الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء الثاني عشر 18/7/2010 17:20 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال - الجزء الثاني عشر
الليبية بحث

لن أتطرق في هذا الجزء إلى المناقشة التي تمت بعد المحاضرة بين الحضور والمحاضر وسأتناولها في الجزء الثالث عشر والأخير لطول هذا الجزء. أما هنا فإني سأتوقف عند المصالحة الوطنية التي تحدث عنها المحاضر، والتي تناولها على النحو التالي:

"أخيرا، يوجد عاملان أساسيان للنجاح، وهما البنية التحتية الحديثة والمصالحة الوطنية.... وعملية مصالحتنا الوطنية وصلت إلى قمتها الشهر الماضي، عندما أفرجت الدولة عن المئات من الإرهابيين السابقين، وحتى قادة "الجماعة الإسلامية المقاتلة"، وقد سبق ذلك خطوات عديدة: عودة المئات من الليبيين من المنفى إلى وطنهم، التعويض وإعادة الممتلكات المصادرة لمن أساءت الدولة إليهم بطريقة غيرعادلة، تعويض جميع ضحايا الإنتهاكات لحقوق الإنسان، وأخيرا الإفراج عن آخر سجين سياسي في ليبيا. التعذيب والاعتقال التعسفي، أصبحا الآن من التاريخ الماضي في بلادنا. أنا الآن فخور جدا بسجلنا المتعلق بحقوق الإنسان والمصالحة الوطنية، لم يعد ذلك حلماً. "

ولا أريد أن أكرر هنا ما سبق أن تناولته من تعليق عن هذه الإدعاءات حول الإفراج عن آخر سجين سياسي في ليبيا "التعذيب والاعتقال التعسفي، أصبحا الآن من التاريخ الماضي في بلادنا" (راجع الجزء الحادي عشر).

مرة أخرى يأبى المحاضر إلا أن يكشف عن معاييره المتدنية ومفاهيمه الضحلة القاصرة لبعض المصطلحات التي يقوم باستخدامها كمصطلح "المصالحة الوطنية"، والأنكى من ذلك أنه يضيف إلى التدني والضحالة، الكذب والإفتراء.

ومن الأمثلة على كذب المحاضر وافترائه، إدعاؤه "بتعويض جميع ضحايا الإنتهاكات لحقوق الإنسان" و"الإفراج عن آخر سجين سياسي" و "عودة المئات من الليبيين من المنفى إلى وطنهم" و "إعادة الممتلكات المصادرة لمن أساءت الدولة إليهم بطريقة غير عادلة".

نعم، لقد جرى تعويض لبعض الحالات، وجرى إطلاق سراح أعداد من المعتقلين السياسيين، وعاد بعض المنفيين، ولكن ليس كما وصفها المحاضر، كما أنها لا ترقى إلى إعتبارها مظهرا من مظاهر المصالحة الوطنية. وتجدر الإشارة إلى أن المحاضر لم يتردد في إستعمال وصف "الإرهابيين السابقين" على من تم إطلاق سراحهم ليكشف للقارئ أو للمستمع عن حقيقة "الحالة الذهنية" التي يعيشها، ونظرته إلى فكرة المصالحة الوطنية. وأترك للقارئ أن يتأمل فيما قاله المحاضر بأن "عملية مصالحتنا الوطنية وصلت إلى قِمَّتها الشهر الماضي عندما أفرجت الدولة عن مئات المساجين السابقين"  - فيالها من مصالحة ويالها من قمة ويالها من لغة!!

أراني مضطرة إلى التوقف هنا مليّا عند موضوع "المصالحة الوطنية" وفهم المحاضر الضحل والقاصر لها، وسأتحاكم معه إبتداء إلى أقوال عدد من الذين سايروا المحاضر في دعوته "للإصلاح والمصالحة الوطنية" وهللوا وطبّلوا لها، ولكنهم سرعان ما أبدوا تحفظاتهم حول فهم المحاضر للمصالحة الوطنية وتعاطيه معها، وسأكتفي في هذا الصدد بإيراد بعض المقتطفات الصادرة عن جهات أو أشخاص يدورون في فلك المحاضر ومشروعه الإصلاحي المزعوم:

المقتطف  الأول(1)

(عندما أصدرت مؤسسة القذافي للجمعيات الخيرية والتنمية بتاريخ 18 يونيو 2008 بيانا عن قرب الإعلان عن "التقرير المبدئي للتحقيقات الأولية الخاصة بكشف ملابسات أحداث بوسليم سنة 1996، والذي سيحدد المسؤولية الجنائية والقانونية عن الحادث... وسيحال للجهات القضاية اللنظر فيه" ظننّا أنه أخيرا وبعد مضي إثني عشر عاما سيطّلع الشعب الليبي، وفي مقدمتهم أهالي اضحايا تلك الحادثة الجسيمة على ما حدث في يومي 28 و 29 يونيو 1996 وعن الأسباب وكيف تطورت الأحداث ومن المسؤول وأسماء الضحايا وأعدادهم ومصير الجثامين، و و و... وأسئلة كثيرة تدور حول هذه الحادثة المأساوية..)

(ولكن قبل أن يصدر أي تقرير عن التحقيق ومصير المئات من المواطنين ضحايا الإختفاء القسري، شرعت الدولة في دفع "تعويضات" إلى ذوي الضحايا تحت مسمى "المصالحة الوطنية" ووصفت الصكوك المدفوعة بأنها "دية شرعية". وهذه خطوة غير مقبولة لا قانونا ولا شرعا ولا عرفا بل وغير أخلاقية..)

(عن أي مصالحة يتحدث الناس، ومن هم أطرافها تحديدا؟ ومن أين استمد القاتل "حق" القتل والعافي "مشروعية" العفو؟ وعلى أي أساس قدرت الديَّة "الصفقة"؟ ومن مال من ستُدفع؟ وهل هو قتل عمد، أم قتل شبه عمد، أم قتل خطأ؟ وإن كان نوع  القتل هو العمد فهل من تعمَّد القتل فرد أم طائفة؟ وهل تم التدرج كما جاء في شريعة الإسلام في تخيير أهل المجني عليه بين القود أو الدية أو العفو؟ هذه التساؤلات يطرحها منطق  الشرع، لأنها تتناسب مع حجم الجناية على أكرم خلق الله)

(.. ونحن نقول: نحن مع أي خطوة في طريق ردم الهوة بين المواطن وبين ما وقع عليه خلال هذه السنوات من ظلم وعسف، ولكننا نتحفظ بكل قوة، على منطق الإبتزاز وشراء صمت ولي المقتول، تحت شعار المصالحة، ونربأ بكل إنسان، أن يؤصّل ويبرر لهذا العرف السئ بين الدولة ومواطنيها)

(ولكن لكي يتحقق ذلك، ولكي نكون فعلا متجهين نحو مصالحة وطنية فعلية، ولكي يتم إعادة بناء الثقة الحقيقية بين المواطن والسلطة، يجب أن تكون الإجراءات قانونية وشرعية وأخلاقية. يجب أن تكون المصالحة بحجم الإنتهاك الذي وقع، ويجب أن تتوقف هذه الإجراءات الباطلة حتى يتم تحقيق شامل في هذه القضايا، تحقيق قضائي مستقل وعلني، يتعرض لكل الأسباب التي ادت إلى وقوع هذه الإنتهاكات، طبيعة الإنتهاكات، وتحديد مسؤولية كل طرف فيها. عند تحقيق ذلك ومعرفة الحقيقة، تكون الدعوة إلى الصفح والصلح، ويكون إصدار التشريعات والإجراءات التي تمنع تكرار هذه الإنتهاكات الشنيعة.)

إن محاولة معالجة الأمور بمنطق الإبتزاز، واستغلال حاجة الناس، أو فقرهم، أو يأسهم من الوصول إلى الحق والحقيقة، هي محاولة فاشلة، وإمعان في إيذاء أهالي الضحايا، ولن يزيد الأمر سوى تعقيدا...)

المقتطف الثاني(2)

"...وحتى الملفات التي تم تصنيفها ضمن المصالحة والتي أبرزها ملف المفقودين والمتضررين من ممارسات السلطة خلال العقدين الماضيين لا تخدم دعوى وقوع المصالحة وتؤكد على غياب إرادة التصالح والإفتقار إلى الرؤية والآلية الملائمة، بدا ذلك من أسلوب إدارة هذه الملفات من قبل الأجهزة الأمنية وبعقلية أمنية تحرم الطرف الضحية من أبسط حقوقه المادية والمعنوية بل وتستغل ضعفه وفاقته لتمرير أجندة تتناقض وروح المصالحة وذلك من خلال إستغلال هذا الضعف وهذه الفاقة لانتزاع "صلح" يقضي بعدم تحميل السلطة أي مسؤولية قانونية تجاه ما وقع من إنتهاكات فظيعة بحق المواطنين خلال العقود الماضية"

المقتطف الثالث (3)

"...كما أن أسلوب وطريقة تناول هذا الموضوع الهام "مذبحة بوسليم" وغيره من المواضيع ذات العلاقة، تستلزم معالجتها بالإعلان عن كافة المعلومات والملابسات بمنتهى المصداقية والشفافية، حيث لن يجدي الصمت أو التعتيم إلى نفع حيالها. وفي إعتقادي أنه لن يكون هناك مصالحة وطنية حقيقة إلا بتبيان الحقيقة الواضحة لهذا الملف الأليم والشائك والمعقد.. "

المقتطفات السابقة تعكس بوضوح التحفظات عند عدد من الأقلام الليبية التي لا يخفى أنها، وإن كانت من أنصار مشروع المحاضر للإصلاح والمصالحة الوطنية، لم تستطع السكوت عن الأسلوب القاصرالذي تتم به معالجة موضوع المصالحة الوطنية من قبل النظام والمحاضر نفسه.

غير أنني من جانبي لا أقف عند حد إنتقاد هذه المعالجات القاصرة، بل أضيف أيضا أنه لا أمل يرتجى إطلاقاً من قيام إصلاح حقيقي لأوضاع ليبيا ولا أمل من قيام مصالحة وطنية حقيقية طالما بقي هذا النظام بكافة رموزه (وفي مقدمتهم والد المحاضر) جاثما على صدر شعبنا. إن رموز النظام ليسوا جزءا من المصالحة الوطنية المأمولة، ولا يمكن أن يكونوا طرفا فيها. إن الحديث عن مصالحة وطنية في ظل هذا النظام مهما كانت الشروط التي يفكر بعض الإصلاحيين في سنّها، هي نوع من العبث واللهث وراء سراب، إن المصالحة الوطنية الحقيقية لا يمكن أن تقوم قبل زوال هذا النظام وكافة الأوضاع الشاذة التي أقامها والتي تعيشها بلادنا منذ أكثر من أربعين عاما مضت. وعليه فإني أرى أن كل من يحاول أن يجد الأعذار أو الطرق لهذا النظام لكي يفلت من المسؤولية عن كل العمليات الإجرامية التي إقترفها ضد شعب ليبيا، يُعتبر مشاركاً في هذا الظلم ويستحق المساءلة أيضا، حيث أن هذا السلوك لا يخرج عن إطار محاولات لتغيير مسار العدالة, ويشمل هذا كل الأقلام المأجورة وعلماء الدين الذين تمكّن النظام أن يجندهم إلى جانبه ضد أبناء شعبنا المثقل بالجراح.

بالإضافة إلى هذا، لا يفوتني هنا الإشارة إلى أن بعض الحالمين بمصالحة وطنية في ظل هذا النظام لا يكفّون عن تكرار تذكيرنا مرة تلو الأخرى بالمصالحة الوطنية التي جرت في جنوب أفريقيا، بينما ينسون أو يتناسون مسألة جوهرية تتعلق بهذه المصالحة التي يضربون بها المثل لكي نحتذي به في ليبيا، وهي أن التفكير في المصالحة في جنوب إفريقيا، أو طرحها أو الشروع في إجراءاتها لم يبدأ إلا بعد سقوط نظام "الأبِرْتَيْت" (التمييز العنصري) البغيض في تلك البلاد. أما قبل سقوط ذلك النظام (والذي كان سببا في وقوع المظالم التي جرت في ظله) فلم يدُر بخلد أحد طرح تلك المصالحة أو حتى التفكير فيها.

كما يخطرعلى بعض هؤلاء الحالمين أيضا أن يذهبوا "في سياق الترويج لما يسمونه بالمصالحة الوطنية في ظل هذا النظام" إلى تذكيرنا ببعض آيات القرآن الكريم التي تدعو إلى العفو والتسامح، متناسين ما ورد في كتاب الله الكريم أيضا "ولكم في القصاص حياة"، بل يذهب بعض هؤلاء إلى دعوتنا إلى الإقتداء بعفو الرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة المتمثل في قوله لكفار مكة "إذهبوا فأنتم الطلقاء"، وينسى هؤلاء أو يتناسوا حقيقيتن هامتين:

أولهما أن ذلك العفو قد جاء بعد فتح مكة، ونجاح الرسول الكريم في تحطيم القوة الغاشمة التي كان يملكها ويمثلها الكفار، وليس قبل تحطيم تلك القوة. ولو كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد أطلق قولته "إذهبو فأنتم الطلقاء" قبل دحر أولئك المشركين والكفار، لما كان لها من معنى ولاستُقبلت بالسخرية من قبل أعدائه.

ثاني هاتين الحقيقتين هي أن الرسول صلى الله عليه وسلم إستثنى من ذلك العفو العام مجموعة من الكفار أمر بإيقاع القصاص عليهم حتى ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، وذلك بسبب نوع وحجم الجرائم التي ارتكبوها بحق الإسلام والمسلمين.

لا أستطيع أن أمنع نفسى وأنا أقرأ الدعوات الممجوجة التي يرددها هؤلاء الذين يطالبون الشعب الليبي بأن يمارس "العفو" بحق هؤلاء المجريمن الذين ساموا شعبنا أسوأ العذاب ومازالوا (وعلى رأسهم القذافي)، لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أتصور شخصا ملقىً على الأرض مضرجاً بدمائه وفوق صدره عدو يواصل ضربه والإعتداء عليه، بينما يقف بعض المارة على هذا المشهد المأساوي، وبدلا من أن يحاولوا رفع الأذى عنه ويمنعوا المعتدي من مواصلة إعتدائه، إذا بهم يوجِّهون خطابهم لهذا المظلوم الطريح ويطلبون منه أن يعفو عن هذا الظالم الجاثم على صدره. فما بالك بسحق 1200 رجل أعزل وتسويتهم بالتراب من قبل من يُفترض أن يوفر لهم الحماية والعناية ويسهر على سلامتهم؟ أيُعقل أن يرضى مسلم أو كافر بما يدعونا هؤلاء الإصلاحيون بأن نرضى به؟ لم أجد لهم عذرا واحدا يبرر ما ينادون به سوى أنهم باعوا ضمائرهم وعُميت بصيرتهم عن رؤية الحق وانحدروا عن طريق العدل أيما انحدار!

على هؤلاء أن يدركوا ويتذكروا الحكمة القديمة التي عرفتها أمتنا، بل عرفتها كل الإنسانية، أنه "لا عفو إلا عند المقدرة"، ولذا فإن عفو العاجز لا يكون بدافع المقدرة لأنه لا يملكها، بل هو ضعف وجبن. إن "القادر" وحده هو الذي يملك حق العفو، أما هؤلاء فلا يملكون هذه المقدرة.

لقد ركّز المحاضر على قضية "الجماعة الإسلامية المقاتلة"، واعتبر إطلاق سراح قادتها والعشرات من أعضائها (الذين لم يتردد في أن يصفهم بالإرهابيين السابقين لمداعبة مسامع الحضور الأوروبيين)، إعتبر هذه الخطوة بمثابة "القمة" التي وصلتها عملية المصالحة الوطنية في ليبيا. وبالطبع فلا يخفى ما ورد في عبارة المحاضر من مبالغة وتهويل متعمَّدين، لا أشكّ في أنه قصد منهما التقليل من أهمية مذبحة بوسليم بالمقارنة بقضية هذه الجماعة، وهو ما أعتقد أنه مجافٍ للصواب بكل المعايير. وما ينبغي على المحاضر والمطبلين لمشروعه أن يدركوه هو أن "المصالحة الوطنية" لن تتحقق بمجرد توصله إلى "حلّ ما" لملفّ هذه الجماعة رغم أهميته. فالملفات القائمة التي تحول دون تحقيق المصالحة الوطنية هي أكبر وأخطر من أن يدركها المحاضر ومن حوله، ولا يملكون المؤهل الأخلاقي والإرادة السياسية للإضطلاع بها.

من جهة أخرى يظهر للقارئ جليا أن معالجات المحاضر لكافة القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان بما يحقق ـ في منظوره ـ المصالحة الوطنية تركزت حول دفع "التعويضات" للمتضررين.

وقد يكون إستخدام أسلوب "التعويض المالي" مفهوما ومقبولا وربما مجزيا في حالة التعويض عن الأملاك والأموال المغتصبة أو المصادرة من قبل هذا النظام، رغم أني أرى أنه حتى في هذه الحالات لم يقتصر الضرر المترتب عن تلك الممارسات على الجانب المادي فقط حيث أن الأسر المعنية قد عانت الأمرَّين من جراء تلك المداهمات والمظالم من تشهير وتشويه سمعة وتحقير، ومن هؤلاء من قضى نحبه من شدة الأسى ومنهم من اضطر إلى الهجرة إلى أرض الله الواسعة تحاشيا للمزيد من الضيم، وهذه كلها خسائر لا يمكن لمال أن يعوِّضها، ومهما أغدق هذا النظام على المتضررين وأبنائهم وأحفادهم من مال، فإن مرارة الظلم تظل دوما هي الطاغية, ويظل ما سجله التاريخ محفورا في ذاكرة الوطن، بل إني أرى أن هذا الحل اليوم مثل رش الملح على الجرح، حيث أن من ارتكب الجرم في حق شعبنا هو نفسه من يفرض الحل اليوم تماما كما فرض جرمه، ولا يعطي لشعبنا أي خيار آخر، كما أنه لا يمنحه حق القصاص العادل، هذا بالإضافة إلى أن التعويض الذي يتحدث عنه المحاضر يأتي من رزق وخزانة هذا الشعب، وفي هذا مخالفة للمنطق وللعقل، ولا يمكن للخصم والقاضي أن يكون واحدا.

وفضلا عما سبق، هل يعتقد المحاضر ومن يدور في فلك مشروعه أن التعويض المالي، مهما كان حجمه، يمكن أن يكون مجزيا لوالدين فقدا أولادهما الثلاثة أو الخمسة أو حتى واحد، أو لزوجة فقدت زوجها وعائلها وأبا أطفالها، أو لأطفال فقدوا والدهم؟ أي تعويض يمكنه أن يكون مجزيا لآلاف الأسر التي فقدت أبناءها وعائليها بسبب جرائم النظام على إمتداد الأربعين سنة الماضية، أو بسبب الحروب العدوانية التي شنِّها؟ ثم ما الذي يمكنه أن يعوِّض أرواح شهداء وضحايا هذه الجرائم؟ وما الذي يمكنه أن يعوض الوطن في فقد هؤلاء الآلاف من المغدورين والمفقودين من خيرة أبنائه؟

بأي منطق يمكن أن تقوم المصالحة الوطنية وأهالي الضحايا يرون المجرمين الذين نفذوا هذه الجرائم أو أمروا بتنفيذها لا يزالون في مناصبهم دون محاسبة أو مساءلة، بل هم الذين يُسَيِّرون الدولة وهم الذين يتولَّون الحوار ويقررون التعويض للمتضررين ولعائلاتهم؟ (عبدالله السنوسي مثلا)

على المحاضر ومن يطبِّلون لمشروعه أن يدركوا أنه لا يمكن إختزال المصالحة الوطنية في تعويض الضحايا أو عائلاتهم كما يحدث بين شيوخ القبائل عندنا للإصلاح بين أهالي القاتل والمقتول (في المواعيد والمسارات) وكأن الجرائم التي إقترفها والد المحاضر وزبانيته تجاه أبناء شعبنا العزّل، هي نوع من الشجار الذي يحدث بين الافراد والعائلات والقبائل.

إن الحديث في موضوع المصالحة الوطنية يطول، ولكنني سأكتفي هنا بأن أدعو المحاضر ومروِّجي برنامجه للإصلاح والمصالحة الوطنية أن يراجعوا وأن يصححوا مفاهيمهم الضحلة حول موضوع المصالحة الوطنية، وأن يدركوا التالي:

أولا: أنه لا مصالحة وطنية بدون أو قبل مساءلة وطنية شاملة، ومحاكمة قضائية عادلة ونزيهة ومعلنة.

ثانيا: أن هذه المساءلة والمقاضاة ينبغي أن تشمل كافة جرائم القتل والتغييب القسري والتعذيب والإعتقال التعسفي والإعتداء على الأعراض والاموال والممتلكات، وكافة قضايا وملفات الفساد السياسي والمالي والإقتصادي والإجتماعي والعسكري والامني التي وقعت في ليبيا منذ الأول من سبتمبر 1969.

ثالثا: إن هذه المساءلة والمقاضاة ينبغي أن تشمل كافة المسؤولين خلال هذه الحقبة وفي مقدمتهم القذافي وابناؤه وكافة رموز نظامه بدون إستثناء.

وفي رأيي، وبدون تحقيق هذه الشروط، لن تكون هناك مصالحة وطنية حقيقية.

(يتبع..)

الليبية

هوامش:

1. من كلمة المحرر بعنوان "المصالحة الوطنية.. ما هكذا تورد الإبل" -  صحيفة ليبيا اليوم الإلكترونية بتاريخ 13/11/2008

2. "ندعو إلى الإصلاح والمصالحة لم تتحقق بعد" – السنوسي بسيكري – صحيفة ليبيا اليوم الإلكترونية بتاريخ 18/03/2009

3. "الصمت لم يعد مجديا.. لماذا حدث ما حدث؟ وحتى لا يحدث مرة أخرى" – إدريس المسماري – صحيفة ليبيا اليوم الإلكترونية بتاريخ 29/03/2009

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
احد افراد الشعب
من عرف نعيم الحرية ولدتها واحسها وتحسسها لايفتر لحظة واحدة فى التفكير والدعاء والتضرع والبكاء فى سبيل الخلاص من هدا النظام الوثنى...
التكملة
ليبية مثلك لكني لست شجاعة مثلك
الله يبارك فيك أختنا الليبية وفقكِ الله ومتعكِ بالصحة...
التكملة
المعارضة اليقظة
ما يميز الليبية هو فطنتها ويقظتها لمشاريع وطروحات الابناء لترسيخ وتكريس الوضع القائم، تمرير التوريث باسم الدستور والديمقراطية وحرية الاعلام وحقوق الانسان ومؤسسات المجتمع المدني، مثلما نهب ابوهم البلاد والعباد…...
التكملة
محمد أمين العيساوي
أحسنت أختي الفاضلة نعم هناك ضحالة في التفكير سواء من جانب المحاضر أو ممن يجارونه في الطرح ، هناك قفز على المعطيات وتجاوزها قسرا من قبلهم أنظري الى توصيفهم للمرحلة…...
التكملة
الي الاخت الليبية
مطولها و مرق حبالها طولتي هالقصة و انتي مرطبة عليها و عاطيتيها اكثر من حجمها وعطيتيها قيمة و مكبرة راس الفرخ لحد ما طلعوله قرون ... ز مازال فيها الصالث…...
التكملة