د. فاطمة الحمروش: أحذروا الدولة العميقة حتى لا تضيع دولتنا (1) 6/5/2013 05:42 د. فاطمة الحمروش: أحذروا الدولة العميقة حتى لا تضيع دولتنا (1)
الليبية بحث

أبارك لأهلي في ليبيا وخارجها بمناسبة سن قانون العزل السياسي بتاريخ 05/05/2012، جعله الله نورا هاديا للطريق السليم لثورتنا المباركة، وأود بهذه المناسبة أن أقول وبصوت عالٍ وواضح: حذاري مما قد يحاك لنا في الظلام، ولنتوكل على الله.

لقد عاهدت نفسي دوما أن لا أكون مبهمة في كلامي، وها أنا اليوم أكرر من جديد قولي: من لا يرغب في ظهور الحق لديه ما يخشاه، أما من يعمل بأمانة صادقا لوجه الله فيكون دوما أول المرحبين بظهوره، ومن يستعن بالله فلا غالب له، عليه توكلت وبه أستعين.

بعد عودتي إلى إيرلندا، شعرت في البداية بإحباط شديد بسبب الكم الهائل من الكذب والإفتراءات التي طالتني من ضعاف النفوس و"أبطال لوحات المفاتيح"، ولكني وبعد فترة من الهدوء إستجمعت فيها قواي، وأعتبرها إستراحة المحارب، أجد نفسي اليوم قادرة على مواصلة مشواري الذي بدأته ضد الفساد وضد الظلم وضد المفسدين.

لم يحدث أن بخلت سابقا، كما لن أبخل حاضرا أو مستقبلا، بكل ما أوتيت من جهد ووقت لنصرة الحق ، مهما كلفني ذلك، وأشكر الله الذي أعطاني من رباطة الجأش ومن الصبر ومن القوة، لأقف بدون وجلٍ أمام هذا الكم الهائل من المفسدين والمنافقين، ولأتسلّح بإيماني بعدالة الخالق لأعمل على فضحهم وكفّ بلدي مما يترتب على أعمالهم من ضرر.

ستتكوّن كتاباتي من:

تعليق على ما يجري في الحاضر، ملحقا بسرد بما يتناسب معه من أحداث عايشتها خلال فترة المعارضة، وخلال فترة عملي كرئيسة للمؤسسة الليبية الإيرلندية للإغاثة، وكذلك خلال عملي كوزيرة للصحة بالحكومة الإنتقالية، ثم أيضا بعد عودتي إلى إيرلندا.

سأُظهر في هذه الكتابات حقائقا تم حجبها وتشويهها من أشخاص، بعضهم أعلمهم وبعضهم لا أعلمهم، ولكني لن أتحفظ عن ذكر أي إسم أو تفاصيل أعرفها وسأرفقها بما يتوفر لدي من وثائق، أما فيما يشاع عني بهتانا فإني أنصح كل من لديه إثبات ضدي أن يقدمه للنائب العام، إذ أن الحديث بأسماء مستعارة لهو حوار الجبناء، ولا يستحق مني الرد.

يكفي هنا فقط أن أن أذكر للقراء أني خلال الفترة التي عملت فيها من السابعة صباحا إلى الثانية صباحا، وسط ضياع المراسلات وأجهزة التنصت في مكتبي وكافة وسائل الإرهاب، والتي لم تنجح في ثني إرادتي وعزيمتي ومن بينها التهديد بالسلاح، والقائمة تطول، كان "أبطال لوحات المفاتيح" يجتهدون في نقدي وفي نشر ما يبث حولي من إشاعات دون أن يقدم أي منهم شيئا صغيرا أو كبيرا إلى ليبيا ولو كان بتنظيف شوارعها من القمامة!!! لن أطيل هنا ولكني لن أرحم أحد، ولن أتحفظ في نشر ما لدي بالإسم وبالتاريخ وبالدليل الموثق، فليستعد من يعرف أني أعنيه هنا بهذا الخطاب..

إن الأحداث المتسارعة التي تجري في ليبيا في الأشهر الأخيرة ليست بظاهرة غير طبيعية، فالثورة في ليبيا لا تزال مستمرّة، وما يحدث الآن رغم صعوبته ورغم عُجالتنا في أن نرى بلدنا مستقراً، سيفرز الغث من السمين وسيفصل بين الأبيض والأسود، وسنخرج به من دائرة الشك والرؤية الضبابية إلى الضوء والوضوح تحت شمس الحق التي نرغب فيها جميعا، وكما كانت هناك التضحيات خلال الفترة الأولى من الثورة بالأرواح وبالمال وبالوقت وبصحة أبنائنا وبسمعة بعضنا، لأجل الوطن، فالدور اليوم يأتي للتضحية بالمناصب في الدولة الليبية الجديدة لإقرار الحق. بعض من سيشملهم قانون العزل السياسي كانوا معارضين لسنوات للنظام الدكتاتوري، وكثيرون منا يعلمون بأن كل ما قدمه هؤلاء لأجل الثورة ولأجل تحقيق آمال الشعب الليبي كان لأجل الخروج من الدولة الدكتاتورية إلى الدولة الدستورية الديمقراطية، إلا أنهم راضون بهذه التضحية التي تظل ثمنا بخسا بالمقارنة بالمكاسب التي سيجنيها بلدنا من موقفهم هذا رغم الظلم البيّن الواقع عليهم، ومن أمثالهم السيد مصطفى عبدالجليل والسيد محمد المقريف اللذان جهرا باستعدادهما لتنفيذ قانون العزل على أنفسهما إذا أقر المؤتمر الوطني بذلك.

إن هذه التضحية لا تضير أصحابها، بل هي شرف للشرفاء وتضاف إلى تاريخ نضالهم ضد الظلم في ليبيا، ونتاج هذا العمل سيكون تصفية وغربلة لأجهزة الدولة من المنافقين والمتسلقين والعاملين على مصالحهم الخاصة، وغير الآبهين بالمصلحة العامة، إنهم هؤلاء المندسون بيننا، الذين يحملون معنا العلم ثلاثي الألوان وينشدون معنا نشيد الإستقلال، وما بقلوبهم لا يعلمه إلا الله، إلا أن أعمالهم تفضح نواياهم، وبسبب تهاوننا معهم تمكّنوا من إعاقة مسيرة الدولة التي طمحنا لها عندما ثرنا ضد سيدهم، لقد أُعْطِيَت لهم الفرصة لمدة عامين فما فعلوا بها سوى جذبنا للخلف وعرقلة مسيرتنا إلى الأمام وتشويه سمعة كل شريف وكل من خالفهم، وعليه فإن قانون العزل هو الفاصل بعون الله، ولا وسيلة لنا للتخلص منهم سوى بإقراره بدون إستثناءات حتى لا ننخدع في المندسين بيننا، ولن يحرمهم هذا من حقهم في المواطنة، بل فقط يمنعهم من تولي مناصبا قيادية يكون لهم فيها حق القرار وتسيير الدولة، وبإذن الله ستكشف هذه الخطوة النوايا، وستسقط أقنعة كثيرة وسنرى وجوها خلفها لم ننتبه لوجودها بيننا بدون هذا القانون.

إن دوافع غضب العامة من أداء الحكومة الإنتقالية والحكومة المؤقتة ليست تجنيا أو من نسج الخيال، بل هي نتاج الواقع الذي يعيشونه، فقد مرَّ أكثر من عامين على إعلان الثورة ولا يزال العاطل عن العمل عاطلا، والمريض لا يزال لا يجد العلاج في المستشفيات الحكومية ويضطر إما للذهاب للمصحات الخاصة أو للسفر للخارج، ولا يزال كل من أراد أن ينجز عملا أو مصلحة مضطراً لأن يدفع رشوة وأن يتواصل مع أحد المتنفذين لكي تتم له أعماله، ولا يزال مبدأ الولاءات هو الغالب بدلا من الكفاءات في أغلب التعيينات في الدوائر الحكومية، ولا يزال التلاعب بالمال العام هو السائد، ولا تزال السجون السرية قائمة، ولا يزال الإستهتار بالحق العام مستمرا، وعليه فإننا بالرغم من ثورتنا على نظام الطاغية فإننا لا نزال نعمل بقوانينه وتشريعاته ولا يزال من يتحكم في إقتصادنا وفي غالبية وزاراتنا هم أنفسهم من كانوا يتحكمون فيها أيام الطاغية، منهم من لم يتغير من موقعه ومنهم من تم تغييره بنقله من وزارة إلى أخرى، ومنهم من إبتعد عن الواجهة ولكنه في الحقيقة لا يزال حاضرا وبقوة، يحقق له أغراضه "الصبيان" الذين يستنفعون  من كرمه عليهم ليبقى وليبقوا.

عليه، فإننا ورغم تغييرنا للعلم وللنشيد الوطني، ورغم تولي بعض الثوار ومن ساندهم عدداً من المواقع القيادية، إلا أن من يتحكم حقيقة في هذه المصالح هم آخرون لا يراهم العامة ولا يراهم المحسوبون على الثورة سواء كانوا وزراء أو مدراء إدارات جدد أو حتى ثوارا، ورغم أن دولتنا اليوم بها المؤتمر الوطني والحكومة المؤقتة، خلفا للمجلس الإنتقالي والحكومة الإنتتقالية، فإن جسما آخرا ظل ثابتا، واستمر موازيا لهذه الأجسام ولم يتغير ولم يدخل إنتخابات ولم يشارك في الثورة ولا يرغب حتى في التغيير، هذا الجسم يعمل كجسم موازٍ لكل ما هو شرعي اليوم، ويستخدم تارة الوسائل المشروعة وتارة وسائلا غير مشروعة تسجل ضد مجهول، إنه ما يمكننا تسميته ب"الدولة العميقة".. وهو ما يجب علينا الإنتباه له والحذر منه حتى لا تضيع أعمالنا أدراج الرياح.. إن الثورة لم تنته بعد، ولن تنتهِ مادمنا لم نتخلص من الدولة العميقة بيننا.

ويمكن تعريف "الدولة العميقة" DEEP STATE على أنها مرادف "للأمن القومي"، فهي حكومة خفية موازية للحكومة المعلنة، أي أنها "دولة داخل دولة"، تنظمها أجهزة مخابراتية وأمنية، بتمويل وسيطرة وتحكّم من أشخاص أو جماعات قوية تمتلك من الإمكانات ما يكفي لتحريك فئات أخرى تنفذ لها برامجها. إن جُل من يشكلون الدولة العميقة هم من رجال الأعمال المتحكّمين في إقتصاد الدولة، ومهربي المخدرات وتجار الأسلحة، والمتاجرين في الهجرة غير الشرعية.. لا يبدو عليهم أنهم يقومون بأي دور في السلطة التنفيذية للدولة ولكن هذه الجماعات تقوم بحماية وضمان إستمرار النظام الذي يحفظ لها مصالحها، وذلك بتنظيم وتنفيذ أعمال عنف غير مشروعة ضد كل من يقف في طريقها، بما فيها أعضاء الحكومة المنتخبة، كما أن الدولة العميقة تظل جزءاً من السلطة التنفيذية بالدولة، ولكنها تنفذ أعمالها بشكل سري، وذلك بتنفيذ عمليات منها المشروع في حال إتفاقها مع القانون، ومنها غير المشروع في حال عدم إتفاقها معه، وتسجّل هذه العمليات ضد مجهول!

ومن خلال هذا التعريف، يمكننا أن نرى أن "الدولة العميقة" هي واقع ملموس في دولتنا، بدليل ما يحدث فيها إبتداء من الأيام الأولى من الثورة إلى تاريخ يومنا هذا، من حصار للوزارات، ومن تفجيرات ومن إعتداء على شخصيات وطنية كما حدث مع السيد وزير الشباب السابق السيد فتحي تربل، ومن إغتيالات كما حدث مع السيد بن عثمان في مصراتة، ومن خطف كما حدث مع السيد قرقوم الموظف في السجل المدني في بنغازي، ومن إغتصاب ومن تهريب في الحدود من المهاجرين غير الشرعيين إلى الأدوية والمعدات الطبية إلى الأسلحة والمخدرات والأغذية منتهيةالصلاحية، وما إلى ذلك من أحداث يومية لا حصر لها في كل أنحاء ليبيا بما في ذلك بث الإشاعات والفتنة وتشويه العناصر الوطنية من رئيس الحكومة المؤقتة أو الوزراء أو أعضاء المؤتمر الوطني ومن قبلهم أعضاء ورئيس المجلس الإنتقالي وحتى رجالنا البواسل ممن يحسبون على الجيش أو الشرطة أو أنصار الشريعة (ولي في هذا حديث آخر لا يتسع المجال هنا للخوض فيه)، إضافة إلى سيطرتهم على وسائل الإعلام.

هذه في مجموعها مؤشرات خطيرة جدا، وبلا أدنى شك تحيد بمسار الثورة وبأهدافها، فبدلا من الإنتقال إلى الديمقراطية نجد أنفسنا اليوم نسير بخطىً واسعة نحو غوغاء لن نعرف مخرجا منها ما لم نقم بإجراءات عاجلة لتغيير هذا الإتجاه.

ومن هنا يبرز سؤال لا بد منه: أين هؤلاء الذين كانوا يشكلون كتائب القذافي؟ أين هؤلاء الذين كانوا في المسيرة المليونية في ميدان الشهداء في طرابلس؟ أين هؤلاء الذين كانوا يرقصون ويغنون في باب العزيزية؟ إنهم بلا شك هم المندسين بيننا في قوائم الجرحى، وفي قوائم هيئة شؤون المحاربين، وفي قوائم الثوار المطالبين بالمكافآت، وفي قوائم الإيفاد للدراسة بالخارج، وهم من يعرقلون أعمال  كل الوزارات والمصالح الحكومية، وهم ليسوا بظاهرين إلا أنهم لا يزالوا يحاربوننا ولا يزالون يعملون لأسيادهم، فهم لم ولن يكونوا يوما مؤيدين للثورة، وهم من يصطادون في الماء العكر..

إن الذي نشهده من فوضى وانفلات وتمرد على السلطة، لا يتفق مع دولة السلم والسلام، والأمن والأمان، التي نرغب بها جميعا بمن فينا الثوار الذين يشاركون ببعض هذه الأعمال، مما يثير تساؤلات يتوجب علينا الوقوف عندها وقفة جادة مع مواجهة صادقة للنفس بدون مجاملة، لنسأل أنفسنا: لماذا يحدث هذا؟ من وراءه؟ ومن المستفيد؟

نتفق جميعا على أن كل ما يحدث، يتم بأيادٍ ليبية متعددة التوجهات، كما أننا نتفق أيضا على أننا جميعا سواء كنا سلفيين أو إخوانيين أو علمانيين أو معتدلين، فإننا نجتمع تحت مظلة واحدة وهي الخوف من ضياع الثورة وسرقتها ممن قامت الثورة ضدهم أصلا.

(يتبع......)

د. فاطمة الحمروش
5/5/2013

راجع مقالات سابقة للكاتبة (الليبية 1) (الليبية 2)

 

لا تعليقات على هذا الموضوع