نهج آخر إتخذناه.."، "نعمل حثيثا"، "إعتمدنا قانونا جديدا.."، "قمنا بتحويل.."، "قمنا بافتتاح"، "سيكون المبدأ المعتمد"، " أقمنا تعاونا.."، "طرحت نموذجا"، "نحن نعمل على إجراء إستطلاعات" و" قمنا بالفعل بتجربة برامج.."

 فهذه العبارات تدل بشكل قاطع أن المحاضر تجاوز مرحلة "التفكير" و"التأمل" في مشاكل وأوضاع ليبيا الإقتصادية والإجتماعية والسياسية إلى مرحلة "التدبير" و"التنفيذ".

 وبالطبع فلو كانت هذه الشؤون التي أعمل فيها المحاضر عقله وكافة قدراته، تفكيرا وتدبيرا، هي شؤون خاصة به وبأسرته لكان ذلك مفهوما ومقبولا، أما إذا كانت هذه الشؤون تخص المجتمع والشعب الليبي جميعه، وتخص الدولة الليبية بكاملها، فلا أعتقد أنه من المفهوم أو المقبول أو الجائز أن يتصدى المحاضر أو أي شخص آخر للإضطلاع بها تفكيرا وتخطيطا وتنفيذا، ما لم يكن حائزا على التخويل والتفويض اللازم من الجهة التي تملك صلاحية إعطائه ذلك التخويل والتفويض. وينطبق هذا القول على أي شخص آخر حتى لو كان أعلم الناس وأنبههم وأذكاهم وأصلحهم.

 وفي حالة الجماهيرية بنظامها "الجماهيري البديع" يُفترض أن الشعب هو سيد الجميع، وهو وحده صاحب القرارات، وهو الذي يملك حق تفويض وتخويل أي شخص للقيام بالمهام التي تخص الشعب بكامله (تفكيرا وتخطيطا وتدبيرا وتنفيذا)، كما يُفترض أيضاً أن المحاضر وبقية إخوته شأنهم شأن بقية أبناء وبنات الشعب الليبي لا يملكون أي ميزة خاصة، ولا يستطيعون أن يقوموا بأي مهام ما لم يكلفهم بها الشعب الليبي (من خلال مؤتمراته الشعبية العامة). فهل حدث أن قام الشعب الليبي بتخويل المحاضر بالتفكير بالنيابة عنه؟ وأن يخطط نيابة عنه؟ بل وأن يشرع في تنفيذ وتطبيق ما يتوصل إليه تفكيره؟ أم أن في نظرية والده فصل سري رابع يجيز لأبنائه وإبنته ما لا يجوز لغيرهم؟

 ثانيا: نبلاء وذوي فاعلية:

 تناولت في جزء سابق كيف ينظر المحاضر إلى تجربة والده خلال الثلاثين السنة الماضية في حكم ليبيا على أنها – رغم كل ما شابها من أخطاء وقصور – تظل تمثل أحلاما وطموحات نبيلة، ولا أرغب في أن أعيد على القارئ ما سبق أن أوضحته وكيف أن والده وطموحاته كانت أبعد شئ يمكن وصفه بالنبل.

 لقد شرع المحاضر في الحديث عن "مشروعه" لليبيا الغد بطرح السؤال التالي: "كيف نظل نبلاء وذوي فاعلية في الوقت ذاته؟" وفي هذا إيحاء لمستمعيه أن منطلقات والده وتوجهاته وأحلامه وطموحاته كانت نبيلة، ولكنها كانت تفتقر فقط إلى الفاعلية (وبالطبع فقد أرجع ذلك الإفتقار إلى الشعب الليبي الذي لم يحسن فهم النظرية وأساء تطبيقها)، كذلك كأنه يقول أيضاً "مهمتى الآن هي أن أحافظ على هذا النبل الذي تجسده أفكار والدي وطموحاته، وفي الوقت ذاته عليّ أن أحقق ما افتقدَته تجربة والدي من الفاعلية"، وهو ما أكّده بقوله من جهة أخرى "إن الكتاب الأخضر هو نظامنا السياسي والإقتصادي".

ومعنى ذلك أن مشروع ليبيا الغد لا يعدو إلا أن يكون إمتدادا لمشروع والد المحاضر ونسخة منقَّحة منه، أي أنه كُتِب على ليبيا أن تبقى أسيرة للتصورات والأفكار والمقولات التي قام عليها "المشروع الثوري" للوالد لعدة عقود قادمة أخرى، ليأتي في نهايتها المحاضر نفسه أو أحد أبنائه ليعترف بأن أحلام وطموحات والده كانت هي الأخرى نبيلة مثلما كانت أحلام جدِّه. 

على المحاضر وكل من يردد مزاعمه أن يدركوا أن العلة الحقيقية من وراء كل ما حدث في ليبيا من فساد ودمار وتخلّف على إمتداد الأربعين سنة الماضية، لا تكمن في سوء فهم أو سوء تطبيق أفكار القذافي ونظريته، وإنما تكمن في الأفكار والنظرية ذاتها وما كان لها إن تُفهم أو تُطبَّق إلا بالطريقة التي فُهِمت وطُبِّقت بها، وما كان لحصادها إلا أن يكون علقما ومراً.

ولو إستعرنا جدلا التحليل الذي قدمه المحاضر نفسه، والذي مفاده أن الأسباب التي حالت دون أن يتمكن والده من أقامة ديمقراطية في ليبيا على إمتداد أربعين سنة من التجريب السياسي (أو بالأحرى التخريب) تكمن في الإرث الإستعماري، وغياب التقاليد الديمقراطية، ووقوع ليبيا بمنطقة متأثرة بالصراعات الجيوسياسية، وتعاني من لعنة النفط، فما الذي طرأ على هذه العوامل من تغير حتى جعل المحاضر واثقا من أنه سينجح فيما فشل فيه والده بجدارة وبامتياز، وأن يصرعلى المضي بنفس أحلام والده وطموحاته النبيلة، من أين وكيف سيحقق الفاعلية؟

منذ السنوات الأولى للإنقلاب المشؤوم ظل والد المحاضر يردد مخاطبا الليبيين: "نحن نريد أن نأخذكم إلى الجنة بالسلاسل" كما ظل يردد ومنذ سنوات بعيدة أن الزمن لا يعني شيئا عنده، وأن الحكم على تجربته لا يصح إلى بعد عشرات السنوات. ومن الأمثلة المبكرة على ذلك ما ورد في خطابه الذي ألقاه بمناسبة الذكرى السادسة لانقلابه (1/9/1975) "... السنوات الست التي هي عمر الثورة حتى الآن لا تساوي حتى لحظة في عمر طفل مثلا، إذا ما حُسبت تلك المدة في عمر الأمم والشعوب والرسالات العظيمة.. إن رسالة الإسلام تكاملت أسسها النظرية ووضع كتابها الذي يدوّن مفهومها بعد ثلاثة وعشرين عاما.. وإن الثورة البلشفية التي قامت على أساس تحقيق الشيوعية.. تعتبر في نظر العالم البلشفي كله أنها مازالت في بدايتها رغم مرور أكثر من خمسة وخمسين عاما على قيامها.. ولا زالوا يعتبرون هذه المدة التي تزيد على نصف قرن من الزمن مرحلة إنتقالية(*).. هذه السنوات الست ليست كافية حتى للحكم على شجرة فاكهة فما بالكم على رسالة ثورة عظيمة كثورة الفاتح من سبتمبر" ".. إن المرحلة الإنتقالية من الثورة إلى الدولة التي ستنبثق من الثورة لا بد أن تمتد عشرات السنين.."

وبالطبع فقد مرت على هذا الخطاب أكثر من خمسة وثلاثين سنة، وما حدث خلالها معروف، ولا يحتاج إلى المزيد من البيان، وكذلك فلم يسمح القذافي لأحد أن يسأله أين جنتك التي وعدتنا بأن تجرنا إليها بالسلاسل؟

وللأسف فإن مأساة شعبنا مع القذافي لم تقف عند هذا الحد، فها هو إبنه يحاول ان يسوَّق لنا فكرة "جنّة والده" من جديد وإن بعبارات مختلفة، وأدعو القارئ أن يتأمل في العبارة التالية التي أوردها في ختام محاضرته:

"التحديات التي نواجهها هي حقا صعبة، ولكننا نتحرك في الإتجاه الصحيح، ومازال الطريق أمامنا طويلا.."

ما هو مصدر هذه التحديات؟ ومن هم هؤلاء الذين يتحركون؟ ومن الذي أقرّ بأن هذا الإتجاه هو الإتجاه الصحيح؟ وكم سيحتاج الشعب الليبي من سنوات أخرى قبل أن يكتشف أنه يسير في ذات الطريق الذي رسمه والد المحاضر، وأن لا نبل ولا فاعلية في هذا الطريق؟

ثالثا: في الإصلاح الإقتصادي:

لا أدعي أنني من ذوي الإختصاص في الإقتصاد، كما أنه ليس في متناولي الحقائق والمؤشرات والبيانات الصحيحة (وربما ليس في متناول أحد) المتعلقة بالأوضاع الإقتصادية (**)  في الجماهيرية التعيسة بعد العبث المتواصل والتخريب الذي مارسه والد المحاضر بحق هذه الأوضاع على إمتداد الأربعين سنة ماضية باسم "الإشتراكية" و"التحوّل الإشتراكي" و"شركاء لا أجراء"، إلى غير ذلك من الشعارات الجوفاء، وكما هو معروف فقد عمد النظام إلى تغييب بل إلى تزييف وتزوير الحقائق والمعلومات حول هذه الأوضاع مثلما فعل مع بقية مناحي الحياة الأخرى في الجماهيرية. ومن ثم فلا أعتقد أن بمقدور أي مستمع للمحاضرة التي ألقاها إبن القذافي أن يدرك أو يعرف درجة الكذب والتزوير والتلفيق التي انطوت عليها بشأن ما ادَّعى أنه قام به في مجال الإصلاح الإقتصادي المزعوم.

يتبين للمتابع لِما نُشِرَ حول أوضاع ليبيا المالية والإقتصادية منذ وقوع إنقلاب سبتمبر أن والد المحاضر ورث عن النظام الملكي (ديسمبر 1951 – سبتمبر 1969) خزانة عامرة، وبنية تحتية جيدة للإقتصاد الوطني، فضلا عن أجهزة ومؤسسات وكوادر بشرية على درجة عالية من الكفاءة والخبرة في الإدارة والتخطيط. كما يتبين منها أنه على الرغم من أن عائدات ليبيا النفطية وحدها جاوزت، خلال الأربعين سنة من إستيلاء والد المحاضر على السلطة في ليبيا أكثر من تريليون دولار (ألف ألف مليون دولار) كانت كافية لتوفير جميع إحتياجات الشعب الليبي المعيشية والحياتية، وتمويل خططه للإنماء الإقتصادي والإجتماعي، غير أن القذافي قام عن طريق كتابه الأخضر ومقولاته السقيمة وتوجهاته الفوضوية وتدخلاته العابثة، بهدم بنيان الدولة التي ورثها عن النظام الملكي، وأشاع أجواء الفوضى والتخبط وانعدام الرقابة والمساءلة، والعبث بالعمليات الإدارية والتخطيطية والتشريعية، أدت إلى الإستنزاف الجائر لثرواتها الطبيعية، وإهدار واستباحة ونهب أموالها، وتعطيل طاقاتها البشرية، وحول ليبيا إلى بيئة متخلفة طاردة ودولة فاشلة بامتياز، كما حرم ليبيا من استخدام هذه الثروات في تحقيق أي صورة من صور الإكتفاء الذاتي الزراعي أو الغذائي أو الصناعي، وفي بناء إقتصاد إنتاجي قوي قادر على البقاء وعلى النماء بعيدا عن النفط وبديلا له. وقد تم كل ذلك باسم الشرعية الثورية من جهة، ومن جهة أخرى باسم سلطة الشعب ونظامها الجماهيري والديمقراطية المباشرة.

وكما هو معروف وثابت فلم تجرِ طوال السنوات الأربعين الماضية أي عملية تقييم ومراجعة علمية جادة لكل ما حدث وما تعرض له الإقتصاد الليبي من دمار وخراب، كما لم تجرِ محاسبة ومساءلة المتسببين فيما حلّ بليبيا وبثرواتها البشرية والمادية، وفي مقدمة هؤلاء المتسببين والد المحاضر الذي لم يجد حرجا في أن يعترف على الملأ (وهو الذي يفترض أنه مؤلف الفصل الثاني من الكتاب الأخضر "المشكل الإقتصادي") قائلا: "... وأنا لست خبيرا إقتصاديا ولا إداريا ولا قلت لكم أنا أستطيع أن أقدم لكم حلا للمشاكل الإقتصادية"

بعد كل الدمار والخراب الذي لحق بليبيا وبثرواتها المادية والبشرية على يد القذافي وبسبب أفكاره وتوجهاته التي فرضها على الشعب الليبي فرضا، شهدت الساحة الليبية منذ عام 2004 ظهور المحاضر كصاحب "مشروع إصلاحي" ذي أبعاد إقتصادية وإدارية وسيايسية وحقوقية. وبدون أن يحصل المحاضر على تخويل وتفويض من الشعب الليبي (وحتى مؤتمراته الشعبية العامة التي يفترض أنها صاحبة القرار في الجماهيرية) شرع المحاضر مستخدما مئات الملايين من الدولارات من خزانة الشعب الليبي وبدون إذنه ومستعملا في البداية واجهة "جمعية القذافي لحقوق الإنسان" (ما يوازي جمعية الشيطان لدخول الجنة) ثم "جمعية القذافي للتنمية..." وأخيرا منتحلا "صفة" إحتار المتابعون  للشأن الليبي في تحديد تعريف لها سوى أنها تعني أنه صاحب القرار الأول بعد أبيه في الجماهيرية. وبهذه الصفات المتعددة التي انتحلها المحاضر أعطى لنفسه الحق في عقد المؤتمرات وإطلاق التصريحات وإجراء اللقاءات الصحفية، واستخدام شركات العلاقات العامة والمكاتب الإستشارية ومختلف أنواع المرتزقة، وأصبح له مشروعه الإصلاحي المزعوم الذي حرص على أن يعتمد فيه على نصائح جهات معينة معروفة بتوجهاتها وارتباطاتها المشبوهة، كما حرص أيضا على أن يظل هذا المشروع مفتوحا وأن لا يرتبط بأي جدول زمني محدد. ولم يكتف بذلك بل وصل الأمر به إلى درجة أنه استصدر قرارات تنفيذية باسم اللجنة الشعبية العامة (مجلس الوزراء)، وغيرِها من مؤسسات النظام. وها هو الآن يقف محاضرا في جامعة لندن للإقتصاد والعلوم السياسية (ومن قبلها الجامعة الامريكية في القاهرة) يتحدث عن إيمانه الشديد بالديمقراطية وبالمشاركة الشعبية وعن مشروعه الإصلاحي ذي الأبعاد الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والحقوقية.

وكما أشرت سابقا، لا أرغب في التوقف عند كافة ما ورد في المحاضرة حول الجانب الإقتصادي من المشروع الإصلاحي للمحاضر فالحديث حول ذلك يطول ولا ينتهي.

كما أن المحاضر لم يورد من الحقائق والبيانات ما يدعم صحة ما أتى به من إدعاءات، ومن ثم فهي في نظري لا تعدو أن تكون نوعا من الأحلام والأوهام والأماني المعسولة. ومن ثَم فسوف أكتفي ببعض الملاحظات التي أرى أنها ذات أهمية خاصة:

أولها: أن أي عملية جادة للإصلاح بصفة عامة وللإصلاح الإقتصادي في ليبيا على وجه الخصوص، ينبغي أن تتوافر لها جملة من الشروط والمقومات، أهمها:

1. إعتراف النظام القائم بالوضع الكارثي الذي بلغته الأوضاع الإقتصادية في البلاد إعترافا صريحا وكاملا.

2. إعلان النظام عن الحاجة الملحة للإصلاح الشامل والكامل لهذه الأوضاع.

3. أن يكون في مقدمة الخطوات على طريق الإصلاح الإقتصادي مراجعة الاوضاع القائمة مراجعة شاملة وعاجلة من قبل لجان من الخبراء والإختصاصيين الليبيين يملكون التخويل القانوني للقيام بهذه المهمة.

4. أن تشمل عملية المراجعة والتقييم القيام بحصر شامل لإيرادات الدولة من مختلف المصادر (النفط والإستثمارات الخارجية، إلخ..) ومصروفاتها بما في ذلك الإنفاق العسكري والأمني والمساعدات الخارحية خلال الأربعين سنة الماضية، وتحديد السياسات التي القت بالأوضاع الإقتصادية في ليبيا إلى ما آلت إليه، وتحديد كافة المسؤولين عن هذه السياسات.

5. أن يتم نشر ما توصلت إليه هذه اللجان في أعمالها على الرأي العام الليبي بكل شفافية، وأن تتم محاسبة ومساءلة كافة المسؤولين عما آلت إليه أوضاع ليبيا الإقتصادية، وأن تتم عملية جرد لكافة إستثمارات ليبيا في الخارج، وملاحقة واسترداد أموالها وأرصدتها المنهوبة والمهربة إلى الخارج.

6. أن يتم وضع رؤية مستقبلية لأوضاع ليبيا وسياساتها الإقتصادية مربوطة بجداول زمنية محددة من قبل لجان تضم خبراء واختصاصيين ليبيين يملكون التخويل القانوني الصحيح.

7. أن يسبق وأن يصحب عملية الإصلاح الإقتصادي عملية إصلاح سياسي وإداري وقضائي وتشريعي شامل.

وبالطبع فمن غير المتوقع إطلاقا أن تتم هذه الشروط والمقومات في ظل النظام الحالي أو على يدي المحاضر وشِلل المرتزقة من حوله، ومن ثم فإن أي حديث عن إصلاح إقتصادي هو نوع من الخداع وعلى الأقل هو نوع من الأماني والأحلام.

ثانيها: إن ما أشار إليه المحاضر حول "التطبيق غير الرشيد للإشتراكية" و"المظالم التي وقعت في الماضي كمصادرة الأملاك الخاصة" هي كلها تجاوزات تمت بناء على ما ورد في الكتاب الأخضر من مقولات خرقاء، واستجابة للتحريض المباشر الذي مارسه والد المحاضر، وهي تجاوزات لم يكن هناك أي مبررات أو ضرورات إجتماعية أو إقتصادية أو أخلاقية لوقوعها، فضلا عن أنها كلفت المجتمع الليبي والإقتصاد الوطني خسائر فادحة ستبقى آثارها التدميرية تنخر في كيان الدولة الليبية ومقدراتها لعقود قادمة، كما أنها قابلة للحدوث من جديد طالما بقى الكتاب الأخضر يشكل النظام السياسي والإقتصادي لليبيا (كما يدعو المحاضر) وطالما بقى القذافي وشرعيته الثورية خطا أحمر (كما يدعو المحاضر أيضا).

ثالثها: تحدث المحاضر في أكثر من موضع في محاضرته عن الإجراءات التي يزعم أنه يقوم بها من أجل نقل "العام" إلى "الخاص" و"تحويل الثروة المتصاعدة في الدولة إلى الشعب". والحديث عن "المال العام" و" المال الخاص"، مما يوجب تذكير المحاضر بجملة من الحقائق:

أ. أن الدولة الليبية الحديثة التي قامت في أواخر عام 1951 عرفت تمييزا وفصلا كاملا بين "المال العام" و"المال الخاص" منذ لحظات ولادتها الأولى وحتى سقوطها في سبتمبر 1969 ، كما أن هذه الدولة أحاطت المال العام بجملة من الضمانات التشريعية (في الدستور والقوانين المالية) التي حافظت على المال العام ونظَّمت التصرف فيه كإيرادات أو كمصروفات، وأخضعت هذه التصرفات لرقابة السلطة التشريعية. وقد جرى إهدار كافة هذه الضمانات منذ السنوات الأولى للإنقلاب، الأمر الذي أدى إلى إستباحة المال العام إستباحة كاملة من قبل القذافي وأبنائه وغيرهم، وتعريضه لعمليات نهب واسعة ساهم المحاضر في قسط كبير منها.

ب. أن القطاعين "العام" و"الخاص" قد تعايشا في تكامل وبدون أي تنافر أو تزاحم في ظل النظام الإقتصادي الذي ساد خلال الحقبة منذ إستقلال ليبيا وحتى وقوع إنقلاب سبتمبر المشؤوم، وأن زحف "العام" على "الخاص" لم تعرفه بلادنا إلا على يد والد المحاضر وبتحريضه وباستلهام من ترهات كتابه الأخضر.

ج. أن الذي حدث تحت حكم والد المحاضر ونظريته هو أخطر من مجرد زحف "العام" على "الخاص" وإلتهامه، إذ تجاوزه إلى تحويل المال العام (بخزانته وبمصرفه المركزي وبعائداته النفطية واستثماراته الخارجية وعائداتها) إلى "مالٍ خاص" للقذافي وأبنائه، وفي مقدمتهم المحاضر، يتصرفون فيه دون حسيب أو رقيب.

د. أن إجراءات تحويل "العام" إلى "الخاص" التي تحدَّث عنها المحاضر لا تعني في حقيقة الأمر سوى شئ واحد وهو تحويل "المال العام" إلى "مال خاص للقذافي وأبنائه ومن يدور في فلكهم"، ويشهد على ذلك ما يجري من إستيلائهم بشتى الحيل والوسائل على الأراضي والعقارات التي كانت مملوكة للدولة، وتسجيلها بأسمائهم وتسجيل أغلب إستثمارات الدولة الخارجية بأسمائهم، واحتكارهم لمعظم التعاقدات مع الدولة، فضلا عن التوكيلات وشتى صور النشاط التجاري والمالي (الإتصالات السلكية واللاسلكية، وناقلات النفط، والنقل البحري...). وبالطبع فلم يخطر على أحد من مستمعي المحاضرة أن الأسرة الأولى من بين 188000 عائلة من أفقر العائلات في ليبيا التي أشار إليها المحاضر كانت أسرة والده وأبنائه.

رابعها: إن الإقتصاد المتنوع والتنافسي والصحي الذي يزعم المحاضر أنه يريد نقل الإقتصاد الوطني الليبي إليه، كان موجودا قبل إستيلاء والده على السلطة في ليبيا قبل أربعين سنة مضت، وأن "نظرية" والده هي التي أوصلت الإقتصاد الليبي إلى الحالة المزرية التي وصل إليها. ولا أدري كيف يريد المحاضر أن يصل بهذا الإقتصاد من جديد إلى إقتصاد متنوع وتنافسي وصحي في الوقت الذي يصر فيه على الإحتفاظ بما جاء في هذه "النظرية" من أفكار وترهات كنظام سياسي وأقتصادي؟

خامسها: إن "السياحة" التي يزعم المحاضر أنها موضوع إهتمامه الشديد والخاص، فالسبب في ذلك بيّن ومعروف، ويشهد بذلك ما يجري في أراضي رأس الهلال وما حولها بمنطقة الجبل الأخضر وفي منطقتي جنزور وأزوارة، فالمستفيد الاول من هذه المشروعات السياحية هم المحاضر وإخوته و"شركاؤهم".

(يتبع..)

الليبية

الهوامش:

* ظلت الثورة البلشفية في بدايتها واستمرت كمرحلة إنتقالية إلى أن سقطت عام 1989.
** خطاب القذافي أمام مؤتمر الشعب العام بسرت يوم 13/06/2003 وردد القذافي القول ذاته عام 2007 م.

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
المتسابق الوحيد
العائلة الحاكمة تطلق "مشروعا" تعلن انه "للحرية والديمقراطية وحرية الاعلام وحقوق الانسان"، وكأن ليس بيدها تقرير وتنفيذ كل ما تشاء منذ اربعين عاما. وفضلا عن انها الفاطق الناطق وتتصرف في…...
التكملة