الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال – الجزء الثالث عشر والأخير 25/7/2010 23:42 الليبية: ليبيا: حاضر ومستقبل، بين واقع وخيال – الجزء الثالث عشر والأخير
الليبية بحث

أعتقد أن تناول هذه المحاضرة سيكون مبتوراً إذا لم أعرج على إجابات المحاضر على الأسئلة التي وجهها إليه عدد من الحاضرين، وأود هنا أن أشير إلى ملاحظة ملفتة للنظر حول البون الشاسع بين الصياغة التي كتبت بها المحاضرة وبين الطريقة التي رد بها المحاضر على تلك الأسئلة. فالمحاضرة على ما فيها من مغالطات وأراجيف وافتراءات، لا يخفى على المتلقي أن يلاحظ أنها مكتوبة بعناية وأن من صاغها متمرس في إعداد مثل هذه الكتابات، ويعرف جمهوره المتلقي جيدا، كما يعرف مواضع التأثير عليه، إما بتأثير الأطماع والمصلحة، وإما بسبب جهله (جهل هذا الجمهور) بحقائق الأمور في ليبيا. أما إجابات المحاضر فقد ظهرت عليها السطحية والضحالة وضيق الأفق والتهرب والمراوغة بطريقة مفضوحة، بل وتنسف لدى المتلقي ما حاول التظاهر به على أنه إنسان حضاري وديمقراطي ونبيل وشفاف. إن هذا التناقض يؤكد بما لا يدع أي مجال للشك بأن المحاضرة ليست من إنشائه وأنها قد أعدت له من قبل خبراء أحد مكاتب العلاقات العامة  (P.R)

 أعود إلى أسئلة الحاضرين، وأتوقف عند إجابة المحاضر على سؤال من أحد طلبة الدكتوراة  بالكلية، وكان حول ما إذا كان المحاضر سيحتفظ بالكتاب الأخضر (بالطبع كرئيس مقبل لليبيا) أم لا؟

 ويبدو أن المحاضر قد نسي أو تناسى ما سبق أن قاله في المحاضرة بأن "الكتاب الأخضر هو نظامنا السياسي والإقتصادي"، وأخذ يجيب الطالب كما لو أن السؤال هو حول رأي المحاضر في الكتاب الأخضر كنظرية مجردة من حق أي إنسان أن يأخذ أو يترك منها ما يشاء، ولم يكتف المحاضر بذلك، بل إستطرد مدافعا عن الكتاب الأخضر ومؤكدا أن ما تعرضت له ليبيا في الماضي من مشاكل ليس بسبب الكتاب الأخضر ولكن بسبب سوء فهم الليبيين لمقولات هذا الكتاب وتلاعبهم بها وترجمتهم السيئة جدا لها. ولا أجدني في حاجة إلى القول بأن إجابة المحاضر عن هذا السؤال تجسد بشكل قاطع روح المراوغة والدجل المتأصلة في شخصه، ولا عجب، فهو لم يأتِ بها من بعيد، إنما تشكل جزء من تركيبته الوراثية التي حملها من والده.

 وبالطبع فإن هذا الزعم السخيف بأن المشكلة ليست في الكتاب الأخضر ذاته ولكن في سوء فهمه وسوء تطبيقه من قبل الليبيين، ليس بجديد، فقد سبق لأبيه أن ردد نفس العذر (الأقبح من الذنب) عشرات المرات، كما ردده وراءه العديد من أبواقه على إمتداد السنوات.. والسؤال الذي أراه يلح عليّ طرحه هو: ما الذي منع "القائد المفكر"، صاحب النظرية ومبدعها، من التحرك طوال السنوات الماضية (وإلى يومنا هذا) ليوضح لليبيين ما إلتبس عليهم فهمه من كتابه الأخضر، وأن يمنع تلاعبهم بمقولاته، وأن يصحح سوء تطبيقهم لما جاء به؟ ما الذي منعه وهو صاحب النظرية وأولى وأحق الناس بتفسيرها، وهو القائد الذي يملك كافة الصلاحيات الثورية والعسكرية وهو الموجّه والمرشد؟ ولم نعرف عنه أنه غاب يوما عن وعيه (حتى عهد قريب) أو نازعه أحد في السلطة والنفوذ؟

 الوقفة الثانية وقد تكون طويلة بعض الشئ، هي مع سؤال جاء من شخص لا يخفى أنه من جوقة المحاضر، يحمل إسم أحمد الشيباني، وأعطى لنفسه صفة الناطق الرسمي لمركز معلومات بطرابلس. لقد صدّر السائل المدسوس سؤاله بعبارة جاء فيها: "بناء على ما سمعت من أحد رجال الأعمال فإنه يشعر كأنه يعيش في شهر عسل، بعد نموذجي سوريا والعراق، فإنه يفضل أن يرى القذافي يحكم 400 سنة على أن يتحكم العم سام في ليبيا ليعذبنا" بعد هذه المقدمة وجه الشيباني سؤاله إلى المحاضر قائلا: " لماذا لا تملك الشجاعة لتعلن أنك الخليفة والأمير المتوج، لأن الكثيرين في ليبيا يرون ذلك؟".

 ولا يخفى أن المقدمة التي ساقها السائل تحمل رسالتين موجهتين للمستمع الغربي يخدمان أجندة المحاضر ووالده، والرسالتان هما:

 1. أن رجال الأعمال في ليبيا في ظل مشروع المحاضر الإصلاحي يعيشون في شهر عسل.

2. أن الليبيين (وبخاصة شريحة رجال الأعمال) يفضلون بقاء القذافي حاكما على ليبيا 400 سنة (وليس 40 فقط) على ألا يحدث لهم ما حدث للعراق وسوريا.. (ولا أدري ما هو الداعي لحشر سوريا هنا إلا أن يكون من أجل المزيد من الإسترضاء للغرب) على يد العم سام.

وبالطبع فليس في هذا الطرح أي جديد، فهذا ما يروجه ليس فقط القذافي وإبنه ومرتزقتهما، بل وللاسف الشديد فإن هذا ما يروّجه الكثيرون من دعاة الإصلاح من مختلف التوجهات الدينية والليبرالية والعلمانية، وأن البديل للقذافي وإبنه هو الأمريكان والفتنة والشرور والإقتتال و(الغولة و عبد البحر)..

أعود الآن للسؤال الذي طرحه السائل المدسوس والموجَّه للمحاضر بقوله "لماذا لا تملك الشجاعة..."، ولا يخفي بالطبع ما تحمله عبارة "الكثيرون في ليبيا..." من إيحاءات للمستمعين، ولا نستغرب إن سأل عدد منهم نفسه "كيف توصَّل السائل إلى هذه الحقيقة؟"!

يبدو أن البروفسور ديفيد هيلد خشي على المحاضر من أن ينزلق في إجابته مما يعطي الإنطباع بأنه يناقض توجهاته الديمقراطية المزعومة، أو لعله أرد أن يسجل بعض الكلمات حتى لا يؤخذ عليه سكوته أكاديميا وعلمياً، فبادر إلى القول بأن الخلافة والتوريث الذي يتحدث عنه السائل لا يتفق مع الدستورية وسيادة القانون. غير أنه (أي البروفسور) سرعان ما وجد حلا لمعضلة المحاضر بأن أقترح عليه أي يختبر فكرة "الشرعية الشعبية"* المرتبطة ب"برنامجه الإصلاحي"، وهو ما أتصور أنه يكشف السيناريو القادم للأحداث في ليبيا.

أما بالنسبة لإجابة المحاضر على السؤال، فلا أتصور شيئا مدعاة للغثيان أكثر مما ورد في تلك الإجابة التي تتلخص في أنه لا يريد أن يكون ذلك الأمير المتوج الذي أشار إليه السائل، لأنه لو قبل بذلك لكان ذلك يعني عودة الملكية إلى ليبيا كما يعني إستبدال عائلة حاكمة بعائلة حاكمة أخرى، وكذلك يعني أنه يصبح غير قابل للمساءلة وأنه فوق الدستور وفوق القانون، وأنه يصبح غير مقيد بأي مؤسسة وأي قانون، وأنه يصبح قائدا أعلى, ثم أضاف: " أعني ليبيا ليست بحاجة إلى مملكة أو ملك، أعتقد أن المستقبل للمدراء الجيدين يتم إنتخابهم أو إختيارهم بواسطة الشعب لكي يديروا البلد كشركة" !!!

لا يخالجني أي شك في أن هذا الدعي الدجال لا يملك ذرة من حياء أو ضمير، إذ كيف يجيز لنفسه أن يدعي هذه الإدعاءات وهو يعلم أن كافة الليبيين (بمن فيهم هؤلاء الأفاقون من حوله) يعرفون أنه كاذب. متى كان هو ووالده ووالدته وإخوته وأخته لا يشكِّلون أسرة حاكمة، بل من أسوأ وأحط الأسر الحاكمة؟  ومتى كان هو ووالده ووالدته وبقية هذه السلالة التعسة قابلين للمساءلة أو خاضعين للدستور (؟!) والقانون المؤسسات؟ ومتى تخلى والده عن وصف القائد العام أو القائد الأعلى، والآن "القائد الأعظم" منذ أن إغتصب السلطة في تلك الليلة المشؤومة؟ ولا أدري بأي درجة من الجهل والصفاقة يجرؤ المحاضر على مقارنة نظام والده الغوغائي المتخلف بالسنوات الرغيدة التي عاشتها ليبيا في ظل دولة الإستقلال بنظامها الملكي الدستوري الديمقراطي، أو مقارنة أسرته بكل مجونها وإجرامها وفسادها (وما يعرفه القاصي والداني عنها) بأسرة الملك الراحل، الورع التقي، محمد إدريس السنوسي رحمه الله.

أما تصور "الدول" في المستقبل كشركات تدار من قبل مدراء جيدين يتم إنتخابهم واختيارهم بواسطة الشعب، فهو تصور تردده بعد الدوائر الأكاديمية في الغرب، وقد ردده المحاضر كالببغاء دون أن يدري أن هذا التصور وإن كان ينطوي على بعض الإيجابيات الإدارية المحدودة، إلا أنه ينطوي على مضامين إستراتيجية وسياسية بالغة الخطورة والسلبية بالنسبة لأمتنا ومنطقتنا العربية. ولا ينبغي أن تغيب الإشارة إلى أن المحاضر حتى وهو يقبل بفكرة تقزيم دور الدولة إلى دور الشركة، فإنه لم يعلن تسليمه بفكرة الإنتخاب بشكل مطلق، فمدراء المستقبل في رأيه يتم "إنتخابهم" أو "إختيارهم" من قبل الشعب، ولعله نسي أن يضيف "أو تصعيدهم".

الحقيقة الأخرى هي إجابة المحاضر على تساؤل ورد على لسان أحد الحاضرين مفاده أن الخطوات والسياسات التي تحدث عنها المحاضر (في مشروعه الإصلاحي) والتي تهدف إلى إعطاء الشعب الليبي مقدرات إقتصادية أكثر، ليست سوى أشكال أخرى من الدفع المأجور، فكيف يمكنها أن تؤسس لعقد إجتماعي بين الدولة والشعب والذي ليس قائما الآن بسبب عدم وجود المجتمع المدني وبسبب المشاركة المدنية المتدنية في الديمقراطية في ليبيا.

حسب رأيي، فإن إجابة المحاضر تضمنت مجموعة من الأفكار والإشارات التي تكشف نواياه الحقيقية بشأن الإصلاح السياسي والديمقراطية، والتي آمل ألا تغيب عن دعاة الإصلاح الموهوم ومن أهمها قوله:

"إذا كنت جائعا وفقيرا جدا ولا تملك مسكنا، لن تكون لديك المقدرة ولا المزاج للإستماع إلى محاضرات عن الديمقراطية والدساتير والمجتمعات المدنية لأن لديك أشياء أخرى أكثر أهمية، أي حاجات أساسية"... "الديمقراطية ليست سيارة، الأحزاب السياسية ليست وجبات سريعة، ولذا فإننا لا نستطيع إختراعها في ليلة واحدة، نحتاج لأن نخلق البنية التحتية السياسية والإجتماعية الصحيحة للديمقراطية"... "واحد من الأمور الكبرى هي كيف ترفع المستوى المعيشي للمواطنين الليبيين، لأنك إذا حرمتهم من حقوقهم الأساسية أو حاجاتهم الأساسية، الديمقراطية بالنسبة لهم ليست أولوية"... "..لا توجد لدينا أحزاب سياسية الآن، يوجد لدينا قبائل، أعني إذا قمت باتخابات الآن، ستجد كل قبيلة تأتي بقائمتها الخاصة لترشيحها، لأننا منعنا الأحزاب لأكثر من 50 سنة، ولذا فإنه لا توجد ثقافة أو بيئة صحيحة للأحزاب السياسية لتعمل كما عندكم في المملكة المتحدة أو هولندا أو فرنسا. ولذا، حتى لأجل الأحزاب السياسية والإنتخابات تحتاج لأن تخلق البيئة الصحيحة والبنية التحتية الصحيحة"... "علينا أن نبدأ الآن.."

وأعتقد أن دلالات هذه الأقوال واضحة. فالأولوية الآن هي لرفع المستوى المعيشي لليبيين، أما الإصلاح السياسي والديمقراطية والأحزاب السياسية فليس لها الأولوية، ويمكنها أن تنتظر إلى حين الإنتهاء من المهمة الأولى (رفع المستوى المعيشي) وبناء البنية التحتية السياسية والإجتماعية الصحيحة للديمقراطية والأحزاب السياسية. وبالطبع فلم يحدد المحاضر كم من السنوات سيستغرقها القيام بمهمة رفع المستوى المعيشي لليبيين.. وكم من السنوات والعقود الأخرى التي سيستغرقها القيام بمهمة بناء البنية التحتية السياسية والإحتماعية الصحيحة؟ كل الذي أكد عليه المحاضر في إجابته (وفي المحاضرة): "علينا أن نبدأ الآن.." "ومازال الطريق أمامنا طويل"..

أرجو ألا يغيب على القارئ أن عبارة "علينا أن نبدأ من جديد" أستخدمت من والد المحاضر في كل مرحلة من المراحل الحرجة التي مر بها نظامه على إمتداد الأربعة عقود الماضية، وها هو المحاضر -كما يبدو- يريد أن يكرر معنا لعبة والده "علينا أن نبدأ من جديد".. "هذه بداية جديدة"..

كما أود أن أختم هذه الوقفة بسؤال المحاضر.. إذا كان يريد أن يبدأ معنا من جديد "العمل على رفع المستوى المعيشي لليبيين" و"بناء البنية التحتية السياسية" و"الإجتماعية الصحيحة للديمقراطية" فما الذي كان والده يفعله طوال الأربعين سنة الماضية؟ وفيما أهدر ثروات الشعب الليبي ووقت أبنائه وبناته وجهودهم؟

الوقفة الأخرى هي مع سؤال الصحفي "كميل الطويل" الذي تركز حول موقف والد المحاضر من "الإصلاح" وكيف يفكر فيه؟

اللافت للنظر هو ضيق المحاضر من السؤال، وقد عبّر عنه بقوله "لا يعجبني هذا السؤال"، ومن الواضح أن سبب الضيق لدى المحاضر هو إحساسه بأن السائل أراد أن يقول له وللحاضرين أن والدك هو ضد التوجهات الإصلاحية في ليبيا. يمكن تلخيص إجابة المحاضر على السؤال في النقاط التالية:

  • إن معمر القذافي هو والد الأمة الليبية بكاملها.
  • ومن ثم فلا يمكن القيام بشئ بدون موافقته.
  • إن معمر القذافي يريد أن يرى ليبيا في شكل أفضل.
  • ومن ثم فهو لا يوقف العملية الإصلاحية وليس ضد الإصلاحات، وهو لا يسد الطريق أمام المبادرات الإصلاحية.
  • أن دعمه أمر حاسم لأن بدون دعمه والضوء الأخضر منه لا شيء يمكنه أن يحدث!

وفيما أترك للقارئ أن يتأمل في دلالة هذه الفقرات فإنني أكتفي بأن أطرح على المحاضر التساؤلين التاليين:

  • إذا كان القذافي الأب مقتنعا بالعملية الإصلاحية وداعما لها، فلماذا لا ينبري لها بنفسه ومباشرة، خاصة وأنه يملك كافة الصلاحيات وفي مقدمتها الصلاحيات الثورية وهو والد الأمة كما يدعي المحاضر؟
  • ما الذي يؤهل المحاضر من دون بقية الليبيين كي يختصه والده للإضطلاع بالعملية الإصلاحية؟ وهل ينسجم هذا الإختصاص مع "النظرية الجماهيرية" التي ظل يروج لها طوال العقود الثلاثة الماضية؟ ثم ما الذي كان سيؤؤل إليه أمر الإصلاح في ليبيا لو لم يرزق القذافي الاب بالإبن المحاضر؟

وتكشف إجابات المحاضر لعدد من الأسئلة "كيف أنه تعلم كثيرا من أساليب والده في المراوغة والدجل، ويتضح ذلك من الطريقة التي أجاب بها على سؤال البروفسور هيلد حول خلوّ نموذجه الجديد للديمقراطية الخلطة من الحديث عن أي آلية ديمقراطية لتغيير القيادة. فجاء جواب المحاضر بعيدا كل البعد عن السؤال. ومن الأمثلة الأخرى في هذا السياق قوله عند إجابته على سؤال يتعلق بالسياسة في ليبيا "أنا لست صاحب القرار" في حين أنه ظل طوال المحاضرة يتحدث بلغة "فعلت" و"سأفعل"، الأمر الذي يدل دلالة قاطعة على أنه صاحب القرار. ومن هذا القبيل أيضا قوله في الإجابة على سؤال يتعلق بحال الإعلام في الجماهيرية: "الحكومة أغلقت قناة التلفزيون، حسبما سمعت، بسبب مصر"

ومن إجابات المحاضر التي تستوجب التوقف مليا عندها ما ورد على لسانه بشأن تصوره للعلاقة بين ليبيا والإتحاد الأوروبي في ظل مشروعه لحكم ليبيا، لقد كان من بين ما قاله:

  • إن والدي ركز كثيراً في السبعينات والثمانينات والتسعينات على الدول العربية وما يسمى بالأمة العربية، ولكنه بعد أربعين سنة إكتشف أنه كان مجرد حلم. من المستحيل إتحاد العرب في أمة واحدة. ومن الصعب جداً إقناع العرب. إنهم عنيدون جداً. إنهم أناس يصعب جدا إقناعهم بأي شيء.
  • تحول والدي بعد ذلك إلى إفريقيا السوداء، وركز كثيرا على افريقيا..
  • بالنسبة لي (أي المحاضر) وقد سبق أن قلت هذا وسأقوله من جديد، نحن لا نستطيع ويجب ألا نهمل، ويجب ألا نقلل من تقديرنا للبعد الأوروبي والبحر المتوسطي لأن ليبيا دولة بحر متوسطية.
  • أكبر شركائنا التجاريين هم الأوروبيون وليسوا الأفارقة أو العرب.
  • أكبر زبائن بترولنا هم الأوروبيون.
  • نحن نبعث بشعبنا ليدرس في أوروبا.
  • بالنسبة للسياحة نحن نقوم ببناء هوتيلات للأوروبيين وليس للأفارقة.
  • حتى خلال الإمبراطورية الرومانية ليبيا كانت جزءا من تلك الإمبراطورية.

وفي إعتقادي فإن هذه العبارات بقدر ما تكشف أهداف الذين نصحوا المحاضر بإلقاء المحاضرة وأعدوها له في سياق تسويقه والترويج له كحاكم قادم لليبيا، فإنها تكشف حقيقة توجهات المحاضر وميوله التي آمل أن تنبه أذهان هؤلاء الغافلين أو المتغافلين من دعاة "الإصلاح السيفي" والمطبلين له.

ما الذي استهدف المحاضر تحقيقه؟

لا يخالجني شك في أن فكرة إلقاء هذه المحاضرة والتي سبقتها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، جاءت من إحدى مكاتب العلاقات العامة المستأجرة من قبل المحاضر (وبمباركة والده بالطبع)، والمدفوعة الثمن من خزانة الشعب الليبي، من أجل تلميع صورته وتسويقه للدوائر الغربية كوريث عصري وديمقراطي وذي توجهات وميول يرتاح لها الغرب ويرحب بها ويفضلها عن أي بديل آخر.

ومن الواضح أن الشركة المستأجرة قد حرصت أشد الحرص على أن تكون رسالته للغرب من خلال المحاضرة (التي صاغتها) أو الإجابات التي يقدمها على أسئلة الحاضرين تخدم هذه الفكرة: فكرة تسويقه كأفضل بديل لحكم ليبيا من منظور غربي بحت، ومن ثم فقد حرصت على أن يخلو حديثه من أي ديماغوجية أو توجهات ثورية أو قومية أو دينية أو إيديولوجية، وأن يتسم بدلا من ذلك بالليبرالية والواقعية والإنفتاح والمصلحية والإعجاب بالقيم الغربية، كما حرصت على أن يتجنب – ما استطاع- في حديثه التعريج على ما طبع علاقات نظام والده بالغرب من توتر وأزمات ومشاكل في الماضي، وباختصار فمن الواضح أن الشركة نصحته بأن يسمع الغرب (وعلى الأخص شركاته ورجال أعماله) كل ما يرغب في سماعه.. وقد كان وبكل سخاء وفي بعض الأحيان بكل وقاحة ومذلة وعنصرية..

  • فالمحاضر رجل عصري واستشهاداته ومعاييره كلها غربية. فهو يرغب في التكيف مع العولمة في عالم مترابط، ويتكلم عن معايير فريدوم هاوس في الديمقراطية، والليبرالية الإجتماعية عند الليبراليين الجدد، ونهج بناء المقدرة عند المفكر "أمارتيا سن"، وبرنامج "جامعة ستانفورد للإستطلاع التداولي" و "أثينا على النت" و" المجلس الإقتصادي والإجتماعي الهولندي".
  • والمحاضر ينظر باستخفاف ودونية إلى الدول العربية وإلى الأفارقة، حيث أنه إستخدم عبارة "ما يدعى بالأمة العربية" ويرى إتحاد العرب في أمة واحدة أمرا مستحيلا.. والعرب عنيدون..
  • وهو يتذكر أن ليبيا كانت جزءا من الإمبراطورية الرومانية ولا يتذكر أنها كانت جزءا من الخلافة الإسلامية.
  • والقضية الفلسطينية هي نزاع بين العرب والإسرائيليين، وأن المشكلة تكمن في الخلافات الفلسطينية – الفلسطينية التي تشكل له صداعا.
  • وليبيا تقوم ببناء الهوتيلات للأوربيين وليس للأفارقة.
  • وفوق ذلك فالمحاضر يقدم العروض والإغراءات للشركات الغربية ورجال الأعمال الأوروبيين خاصة والغربيين عامة للقدوم إلى ليبيا الجديدو بقيادته كمستثمرين وسماسرة نفط وتجارة وباحثين عن فرص عمل وسواح.

ولسائل أن يسأل الآن هل حقق المحاضر مبتغاه؟

في إعتقادي أن المحصلة كانت صفرا كبيرا.. باستثناء جملة من المرتزقة والمنتفعين من وراء هذه الحملة الدعائية، فإن الإنطباع الذي تركه المحاضر لدى الغالبية الساحقة من الحاضرين ولدى كل ممن إستمعوا لإجاباته على وجه الخصوص، كان سلبيا إلى حد كبير. لقد إستطاع المحاضر بتلك الإجابات أن ينسف أي أثر إيجابي - ولو على نطاق ضيق - تركته بعض فقرات المحاضرة التي يبدو أن خبراء شركة العلاقات العامة أجهدوا أنفسهم في إنتقاء صياغة عباراتها، وفي إعتقادي أن الحاضرين لتلك المحاضرة قد أدركوا بشكل قاطع مدى الزيف الذي تنطوي عليه شخصية المحاضر ومشروعه الإصلاحي المزعوم.

ولعل العبارة التي إختتم بها البروفسور تلك الأمسية، ناصحا المحاضر فيها بقوله: "أعتقد أن عليك أن تأتي من جديد إلى كلية لندن للإقتصاد والسياسة لحضور كورس أو إثنين في مواضيع عن ترسيخ سيادة القانون، الحريات المدنية والسياسية، وتغيير القيادة من خلال الآلية الديمقراطية"  تلخص التقييم النهائي لأداء المحاضر. 

ملاحظة أخيرة أرى أهمية الإشارة إليها، تتعلق بالترجمة باللغة العربية التي قام بها رمضان جربوع، فقد حرص المترجم على حذف فقرات كثيرة من النص الإنجليزي الذي ألقاه المحاضر سواء في الجامعة الأمريكية بالقاهرة أو بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية في لندن، كما أنه خفف من حدة بعض الجمل ودرجة الكذب البين الذي أتى فيها على لسان المحاضر. إنني لا أشك في أن عمليتي الحذف والتحوير قد تمتا بتعليمات المحاضر وموافقته لتسهيل وقعها على مسامع القارئ الليبي، وبقدر ما تنم عملية الحذف المذكورة عن غياب الأمانة العلمية عند المترجم، فإنها تكشف الإزدواجية في شخصية المحاضر وفي معاييره.. وليس في ذلك من جديد، فمن شابه أباه فما ظلم.

والله المستعان.  

الليبية

* تردد إستعمال تعبير "الشرعية الشعبية" على ألسنة عدد من الكتاب المروجين للإصلاح السيفي والتوريث خلال السنة الماضية.

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
حنين الوطن
بحق اتبثى انك ليبية.لك كل الشكر والتقدير.جازاك الله خير وجعله الله في ميزان حسناتك....
التكملة
الليبية
أشكر القراء والمعلقين. بالنسبة لاقتراح الإخوة بخصوص المقارنة بين مقالة السيد رمضان جربوع والمصدر باللغة الإنجليزية والمحاضرة في لندن: لقد تحاشيت في الأجزاء المنشورة أن أخصص لها وقتا أكثر مما…...
التكملة
قاري
الى السيدة الفاضلة الليبية: نرجوا التكرم ومن باب الواجب وبحكم المامك باللغة وضع تلك الترجمة المغالطة ومواطن التزوير والنقاط التي حرص على اخفائها الكاتب والمترجم رمضان الجربوع لتنوير القاريء أين…...
التكملة
إلى \"باطل الأباطيل\"
إستوقفني التعليق الوارد أعلاه بعنوان "باطل الأباطيل..." ويخالجني إحساس بأن صاحبه هو دجال بني قحصة، وهذا يذكرني بما ورد في الصفحة الأخيرة من كتيبه الأخضر، حيث جاء فيها "وأخيراً...إن عصر…...
التكملة
محمد بن احميدة
اختي الفاضلة الليبية اشكرك على جهودك البناءة من أجل الوطن وستبقى هذه الجهود المباركة الى جانب جهودك الوطنية والإنسانية الأخرى صرحا يحق لكي أن تعتزين به ويحق للوطن أن يفخر…...
التكملة
أبو طارق
تحية للكاتبة المبدعة الليبية على هذه المقالات التحليلية المتميزة التي أعتبرها من أهم ما نُشِر على مواقع المعارضة الليبية مؤخراً، كما أشكرها شكرا خاصا على أنها لم تَعْبَأ للتعليقات السلبية…...
التكملة
libyan
اعظم الجهاد كلمة, ان لم تكن عظيمة الشان والتاثير لما عظمها رسول الله. دعوها تجاهد بماتستطيع فان سكتت هي وغيرها فماذا يبقى لليبيا بعد سكوتهم, لاشئ...
التكملة
مصطفى التايب
أولا احب ان أهنىء الكاتبة الليبية على هذا الجهد الفريد والمتميز، لي ملاحظة واراها مهمة إفراد مقال على ترجمة رمضان جربوع التي نقدتيها في نهاية المقال، مع إضافة المصدر الأصلى…...
التكملة
باطل الاباطيل كل شىء باطل وقبض الريح
معليش ياليبية ارجوا ان تقبلي راي بصراحة دون التعرض لشخصك الكريم انا انتقد كلامك فقط.nباختصار كلامك دفنكي ولاقيمة له مش بس انتي كل من يكتبون عن الشأن الليبي كلهم كيفك…...
التكملة
للمعلق الذي يدعي على الرقعي
الرقعي كتب وتناول في مقالاته اللاذعة والساخرة ابناء القذافي من الساعدي حتى سيف ولعلك لم تطلع على ذلك او انك تحاول الادعاء وحسب والدليا انه في مقالة اخيره بعنوان كبرت…...
التكملة
محمد أمين العيساوي
قلم ينبض بمداد الحقيقة ، وعقل يشع بأنوار المنطق .. أسلوب سلس بعبارة محكمة خالية من فانتازية المصطلحات وبهرجة الكلمات .. بمنطق تميز بالدقة ، وبقراءة هادئة ورؤية ثاقبة إستطعت…...
التكملة
wattany100
سيدتي شكرا لك ولك كل التقدير...
التكملة
مريض سابق بمتلازمة استوكهولم
الاخت الليبيةnليبيا ليس لها ماضي ولن يكون حاضر ولا مستقبل هذه المرحلة التي فيها ليبيا الان هي مرحلة حكم جبري بقوة السلاح والقهر والارهاب لكن هذه المرحلة الان بدءت تلوح…...
التكملة
كعادته سليم الرقعي لا يتعرض للابناء
سليم الرقعي لا يعترض على دور وتصرفات الابناء في امبراطورية ابيهم ومهامهم ومناصبهم فيها وحملاتهم وطروحاتهم لتمرير التوريث، بدليل انه لا يناقش ولا يكتب عنهم رغم انه يكاد ن ينتقد…...
التكملة
ليبية دائما
الله يبارك فيك يا اصيلة يا بنت الاصول ويكثر من امثالك من الليبيات المخلصات لهذا الوطن تحية لكي من اختك الليبية ولا تحرمينا من قلمك الوطني والشجاع...
التكملة
الليبي
السيدة الفاضلة الليبيةلك الشكر على هذه السلسلة الراقية التى كتبت بعناية وتفاصيل دقيقة تفضح هذا الدعي الذى ينظر اليه السراق والإنتهازيين بأنه المهدى المنتظر باركك الله ومزيدا من فضح شجرة…...
التكملة
ماشالله عليك يا ليبية
اسلوب تفكيرك ونقدك وكتابتك يجعلني نفخر بانك ليبية ياريت نعرفو ما هو تخصص دراستك ؟؟ لمجرد الفضول و حب المعرفة فقط ليس الا...
التكملة
ولد الشيخ
بارك الله فيك أيتها السيدة الليبية على هذا الجهد الكبير . وللأسف هولاء المعتوهين اينما حلوا او ذهبوا.لانجد الا السخرية منهم والضحك عليهم.سواء استهزاءا بهم..او الضحك عليهم بمعنى سرقة اموالنا…...
التكملة
سليم الرقعي
تحليل صائب وكشف لحقيقة اللعبة ووضرب في الصميم بارك الله فيك ومزيدا من فضح عبث واكاذيب هذا النظام الفاشل ... مع تحياتي...
التكملة