مفتاح السيّد الشريف: فصول من كتاب (ليبيا: نشـأة الأحزاب ونضالاتها) 1 12/8/2010 18:21 مفتاح السيّد الشريف: فصول من كتاب (ليبيا: نشـأة الأحزاب ونضالاتها) 1
مفتاح السيّد الشريف بحث

فصول من كتاب (ليبيا: نشـأة الأحزاب ونضالاتها)
للمؤرّخ مفتاح السيّد الشريف

 تلبية لرغبة المهتمين والأصدقاء، سيبدأ المؤلّف في نشر مقتطفات من فصول الكتاب تعميما للفائدة، ولأن أهل ليبيا الذين صدر من أجلهم بالدرجة الأولى ليذكّرهم بنضال أجدادهم قصد التحرّر والإستقلال، حُكم عليهم بأن يقعوا تحت سلطان جائر، لم يمنع عنهم فحسب الحياة الحرّة الكريمة، بل حرمهم حتى من معرفة تاريخهم وأمجاد موتاهم. وستكون المقتطفات مختارات من بعض فصول الكتاب، لا تغني طبعا عن إقتنائه للإطّلاع على الكثير من النصوص والوثائق والصور التي يتعذّر نشرها كاملة.

 (1) بعض فقرات الفصل الثاني
(نشأة التنظيمات الحزبيّة) - أوّلا: في طرابلس الغرب 
1-
الحزب الوطني

عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وتحرّرت البلاد من السلطة الإيطاليّة الإستعماريّة، إستؤنف النشاط الفكري والسياسي، فتكوّن منذ عام 1944م."النادي الأدبي" الذي أشرف عليه الشّاعرأحمد قنابه وضمّ الكتّاب والأدباء من الرعيل الأوّل. وكان هذا النادي هو نواة "الحزب الوطني" الذي دعا إلى تشكيله أحمد الفقيه حسن(1)

فانضمّ إليه أعضاؤه وأصبح النّادي مقراً للحزب دون أن يعلن عن نواياه السياسيّة في تلك الفترة المضطربة والغائمة، غداة إنتهاء الحرب العالميّة الثانية مباشرة.

ولقد ذاعت شهرة هؤلاء النشطاء السياسيين في أوساط المدينة، عندما تزعّم أحمد الفقيه حسن وزملاؤه التظاهرة التي جرت في نوفمبر 1945، وما صاحبها من إضطرابات ضدّ الجالية اليهوديّة وسلطة الإدارة العسكريّة البريطانيّة، بسبب المؤامرات التي كانت تخطّط ضد شعب فلسطين، فاعتُقلوا وزُجّ بهم في السجن. وجرت مداهمة مقرّ النادي ومصادرة أوراقه وسجلاّته، ومنها إكتشفت الشرطة نيّة أعضائه في تأسيس حزب سياسي(2). ولم يفرج عنهم إلاّ في منتصف فبراير من عام 1946، فشرع الفقيه حسن في إجراء الإتصالات والمشاورات مع الزعماء المهاجرين في مصر ومع الجامعة العربيّة، ومن ثمّ تقدم إلى الإدارة العسكرية البريطانية بطلب الترخيص الرّسمي للحزب، بموجب قانون النوادي الإيطالي الذي ظلّ ساري المفعول، واتخذ الحزب منّ بناية" حزب العمّال" – الذي سنتحدّث عنه - مقرّا مؤقّتا له، وأجرى إتصالات لاستقطاب شخصيّات معروفة إلى عضويّته مثل طاهر المريّض وعبد الرحمن زبيدة. وفيما يلي نصّ الطلب الذي تقدّم به مؤسّسو الحزب إلى السلطة البريطانيّة موضّحين فيه أهدافه وميثاقه:

"إلى مفوّض الشرطة - طرابلس
نسخة: مدير الشئون السياسيّة

نظرا إلى حالة البلاد الرّاهنة، التي تستلزم وجود منظّمة سياسيّة لكي تعبّر عن تطلّعات ورغائب الشعب الليبي، فقد تكوّن حزب بدعم شعبي يسمّى "الحزب الوطني" ويتّخذ من مدينة طرابلس مقرّا له، وستكون له فروع في كلّ مكان من هذه البلاد.

إن تطلّعات المؤسّسين ذات طابع سلمي وإصلاحي، وأهدافهم الجوهريّة هي ما يأتي:

العمل على المحافظة على وحدة ليبيا (طرابلس الغرب وبرقة وفزّان) ضد الإنفصال بينها.
توجيه الشعب الليبي نحو حكم نفسه بنفسه.
تقوية الروابط السياسيّة والإقتصاديّة بين ليبيا والجامعة العربيّة.
التمسّك بمصالح الشعب الليبي بصفة عامّة، ورسم الطريق أمامه لنيل حقوقه.
الإتصال بكلّ مؤسّسة دوليّة تجري فيها مناقشة مصالح ليبيا (طرابلس الغرب وبرقة وفزّان).
الرّفع من مستوى الشعب الليبي إلى مصافّ الشعوب المستقلّة والمتقدّمة.
إن من بين مبادئ الحزب المحافظة على الأمن العام واحترام القانون.

وبمجرّد تعيين أعضاء اللجنة، فسوف يتمّ إبلاغكم بقائمة بأسمائهم.

مع فائق التحيّة:

عن الحزب الوطني: أحمد الفقيه حسن - محمّد توفيق المبروك - محمّد المقدود - مصطفى حسن بك

22 مارس 1946"

إلاّ أن المؤرّخ المعروف نيقولا زيادة، نقل بيانا قال إن الحزب أعلنه سنة 1945، وحدّد أهدافه في: "الكفاح وتحقيق الأغراض السياسيّة" و"المحافظة على النظام، كلّما كان ذلك ممكنا وغير متعارض مع حقوقنا الوطنيّة" و"مناهضة كلّ فكرة ومصادمة أيّ قوّة تعمل على رجوع الإدارة الإيطاليّة إلى الأراضي الطرابلسيّة من الحدود التونسيّة غربا إلى الحدود المصريّة شرقا، ثم من الحدود السودانيّة جنوبا إلى حدود الجزائر، ومكافحة النفوذ الإيطالي بدون هوادة أو ترفّق". و"مناهضة أي فكرة أو أي قوّة ترمي إلى اقتطاع أي جزء من أجزاء طرابلس ووضعه تحت إدارة أخرى لأيّ حكومة أخرى غير الحكومة التي يكون مركزها طرابلس الغرب" ثم طالب "بإلغاء القوانين الإيطاليّة، وتشريع قوانين وطنيّة بدلا لها، وتلييب الوظائف، واسترجاع الأراضي المغتصبة من الإيطاليين، ومكافحة هجرتهم إلى ليبيا والرفع من مستوى الشعب سياسيا واقتصاديّا والقضاء على الخلافات الدينيّة والطائفيّة والمذهبيّة على قاعدة الدين لله والوطن للجميع، والسعي لإصلاح ذات البين بين القبائل...إلخ، على أنه "لتحقيق هذه الأغراض يجب التفاهم مع سلطات الإحتلال أوّلا، فإن لم يكن فترفع إلى ما وراء الحدود بكلّ ما نملك من وسيلة"(3). وبالمقارنة بين الوثيقتين، نجد أن البيان الذي نشره زيادة، إذ ركّز على التخلّص من الهيمنة الإيطاليّة، إلاّ أنه لم يذكر مطلب الإستقلال صراحة، على العكس من طلب الترخيص الذي يعتبر وثيقة مسجّلة في الأرشيف البريطاني. وربّما كان مؤسّسو الحزب سنة 1945 يتفادون التصادم مع الإدارة العسكريّة الجديدة التي حظرت التجمّعات السياسيّة في بداية إحتلالها، ثمّ سمحت بها منذ سنة 1946 بعد أن استقرّت في الحكم وأمسكت بزمام الأمور في البلاد.

وفي حقيقة الأمر أن توجّهات مؤسّسي الحزب، كما ورد في تقرير للمكتب السياسي البريطاني، كانت متقلّبة في منتصف فبراير - أي قبل الترخيص له رسميّا - بين الدعوة إلى إنشاء "جمهوريّة طرابلسيّة وبين الإتحاد مع برقة تحت زعامة السيّد إدريس، على أن تكون طبعا على وئام مع الجامعة العربيّة أو تستظلّ بوصايتها" وكان كلّ من عون سوف وعبد الرحمن زبيده، من الشخصيّات التي ساهمت في نشاطاته الأولى.

وشرع أحمد الفقيه حسن على الفور في إجراء الإتصالات مع المفوضيّة السياسيّة في الإدارة البريطانيّة التي ذكرت في تقريرها الشهري (مارس 1946) أن شخصيّته ضعيفة ربّما لا تسمح له بالسيطرة على الحزب الوليد، متخوّفة من أن يقع تحت هيمنة "شخص متهوّر مثل محمّد توفيق المبروك" حسبما ورد في التقرير.(4)

وفيما يلي سردا لأحداث مهمّة صاحبت تشكيل الحزب:

* في 10 فبراير وزّعت في المدينة مناشير تندّد بقرار إدارة التعليم للمدارس العربيّة، والذي حظرت فيه على المدرّسين ممارسة النشاط السياسي. وأحد المناشير شنّ حملة على "عملاء الإستعمار" من أنصار إيطاليا. وعلم قسم التحرّيات البريطاني أن كاتبه كان المدرّس سليمان دهان.

* في شهر مارس أرسل الحزب إلى عبد الرحمن عزّام أمين عام الجامعة العربيّة مهنّئا بالذكرى الأولى لتأسيسها. وكان الحزب قد لقي منه تشجيعا وتأييدا منذ الإعلان عن تأسيسه، وردّ عليه عزّام متمنيّا "الإستقلال القريب لطرابلس الغرب العزيزة". ثمّ إقتحم بعض الأعضاء مقرّ النادي الأدبي عنوة محاولين الحصول على غرفتين، ولكن الحارس منعهم، واحتجّ أحمد قنابه رئيسه لدى الإدارة العسكريّة التي أوقفتهم عن ذلك، وعندما أعرب الحزب في مداولاته عن ميله إلى القبول بإمارة إدريس السنوسي، أخذت العناصر التقليديّة من ألأعيان في الدخول في عضويّته، ولكن سُمعت أصوات في الجاليتين اليهوديّة والمالطيّة معربة عن تخوّفها من بروز الحزب.

* في 8 أبريل حصل رئيس الحزب على موافقة الحاكم البريطاني بعدم حلّ الحزب طالما التزم بالقانون (وحسب القانون الإيطالي الذي كان ساري المفعول حتى ذلك الوقت، فإن عدم الرفض يعني السماح بمزاولته للنشاط).

* في الفترة ما بين 11 و 18 أبريل أرسل الحزب قانونه الأساسي إلى عبد الرحمن عزّام باشا أمين جامعة الدول العربيّة في القاهرة، وإلى جريدة "برقة الجديدة" في بنغازي، وإلى "اللجنة الطرابلسيّة" في القاهرة. ولكن الرقابة البريطانيّة أوقفت الإرسال، لأنها لاحظت وجود "المادّة 59" التي تعهّد مؤسّس الحزب باستبعادها من قانونه (يبدو أنها تنصّ على أمر يمسّ وجود الجالية الإيطاليّة). وهو ما عدّته نكثا للتعهّد، واستدعته للتحقيق فأوضح أن النسخة الأولى طُبعت في المطبعة قبل الحصول على الترخيص مع إلغاء المادّة. ولكن مسئولي الإدارة لم يقبلوا الإعتذار وطلبوا منه أن يُصدر تصحيحا مكتوبا بذلك يُرسل إلى الجهات المذكورة.

* عندما قدّم الحزب طلبا في 12 أبريل باقتناء مطبعة وإصدار جريدة قوبل بالرفض لأن الوقت غير ملائم، ولهذا باشر محمد توفيق المبروك بحملة لتجميع توقيعات من المواطنين على عريضة تندّد بمصادرة حريّة الرأي والتعبير، ولكن السلطات أوقفته عن الإستمرار فيها، كما أن المبروك فاجأ مسئولي الإدارة البريطانيّة محتجّا على قيام أحدهم بالتهجّم على الحزب في إحدى الصلوات بجامع القرمانلي، مطالبا بمعرفة إسم من قام بذلك، ولكن طلبه قوبل بالرفض مع التنبيه على رئيس الحزب بالتزام الأصول المرعيّة.

* في 11 أبريل نشرت برقة الجديدة مقالة لأحمد الفقيه حسن يؤكّد فيها على المطالبة بالإستقلال والوحدة، وينتقد العناصر التي مازالت تحمل إتجاهات فاشيستيّة، وهو ما أغاض الإدارة في طرابلس، محتجّة على زميلتها في برقة للسماح بنشرالمقالة.

* في 15 أبريل أرسل الحزب مذكّرة إلى مؤتمر السلام والدول الأربع الكبرى، أوضح فيها نبذة عن تاريخ كفاح شعب "ليبيا" وما لاقاه من فظائع على أيدي الإستعمار الإيطالي من أجل إستقلالها، وفي حدودها الطبيعيّة كعضو في الجامعة العربيّة التي تعاضده والعالم الإسلامي الكبير، ومصمّما على تحقيق أهدافه. وخلال إرسال المذكّرة تناهى إلى علمه مطالبة بريطانيا بوضع ليبيا تحت الوصاية، فأضاف رفضه لهذه الخطوة ومحذّرا من اتّخاذها. وفي شهر يونيو أعدّ الحزب تقريرا مفصّلا عن الفظائع التي ارتكبها الإستعمار الإيطالي ضد رجال المقاومة، أرسله إلى "المكتب العربي" في واشنطن تلبية لطلبه، لكي يستند عليه في الترويج لعدالة المطالب الليبيّة.

وأوّل هزّة تعرّض إليها الحزب، وبعد حصوله على الترخيص، تجلّت في تضايق أحمد الفقيه حسن من دخول الشخصيّات التقليديّة، وخاصة من الدواخل، الذين يختلفون في توجّهاتهم عن أمثاله من أعيان المدينة، إلى درجة أنه أراد إقفال باب التسجيل للعضويّة حتى يخفّف من تواجدهم. ولكن تأثيرهم تعزّز بين الأعضاء، وأدّى إلى إجراء إنتخابات للهيئة القياديّة كان الفقيه حسن لا يميل إلى إجرائها. وعندما اقترحت الإنتخابات لتنظّم في شهر يونيه التالي، إعتبر أولئك الأعضاء أن الوقت مبكّر، ولكن الفقيه حسن أصرّ على إجرائها. وكان أن توصّلوا إلى تسوية تقضي بأن "تُختار" الهيئة القياديّة من إثني عشر عضوا يتداولون فيما بينهم رئاسة الجلسات، وبذلك وجد الفقيه حسن نفسه واحدا من 12. وأسفرت النتيجة على أن تتكوّن الهيئة من الآتية أسماؤهم:

مصطفى حسن محمود فرحات
أحمد عون سوف عبد الرازق البشتي
الصادق بن زرّاع محمود العربي
يوسف الباروني علي رجب
غالب سياله أحمد الفقيه حسن
الهادي المشيرقي عبد الرحمن دقدق

وهناك أعضاء آخرون من مدينة مصراته الهامّة أيّدوا تأسيس الحزب وعاضدوه، مثل الشيخ خليفة الولده والهادي إحقيق ومصطفى محمود بادي ومحمود عبد اللطيف.

ومن الطبيعي ألاّ يرتاح أحمد الفقيه حسن لهذه النتيجة، وعبّر عن ذلك بعدم حضوره إجتماعات الهيئة، وهدّد بالإنسحاب من الحزب، عندما قرّرت الهيئة إيفاد كل من الطاهر المريّض ومحمود المنتصر ليمثّلاه في المشاورات في القاهرة، فقدّم إستقالته إحتجاجا، وصرّح بأنه لن يسمح بأن "يشوّه إسمه في المستقبل نتيجة إرتباطه بعناصر فاشيستيّة مثل الذين يجلسون في الهيئة"! إلاّ أن هذه التطوّرات لم تحل، من جهة أخرى، دون حدوث التوافق والإنسجام بين جماعة الهيئة الجديدة في الحزب الوطني و"الجبهة الوطنيّة المتحدة" التي تأسّست في 10 مايو 1946 أي بموازاة تأسيس الحزب الوطني، والتي سنتحدّث عنها لاحقا. بل إن ظاهرة جديدة في التنظيم الحزبي الوليد حدثت حين جمع أقطاب من الحزب الوطني مثل عون سوف وراسم كعبار ومحمود فرحات، بين عضويّتهم في الحزبين، أي أنه سُمح لأعضاء الحزبين بأ يحتفظوا بالجلوس في اجتماعات اللجنتتين التنفيذيّتين لهما، دون أن يندمجا معا. وفي سنة 1947 إختار الحزب أحمد الشتيوي السويحلي الشخصيّة المعروفة في الجهاد والمهاجر المقيم في الإسكندريّة رئيسا فخريّا له.

وإذا ما أخذنا في الحسبان الخلفيّة التاريخيّة عن المشاحنات والنزاعات العائليّة والإقليميّة والقبليّة التي ألمّت بالنخبة السياسيّة في طرابلس الغرب، والتي أضرّت بوحدة الصفّ الوطني في مواجهة الحكم الإيطالي المنهزم، فسندرك أن ظلال هذه المشاحنات إمتدّت إلى تلك الفترة المفصليّة الهامّة من تطوّر الحركة الوطنيّة، واخذت معالمها تظهر للعيان من خلال التقلّبات التي وسمت التنظيم السياسي لأهمّ حزبين تشكّلا آنذاك، فسرعان ما أخذ الشقاق يذرّ قرنه بينهما أثناء حملاتهما الدعائيّة في القرى والدواخل، وتحرّكاتهما في الأوساط الخارجية حيث إدعّت الجبهة أنها الممثّل الوحيد والرسمي لكافّة "اللجان" أو الهيئات الوطنيّة فيما يتعلّق بالنشاط في الحقل الخارجي. وأسفر هذا التنازع عن إستقالات وتغييرات في العضويّة، ففي أول أغسطس أعلن كل من محمود فرحات وعبد الرحمن دقدق وعبد الرازق البشتي ومحمود خليل القماطي إستقالتهم من الحزب الوطني، دفاعا عن إتجاههم في ضرورة إستمرار الإئتلاف بين الحزبين. وفي 19 أغسطس تبعهم كل من عون سوف وراسم كعبار في تقديم الإستقالة بحجّة أن اللجنة التنفيذيّة للحزب الوطني لم تُقدم على إدخال تحسينات في تسيير إدارته. وفي يوم 22 أغسطس أعلن الحزب الوطني في بيان له فسخه "للإئلاف" الذي كان يجمعه مع الجبهة الوطنيّة، متجها للتوافق مع حزب الكتلة الوطنيّة، كما ورد في الأخبار يوم 29 أغسطس، وهو حزب آخر سوف نأتي على ذكره. وكان لا بدّ أن تؤدّي هذه التبدّلات المتسارعة في الحزب الوطني إلى تغيير في قيادته، ففي 23 نوفمبر إجتمعت "اللجنة التنفيذيّة" للحزب واختارت مصطفى ميزران الوجيه المعروف بين أعيان مدينة طرابلس، رئيسا لها مع بقاء أحمد الفقيه حسن عضوا بها.

(1) من الشخصيّات المعروفة بين أعيان طرابلس، ولد سنة 1894، وتعلّم في المدارس التركيّة، ولكنّه تلقّى العربيّة على يدي والده الذي كان من مثقّفي المدينة وعين في عام 1919 عضوا في مجلس الجمهورية الطرابلسية. وفي 1914 لم يستطع البقاء تحت الإحتلال الإيطالي الذي كتب عنه يوميات مداهمته للبلاد عام 1911 فهاجر مع والده إلى الإسكندرية حيث تمكّن فيها من تعلّم العربيّة والفرنسيّة في مدرسة "الفرير" المعروفة. ولأنه مغرم بالشعر كبقية أقرانه من النخبة، فقد عكف على قرضه، ونظم قصائد عديدة معظمها في التغني بالوطن والوطنية ودافع عن القضايا القومية. وحتى عنما عاد مع والده سنة 1919, لم يستطع الإنسجام مع الحكم الإستعماري فتجنّس هو ووشقيقه علي بالجنسيّة التركيّة، حتى يتفادا ظلم الإيطاليين، واستطاع أن يندّد بالإستعمار الإيطالي مصوّرا كارثة الإحتلال في قصيدة له عام 1928 قال فيها:

مُنيت طرابلس بحكمـــهم الذي    بلغت به الدرك البعيد الأسفلا
ما أشام اليوم الذي منيت بـــه     وبشعبها الطليان صار ممثلا
ظلموا وإن الله ليس بغافــــــل     عنهم، وأن لوعده أن يمهــلا
للّه أحرار البلاد فكم لــــهم من     موقف فيه أزاحوا المعضـــلا
ذاقوا الشدائد فاستلذّوا طعمها     وتدرّعوا بعزيمة لن تفشـــلا

وفي وصفه لمهمّة "النادي الأدبي" الذي ساهم في تأسيسه، قال في قصيدة أخرى:

اليوم ينهض بالبلاد النــــــــــادي   وبه نرى الإصلاح بعد فسـاد
ناد قد اتّخذ الثقافة غايـــــــــــــة    وسعى فكان لها أجلّ عمــــاد
قد أسّسته جماعة قامت بمــــــــا    يدعو إلى الإصلاح والإرشاد
رأت المعارف للرقّي وسيلــــــــة    فغدت تحقّق نشرها بســـداد
بذلت جهود المصلحين وأصبحت    للشعب رائد نهضة وجهـــاد
للعلم والأدب القويم جهادهــــــــا    ونهوضها لثقافة الـــــــروّاد
لم تأل في نشر المعارف جهدهــا    حتى تحقّق رغبة المرتـــــاد

(2) يُنظر تقرير مكتب المخابرات البريطانيّ التابع للإدارة العسكريّة الحاكمة (WO230L232 رقم18/B/11 بتاريخ 2 فبراير 1946).

(3) ينظر كتابه "ليبيا في العصور الحديثة"، ص 136من أصدار مركز البحوث التابع لجامعة الدول العربيّة – القاهرة سنة .1966. ولم يذكر لنا المؤرّخ المصدر الذي استقى منه الوثيقة، وهو ما كان دأبه في بقيّة فصول الكتاب. ولعلّ ذلك راجع إلى أن الكتاب كان تجميعا لمحاضرات ألقاها د. زيادة على طلبة المركز.

(4) يعتبر محمّد توفيق المبروك من مثقّفي طرابلس المرموقين، وهو شاعر متمكّن، وإن كان مقلاّ. واشتهرت له قصيدة ألقاها في اجتماع لحزب المؤتمر بتناجوراء سنة 1950، وكان عضوا بارزا فيه. والقصيدة قالها في مديح زعيم الحزب السعداوي الذي خاطبه بقصيدة نختار منها الأبيات التالية:

يا وافدا حمد الأنام سراكــــــــــا    نفسي إذا عزّ الفداء فداكــــــا
لله للوطن الحبيب لمن بـــــــــه    خرّوا كراما ماخطته خطاكـــا
لولاك لاغتالت خرائد خدرهـــــا    غول تجيد الفتك والإهلاكــــا
ولجرعت غصص الحياة أسوده    ولوت على أشبالها الأسلاكـا
نصر حملت لواءه ومنـــــــــارة    للمجد شادت صرحها كفاكــا
وسجل فخر سطرت صفحاتــــه    بين الممالك والشعوب يداكـا
فاهنأ حباك الله كل عظيمــــــــة    وجزاك خير الأجر في أخراكا

راجع:

- ليبيا: نشأة الأحزاب ونضالاتها.. إصدار جديد للكاتب الليبي مفتاح السيد الشريف
- إلى الباحثين عن حقائق التاريخ الليبي.. كتاب: (ليبيا – نشأة الأحزاب ونضالاتها) في المكتبات

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الشارف الغرياني المحامي
الاستاذ الفاضل مفتاح الشريف..متعك الله بالصحة والعافية ودمت لنا ذخرا مفعوما بالحيوية والنشاط من اجل اعادة كتابة تاريخنا المشرف الذي اراد القذافي بداية له فقط من تاريخ انقلابه المشؤوم فى…...
التكملة
مدرسة الأمير / ينغازي - لـيـبـيـا
الله أكبر الله أكبر الله أكبر !!nأنتصرالشعب الليبي المسلم المؤمن بالله ورسوله،بالحق بالحرية بالعدل بالأنسان وليخسئ الخاسؤون الملازم الفاشل اللص الذي سرق الوطن وتواطأ مع الأستخبارات أعداء الأمة ليقوم بالنيابة…...
التكملة
سليم الرقعي
رمضانك كريم أستاذ القدير "مفتاح الشريف" وبارك الله في جهودك الطيبة في خدمة تاريخنا الوطني والعمل على إستعادة ذاكرتنا الوطنية من قبضة طاغوت الجماهيريه ومزيدا من التألق والعطاء المتواصل....
التكملة