عزة كامل المقهور: ملاحظات حول المشروع الوطني الاستراتيجي للنهوض بالمرأة 16/7/2010 16:50 عزة كامل المقهور: ملاحظات حول المشروع الوطني الاستراتيجي للنهوض بالمرأة
عزة كامل المقهور بحث

ملاحظات حول (المشروع الوطني الاستراتيجي
للنهوض بالمرأة في الجماهيرية العظمى 2010- 2014)

تناولت الصحف المحلية تغطية لما سمي بالمشروع الوطني الاستراتيجي للنهوض بالمرأة في الجماهيرية العظمى 2010- 2014، وورد فيه أنه مشروع تبنته شؤون المرأة بأمانة مؤتمر الشعب العام، ويهدف إلى "إحداث نقلة في مجال الثقافة السائدة بالمجتمع، والمساهمة في إحداث اصلاح ثقافي نحو تحسين نظرة المجتمع للمرأة.... والتأكيد على أهمية الثقافة كعامل أساسي في تقرير مكانة المرأة ونظرة المجتمع لها"، كما يتضمن ندوات وورش عمل ومائدة مستديرة، يشارك فيها عدد من المهتمين والمتخصصين في مجال المرأة. وأشارت الصحف إلى أن هناك برنامجا علميا خلال السنوات 2010-2014، يهدف إلى تشجيع الباحثين والمهتمين في موضوعات دراسات المرأة، كذلك مشروع الدراسات المسحية للنهوض بالمرأة بتوفير قاعدة بيانات أساسية، وخلق حلقة وصل بين الاكاديميين ومجالس التخطيط بالشعبيات، وتوفير قاعدة بيانات على مستوى كل القطاعات والاجهزة والمؤسسات التي تتواجد بها المرأة، وأخيرا العمل على وضع استراتيجية إعلامية للمرأة.

 ورغم أننا سعدنا بهذا المشروع الذي وصف بالاستراتيجي للنهوض بالمرأة والذي سيستمر لمدة أربعة سنوات، إلا أن مفردات ومكونات هذا المشروع لم تعرض بشكل كاف وبتوسع حتى يتسنى للمرأة الإطلاع عليه والمشاركة فيه. كما ويبدو أنه خص بالحضور بعضاً من المهتمين بشؤون المرأة ومندوبات من القطاعات العامة اللاتي تقدمن بورقات ومقترحات ستكون "الأساس في الاستراتيجية للنهوض بالمرأة بالجماهيرية". وورد في الصحف "أن الباب مفتوح لإستقبال الآراء والمقترحات والأفكار والملاحظات التي من شأنها تدعم المشروع طوال الشهر".

 وإعتمادا على الباب المفتوح هذا، فقد ارتأينا أن نتقدم بالملاحظات التالية، آملين أن تجد الصدى لدى القائمين على المشروع:

1. المشروع:

من البين أن هذا المشروع قد أعدت له العدة، إلا أنه لم يعلن عنه إلا بعد أن تجاوزت السنة منتصفها، وكان الأجدر أن يعلن عنه مع نهاية العام الماضي، وأن تقدم مفردات المشروع ومكوناته مع بداية العام الحالي، تفاديا لأي تأخير. إلا أن طرح مشروع كهذا يظل مسألة تستحق التشجيع والتأييد إذ أنه آن الآوان وبشكل حثيث وعاجل لوضع مشروع للنهوض بالمرأة، والعمل على الغاء كافة صور التمييز ضدها، وأن الجهة المناط بها ذلك بلا شك هي شؤون المرأة بأمانة مؤتمر الشعب العام، حيث ورد في اللائحة التنفيذية للقانون رقم 1 لسنة 2007، المادة 8/ خامسا، أن تختص أمين شؤون المرأة "بالإهتمام بقضايا المرأة ومتابعتها من خلال البحوث الإجتماعية التي تجرى بالمؤتمرات الشعبية، والمشاركة في إيجاد الحلول اللازمة للمشكلات التي تواجه المرأة..... وتقديم تقارير دورية عنها".

ورغم أنه لا يمكن الإعتماد على التغطية الإعلامية كمصدر للمعلومات عن مشروع مهم كهذا، فقد كان الأجدر عرض برنامج المشروع بشكل مفصل باستخدام الوسائط الالكترونية أو اية وسيلة متاحة من وسائل النشر إعتمادا على مبدأ الشفافية، والمشاركة الشعبية للمرأة أينما كانت، وتوفير وسيلة للإتصال والتواصل لمعرفة مكونات المشروع وتقديم الرأي والمقترح والملاحظة بالخصوص. إلا أنه وإن كانت المبادرة لا بد وأن تكون نابعة عن حسن النية، إلا انه يستشف منها انها قاصرة على أفراد معينين وجهات "عامة"، ولا وجود لمشاركة عامة لمكونات المجتمع المدني بما في ذلك النقابات والقطاع الخاص ومجتمع الأعمال ناهيك عن الناشطات في شؤون المرأة والخبيرات من الرائدات والمتقاعدات اللاتي بدأن العمل الإجتماعي منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

إن وضع مشروع كهذا لن يبعث بالشكل الصحيح والحقيقي في غياب المرأة. والإعلان عن مشروع للنهوض بها في اكاديمية الدراسات العليا، دون مشاركة حقيقية تتواصل فيها الأجيال وتتعارف وتنصهر مكونات المجتمع النسائي بكافة اطيافه والوانه في بوتقة تجمع عليها المرأة وتنطلق منها في عمل ريادي حقيقي، لن يجعله يختلف عن غيره من المبادرات التي لم تحظ بمشاركة فعلية حقيقية من المرأة ولم تحقق فيها المرأة ذاتها وتقول فيها قولها، فكانت أحيانا تقدم اليها على طبق من فضة لم تع المرأة مسؤوليتها عند تناولها والتعامل معها، أو كان أضغاث أحلام تمسكت بها المرأة فانقشعت بحلول صباح يومها المضني.

لذا، فإن هذا العمل الضخم والمهم لن يكون عملا حقيقيا ومجديا إلا بعد نشر مكوناته وتعميمها، وحث المرأة على المشاركة فيه فرادى أو جماعات، والتأكيد على مشاركة المجتمع المدني من جمعيات اهلية تعمل ليل نهار مع المرأة الفقيرة والمعدمة، ومشاركة الأرملة والمطلقة، والمرأة التي تسرب اليها فيروس العوز المناعي، والمرأة التائهة بين قاعات المحاكم، وتلك الحاضنة التي تقرع ابواب النفقات والصدقات دون جدوى، المرأة القابعة بين جدارن البيت الإجتماعي لشبهة أو خطيئة دون أجل، المرأة التي تزوجت على سنة الله ورسوله من غير الليبي وتكابد الغربة في بلادها، المرأة العاملة في صمت تحت لهيب التحرش الجنسي، العاملة في القطاع الخاص بأجر اقل من أجر زميلها الرجل، المرأة المسرحة من القطاع العام بعد أن افنت شبابها فيه، المرأة التي تحلم بدخول معترك العمل بمشروع تحقق ذاتها فيه، المرأة التي فاتها قطار الزواج المستغلة اجتماعيا وماديا، والتي لم تحظى بزوج وتحلم بإحتضان طفل وكفالته وتربيته، المرأة التي قضت عقوبتها ولم تجد أحدا في انتظارها إلا الطريق الفرعي الملتوي، المرأة المعنفة المطرودة والتي بلا مأوى.

المرأة الريادية، الناجحة في عملها التي عليها أن تشارك في نقل تجاربها للأخريات، المرأة الطموحة التي نالت السبق والتي عليها استحقاقات لهذا المجتمع الذي قدم اليها الكثير وينتظر منها المبادرة والعون والمشاركة بالقليل.

بدون مشاركة حقيقية من المرأة في هذا العمل، فإنه لن ينطلق في الإتجاه الصحيح وسيكون مآله عمل أكاديمي صرف تتعاقب عليه السنون ليصبح مرجعا دون أن يكون دليلا أو منهاجا.

2. مكونات المشروع:

رغم أن التغطية الصحفية، وكما سبق القول، لا يمكن أن تكون مصدرا للمعلومات حول "مشروع وطني استراتيجي"، إلا أن هذا هو المتاح في الوقت الحالي، وقد تزيد الملاحظات أو تعدل في حال الحصول على ورقة المشروع والاطلاع عليها. إلا أنه يمكن الخلوص من خلال التغطية إلى ما يلي:

1. أن المشروع يعتمد بشكل كبير على الناحية الثقافية، ومحاولة تغيير نمط أو طريقة التفكير تجاه المرأة. ونحن وإن كنا لا نقلل من أهمية ثقافة المجتمع، إلا أن تغيير نمط التفكير أو الثقافة السائدة تحتاج إلى نفس طويل وعمل دؤوب وشاق، كما وان هناك عوامل مساعدة تسارع من عملية التغيير هذه، وأولها العملية التشريعية. ومن خلال المتاح من المعلومات، لم نر أية أشارة إلى التشريع أو القوانين ذات العلاقة بالمرأة، ولا الى الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بالمرأة وحقوقها، واهمها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ومكافحتها والمنشورة في مدونة التشريعات (عدد خاص/ السنة التاسعة 2009/ بتاريخ 20. 5. 2009) والتي تعتبر جزاء لا يتجزأ من التشريع الليبي، والبروتوكول الأختياري الملحق بها الذي انضمت اليه ليبيا.

2. رغم المكاسب التي تحققت للمرأة على الصعيد التشريعي، إلا أنها توقفت، بل هناك بعض التراجع في بعض القوانين، كما وأن القوانين الحالية ذات الصلة في حاجة إلى التطوير والتنقيح والتعديل. على سبيل المثال لا الحصر، لماذا ينص القانون رقم 7 لسنة 1423 بشأن أحكام الوصية على قصر الوصية الواجبة على أولاد الإبن دون البنت التي تنتقل روحها إلى بارئها قبل أبيها، ولماذا يكتفى النص في قانون العمل الجديد على حظر التحرش الجنسي على العامل دون رب العمل الذي غالبا ما يكون هو الممارس للفعل، وفي كل الأحول فإن العقوبة التي تطال العامل تتراوح فيما بين مائتين وخمسمائة دينار لاغير.

3. أن خوض المرأة غمار العمل، أو خروجها للتعامل مع الإدارة قد بين الكثير من المختنقات والكثير من المراكز غير المتساوية مع الرجل، فلماذا المرأة بحاجة إلى إذن ولي الأمر لفتح حساب مصرفي، ولماذا يتوقف معاشها الضماني بعد وفاتها ولايستفيد منه أبناؤها، ولماذا عند دخول المشرط الطبي إلى جسدها بحاجة إلى موافقة الذكر وإن كان ابنها، ولماذا لا تخرج من مؤسسة الإصلاح بعد أن تقضي العقوبة إلا لو جاء "ذكر" ليستلمها؟، ولماذا لا يمكنها فتح حساب مصرفي لأولادها دون أن يكون للأب الحق في السحب منه والتصرف فيه؟ ولماذا تشترط بعض الدوائر موافقة ولي الأمر لسفر الفتاة للتحصيل العلمي؟ وما أثر الرقم الوطني على المرأة التي ليس لديها كتيب عائلة وكيف يمكن تدارك الأمر؟ وماذا عن حق المرأة في القروض والسكنى وهل هي متساوية مع الرجل؟.

4. من الملاحظ أيضا أن مواضيع الندوات وورش العمل – حسبما ورد في الصحف- ركزت على الجانب الاجتماعي كرأي "الشباب"، و" الخطاب الديني" و "المنظور الإجتماعي"، بل و"صورة المرأة في الثقافة الشعبية السائدة"، ولا أعتقد أن عمومية هذه العناوين يمكن أن تشكل أساسا لنقاش حول مشروع استرايجية للنهوض بالمرأة، ناهيك عن الغياب الكامل للتشريع والتطور التشريعي لحقوق المرأة، وغياب الجانب الحقوقي للمرأة.

5. ومن خلال المعلومات المنشورة، يلاحظ غياب الاستعانة بتجارب الدول الأخرى بالخصوص، بما فيها الدول العربية التي شهدت تطورا ملحوظا في وضع استراتيجيات للنهوض بالمرأة، بل ومجالس وهيئات متخصصة في شؤون المرأة. ولا غضاضة من الإنفتاح على تجارب الآخرين وتقييمها والاستعانة بجوانب النجاح فيها وتفادي سلبياتها. ولا تفوتنا الإشارة إلى أن الأمم المتحدة وتحديدا الجمعية العامة و بالإجماع إستحدثت في 2. 7. 2010 جهازا جديدا يسمى "جهاز الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة" (un women) الذي سيعمل على تمكينها وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين الجنسين، وهو جهاز يمكن الاستعانة به وبخبراته التي يقدمها للدول.

لذا، فإنه من اللازم عند وضع مشروع وطني واستراتيجي أيا كان معتركه، أن يكون للتشريع نصيب مهم فيه، وأن لا يعتمد فحسب على الناحية الثقافية، خاصة إذا كانت ثقافة الفضائيات والانترنت أسرع وأنجع من أي مشروع وطني إن لم يستخدم التقنية والدعاية والإعلان والشفافية وتوسيع قاعدة المشاركة، والأهم الحفاظ على المكاسب التشريعية واللحاق بركب التطور التشريعي الذي يحدث في البلدان المجاورة خاصة دول المغرب العربي، والاستعانة بالخبرات الدولية، بل والمشاركة الحقيقية والفعالة للمرأة.

آلية المشروع:

رغم أن المشروع تضمن جانب علمي مهم، ألا وهو المسوحات وإعداد قاعدة بيانات، وهي مسألة في غاية الأهمية، إلا أنه كان من اللازم قبل كل شيء تكوين هيكل إداري للمشروع وآلية دقيقة وزمنية لتنفيذه في إطار ميزانية محددة. فكيف السبيل للوصول إلى المشروع والقائمين عليه؟ لا عنوان ولا أرقام هواتف؟ وكم كان أنجع لو أن المشروع عند الإعلان عن إنطلاقته صاحبته صفحة الكترونية في شبكة المعلومات تتضمن معلومات عنه وتتلقى المشاركات والملاحظات، وتوضع فيه الإعلانات والبيانات. فكيف نطمح لإعداد المسوحات وإعداد قاعدة بيانات، والمشروع لم يعتمد على مبدأ الشفافية ولا على توفير المعلومات وفتح باب المشاركة منذ البداية. كما وأن هناك مراكز بحثية ومسوحات متوفرة بشكل عام في عديد القطاعات، ولعل آخرها مشروع الرقم الوطني الذي يمكن الإستعانة به، وحبذا لو كان العمل من حيث انتهى الآخرون لا أن يكون من الصفر.

أنني بهذا قدمت بعض الملاحظات التي قد يكون القائمون على المشروع تداركوا بعضها أو كلها، لكن في غياب المشاركة والمعلومات، وآلية الإتصال، لا أملك إلا أن أنقل ملاحظاتي عبر الصحف، ذلك لأن المعلومات وردتني عن المشروع عبرها. وفق الله الجميع لما فيه خير بلادنا، الخير الذي لن يأتي إلا بتكاثف الجهود وتلاقح الخبرات والمشاركة الفعلية على أوسع نطاق.

عزة كامل المقهور/ محامية

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
احد افراد الشعب
اغلب مشاريع النظام نتائجها فاشلة ومن يشارك فيها ايضا سيفشل لانها ليست نابعة من ارادة صادقة بل من ارادة موجهة والارادة الموجهة غير حرة والتطوع فى المشاركة فيها ظلم ومفسدة…...
التكملة
أم الفداء
الأخت عزة: بحث موفق أحييك عليه، ونقاط فى الصميم يجب أخذها فى الاعتبار لو أريد فعلا خيرا بالمرأة الليبية،ومن جانبى اتمنى أن أرى مشروعا للنهوض بالرجل الليبى أيضا فهو فى…...
التكملة
مواطن
الاستاذة عزة لماذا صمتكم انتم رجال القانون استاذة عزة لماذا التقصير في حق وطنكم كل هذه الامكانيات والفكر والثقافة والمهنية ولم نسمع عنكم سوى كما يقال في العام مرة حرام…...
التكملة