عزة كامل المقهور: قراءة في التعديل الخامس للإعلان الدستوري 6/7/2013 06:24 عزة كامل المقهور: قراءة في التعديل الخامس للإعلان الدستوري
عزة كامل المقهور بحث

قراءة في التعديل الخامس للإعلان الدستوري

(تعديل المادة السادسة معدوم لا ينتج اثرا)

مقدمة:

1. صدر الإعلان الدستوري بتاريخ 3. 8. 2011  بمدينة بنغازي من المجلس الوطني الانتقالي. وهو مجلس تأسس في أواخر شهر فبراير من مجموعة من المواطنين الليبيين من المنطقة الشرقية (بنغازي وماجاورها) و ترأسه وزير العدل في النظام السابق المستشار مصطفى عبد الجليل.

2. لاقى المجلس تأييدا واعترافا دوليا واعتبرته عديد الدول ممثلا شرعيا للشعب الليبي، بينما أصبحت قانونية النظام السابق على المستوى الدولي بالأخص تأفل وتتضاءل شيئا فشيئا.

3. إنضم إلى المجلس الوطني الانتقالي ممثلون من مدن ومناطق أخرى في ليبيا ومنها مناطق كانت ما تزال تحت قبضة النظام السابق، واصبح يتسع شيئا فشيئا إلى أن وصل عدده قبل حله إلى   102 عضو  .

4. وقبل تحرير كامل تراب الوطن بما في ذلك العاصمة طرابلس حيث كان يتحصن النظام، صدر الإعلان الدستوري من مدينة بنغازي مستندا إلى "شرعية الثورة" وإلى أن يتم التصديق على "الدستور الدائم" " كما أن المجلس الوطني الانتقالي المؤقت رأى "أن يصدر هذا الإعلان الدستوري، ليكون أساسا للحكم في المرحلة الانتقالية".

5. وفي شهر يوليو من عام 2012 جرت انتخابات عامة في البلاد، تم بموجبها انتخاب المؤتمر الوطني العام المكون من 200 عضو وفقا لقانون انتخابات المؤتمر الوطني العام رقم ( 4 ) لسنة (2012 ) وقانون الدوائر الانتخابية رقم 14 لسنة 2012 الصادر كليهما عن المجلس الوطني الانتقالي. وقام بالإشراف على هذه الانتخابات المفوضية العليا للانتخابات المشكلة تأسيسا على القانون رقم  ( 3 ) لسنة ( 2012) .

6. وانعقد أول اجتماع للمؤتمر الوطني العام بتاريخ 8 .8. 2012. وبتاريخ 9. 8. 2012  انتخب د. محمد المقريف رئيسا للمؤتمر الوطني العام، وكانت قد تشكلت أول حكومة مؤقته استنادا للإعلان الدستوري برئاسة د. عبد الرحيم الكيب من قبل المجلس الوطني الانتقالي في شهر نوفمبر 2011.

7. وفي شهر نوفمبر 2012، تم تشكيل حكومة مؤقتة جديدة برئاسة السيد على زيدان.

أولا التعديلات التي طرأت على الإعلان الدستوري:

1. صدر اجمالي خمسة تعديلات على الإعلان الدستوري. صدرت ثلاثة منها في عهد المجلس الوطني الانتقالي، بينما صدر الرابع والخامس من قبل المؤتمر الوطني العام.

2. والبيّن من خلال الإطلاع على كامل التعديلات، أنها من الأول وحتى الرابع تعلقت بالمادة 30 من الإعلان الدستوري والمتعلقة بمسألتين: الأولى: مبدأ التداول السلمي للسلطة من المجلس الوطني الانتقالي المؤقت إلى المؤتمر الوطني العام إلى البرلمان المنتخب، والثانية تتعلق بالهيئة التأسيسية التي بموجب التعديل الأول اصبحت مختارة من خارج المؤتمر الوطني العام وعددها ستون عضواً على غرار لجنة الستين. ولم تطل هذه التعديلات بقية مواد الإعلان الدستوري.

3. إلا أنه وبتاريخ 11. 4. 2013 صدر التعديل الخامس والأخير ولم يتعلق كغيره من التعديلات بالمادة 30 من الإعلان الدستوري، وإنما مس نص المادة 6 من الإعلان الدستوري والتي تقع في الفصل الأول منه تحت عنوان " أحكام عامة".

ثانيا طبيعة الإعلان الدستوري:

إن التساؤل الذي يطرح نفسه هو ما هي طبيعة الإعلان الدستوري؟ هل هو ذو  طبيعة دستورية؟ هل يتساوى مع الدستور؟

هي أسئلة من وجهة نظري يصعب الإجابة عنها.

لكن المدخل الرئيسي للإجابة هو من خلال تعريف الدستور، فهو القانون الأساسي والأسمى، ويتضمن الأحكام والقواعد التي تنظم المؤسسات السياسية في الدولة وتبين شكل الحكم فيها، وكذلك الضمانات الأساسية لحقوق الأفراد.

ومن هذا المنطلق الموضوعي فإن الإعلان الدستوري يشمل وينظم  ايضا هذه الموضوعات التي عادة ما تتضمنها الدساتير.

إلا أن هذا التعريف الذي يتعرض لموضوع الدستور، هو تعريف قاصر لأنه لا يتطرق للإجراءات التي تصدر بها الدساتير، فلكي يأخذ الدستور المكانة السامية التي يتبوأها فإنه يجب أن يمر بإجراءات معينة يستمد منها المشروعية والمكانة السامية تلك.

ولن نعود إلى التاريخ ذلك أن وضع الدساتير في الماضي ليس بحال وضعها اليوم، كما وأن مشروعيتها رسخت بمرور الزمن وتمسك الشعوب بها ومواكبتها للتطورات. أما اليوم فإنه لا يتصور صدور دستور دون مشاركة شعبية فعلية، كما وأن الغلبة اليوم لإنتخاب هيئات كتابة الدساتير بدلا من تعيينها، وفي حالة التعيين فإن الإستفتاء يكون مهما لإكساب الدستور مشروعية.

لذا فإن الإعلانات الدستورية التي غالبا ما تصدر في ظروف معينة يمكن أن يطلق عليها "الظروف الاستثنائية"، لا تمر بالإجراءات التي تمر بها الدساتير، كما وأنها تتخذ صفة التأقيت وتنظم فترات انتقالية أو مؤقتة.

وعليه لا يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن الإعلانات الدستورية تتساوى في المكانة والمرتبة مع الدستور، فهي لا تمتلك مشروعية الدستور لأنها لا تصدر بذات الكيفية التي تصدر بها الدساتير ولا تعبر الإجراءات التي تمر بها الدساتير كما وأنها لا تترسخ في ضمير الأمة والشعب لأنها مؤقتة، لحين صدور الدستور.

وإن ما يتساوى مع الدستور من حيث القيمة والسمو هو فحوى الإعلان الدستوري التي تتعلق بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان كالنصوص المتعلقة بالحقوق والحريات، والنصوص المتعلقة بالتداول السلمي للسلطة، وتلك المتعلقة بإستقلال القضاء، وتلك المتعلقة بالفصل ما بين السلطات وغيرها من المبادئ الديمقراطية. أما الإعلان الدستوري في شكله العام هو ليس دستورا، لكنه يحوي نصوصا ذات صبغة دستورية يتعين التعامل معها بنفس الطريقة التي يتم التعامل بها في نصوص الدساتير كعدم العبث بها وتعديلها بشكل مخل يمس بحقوق الإنسان وحرياته أو يعيق مبادئ الديمقراطية أو يخل بها. وقد جرى العمل في دساتير العالم  بأن الحقوق والحريات مقدسة لا تخضع لتعديل أو تغيير يفقدها محتواها أو يجعل منها غير ذات جدوى ذلك أنها حقوق طبيعية مصدرها العزيز القدير  إضافة إلى انها حق طبيعي لصيق بالإنسان.

ثالثا الإعلان الدستوري الليبي المؤقت الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي المؤقت في 3. 8. 2011.

صدر الإعلان الدستوري كما سبق القول قبل تحرير ليبيا وقبل إعلان التحرير في  23. 10. 2011 من المجلس الوطني الانتقالي المؤقت، إي أن السلطة التي أصدرته لم تكن قد بسطت سلطانها على كامل التراب الليبي، كما وأنها كسلطة استمدت مشروعيتها من فعل الثورة ذاته الذي ثار على الظلم والاستبداد والعسف، ذلك أن حالة الثورة لا يمكن معها خلق سلطات تستمد مشروعيتها بشكل قانوني منظم بل تستمدها من مشروعية الثورة ذاتها.

ويحتوي الإعلان الدستوري على 37 مادة، ويتكون من خمسة أبواب على النحو التالي: أحكام عامة، الحقوق والحريات، نظام الحكم خلال المرحلة الانتقالية، الضمانات القضائية، أحكام ختامية.

وهو وثيقة لم تنشر في الجريدة الرسمية، ونص في المادة 37 من الإعلان الدستوري على " ينشر هذا الإعلان بوسائل الإعلام المختلفة ويعمل به من تاريخ نشره".

لذا من البين أن الإعلان الدستوري لا يرقى لمرتبة الدستور من حيث صدوره للاسباب التالية:

1. إن مشروعيته استمدها من فعل الثورة وليس من الشعب سواء من خلال هيئة تأسيسية كما أنه لم يستفتى عليه.

2. إنه صدر من سلطة مؤقتة في ظروف استثنائية لم تبسط سلطانها على كامل التراب الليبي عند صدوره.

3. إنه مرتبط بفعل الثورة وهو فعل مؤقت وليس دائم، كما وأنه مرتبط بالتأقيت الملازم للمرحلة الانتقالية، أي أنه وثيقة مؤقتة.

4. إنه لم ينشر بالطريق الرسمي.

لكنه وثيقة تحوي نصوصا دستورية ذات علو ومكانة عالية كمنزلة النصوص الدستورية الواردة في الدستور تماما خاصة تلك المتعلقة بالحقوق والحريات العامة.

وعليه حتى وإن لم يكن الإعلان الدستوري في مكانة الدستور، فإن نصوصه ذات العلاقة بالمسائل الدستورية تكون لها هذه الطبيعة الدستورية ويتم التعامل معها على هذا الأساس فلا يجوز المساس بها ولا بجوهرها ولا الانتقاص منها ولا الإفتئات عليها، إذ ان هذا الفعل يكون مساسا بنصوص دستورية وعبثا من سلطة التشريع معدوما ولا يعتد به.

رابعا المؤتمر الوطني العام لا يملك سلطة تعديل الإعلان الدستوري:

سبق و أن بينا إن الإعلان الدستوري خضع لخمسة تعديلات وأن هذه التعديلات عدا واحد (التعديل الخامس) تعلقت بمسائل إجرائية تتصل بالمادة 30 دون غيرها.

إلا أن المؤتمر الوطني العام حين أصدر التعديل الخامس فإنه مس نصا دستوريا أساسيا جاء في الباب الأول من الإعلان الدستوري تحت باب الأحكام العامة، أي الاسس والإطار الدستوري للدولة، والذي يشمل على مكانة الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وشعار الدولة وعلمها، والمبادئ الديمقراطية التي تنتهجها، والمكون الأسري، والمساواة.

فكانت المادة 6 المتعلقة بالمساواة  ما بين الليبيين، قد كرمت وسبقت على كافة الحقوق لتكون في الباب الأول  من الإعلان الدستوري، لتصبح بذلك عنصرا أساسيا لقيام النظام السياسي الجديد في البلاد. فلا يتصور دولة بلا شعار ولا علم ولا دولة بلا لغة، ولا دولة بلا مصدر اساسي للتشريع هو دينها وهويتها، ولا دولة بلا أسس ديمقراطية تقوم عليها النظام السياسي المدني الديمقراطي المبني على التعددية السياسية والحزبية بهدف التداول السلمي للسلطة. كما لا يتصور أن تقوم دولة و نظام سياسي بدون مساواة بين مواطنيها. إذ تنص المادة 6 من الإعلان الدستوري على أن " الليبيون سواء أمام القانون، متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وفي تكافؤ الفرص، وفيما عليهم من الواجبات والمسؤوليات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس أو النسب أو الآراء السياسية أو الوضع الإجتماعي أو الجهوي أو الأسري".

ولما كانت هذه المادة هي مادة ذات طبيعة دستورية أساسية وجوهرية استنادا إلى ما تتضمنه من حق أساسي لا تقوم الدولة إلا بقيامه ولا يقوم أي نظام سياسي ديمقراطي إلا تأسيسا عليه، فإنه لا يجوز لأي سلطة المساس بها بالتعديل أو الإلغاء.

ولما كان التعديل الخامس الذي صدر عن المؤتمر الوطني العام قد أفرغ مبدأ المساواة من معناه وتدخل في هذه المادة بالتعديل فجعلها مادة تتعارض مع مبدأ المساواة الوارد في ذات المادة مما يجعلها غير ذات جدوى لا تحمي حقوقا ولا تصون حرية. إضافة إلى أن هذا التعديل قد جعل هذه المادة مناقضة لمواد جوهرية أخرى في الإعلان الدستوري كما سيأتي بيانه، فإن هذا يعني خروج المؤتمر الوطني العام عن مساره وعن اختصاصه بإعتباره بالاساس سلطة تشريعية وليس سلطة تأسيسية لا يحق له المساس بالنصوص ذات الطبيعة الدستورية الواردة في الإعلان الدستوري، وأنه يختص وفي أضيق نطاق بتعديل أو الغاء النصوص ذات الطبيعة الإجرائية التي تساعد على تسليم السلطة وتداولها. 

كما وأن الإخلال بالمادة 6 والمساس بها أو تعديلها بما يخل بمبدأ المساواة يخل بالبنيان النصي بالكامل للإعلان الدستوري كما سنبين أدناه.

خامسا التعديل الخامس تعديل معدوم ولا ينتج أثرا:

1. التعديل الخامس يخل بالمادة 6 ذاتها ونصوص أخرى في الإعلان الدستوري:

جاء التعديل الخامس الصادر عن المؤتمر الوطني العام بإضافة فقرة للمادة 6 على النحو التالي:"ولا يعد إخلالا بما ورد في هذا الإعلان عزل بعض الأشخاص ومنعهم من تولي المناصب السيادية والوظائف القيادية في الإدارات العليا للدولة لفترة زمنية مؤقتة وبمقتضى قانون يصدر في هذا الشأن وبما لا يخل بحق المعنيين في التقاضي"

وهو نص يتناقض مع الفقرة الأولى من المادة 6 ذلك أن المساواة حق عام لا يقبل التجزئة ولا الاستثناء إذ أن الاستثناء عليه يقذف به إلى خانة عدم المساواة. وطبيعة الحقوق الأساسية أنها حقوق عامة لاتقبل التجزئة ولا الاستثناء. فلا يكون المواطنون متساوين إذا انتقصت السلطة التشريعية من حقوق البعض منهم. فلا مساس بهذه الحقوق إلا من السلطة القضائية بناء على محاكمة عادلة ونزيهة.

كما وأن هذا التعديل يتناقض مع نص المادة 7 من الإعلان الدستوري التي تلزم الدولة بأن تكون الكافلة والضامنة لحقوق الإنسان و حرياته الاساسية.

وتعارضت مع المادة 8 التي تلزم الدولة بضمان تكافؤ الفرص التي لا تتحقق إلا بالمساواة إذ لا يتحقق هذا النص عند الإخلال بمبدأ المساواة الذي لا يقوم هذا النص إلا بقيامه.

كذلك يشكل اخلالا بالمادة 33 الخاصة بمبدأ حق التقاضي، إذ أن هذا التعديل يعطل هذا الحق حيث يفتح الباب للإخلال بحق التقاضي على أساس أن هذا التعديل يغل يد المحكمة العليا بقضائها الدستوري من نظر أي تشريع يخل بمبدأ المساواة بإعتباره محصنا بالتعديل. وهو ظن خاطئ لأن المبادئ الدستورية ذاتها محصنة من أي تعديل يخل بها و محصنة من الإلغاء. ولا يقدح في هذا وجود عبارة "وبما لا يخل بحق المعنيين في التقاضي" إذا أن هذه العبارة هي في حقيقتها تزيد فحق التقاضي مكفول دون حاجة للنص عليه، كما وأن التعديل الخامس في جوهره هو إهدار لهذا الحق وما يتصل به من حقوق وأهمها الأصل في الأنسان البراءة، فالعبرة ليست بالمعاني بل بالحقيقة، ذلك أن تدخل المشرع بهذا الشكل كما ورد في التعديل إنما كان بهدف منع الوصول إلى تكريس الحقوق ورفع الحيف أو الظلم وهي مهمة القضاء الأساسية وليست فقط الحق في إجراءات التقاضي التي هي سبيل وليس غاية.

2. التعديل الخامس يخل بالبنيان الدستوري للإعلان الدستوري:

لا شك أن الإعلان الدستوري كغيره من التشريعات هو بناء متكامل لا يمكن أن يكون متعارضا مع بعضه البعض، وهو عمل فني ذو ابعاد سياسية و اقتصادية واجتماعية وغيره من الابعاد.

إن التعديل الخامس أدى إلى إخلال ليس بنصوص بعينها كما بينا أعلاه، بل بالبنيان الكامل للإعلان الدستوري. ذلك أن التعديل انصب على نص أساسي ورد في الباب الأول وهو الأساس كغيره من النصوص الست التي انبنى عليها الإعلان الدستوري ذاته. لذا فإن التعديل الخامس الذي انصب على المادة 6 مس نصوصا أخرى فناقضها أو جعلها غير ذات جدوى.

وأبلغ مثال على ذلك نص المادة 31 بأن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص وأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة، حيث أن التعديل فتح باب العقاب بالعزل والحرمان من بعض الحقوق السياسية دون محاكمة عادلة، فالحرمان والعزل يكون عادة بناء على عقوبة تصدر من قاضي طبيعي مختص بناء على محاكمة عادلة وقد يكون من تبعات هذه العقوبة لكنه لا يكون أسبق عليها.

كذلك ما نصت عليه المادة 32 من استقلال السلطة القضائية، ذلك أن هذا التعديل افتأت على السلطة القضائية حين انتزع منها اختصاص التقاضي وفرض العقوبة وأقر حق السلطة التشريعية في فرض عقوبات تتعلق بالعزل والحرمان من الحقوق السياسية  وهو عمل من أعمال القضاء الاصيلة.

إن السماح بفرض مبدأ العزل والحرمان من الحقوق السياسية بموجب التعديل الخامس من جهة، لم يخفف على المعزولين والمحرومين من بعض حقوقهم السياسية من واجباتهم كمواطنين بموجب المادة 9 من الإعلان الدستوري من جهة أخرى. فالمساواة في الحقوق ترتب مساواة في الواجبات، والإخلال بالمساواة في الحقوق ينشأ عنه إخلال بالواجبات المترتبة على المواطنة التي أساسها المساواة.

إن السبب الأساسي من وراء التعديل الخامس الذي قام به المؤتمر الوطني العام هو غل يد القضاء عن نظر تشريعات تتعارض ونص المادة 6 من الإعلان الدستوري وتتعلق بالحرمان من بعض الحقوق السياسية، وهذه نظرية خاطئة وبالية لم يعد لها أساس في فقه القانون الدستوري، فالحقوق تعلو وتسمو على كل التشريعات بما فيها الدستور إذ انها كاشفة للحقوق وليست منشئة لها، لذا فإن هذا التعديل من وجهة نظرنا هو والعدم سواء،  إذ لا يجوز الانتقاص أو تفريغ الحقوق الاساسية من محتواها.

سادسا الطبيعة القانونية للتعديل الخامس الصادر عن المؤتمر الوطني العام:

من البين أن المؤتمر الوطني العام لا يختص بالشأن الدستوري وإن كان يمهد له، وأنه سلطة تشريعية بالأساس وليس سلطة تأسيسية. إذ أن الإعلان الدستوري خص السلطة التأسيسية ( هيئة الستين) دون غيرها بالشأن الدستوري.

لذا فإن المؤتمر الوطتي العام لا يملك إختصاص المساس بالنصوص ذات الطبيعة الدستورية التي يتضمنها الإعلان الدستوري ومن أهمها نص المادة 6 منه. وإن كل ما يملكه هو التعديل في النصوص الإجرائية كتلك المتعلقة بالمواعيد او النصاب أو ماشابه. لذا فإن التعديل الخامس لا يرقى لمستوى النص الدستوري ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعدل في نص دستوري يستقي مشروعيته من مصادر أعلى من الإعلان الدستوري ذاته. لذا فإن القول بأنه تعديل دستوري هو قول خاطئ وأنه لا يعدو أن يكون قانونا عاديا لا يمكنه أن يعدل في نصوص الإعلان الدستوري ذات القدسية الدستورية.

ولا يقدح في هذا القول الاستناد إلى نص المادة 36 الذي يقضي بانه لا يجوز تعديل أو الغاء أي حكم وارد في الإعلان الدستوري إلا بموجب حكم آخر يصدر عن المجلس الوطني الانتقالي أو من يحل محله (رغم أن النص لم يشر لذلك)، ذلك أن المقصود بالتعديل او الالغاء هنا هو النصوص الإجرائية وليست النصوص ذات الطبيعة الدستورية التي تستمد وجودها وشرعيتها من مصادر اسمى من الدستور ذاته.

لذا فإن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا مختصة بالنظر في أية طعون دستورية تتعلق بتشريعات تتناقض والإعلان الدستوري ونصوصه ذات الطبيعة الدستوريةـ وأن أي تعديل هدفه التدخل في اختصاص القضاء والمساس باستقلاله، أو من شأنه مخالفة نصوص حقوقية أساسية وعلى رأسها مبدأ المساواة بين المواطنين يعد والعدم سواء ولا يعتد به، فالنصوص ذات العلاقة بحقوق الإنسان الاساسية لا تحتاج لأن يتم تضمينها في وثيقة أيا كانت طبيعتها لأن مصدرها سماوي وطبيعي وهي ثابتة على مر الزمن في الضمير الإنساني وتصمنتها الشرعة الدولية التي انضمت اليها ليبيا منذ عقود مضت وأكد عليها نص المادة 7 من الإعلان الدستوري.

تنص المادة 17 من الإعلان الدستوري على ان المجلس الوطني الانتقالي من مهامه "إقامة أسس الدولة المدنية الدستورية الديمقراطية". إن التعديل الخامس مناقض تماما للمهمة المناطة بالمؤتمر الذي حل محل المجلس الوطني الانتقالي.

الخلاصة:

1. الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي لا يملك مكانة الدستور، إلا أن نصوصه ذات الطبيعة الدستورية خاصة المتعلقة بالحقوق والحريات العامة لها ذات القيمة والسمو والعلو الذي تمتلكه نصوص الدستور.

2. إن نص المادة 6 من الإعلان الدستوري ورد في الباب الأول منه والمتعلق بالأحكام العامة التي تضع اسس وإطار المرحلة الانتقالية ويشتمل على نصوص اساسية من بينها نص المادة 6 المتعلق بمبدأ المساواة بين الليبيين.

3. إن لا اختصاص للمؤتمر الوطني العام في أن يعدل في النصوص ذات الطبيعة الدستورية وأن ينتقص من النصوص ذات العلاقة بالحقوق والحريات. ذلك أنه ليس سلطة تأسيسية وهي وحدها دون غيرها المختصة بالشأن الدستوري.

4. إن المؤتمر الوطني العام في تعديله الخامس قد مس عدة نصوص ذات طبيعة دستورية وأخل بها بشكل مباشر بل وناقضها بما فيها الفقرة الأولى من الإعلان الدستوري، كما وأنه احدث خللا في البيان الدستوري للإعلان.

5. إن التعديل الخامس للإعلان الدستوري بإعتباره يمس حقا أساسيا من حقوق الإنسان، ألا وهو مبدأ المساواة الذي مصدره اسمى من أي تشريع بما في ذلك الدستور الذي لا يعدو أن يكون كاشفا للحقوق وليس منشئا لها، يعتبر والعدم سواء ولا ينتج اي أثر ويظل مبدأ المساواة بين الليبيين في الحقوق مبدأ ساميا لا يمسه أي تشريع يصدر عن المؤتمر الوطني العام.

6. إن ما يصدر عن المؤتمر الوطني العام من تشريعات بما فيها تعديلات الإعلان الدستوري يجب أن لا تنال من الحقوق والحريات، وعليه فإن المؤتمر لا يملك سوى التعديل في المسائل الإجرائية دون الموضوعية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري. إن المؤتمر الوطني العام ليس هيئة تأسيسية ولا يملك حق تعديل النصوص ذات القيمة الدستورية.

7. إن المؤتمر الوطني العام هو استمرار لمسيرة بناء دولة الحقوق والحريات، الدولة المدنية الديمقراطية الدستورية، ومهمته الأساسية وضع الإجراءات اللازمة لانتخاب هيئة الستين، وأنه لا يملك المساس بالمبادئ الأساسية الدستورية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري.

8. إن التعديل الدستوري الخامس يتنافى مع عدة نصوص في الإعلان الدستوري ذاته وأنه يفرغ عدة نصوص أساسية ذات علاقة بالحقوق والحريات من محتواها. كما وأن هذا التعديل يجعل للسلطة التشريعية اختصاص فرض العقاب من خلال إطلاق يدها بالحرمان من بعض الحقوق مما يخل بمبدأ ديمقراطي أساسي هو مبدأ الفصل بين السلطات .

9. إنه لا يجوز للسلطة التشريعية أن تعدل النصوص ذات الطبيعة الدستورية كما يحلو لها، ذلك أنها وغيرها من السلطات تخضع لها حتى وإن لم يكن منصوصا عليها في وثيقة أيا كانت طبيعتها، وإلا لجاز لها أن تحلل لنفسها ما تشاء وتطلق العنان لسلطاتها وتفتئت على سلطات أخرى وتكسر القواعد الدستورية و تفتح الباب على مصراعيه للمخالفات الدستورية .

10. إن نص المادة  (36) من الإعلان الدستوري المتعلقة بتعديله يجب أن يفسر ويطبق في أضيق نطاق وأن لا ينال من المواد الأساسية في الإعلان الدستوري خاصة المتعلقة بالحقوق والحريات، ذلك أن نص المادة 36 هو نص إجرائي لا يمكن أن يمس نصوصا موضوعية دستورية راسخة تعلو في قيمتها على الإعلان الدستوري ذاته.

11. وهكذا يظل الإعلان الدستوري الصادر في 3. 8. 2011  على حاله، ولا ينتج التعديل الدستوري الخامس أي أثر.

وما توفيقي إلا بالله

الهوامش

1 الطعن الدستوري رقم 28 لسنة 59 ق الصادر في 26. 2. 2013 ، قدم الرقم النهائي لأعضاء المجلس الوطني الانتقالي المؤقت.

 2 تعلق التعديل الدستوري الرابع الصادر عن المؤتمر الوطني العام بالمادة 30 الفقرة الخامسة إلا أنه تعلق بإجراءات التصويت.

3 نص المادة 196  في دستور 1951 على ما يلي " ولا يجوز اقتراح تنقيح  الأحكام الخاصة بشكل الحكم الملكي وبنظام وراثة العرش وبالحكم النيابي وبمبادئ الحرية والمساواة التي يكفلها هذا الدستور ".
نص الدستور المغربي 2010 ، الفصل175 "لا يمكن أن تتناول المراجعة (الدستورية) الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي، وبالنظام الملكي للدولة، وبالاختيار الديمقراطي للأمة، وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور". ومسودة الدستور التونسي  مادة 141 على ما يلي" لا يمكن لأي تعديل دستوري أن ينال من : 1. الإسلام بإعتباره دين الدولة، 5. مكتسبات حقوق الإنسان و حرياته المضمونة في هذا الدستور".

4 ورد في الطعن الدستوري رقم 1 لسنة 14 ق أنه " إذا خلا أي دستور مكتوب من النص على حق كل مواطن في الالتجاء إلى القضاء ..... فإن هذا الحق مكفول دون الحاجة إلى النص عليه صراحة لأنه حق مستمد من أوامر العلي القدير وهو من الحقوق الطبيعية للإنسان منذ أن خلق" وهو ما يمكن تطبيقه على كافة النصوص ذات الطبيعة الدستورية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات العامة.

 ورد في الطعن الدستوري رقم 29/ لسنة 2 ق الصادر عن المحكمة العليا في 7. 12. 1955، أن الدستور هو الذي يكفل " للشعب حقوقه وحرياته" ويضمن " لأفراده المساواة أمام القانون".

 

عزة كامل المقهور
محامية
طرابلس
30. 6. 2012

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مواااطن
أهم حاجة بالدستور ياجماعة الخير ان يكون هذا الدستور ضامناً لليبين جميعا دون استثناء خضر ومخططين حق المساوة في الحقوق كلها دون استثناء الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية المسسسسسسسسسسسسسسسسسسساواااااااااااااااااة يااااااااااااااااااااهوووووووووووووووووووووووووووووووووه ه…...
التكملة
الشريف جعودة
شكرا للاستاذة عزة. من وجهة نظرى ممكن اكون مخطىْ, ماذا لو المجلس الانتقالى استعان بالدستور 1951 و اجراءبعض التعديلات و لو مؤقتا.ما كن وصلنا لهذه الحالة الى نحن فيها.اطلب من…...
التكملة
عادل الطلحي
اشكرك استاذة عزة علي الرؤي والافكار القيمة اشاطرك القول فيما اشارت اليه ....
التكملة
محمـد س. التـاجــورى
الاسـتاذة عـزة تثـير نقـاط مهمـة ولعـل اهمها الجـزئيـة فى التسـاؤل حـول من يكـون الاحـق فى وضـع قـانـون العـزل السـياسـى رعـاية لقـاعـدة ان السـلطة التشـريعية تشـرّع , والسـلطة الـتنـفيـذية تنـفـذ ,…...
التكملة
عابر سبيل
هذا الكلام قيل منذ مدة لكن لا أحد يريد ان يسمع
وكانت الاستاذة من الفرحين بصدور الاعلان الدستوري
http://libya-al-mostakbal.org/news/clicked/16791...
التكملة
السفير ابراهيم قرادة
شكرا حضرة السفير قرادةى على ظهورك للتعليق وشكرا . محكمة نوينبرغ حدثت في نوينبرغ في المانيا وما يحدث في ليبيا هو في ليبيا والسلام عليكم يا سعادة السفير ابراهيم قراردة
التكملة
أنيس السوري
يتمُ الفصل في أي خلاف بين البشر بإحدى الطرق الثلاث، إما القانون والقضاء، أو التفاوض والسياسة، أو بالقوة والسلاح، ولا يمنع إعتماد أحدها أساساً من وجود الثانية والثالثة مظهراً أو…...
التكملة
عبدالقادر عبدالله
تصحيح: اسمها برقة وليست المنطقة الشرقية فلا داعي للتشبث بمصطلحات القذافي. برقة شئتم أم أبيتم....
التكملة
ابراهيم قراده
استاذة عزة، بعد الشكر على الاضافة والانارة المهمة حول هذا الموضوع المهم والحساس،،،إلا انني اتذكر- اذا لم تخوني الذاكرة بخلط او لبس - ان المحكمة الدستورية الالمانية ، وفي حالة…...
التكملة
شعيب
شكرا لتوضيح خطاء من جملة الاخطاء القاتلة للمجلس الانتقائي وتسلط الصلابي واعوانه عليه. سوف نظل نرزح تحت اكداس من القرارات الخاطئة ونتائجها لفترة طويلة اذا لم نتخذ قرار بالغائها جملة…...
التكملة
أحمد تمالّـه
شكرا للأستاذة الفاضلة عزّة المقهور على ما تفضّلت بشرحه حول الإعلان الدستوريّ و الظروف التى أُنشئ فيها و التعديلات التى تعرّض لها، و خاصة التعديل الخامس، الذى لاقى ضجة و…...
التكملة
متابع
شكرا استاذة عزة على هذا الاجتهاد ، لقد ورد في الطعن الدستوري رقم 28 /59 ق ، بتاريخ 26/2/2013 ، بشان التعديل الذي اصدره المجلس الانتقالي الوطني بتاريخ 5/7/2012 ،…...
التكملة
عبدالحق عبدالجبار
To the libyans where ever you go what ever you do you are there
the problem isn't the time, the place, nor the activity the problem is you...
التكملة