الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال – الجزء الحادي عشر 14/7/2010 03:51 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال – الجزء الحادي عشر
الليبية بحث

سأتوقف  في هذا الجزء عند المزاعم التي أوردها المحاضر حول الإصلاح السياسي، والبنية التحتية، والمصالحة الوطنية، وحقوق الإنسان الليبي التي تضمنها مشروعه المسمى "ليبيا الغد".

أولا: الإصلاح السياسي:

أثقل المحاضر سمع الحاضرين بحديث مسهب حول نموذجه الجديد للديمقراطية القائم على الجمع بين "التداولية والمباشرة والتمثيلية"، وحول الآليات الحديثة التي استخدمها لتحقيق مداولات حرة، وأشار إلى وجوب أن يكون لليبيا دستور حتى يكون العمود الفقري للديمقراطية وكذلك قوانين ومؤسسات ثابتة، كما أكد على الحاجة إلى سيادة القانون والسيطرة المدنية على الجيش، وأن يتأسس الحكم على الجدارة والقانون بدلاً من الولاء لشخص أو قبيلة أو إلى عقيدة سياسية.

وقبل أن أسوق ملاحظاتي حول ما ورد على لسان المحاضر تحت العناوين السابقة، يحسن أن أنقل ما ورد خلال النقاش الذي تم بعد إنتهاء المحاضرة، على لسان البروفسور دافيد هيلد (أستاذ المحاضر السابق، والذي كان قد قدمه وأدار النقاش حول المحاضرة)، والذي يبدو أنه قد ضاق ذرعا بما كان المحاضر يردده، فكان من بين ما قاله له: ".... في أي نوع من الديمقراطية، تحتاج إلى آلية لتغيير قيادتك، فن الديمقراطيات هو أنك لا تحتاج لقطع رأس رئيسك لتغييره لأن هناك طرقا لإزالتهم... وهنا أتساءل، كسؤال نظري بقدر ما هو سؤال عن ليبيا، في نموذجك الذي طرحته اليوم، لم أسمع إجابة واضحة للسؤال، كيف، في تصورك، تتحول القيادة أي تتغير من خلال عملية ديمقراطية؟ أود أن أسمع منك إجابة واضحة لأني أرى أن هذا هو قلب وروح النظرية الديمقراطية فضلا عن السياسة."

وبالطبع فإن المحاضر لم يحر جوابا، وبهذا ما يكفي لبيان مدى زيف ما انطوت عليه المحاضرة من دجل وافتراء. ومع ذلك فإني أرى ضرورة التوقف بالتعليق عند عدد من النقاط التي وردت على لسان المحاضر.

الوقفة الأولى:

هي مع "النموذج الجديد للديمقراطية" التي تفتق عنه فكر المحاضر(ولم يقل لنا من أين استوحاه، فهل نتصور أنه توصل إليه بنفسه؟)، وقد وصف المحاضر هذا النموذج بالعبارة التالية: "طرحت نموذجا يرمي إلى تحقيق الديمقراطية القائمة على المشاركة حقا، من خلال الجمع بين ثلاثة أنواع من الديمقراطيات: التداولية، المباشرة، والتمثيلية.."... وهنا أود أن أطرح على المحاضر التساؤلات الآتية:

بأي صفة دستورية وقانونية (على الرغم من أنه ليس في الجماهيرية أي دستور أو قانون أساسي) يعطي المحاضر لنفسه الحق، دون غيره، في طرح هذا النموذج من الديمقراطية؟ ألا يذكرنا هذا بما فعله والده في مطلع عام 1976 عندما أصدر الفصل الأول من كتابه الأخضر وأعلن أنه يشكل الحل الوحيد والنهائي لمشكلة الديمقراطية في ليبيا وفي العالم؟!

فور إصدار والد المحاضر للفصل الأول من الكتاب الأخضر، أعلن في خطاب له يوم 18/01/1976 : "إن طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والروابط المهنية هو طريقنا الذي لا طريق سواه. وبذلك نكون قد قدمنا الحل النظري والعملي لمشكلة الديمقراطية... إن هذا الحل لا يمكن أن نفرط فيه مهما كان الثمن لأنه إنعتاق من قيود كافة أدوات الحكم وسيطرتها على الشعوب، وأننا لابد أن نكون على إستعداد لتأكيد هذا الإنعتاق ولو كتبناه بالدم".

وبالفعل فقد سال الدم الليبي، إلا أن الإنعتاق المزعوم لم يتحقق، ولم تُحل مشكلة الديمقراطية بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على هذه المزاعم. وبطبيعة الحال، فالمحاضر لم يتحدث في محاضرته عن "الدم" (ربما لأن المكان لا يسمح وكذلك الوقت لا يزال مبكرا)، إلا أنه فاته أيضا أن يقول لنا كم سيحتاج من السنوات هو أيضا حتى يكتشف أن "ديمقراطيته"، كما صورها له خياله الخصب، هي كذلك فاشلة وغير ذات نفع؟

أسهب المحاضر في الحديث عن "الآليات الجديدة" التي تفتقت عنها عبقريته لضمان أن تكون وصفته الجديدة للديمقراطية ناجحة وأن تحقق المشاركة حقا. كما أشار إلى أن هذه الآليات تشمل إستخدام أساليب متطورة ومتقدمة كالإنترنت (برامج جامعة ستانفورد الأمريكية للإستطلاع التداولي، وبرنامج أثينا على النت)، وهي جميعها آليات تفترض بالتالي أن يكون عموم الشعب الليبي على درجة عالية من التعليم والدراية الواسعة باستخدام الإنترنت. ألا يعتقد المحاضر أن الحديث عن هذه الآليات المتطورة هو في غير موضعه، ولا يناسب الشعب الليبي؟ فحسب رأي المحاضر، لقد عجز الشعب الليبي عن فهم نظرية والده في الديمقراطية رغم بدائيتها، وبدون الحاجة لاستخدام آليات متطورة، فكيف يتوقع من نفس هذا الشعب أن يفهم نظريته في هذه الديمقراطية "الخليط" واستخدام آلياتها المعقدة التي طرحها؟ أم أن المحاضر ينوي منذ الآن أن يظهر على الشعب الليبي بعد عدة سنوات من التجريب الجديد ليعلن له أنه اكتشف (كما فعل والده عام 1989) أن النظرية لا تناسب الشعب الليبي، وأنها تناسب شعوبا متقدمة مثل سويسرا أو السويد؟!

لقد سبق للمحاضر أن تحدث طويلا عن الإرث الإستعماري وغياب التقاليد الديمقراطية والنزاعات الجيوسياسية ولعنة النفط على أنها عوائق جدية حالت دون قيام ديمقراطية حقيقية في ليبيا خلال الاربعين سنة الماضية (بل منذ حصول ليبيا على إستقلالها في عام 1951)، فما الذي يجعل المحاضر متفائلا وواثقا هذه المرة من أن نموذجه الجديد بآلياته المتطورة سيتغلب على كافة هذه العوامل السلبية وسيقهرها؟ لم يحدثنا المحاضر عن وصفته السحرية التي أعدها للتغلب على هذه العوائق المتأصلة!

الوقفة الثانية:

الفقرة الأخرى التي تستوجب الوقوف عندها تتمثل فيما أشار إليه المحاضر حول "وجوب أن يتأسس نموذجه للديمقراطية على وجود دستور يكون بمثابة عمودها الفقري".

في البداية، أرى ضرورة أن أذكّر المحاضر (أو أعلمه إن كان يجهل) أنه قد سبق لوالده أن وعد الليبيين بإصدار دستور دائم (في الإعلان الدستوري الصادر باسم مجلس قيادة الثورة بتاريخ 11/12/ 1969)، ولكنه لم يفِ بوعده وأبقى البلاد طوال الأربعين سنة الماضية بدون دستور أو مرجعية دستورية، وهي حالة ليس لها مثيل في عالمنا المعاصر. وبالطبع فلم يكلّف المحاضر نفسه عناء الإشارة إلى هذه الحقيقة المفجعة حول جماهيرية والده، وبالتالي فقد أعفى نفسه من مهمة تقديم المبررات لهذا الوضع الشاذ الذي تعيشه ليبيا منذ استولى والده على الحكم بها.... فضلا عن ذلك، هناك ملاحظتان ينبغي تسجيلهما إزاء ما ورد في المحاضرة حول الدستور:

الأولى: أن دعوة المحاضر إلى ضرورة وضع دستور للبلاد لا تستقيم مع قوله أن "الكتاب الأخضر هو نظامنا السياسي والإقتصادي"، فهذ الكتاب ينص على: "إن مشكلة الحرية في العالم أن الدساتير صارت هي شريعة المجتمع، وأن تلك الدساتير لا تستند إلا إلى رؤية أدوات الحكم الإستبدادية الديكتاتورية السائدة في العالم من الفرد إلى الحزب.. إن الأسلوب الذي تبتغيه أدوات الحكم في السيطرة على الشعوب هو الذي يفرغ في الدستور، وتجبر الناس على إطاعته بقوة القوانين المنبثقة عن الدستور المنبثق من أمزجة ورؤية أداة الحكم(1)"

إن التناقض في كلام المحاضر واضح وبيّن، ولم يتكرم المحاضر ببيان كيف يمكن التوفيق بين دعوته إلى ضرورة وضع دستور للبلاد وبين تمسكه بالكتاب الأخضر الذي يرفض فكرة الدستور. (؟)

الثانية: لقد تجنَّب المحاضر وعن عمد بيان الآلية التي ستستخدم في وضع الدستور الذي يتحدث عنه ويعتبره أحد الركائز الأساسية لمشروعه للإصلاح السياسي المرتقب. وفي إعتقادي أنه سواء قدم المحاضر المبررات أو لم يقدمها، وسواء أوضح الآليات التي سيلجأ إليها في وضع دستوره المزمع أو لم يوضحها، لا أعتقد أن النظام القائم، سواء برعاية المحاضر أو والده، يمكن أن يؤتمن على وضع دستور لليبيا، إذا أريد لهذا الدستور أن يكون تعبيرا حرا عن ضمير الأمة الليبية وأمانيها ورؤاها المشتركة، وأن ينال رضاها وموافقتها وأن يحقق مصالحها العليا. هذا بالإضافة إلى أن دستور 51 الذي تم إلغاؤه على يد والده بعد الإنقلاب يظل الدستور الذي قامت عليه ليبيا منذ إستقلالها، ولابد من الرجوع إلى الشعب الليبي، بكافة أطيافه، في إستفتاء عام حول مسألة الدستور قبل البث فيها وفيما سيتم بشأنها.

وفي هذا الصدد، أرى أنه لابد من التذكير بمسودة الدستور التي جرى نشرها وسحبها في صيف عام 2008 م، إذ أن الطريقة التي جرى بها إعداد تلك المسودة وما انطوت عليه من تصورات، تشير بشكل قاطع إلى نوع الدستور الذي ينبغي على الليبيين أن يتوقعوه من المحاضر ووالده.

أما حديث المحاضر حول "ضرورة أن يتأسس الحكم على الجدارة والقانون بدلا من الولاء الشخصي أو قبيلة أو إلى عقيدة سياسية"، فهو لا يعدو أن يكون أكذوبة أخرى من أكاذيب المحاضر والتي تدعو إلى السخرية، فوجود المحاضر في المركز الذي هو فيه والصلاحيات التي يتمتع بها، وحتى محتوى المحاضرة نفسها، يقدم أصدق دليل وأقوى حجة على زيف مزاعمه بشأن "سيادة القانون" و"الجدارة" ، وينطبق الأمر ذاته بشأن كافة أعوانه ومساعديه.

لقد تعارف الناس على أن "فاقد الشئ لا يعطيه", ولا أعتقد أنه بإمكان أحد منا أن يتوقع من المحاضر الذي ترعرع في جماهيرية والده القائمة على الإستبداد والبطش والفوضى والتخلف، وتعلم الدروس في الحكم وفي حقوق الإنسان من والده "قائد هذه الجماهيرية"، واعتبر هذا الوالد خطا أحمر وترهات كتابه الأخضر أساسا للنظام السياسي والإقتصادي، لا أعتقد أن أي عاقل منا بعد كل هذا يمكنه أن يتوقع من هذا الشخص أي نوع من الإصلاح، سياسي كان أو غير سياسي.

ثانيا: البنية التحتية الجديدة:

أعلن المحاضر أن الإصلاح السياسي والإقتصادي الذي يقوده في ليبيا يقوم على ركيزتين أساسيتين، هما "البنية التحتية الحديثة" و"المصالحة الوطنية". وسأتوقف تحت هذا العنوان عند البنية التحتية الحديثة التي لخّص المحاضر إهتمامه بها في قوله: "نحن نصرف حوالي 200 مليار دولار(2) على الإسكان والبنية التحتية مما يجعل ليبيا الآن أكبر ورشة في العالم"... وفي هذا السياق، أرى أنه من الضروري أن أطرح على المحاضر سؤالين، أعتقد أنهما بالغا الأهمية:

السؤال الأول: في ظل الفوضى الضاربة أطنابها في الجماهيرية، وفي ظل الفساد المالي المستشري فيها (والذي يشكل المحاضر وإخوته بمن فيهم أخته وأقاربهم جزءا أساسيا وكبيرا منه)، كم يعتقد المحاضر، من هذه ال 200 مليار، سينتفع به الشعب الليبي على شكل مشروعات للبنية التحتية وكم منها سيذهب إلى حسابات المحاضر وإخوته وأخته الخاصة في سويسرا (الكافرة!) وغيرها؟... ولا أستغرب أن نجد أن المحاضر يعتبر ذلك من قبيل تحويل "العام" إلى "الخاص" كما مر بنا!

لا يخالجني أدنى شك أن التلويح بهذه المليارات وحتى توقيع التعاقدات فعلا باسم الإهتمام بالبنية التحتية، يهدف بالدرجة الأساسية والأولى إلى إسترضاء الغرب عن طريق شركاته، وإلى إتاحة الفرصة أمام المحاضر وإخوته لنهب ثروات ليبيا وأموالها باسم هذه التعاقدات.

السؤال الثاني: ما الذي منع والد المحاضر من أن يهتم بالبنية التحتية خلال العقود الثلاثة الماضية رغم وفرة عائدات ليبيا النفطية ورغم عدم إنقطاع هذه العائدات، وكذلك رغم وجود المؤشرات على الحاجة الملحّة إلى الإهتمام بها في كافة المجالات، الإسكان والتعليم والصحة والطرق والمواصلات، إلخ..؟

لقد تحاشى المحاضر الإشارة إلى هذا الموضوع كلية، ولعله تصور أن إشارته في بداية محاضرته إلى رفع الحظر الذي كان مفروضا على ليبيا، تكفي لتفسير الإهمال الذي تعرضت له البنية التحتية في السابق، وهو ما ردده صراحة المحاضر ووالده وعدد من المحسوبين على النظام في مناسبات عدة سابقة.

وعلى أي حال فإني أرى أنه من الضروري في هذه المناسبة تفنيد ما جاء في هذه الفرية (إرجاع الإهمال الذي تعرضت له البنية التحتية إلى العقوبات الدولية) من خلال التوضيحات التالية:

1. لقد عانت البنية التحتية في "الجماهيرية" من الإهمال الشديد منذ أواخر السبعينات وقبل فرض العقوبات الدولية عام 1992. وبمقدور المحاضر أن يراجع التقارير التي صدرت عن مؤسسات نظام والده كجهاز الرقابة الشعبية مثلا، التي أكدت تعرض كافة قطاعات البنية التحتية (الإسكان، التعليم، الصحة، المواصلات...) للإهمال الشديد في حقبة الثمانينات وما قبلها.

2. أن العقوبات التي فرضت من قبل الأمم المتحدة على ليبيا كانت بسبب السياسات العدوانية الحمقاء التي إنتهجها والد المحاضر خلال عقدي السبعينات والثمانينات والتي جعلت من السهل ومن المقبول إلصاق أي تهمة بذلك النظام، بالإضافة إلى أن تلك السياسات أهدرت مليارات الدولارات من الخزانة الليبية على صفقات السلاح وتمويل الإرهاب والمؤامرات والحروب الأهلية والحروب العدوانية التي ذهبت معها أرواح عشرات الآلاف من الليبيين وغيرهم.

3. أن العقوبات الدولية التي فرضت على ليبيا كان محدودة، وكانت جوية فقط، ولم تحُل دون أن يواصل النظام ضخ النفط واستلام عائداته، ومن ثم فقد كان بمقدوره إستخدام تلك العائدات في الحصول على كافة إحتياجات بناء وتجديد وصيانة البنية التحتية وبقية مشروعات التنمية وبخاصة أن كافة معابر ليبيا البرية والبحرية ظلت مفتوحة ولم يشملها الحظر.

ثالثا: حقوق الإنسان في ليبيا:

لم يبخل المحاضر على مستمعيه بالمزيد من المغالطات والأكاذيب عندما وصل إلى الحديث عن أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا حاليا، فلم يكتفِ بالإدعاء بأن "هناك تحسنا كبيرا" قد طرأ على هذه الأوضاع، بل ذهب إلى حد القول: "أنا فخور جدا بسجلنا المتعلق بحقوق الإنسان والمصالحة الوطنية".

ولا يخالجني أدنى شك بأن من يعرف واقع حقوق الإنسان في ليبيا، ماضيا وحاضرا، لا يمكنه، وهو يستمع إلى إدعاءات المحاضر، إلا أن يخلص إلى إحدى نتيجتين، وهما أنه إما أن تكون معايير المحاضر لدواعي وموجبات الفخر عنده منحطة بشكل مريع، ومعاييره لحقوق الإنسان متدنية بشكل فاضح، وإما أن تكون قدرة المحاضر على الإفتراء والكذب بوقاحة قد بلغت درجة غير مسبوقة لعله فاق بها قدرة والده في هذا المجال.

إلا أنه، ومن سوء حظ المحاضر، قد تزامنت تصريحاته الكاذبة مع صدور عدد من التقارير عن مجموعة من المؤسسات المستقلة والمحترمة المعنية بأوضاع حقوق الإنسان في العالم، وأعني بها تقرير منظمة العفو الدولية 2010، وتقرير فريدوم هاوس....

لقد جاء في التقرير الصادر عن منظمة العفوالدولية لوصف حقوق الإنسان في ليبيا التالي: "ظلت حرية التعبير وحرية التجمع وتكوين الجمعيات تخضع لقيود مشددة، ولم تظهر السلطات قدراً يُذكر من التسامح إزاء المعارضة. وعُوقب بعض منتقدي سجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان. واستمر احتجاز معتقلين سابقين في معتقل خليج غوانتنامو، كانت السلطات الأمريكية قد أعادتهم إلى ليبيا، وتُوفي أحدهم في الحجز منتحراً، على ما يبدو. وتعرض مواطنون أجانب للاعتقال وسوء المعاملة، للاشتباه في أنهم يقيمون في البلاد بصورة غير قانونية، ومن بينهم لاجئون وطالبو لجوء. وبدأ تحقيق رسمي بخصوص قتل عدد من السجناء في سجن أبو سليم في عام 1996، ولكن لم يتم الإفصاح عن أية تفاصيل، وقُبض على بعض أهالي الضحايا الذين كانوا يسعون لمعرفة الحقيقة. ولم يتضح بعد مصير مئات من حالات الاختفاء لقسري وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، وظل جهاز الأمن الداخلي، الذي كان ضالعاً في هذه الانتهاكات، يمارس عمله وهو بمنأى عن المساءلة والعقاب." أما تقريرفريدوم هاوس، فقد صنف ليبيا من بين الدول الأسوأ على صعيد إحترام حقوق الإنسان.

وعليه، فبعد ما أفصح عنه المحاضر من كذب وادعاء بخصوص ملف حقوق الإنسان في ليبيا، وكذلك من مجمل كلامه في هذا السياق، فإني لا أجد مفرا من التوقف هنا عند بعض النقاط التي أوردها:

أ‌.  فهم قاصر ومفجع لحقوق الإنسان:

من الواضح أن مفهوم المحاضر لحقوق الإنسان وحرياته قاصر ومفجع، وإلا لما وجد الجرأة لكي يصرح بأنه "فخور جدا بسجل حقوق الإنسان في ليبيا"، فالخطوات والأمثلة التي ضربها لا تساوي شيئا سواء إن نظرنا إليها من زاوية تصحيح المظالم التي وقعت على امتداد العقود الأربعة الماضية تحت حكم والده، أو نظرنا إليها من زاوية ما ينبغي أن تكون عليه حقوق وحريات الإنسان الليبي وفقا لما ورد في العهود والقوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والتي تشمل الحقوق القضائية (القانونية) والمدنية والحقوق الفكرية والسياسية وحقوق حرية الإعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وحرية الرأي والتعبير، وحرية تكوين الجمعيات والأحزاب والإشتراك فيها، وحق المشاركة السياسية الفعلية والحقوق الإقتصادية والإجتماعية والصحية والحقوق التعليمية والثقاقية.

أعتقد أن ما ورد في كافة التقارير الصادرة من جميع المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بالتنمية البشرية وحقوق وحريات الإنسان تضع جماهيرية والد المحاضر في مرتبة متأخرة ومتدنية وفي ذيل قوائمها، ويكفي في هذا الخصوص الإشارة إلى التقارير السنوية للمنظمات والمؤسسات التالية:

  • تقريرالتنافسية الدولية.
  • منظمة الشفافية العالمية.
  • صندوق التراث (heritage foundation).
  • منظمة العفو الدولية.
  • هيومان رايتس واتش.
  • مراسلون بلا حدود. 
  • المنظمة العربية لحقوق الإنسان.

وأرى في هذا السياق ضرورة أن أتوقف عند "حق" تعارفت عليه جميع الشرائع السماوية والأرضية، ووضعته كافة وثائق حقوق الإنسان وحرياته في صدارة موادها وهو حق "المساواة" والذي نص عليه الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولى على النحو التالي: "يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق"

وهنا أسأل المحاضر: ألا يعتقد أن ما يزعمه لنفسه من دور ومكانة في جماهيرية والده، ووقوفه متحدثا بهذه الصلاحيات التي يتمتع بها، هذا وحده (بغض النظر عن بقية ممارسات المحاضر) يشكّل إنتهاكا صارخا لحق المساواة الأساسي بين جميع الليبيين، والذي يشكل العمود الفقري الحقيقي لبقية حقوقهم وحرياتهم؟

ب‌.  ما هي الضمانات؟

بافتراض أننا صدقنا المزاعم التي وردت على لسان المحاضر بشأن التحسُّن الذي طرأ على حقوق وحريات الإنسان في ليبيا، السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي الضمانات لأن تبقى أوضاع حقوق الإنسان على هذا النحو الجيد الذي يزعمه المحاضر؟ ما الذي يمنعها من أن تنتكس من جديد وأن تعود إلى ما كانت عليه؟

السبب الذي يدعوني إلى طرح هذا السؤال وبإلحاح هو أن والد المحاضر تظاهر أيضا في شهر مارس 1988 - ولأسباب محلية وإقليمية ودولية معروفة - بالتراجع عن ممارسات نظامه القمعية السابقة، فأطلق سراح عدد من المعتقلين السياسيين، إلى غير ذلك من الإجراءات (وهي التي عرفت بانفراجات مارس 1988 أو كما يسميها العامة "أصبح الصبح")، وذهب إلى حد الإعلان عن إصدار ما أطلق عليه  إسم "الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير" (يونيو 1988)، وأتبعها في 20 يوليو 1991 بإصدار القانون رقم (5) لسنة 1991 الذي يحمل إسم "قانون تعزيز الحرية" ، والقانون رقم (20) لسنة 1991 الذي يحمل نفس الإسم. ورغم ذلك، فلم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى عاد والد المحاضر إلى سالف ممارساته القمعية، بل شهدت الفترة التي لحقت صدور هذه الوثائق قيام النظام بارتكاب أبشع جرائمه وفي مقدمتها مذبحة بوسليم في 29 يونيو 1996. ولم تحُلّ هذه الوثائق والقوانين (التي طبّلت لها أبواق النظام طويلا  بنفس الطريقة التي تطبل بها اقلام وأصوات معينة مؤخرا للإصلاحات التي يتظاهر المحاضر بالقيام بها) دون أن يرتكس النظام إلى سابق ممارساته.

السؤال الذي أرى من واجبي طرحه وبإلحاح على المحاضر: هب أننا إقتنعنا بصدق مزاعمه بشأن إنجازاته في مجال حقوق الإنسان الليبي وحرياته، فما هي الضمانات التي تحول دون أن يعود النظام (والذي هو جزء لا يتجزأ منه) مرة أخرى إلى سابق ممارساته القمعية كما فعل على إمتداد التسعينات؟ أعتقد أن الإجابة المبطنة التي تحملها كلمات المحاضر، وغير ذلك من أقواله وأفعاله، أن "الضمان" يتمثل في شخص المحاضر ومشروعه الإصلاحي وأن على الشعب الليبي أن يقوم باختيار المحاضر خليفة لوالده، ففي هذا وحده "الضمان".

ج. الإفتراء بخصوص إطلاق سراح آخر سجين سياسي في ليبيا:

الكذب من أرذل الرذائل، ولا شك أن أرذل الكذابين هم أولئك الذين يكذبون على الملأ وهم يعلمون أن من بين هذا الملأ العديد الذين يعلمون أنهم كاذبون. (كذاب وملاطعي!)

على إمتداد الأربعين سنة الماضية مارس القذافي الأب هذا النوع من الكذب، بل وكل أنواع الكذب على الليبيين، ويبدو أن القذافي الإبن قد ورث هذه الصفة من والده.

فمنذ مارس عام 1988 ، وبعد أن قدم مسرحية هدم جدار سجن بوسليم، أعلن القذافي في أكثر من مناسبة أنه قد تم الإفراج عن آخر سجين سياسي ليبي، غير أن الجميع يعلم أن السجون والمعتقلات السياسية في ليبيا بقيت مكتظة بنزلائها، ثم وقعت جريمة بوسليم لتؤكد من بين ما تؤكده أن القذافي كان يكذب بشأن إطلاق سراح كافة المعتقلين قبل ذلك. ومع ذلك فقد واصل القذافي كذبه إلى أن جاء إبنه ليعلن في محاضرته، وبدون أن يرف له جفن، أنه "قد تم الإفراج عن آخر سجين سياسي". هذا القول الذي ورد على لسان الإبن، بقدر ما ينطوي علي تكذيب لمزاعم والده السابقة، فإنه ينطوي على كذبة كبيرة أخرى ذلك أن معتقلات النظام وسجونه ما تزال مكتظة بالمعتقلين السياسيين الليبيين حتى بعد إطلاق سراح المئات ممن أسماهم في محاضرته ب"الإرهابيين السابقين". وأستطيع أن أتصور دهشة وزير العدل في جماهيرية والده لدى سماعه لهذا التصريح، والذي كان قد صرح في شهر مارس الماضي (2010) أن هناك أكثر من 300 معتقل سياسي مازالوا في السجون رغم إنقضاء مدة عقوبتهم، وبالطبع فهذا العدد الذي تكلم عنه السيد الوزير لم يشمل مئات المعتقلين الآخرين القابعين في السجون منذ عدة سنوات دون أن يقدموا إلى المحاكمة، ولم تصدر بحقهم أي عقوبات محددة.

وحتى لو صدقنا كذب المحاضر، فالذي ينبغي عليه أن يعلمه أن العبرة ليست بإخلاء السجون والمعتقلات في لحظة من اللحظات، فذلك قد يحدث لأي سبب من الأسباب، وإنما العبرة هي في إنتهاء النظام الذي يتربع على رأسه شخص يعتقد أن من حقه أن يعيد ملء هذه المعتقلات والسجون بالمعتقلين السياسيين لأي سبب من الأسباب وبدون رادع من خلق أو ضمير أو دستور أو قانون، وهو ما أرى أنه ينطبق على المحاضر بقدر ما ينطبق على أبيه. 

د. "التعذيب أصبح من الماضي":

من بين الإدعاءات الكاذبة التي وردت على لسان المحاضر أن "التعذيب أصبح من التاريخ الماضي في بلادنا".

ومن حقنا أن نسأل المحاضر كيف نعرف أن التعذيب لا يمارس داخل المعتقلات أثناء إلقائه لمحاضرته؟ ما هي الضمانات التي تمنع وقوع ذلك؟ وما الذي جدّ على تركيبة النظام وقوانيه وأساليبه وجلاديه؟ إن هذا النظام منذ بدايته قد مارس على الشعب الليبي شتى أنواع التعذيب، النفسي والجسدي، ولا يزال. أما إذا كان معيار التعذيب لدى المحاضر هو ذاك الذي بيّنه  حين دافع عن الأسلوب الذي أنتُزِعت به إعترافات الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات، معتبرا أن الضرب واستخدام الكهرباء، والتهديد بهتك العرض ليس من ضمن مايسمى بالتعذيب، فهذا معيار لا أعتقد أن مستمعيه كانوا سيوافقونه عليه إذا ما سألوه وأجابهم بنفس ما أجاب به المذيعة في برنامج "بدون حدود".   

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه العبارة تدل على درجة إستخفاف غير عادية لدى المحاضر بما تعرضت له حقوق الإنسان الليبي من إنتهاكات بشعة في الماضي ولا تزال. إذ كيف تكون جرائم التعذيب التي وقعت (والأرجح أنها لاتزال) شيئا من الماضي طالما أن النظام لم يعترف رسميا بها، وطالما أن عتاة المجرمين الذين أمروا بالتعذيب وشاركوا به لم يقدَّموا إلى المحاكمة أمام القضاء، ولم ينالوا جزاءهم العادل؟ بل طالما ما يزال هؤلاء المجرمون من أمثال والد المحاضر وعبدالله السنوسي والتهامي خالد وموسى كوسى وسعيد راشد خيشة وعزالدين الهنشيري ومحمد محمود حجازي ومحمد علي المصراتي ومعتوق معتوق وعبدالله منصور وهدى بن عامر ومصطفى الزايدي، والكثيرين الكثيرين الآخرين، في مناصبهم. لا أتصور أن أحدا يتوقع أن يكون التعذيب وكل الممارسات التعسفية الظالمة الأخرى شيئا من الماضي طالما بقي هذا النظام جاثما على صدورنا وطالما بقى هؤلاء المجرمون وفي مقدمتهم المحاضر ووالده وبقية أخوته ومن على شاكلتهم في مواقعهم.

سأتناول في الجزء القادم والأخير موضوع المصالحة الوطنية التي تحدث عنها المحاضر وعددا من الموضوعات المفتوحة الأخرى...... (يتبع..)

الليبية

هوامش:

  1. الكتاب الأخضر - الفصل الأول: حل مشكلة الديمقراطية "سلطة الشعب" - منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر طرابلس 1998 - الطبعة (24) 1998 ص 56- 57.
  2. بالطبع لم يقل في العام أو في الخمسة أو في العشرة أعوام القادمة؟

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
لسان حال ستة ملايين من الناس
لو أن ابناء الحاكم مواطنون مخلصون وصادقون وخيرون لتركوا المجال لغيرهم لا أن يحتكروا الساحة ويستثنوا كل احد غيرهم رغم الحرمان الذي طال الجميع باستثناء عائلتهم على امد اربعين عاما....
التكملة
الى احد افراد الشعب
إذا كان ابناء الحاكم مخلصين وصادقين فعلا لكانوا اخر من نسمع عنهم وليس اول من نسمع عنهم فما بالك الا نسمع عن احد غيرهم....
التكملة
احد افراد الشعب
اذا اراد سيف الاسلام النجاح الحقيقي عليه ان يتخلى عن كل ما ورثه من والده وان يستقل ويصبح مواطن عادى يتمتع بنفوذه الشخصى وامكانياته وخبرته وكفائته الشخصيه وان يبنى قاعدة…...
التكملة
برودجا
صدق من سماك ليبية نلقانك ليبية بنت ليبي مرحوم باتك وكل من عقبك...
التكملة
صالح حويل
لعنة البترول ؟ ياسلام توا لوكان مش خبر عوج لولا نعمة البترول يخطب في لندن غادي ؟؟؟ راك راكب علي حماره عرجه وقاعد تلم في القش بجلابيتك في سرت !!!…...
التكملة
عبدالحكيم البوسيفي
بسم الله . المراة السوية الطبعية المسلحة بلعلم والائمان بالله. لاتحتاج الى دجال لكي يناصرها . انتي اختي العزيزه نمودج للمراة الليبية الشريفة الصقره حلقي حره زاهيه شامخة بنت بلادي…...
التكملة
محمد خليفة مصباح
والله تحليلك فى منتة الدقة فان القذافى اتعامل مع الشعب الليبي كانهم خدم فى مزرعتة الشعب محسوب عندا قطيع من الاغنام...
التكملة
نفس الاسلوب ومازال كثيرون نائمين
اسلوب مطابق ونسخة من الاسلوب القائم منذ عقود - التبشير بالجنة بفضلهم وانجازات عظيمة تمت منهم لصالح الشعب ووعود بالمزيد في المستقبل القريب والبعيد رغم أنهم اشخاص عاديون لا يحكمون…...
التكملة
أ.ط..
سلمت وسلم يراعك أيها الكاتبة الليبية المبدعة. لقد اثريت مواقع المعارضة بهذه المقالات التحليلية المعمقة ،وفنّدت أضاليل هذا الدجال القحصى الجديد.هذه الردود فى نظري هى من أقوى الكتابات التى ووجه…...
التكملة
البرقاوى
تحية طيبه الى الليبية لك كل تقدير على هذا الاسلوب فى تحليل محاضرة محاضر العازه فى حملته الانتخابية لكى يكون بديلا لابيه الذى اصبح على قاب قوسين او ادنى ليرحل…...
التكملة