مفتاح السيّد الشريف: فصول من كتاب (ليبيا: نشـأة الأحزاب ونضالاتها) 2 20/8/2010 17:02 مفتاح السيّد الشريف: فصول من كتاب (ليبيا: نشـأة الأحزاب ونضالاتها) 2
مفتاح السيّد الشريف بحث

فصول من كتاب (ليبيا: نشـأة الأحزاب ونضالاتها)
للمؤرّخ مفتاح السيّد الشريف
(نشأة التنظيمات الحزبيّة) - أوّلا: في طرابلس الغرب
(2) فقرات من الفصل الثاني

 2– الجبهة الوطنيّة المتحدّة:

وهي تنظيم سياسي رئيسي تكوّن في نفس الفترة التي نشأ فيها الحزب الوطن، وضمّت في عضويّتها كبار أعيان طرابلس الغرب وزعماءها. ومرّ علينا كيف تعاونوا وتبادلوا مواقع العضويّة مع هيئة الحزب الوطني. وفيما يلي ننشر ميثاق تأسيسها (ولدينا نسخته الأصليّة) وهو يوضّح نفسه بنفسه: (نصّ وثيقة القانون الأساسي الأصليّة نشرت في الكتاب)

وهكذا نرى في مستهلّ وثيقة النظام الأساسي للجبهة الوطنيّة المتحدة أنها تأسّست كردّ فعل مباشر على تصريح "إيرنست بيفين" وزير الخارجيّة البريطانيّة، أثناء إنعقاد مؤتمر الدول الأربع الكبرى في أبريل 1946، والذي فشلت فيه في تقرير مصير المستعمرات الإيطاليّة السّابقة ومن بينها ليبيا. وقد أفصح في هذا التصريح عن نوايا غامضة تجاه مصير ليبيا، حين قال: إن سكّان برقة لا يريدون عودة الحكم الإيطالي، كما أنهم لا يحبّذون المقترحات بوضعها تحت وصاية الأمم المتحدة أو مصر، وكأنه يومئ إلى جدارة بريطانيا بهذه الوصاية. ولكنّه في مايو من نفس السنة صدر عنه تصريح آخر يدعو إلى حقّ ليبيا في الإستقلال، الأمر الذي قوبل من القيادات الليبيّة بموجة من الترحيب والحماس للمطالبة بتفعيل هذا الحقّ المشروع، كما سنتعرّض له بالتفصيل.

وفي نفس الأثناء برزت المطامع الإيطاليّة للعودة إلى حكم طرابلس في تصريحات رسميّة بحجّة أنها قبلت الهدنة مع الحلفاء منذ سبتمبر 1943، وحاربت إلى جانبهم لتحرير إيطاليا ضدّ القوّات الألمانيّة، وبذلك ساهمت بإلحاق الهزيمة بألمانيا. وكان أكثرها إستفزازا ما تفوّه به القس فاكّينيتّي Facchinetti. أسقف الجالية الإيطاليّة في طرابلس، حيث أصرّ على حقّ إيطاليا في مستعمراتها السابقة "الذي دفعت من أجله الدم والدموع والتضحيات الغالية"، وهو ما أثار غضب الجماهيرفي طرابلس والتي انطلقت في شوارعها مندّدة ومتوعّدة، وأدّت الإضطرابات – والتي أصبحت تندلع بشكل شبه يومي- إلى شغب وتخريب للممتلكات والمتاجر الإيطاليّة.

كما نتبيّن من نصّ وثيقة تأسيس الجبهة أنها جاءت خلوا من ذكر ألمناداة بإمارة السيّد إدريس. ويظهر إغفال ذكر الإمارة في القسم المدوّن في الفقرة الأخيرة والذي جاء فيه بالنص:"أقسم بالله العظيم وبشرفي وشرف الوطن المقدّس أن أظلّ مخلصا لمبادئ الجبهة الوطنيّة المتحدة، وهي العمل على استقلال ليبيا موحّدة بحدودها الطبيعيّة قبل الحرب العالميّة الثانية، إستقلالا تامّا بحكومة عربيّة وطنيّة دستوريّة ديمقراطيّة، والعمل على انضمام حكومة ليبيا لجامعة الدول العربيّة كعضو من أعضائها".

وبما أن مسألة إمارة السيّد إدريس كانت قد فرضت نفسها منذ تنامي الصراع من أجل تحرير البلاد، واعتبرت أمرا رئيسيّا في برقة، وتناولتها المباحثات والمشاورات بين أقطاب الحركة الوطنيّة في المهجر، كما مرّ بنا، فقد ظلّت حيّة في أذهان زعماء الجبهة بعد تحرير البلاد، ولذلك عرضها كلّ من طاهر المريّض ومحمود المنتصر مندوباها إلى القاهرة على السيّد إدريس. وكان ردّه واضحا في نصّ الوثيقة التالية، التي نحتفظ بنسختها الأصليّة: (نشرت في الكتاب الوثيقة الأصليّة موقّعة من السيد إدريس، والتي يملكها المؤلّف

وثمّة وثيقة مبايعه أخرى للسيد ادريس من وجهاء من طرابلس، قبل ذلك بعامين، وهي مؤرخه بتاريخ 16 سبتمبر 1944 يجدّدون فيها بيعة غريان جاء فيها.: "إن لكم فى عنق الامه الطرابلسيه بيعة شرعيه فى اختياركم اميرا للقطر الليبى بواسطة ممثليها الشرعيين حرصا منهم على سعادة بلادهم.... الخ" وتحمل عشرات التوقيعات من الطرابلسيين.

والجدير بالذكر أن المبعوثين المذكورين قدّما تقريرهما إلى الجبهة غداة مقابلة الأمير، في خبر نشرته جريدة "طرابلس الغرب" في تاريخه، ونصّه كما يلي"

حضرات المحترمين رئيس وأعضاء الجبهة الوطنيّة المتحدة:

بناء على قراركم الذي كلّفتمونا فيه بالسفر إلى القاهرة، وإجراء مباحثات تمهيديّة مع حضرة صاحب السيادة الأمير السيد إدريس السنوسي، نلخّص لحضراتكم ما انتهت إليه مباحثاتنا فيما يلي:

وصلنا القاهرة في مساء السبت الموافق أول الجاري، وذهبنا يوم الأحد صباحا للسيّد بعد مخابرته تليفونيّا بمنزله. وتقابلنا معه وقدّمنا لحضرته محتوبكم. وفي نفس اليوم ردّ سموّه الزيارة لنا بالفندق، ودعانا للإجتماع معه يوم الإثنين بفندق "شيبرد". وابتدأنا في المحادثات . وقد استمرّت هذه حوالي أسبوع. وفي هذه الأثناء فكّرنا في أنه ربّما تكون للأخ المجاهد بشير بك السعداوي، الذي كما تعلمون حضراتكم من أبناء هذه البلاد المهتمّين بمصيرها المجاهدين في سبيلها، آراء ربّمال تختلف عمّا نحن بصدده ، فأرسلنا إليه برقيّة للحضور لمصر. وقد حضر فعلا واشترك." (محمود المنتصر - الطاهر المريّض)

وقد تزامن ذلك مع خبر بالولاء للسيّد إدريس نشره نخبة من شباب طرابلس، على صفحات جريدة "برقة الجديدة" في عددها باول سبتمبر 1946، كما يثبته الوثيقة التالية: (نُشرت في الكتاب صورة لقصاصة الجريدة، وكذلك صورة سالم المنتصر رئيس الجبهة)

والوثيقة التالية دوّنها بخطّ يده رئيس الجبهة سالم المنتصر، تعطي نبذة عن كلّ عضو من أعضائها في منتصف عام  1948 (بادئا طبعا بنفسه).  ونظرا إلى رداءة الخطّ وقِدَم الوثيقة،فإننا نثبتها كما وردت حرفيّا:

سالم بك المنتصر: محلّه من الهيئة: رئيس (من عائلة عريقة في المجد تولّى وظائف هامّة في العهد التركي والإيطالي، ومن زعماء البلاد الذين تعاونوا مع الحكومات المتتالية في مصالح البلاد، وكان خلال ذلك موضع الإحترام والتقدير، ويتمتّع بشهرة عالميّة ونفوذ قويّ).

أحمد بك عون سوف: نائب رئيس (ينتمي إلى أسرة عريقة من قبائل المحاميد المشهورة وكان والده وجدّه من أقطاب الجهاد الوطني والذين ساهموا في الحركة الوطنيّة من الأوّل، ولم يزالوا في العمل اليوم).

الشيخ عبد الرحمن القلهود: سكرتير عام (أحد علماء البلاد المبرزين، وتولّى التدريس في كليّة الأوقاف والوعظ والأرشاد بجامع أحمد باشا، وشارك في تأسيس النادي الأدبي والحزب الوطني، وشغل وظيفة رياسة الكتلة بالمحكمة الشرعيّة. وقد اختير من قبل النواحي الأربع ممثلا لها في الجبهة).

محمد كامل أفندي الهوني: سكرتير إداري ( ينتمي إلى أسرة علميّة لها مكانتها في الجنوب، ووالده من العلماء المشهورين. وقد شارك والده في الخدمة الوطنيّة، مما أدّى إلى اعتقاله مع والده، ومصادرة أملاكه من قبل الإيطاليين. وقد اعتبر ممثلا لسكّان منطقة الجنوب في الجبهة).

إسحق بك حبيب: أمين صندوق (من عائلة إسرائيليّة كبيرة، ومن كبار تجّار البلاد، ويشغل رئاسة الطائفة الإسرائيليّة. أنتخب من قبل طائفته ممثلا لها بالجبهة).

سماحة الشيخ محمد أبو الإسعاد العالم: عضو (سماحة مفتي ليبيا الأكبر، من الشخصيّات البارزة التي تنتمي إلى عائلة علميّة عريقة في المجد. وقد تولّى عدّة وظائف إداريّة وسياسيّة هامّة. ترأّس عدّة وفود سياسيّة وذو شهرة عالميّة).

محمود بك المنتصر: عضو (ينتمي إلى عائلة المنتصر الشهيرة، وجدّه عمر باشا المنتصرالذي كان يتمتّع بنفوذ عظيم في المنطقة الشرقيّة. وقد تخرّج في المدارس العالية، وتولّى مديريّة إدارة أوقاف طرابلس، ورياسة غرفة التجارة، والعضويّة في كثير من الهيئات الثقافيّة والإداريّة، والآن يشغل كذلك عضويّة هيئة التحرير).

طاهر بك المريّض: عضو (هو إبن أحمد بك المريّض رئيس الجمهوريّة الطرابلسيّة في 1920، وترأس الحركة الوطنيّة في البلاد، ثم هاجر وعائلته إلى القاهرة، ولم يرجع منها إلاّ بعد أن حُرّرت البلاد، ويشغل الآن أيضا عضويّة هيئة التحرير).

محمد بك توفيق الغرياني: عضو (أحد أقطاب الحركة الوطنيّة. وقد هاجر عندما فشلت الحركة، ولم يزل مواصلا جهاده في المهجر. وعندما أعلنت إيطاليا الحرب على الحلفاء، أنتدب مع المرحوم عون بك سوف نائب رئيس الجبهة سابقا، لتشكيل جبهة وطنيّة تحارب في صفوف الحلفاء، وتشارك في تحرير ليبيا من الناحية الغربيّة).

السيّد محمد أفندي الميّت: عضو (من وجهاء البلاد ووالده كان مديرا لناحية المنشيّة في العهد التركي. وهو أحد التجّار والآن عضو في عدّة هيئات إداريّة).

إبراهيم بك بن شعبان: عضو (ينتمي إلى عائلة بن شعبان الشهيرة بزوارة ذات النفوذ في العهد التركي والإيطالي، وقد أختير ممثّلا للبربر في الجبهة الوطنيّة).

السيد راسم بك كعبار: عضو (من عائلة كعبار الشهيرة بغريان، وقد ساهم في الحركة الوطنيّة، ثم هاجر مع عائلته إلى تونس، ويتمتّع بنفوذ قويّ في بلاده غريان وأحد المشتشارين بها).

الحاج محمد بك سيف النصر: عضو (من أعيان قبائل ورشفانة ومزارعيها المشهورين، ويتمتّع بنفوذ قوي بين قبائله. وقد ساهم في الحركة الوطنيّة ضد الإستعمار الغاشم).

الشيخ محمد الهنغاري: عضو (من أفاضل علماء الدين وتولّى القضاء الشرعي في عدّة بلدان ويتمتّع بسمعة طيّبة وتقدير عظيم بين مواطنيه)

(التاريخ) 16 مارس 1948

(التوقيع)
رئيس الجبهة الوطنيّة المتحدة

وثمة أعضاء آخرون في الجبهة تشملهم القائمة التالية وبها توقيعاتهم:- (وقد نشرت في الكتاب القائمة الأصليّة لمؤسّسي الجبهة وكذلك القائمة الملحقة بها).

وغني عن الملاحظة هنا أن أكثر من ثلث هذه القائمة كانوا من وجهاء وتجاّر الجالية اليهوديّة. ويرجّح أن الطابع المحافظ لمؤسّسي الجبهة وشخصيّاتها هو الذي شجّع ممثّلي تلك الجالية على الإنضمام إليها حماية لمصالحهم، بل أن إسحق حبيب رئيس الجالية أصبح أمينا للصندوق. وقد رأينا في النبذة التي كتبها رئيس الجبهة أنه باستثناء أبناء قادة الجهاد المعروفين وبالتحديد المريّض وعون سوف وكذلك كامل الهوني وتوفيق الغرياني والحاج سيف النصر (الورشفاني)، أن أقطاب الجبهة كان معظمهم من الذين تعاونوا- بدرجات متفاوتة- مع المستعمر الإيطالي، وفقا للظروف التي حكمت ذلك، وواصلوا هذا التعاون مع الإدارة البريطانيّة المحتلّة. وهذا عامل أدخل الطمأنينة إلى نفوس أبناء الجالية اليهوديّة التي مالأت المستعمرين الإيطاليين ومشت في ركابهم إلى درجة الإندماج مع مستوطنيهم في البلاد، إلى أن بدأ نظام موسوليني بعد 1930 في تطبيق إجراءات تمييز ضد اليهود، ولهذا لجأت جاليتهم في ليبيا  إلى الإنضمام إلى الجبهة المحافظة تحوّطا وتأمينا لوجودها ومصالحها، إذا ما حصلت البلاد على استقلالها، بعكس موقفها من "الحزب الوطني" الذي كان زعماؤه، كما ذكرنا، من قادة المظاهرات ضد المؤامرة الصهيونيّة في فلسطين. خاصة  أنها تعرّضت منذ 1945 إلى اضطرابات أضرّت بأفرادها وممتلكاتهم. وممّا زاد في إشعال غضب الجماهير الإشاعة التي انطلقت في المدينة تقول بأن أفرادا من الجالية إعتدوا على قاضي طرابلس الذي كان يسكن في "الحارة"، أي حيّ اليهود في المدينة القديمة. ولكن من ناحية أخرى فالجالية تداركت، حتى لايحسب عليها أي إلتزام رسمي، وأفادت الجبهة أن قواعد تنظيم مؤسّساتها الإجتماعيّة والتعليميّة لا تسمح بممارسة أعضائها " للدعاية السياسيّة أو إتخاذ المواقف السياسيّة"، معبّرة عن "إحساسات مشتركيها" بتأييد أعمال الجبهة، كما تبيّن الوثيقتان الصادرتان عن "نادي المكابي" المعروف، و"نادي مدرسة بن يهوذا": (نشرت في الكتاب نصّ وثيقة نادي المكابي، وكذلك وثيقة مدرسة بن يهودا).

وسارعت الجبهة إلى فتح فروع لها في المدن ودواخل طرابلس الغرب حسبما تظهر الوثيقة التالية من أوراقها: (نشرت في الكتاب وثيقة بأسماء الفروع في الدواخل وأسماء المشرفين عليها) وسوف نتعرّض لاحقا لتغيّر مواقف الجبهة واتجاهاتها والتطوّرات التي مرّت بها.

3 – الكتلة الوطنيّة الحرّة:

أدّى تململ أحمد الفقيه حسن من التطوّرات الهيكليّة في الحزب الوطني، وكذلك بروز الإتجاه في الجبهة الوطنيّة لتبنّي شعار المناداة بإمارة إدريس السنوسي، إلى الإنشقاق عنها، وتأليف حزب جديد أسّسه مع شقيقه علي الفقيه حسن بتاريخ 30 مايو سنة 1946. وهذا الأخير الذي أصبح رئيسا للحزب الجديد، وُصف بالتطرّف من قبل أعضاء الجبهة، بل وبالميول الجمهوريّة لأنه كان متشدّدا في رفض الإمارة السنوسيّة، مناديا بوحدة ليبيا واستقلالها، وانضمامها إلى الجامعة العربيّة.

وفي رسالة بتاريخ 8 يونيو 1946 إوفد مؤسّسو الحزب المنشقّ سكرتيره علي بن رجب إلى القاهرة برسالة إلى بشير السعداوي فيما يلي نصّها:

((حضرة السيّد المفضال الزعيم بشير السعداوي، رعاه الله وأبقاه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركلته وبعد، فبركان السياسة يضطرم اليوم في هذه البلاد المنكودة، والمفسدون لعبوا دورا. وكان نفوذهم يسود البلاد. والحزب الوطني يحتضر من جرّاء أعمال الفئة الضّالّة – أي الجبهة الوطنيّة الطرابلسيّة- فلا تصدّقوا ما يُذاع عنها، فإنها جرثومة الفساد التي تريد أن تقضي على الوطن. وها أنا اليوم أقّدم إليكم سكرتير الكتلة الوطنيّة الحرّة الأستاذ علي رجب، فهو يوضّح لكم الوضع ويمدّكم بمعلومات صحيحة.

مع تقديم فائق إحتراماتي ختاما.

أخوكم أحمد الفقيه حسن)).(1)

وهكذا وكما نرى من هذه الرسالة فالخلاف بين التنظيمات الثلاثة في طرابلس (الجبهة والوطني والكتلة) لم يتركّز فقط في قبول إمارة إدريس السنوسي أو رفضها، ولكن أيضا في المشاحنات الشخصيّة والإحن والدسائس التي ذرّت قرنها بين زعمائها. وهي مواقف وخلافات كانت تترافق مع ما كان يجري من حراك سياسي في بنغازي، وفي القاهرة بين السيّد إدريس والأقطاب المهاجرين كما مرّ بنا. (في الكتاب صورة علي الفقيه حسن رئيس الكتلة)

مرحلة الإنشقاقات الحزبيّة:

كان للإنشقاق في الحزب الوطني أن دشّن تشظّي الحركة الوطنيّة في طرابلس، فننتجت إنشقاقات أخرى مكوّنة لأحزاب (شخصيّة) أي تعتمد على شخص مؤسّسها، وتفتقد في العادة إلى قاعدة شعبيّة أو عدد ملحوظ من المناصرين الملتزمين بالعضويّة، كما أن مؤسّسيها تذبذبت مواقفهم تجاه الأحزاب الأخرى، وطالما غيّروا من إنتماءلتهم إليها. وهي:

حزب الإتحاد المصري الطرابلسي:

وكوّنه بتاريخ 16 ديسمبر 1946 كلّ من علي رجب المدني ويوسف المشيرقي العضوان في الكتلة الحرةّ التي انشقّا عنها، وكان علي رجب سكرتيرا لها. وقبل ذلك كان الأخير مؤيّدا للحزب الوطني الذي خرج منه في 20 مايو 1946، أي غداة الترخيص له. وبعد أن ذهب إلى القاهرة في 13 يونيو 1946 مبعوثا من حزب الكتلة، كما ذُكر حاملا رسالة تأليف حزب الكتلة إلى السعداوي، عاد إلى طرابلس أثناء شهر يوليو التالي له، ليقدّم إستقالته من الكتلة في نوفمبر من نفس السنة. ولم يكن للحزب الوحدوي هذا شأن كبير أو نشاط ملحوظ، عدا مناداته بأن توضع ليبيا تحت تاج فاروق ملك مصر والسّودان. وهو ما سيثير شجبا واستنكارا من قبل الأحزاب الوطنيّة المطالبة بالإستقلال والسيادة، كما سنرى. ولو أن الحزب في تحالفاته المتفاوتة مع تلك الأحزاب كان بذلك يناقض مبادئه، ناهيك عن تنقلات رئيسه المتقلّبة بينها كما رأينا.

حزب العمّال:

أسّسه في أوّل سبتمبر 1947 بشير حمزة، منشقّا عن الحزب الوطني. وعلى الرّغم من الإسم الذي يحمله الحزب، فلم تكن له علاقة بالطبقة العمّاليّة أو نقاباتها، ويبدو أنه كان تقليدا لإسم حزب العمّال البريطاني. كما أن رئيسه كان يشارك في اللقاءات مع ممثّلي الأحزاب الأخرى ويوقّع معها على البلاغات التي كانت تصدرها. وقد غاب إسمه عن ساحة النشاط الذي مارسته الأحزاب في معركة تكوين الدولة. ولكنّنا سنراه خلال نفس سنة 1947 ينضمّ إلى حزب "الكتلة" ويتولّى منصب سكرتيره العام.

حزب الأحرار:

كوّنه في 11مارس الصّادق بن زرّاع، الذي انشقّ أيضا عن الحزب الوطني. وكان ينادي بالإستقلال وإمارة السيّد إدريس، واقتصر نشاطه على لعب دور المصالحة وعلى توجيه النداءات لبقيّة الأحزاب من أجل التعاضد وتوحيد الصفوف، كما تعبّر دعوته التالية إليها، بعد إحتدام الخلافات حول الإمارة سنة 1948، والذي سنتعرّض له بالتفصيل في الصفحات التالية: (نُشرت في الكتاب صورة لرسالة الدعوة)

الأنشطة المحليّة:

كانت أهمّ أنشطة للأحزاب الرئيسيّة في طرابلس (الحزب الوطني – الجبهة المتحدة – الكتلة الحرّة) منصبّة على المناداة باستقلال ليبيا موحّدة، وانضمامها للجامعة العربيّة، والخوض في مسألة الإمارة. وسنرجع إلى هذه القضايا وتداعياتها ونتائجها في الفصول القادمة. ولكن قد يكون من المفيد إعطاء نبذة عن أنشطتها المحليّة المتعلّقة بشئون وهموم السكّان والبلاد الخارجة لتوّها من الحرب العالميّة الثانية التي دمّرت بنيتها التحتيّة، وأنهكت إقتصادياتها المتواضعة أو البائسة، في إطار العلاقة مع الإدارة البريطانيّة العسكريّة لمعالجة هذه القضايا. وذلك في الإستعراض الآتي:

في التقرير الشهري للمفوّض لسياسي بالإدارة البريطانيّة عن شهر يوليو 1946(2) متتبّعا نشاط الأحزاب الرئيسة الثلاثة، ذكر أن ممثّليها نشطوا في الطواف بالمدن والقرى الطربلسيّة مروّجين لسياساتها وشعاراتها التي اجتذبت الجموع الغفيرة – على الرّغم من سذاجتها وفهمها الطوباوي للحريّة حسب التقرير- واستطاع حزب الكتلة أن يتفوّق في استقطاب الشباب تحديدا، لأنه كان ينادي برفض "الأمر الواقع"، ولأنه كان أكثر "تطرّفا" في تعامله مع الإدارة العسكريّة البريطانيّة. وفي بحر أيّام قليلة تقدّمت الأحزاب الثلاثة متلازمة إلى الحاكم العسكري  (3).تطلب تكوين مجالس إستشاريّة وطنيّة لكل قطاع تقريبا مهمّتها إعطاء المشورة للإدارة في تسيير أمور الإقليم. ولكن الحاكم رفض الطلب في رسالة إلى الأحزاب الثلاثة بتاريخ 19 يوليو، بحجّة أن هذا يتعارض مع المسؤوليّة الملقاة على عاتق إدارته. وكان ردّ فعل "الكتلة" سريعا على هذا الرفض، وأصرّت على الحصول على ردود حول قضايا إجتماعيّة مثل دفن الموتى وتحويل الأموال بين إقليمي طرابلس وبرقة النزاع في مديريّة بني وليد..إلخ... كما أرسلت مذكّرة إلى "مؤتمر السلام" سردت فيه نبذة عن تاريخ البلاد ومعاناتها، ومطالبة بالتغيير الفوري للإدارة البريطانيّة الحاكمة، وأرسلت نسخة إلى جامعة الدول العربيّة. وبعد عشرة أيّام أرسل الحزب الوطني مذكّرة مماثلة متظلّما من الحالة السيّئة التي تعيشها البلاد. أمّا حزب الكتلة فقد سارع غداة تأسيسه بإبلاغ مؤتمر الدول الأربع وكذلك جامعة الدول العربيّة بأهدافه، كما تبيّن الوثيقة التالية: (نُشرت صورة الوثيقة)

بينما قام بعض أعضاء "الجبهة" في 15 يوليو بمقابلة المسئولين في الإدارة العسكريّة البريطانيّة، وعرضوا عليهم مشكلة المدارس، وعبّر أحدهم عن الخشية من أن علاقة الجبهة مع الإدارة أصبحت عائقا أمام اجتذاب الشعبيّة لها. ومن ناحية أخرى أخذت عناصر أخرى تضجّ بالشكوى من تهافت الأحزاب وغلوّها في الطلبات، و"أصبح همّها من المناداة بالإستقلال هو إشباع رغباتها الشخصيّة"– كما يقول تقرير الإدارة- حتى أن نجم الدين فرحات أحد شخصيّات الزاوية إقترح للحيلولة دون تحقيق أطماعهم أن يكوّن حزبا رابعا، يدعو إلى تطبيق الفصلين الحادي عشر والثاني عشر من ميثاق الأمم المتحدة اللذين يتنظّمان شؤون "الأقاليم غير المتمتّعة بالسيادة"، ووضعها تحت وصاية المنظّمة الدوليّة. إلاّ أن نجم الدين فرحات عدل عن الفكرة – بنصيحة من الإدارة كما يبدو- لأن المشاعر ضدّها كانت متأجّجة.

وكنموذج للحوار بين الإدارة والأحزاب تفصح الوثيقة التالية عن القضايا التي كانت محلّ العلاج: (نشرت في الكتاب نصّ وثيقة شكوى أهل طرابلس).

ويتضح أن الوثيقة قدّمتها "الجبهة" قبيل مجيء لجنة التحقيق الرباعيّة التي سنتعرّض لها بالتفصيل، وهي تكرار لمذكّرات وعرائض الأحزاب الثلاثة منذ تكوينها سنة 1946.

وجاء الردّ البريطاني كما نرى في الوثيقة التي وقّعها سانديسون سكرتير عام الولاية في الرسالة المدرجة أدناه  حاملة للأعذار والإصرار على التخلّص من العمالة الوطنيّة، بدعوي الإقتصاد في النفقات: (نصّ ردّ سانديسون نُشر بالكتاب)

وهذه رسالة أخرى (كعيّنة) من نفس المسؤول وجّهها إلى الأحزاب الثلاثة موضّحا فيها سياسات الإدارة تجاه القضايا التي أثارتها معه، وكانت آنذاك  تشغل أهل البلاد في طرابلس: (ردّ  سانديسون المذكور نُشر بالكتاب). 

ويلاحظ في هذه الإتصالات أن مسألة التواجد الإيطالي في وظائف الإدارة، على حساب فرص الوظيفة للعنصر الوطني كانت مثيرة للقلق. وهذا القلق تفاقم بعد ورود أنباء عن تدفّق جديد للوافدين الإيطاليين على البلاد، الأمر الذي حرّك النقمة الشعبيّة. وأُعلن إضراب للعمّال يوم 20 سبتمبر 1946 إحتجاجا على هذا التصرّف، على الرّغم من أن الحزب الوطني تردّد في المشاركة في الإضراب، مفضّلا الإتصال الهادئ بالإدارة الحاكمة لمعالجة المشكلة. وجاء ردّ الإدارة البريطانيّة على الشكوى يقول: إن مسألة تهجير الإيطاليين من المستعمرات السابقة وعودتهم إليها هي موضوع نقاش في أروقة الأمم المتحدة. وكانت مشكلة تعويض هؤلاء المهجّرين من بين الأسباب، مذكّرة بأن أعددا كبيرة من العائدين الليبيين بدأت تتوافد على أرض الوطن، ومقابل ذلك تقدّم الكثير من الإيطاليين طالبين الرجوع إلى بلادهم.

  1. "ميلاد دولة ليبيا الحديثة" –الباب الثاني- ص 323
  2. WO (30/232
  3. كان الأميرلاي بلاكلي T.R. Blackley الذي كانت له تجربة كبيرة في حكم السّودان، والسكرتير العام كان سانديسون Sandison وله خبرة في الشؤون العربيّة. أمّا في المدن وقرى الدّواخل، فكان يتولاّها عسكريّون برتبة كولونيل كقائمقام، أو مقدّم ورائد. ويعاونهم جميعا موظّفون من الإيطاليين والعرب واليهود.

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ليبية
الأستاذ الكاتب هل يمكنك أن تشرح لي كيف تحصلت على هذه الوثائق التاريخية الهامة الي تقول بين الحين والآخر(ولدينا النسخة الأصلية) حيث لا أظن أن أحدا يملك هذه الوثائق ملكية…...
التكملة