محمد بن نصر: أزمـة الهويـة و الهويـة المضـادة(2 ـــ 3) 15/9/2013 03:25 محمد بن نصر: أزمـة الهويـة و الهويـة المضـادة(2 ـــ 3)
محمد بن نصر بحث

هل يشهد العالم ميلاد هوية برقاوية خَصماً من الهوية الليبية؟ و لما لا...؟! ألم يشهد العالم ميلاد هوية ليبية خَصماً من الهوية الإسلامية؟ وهل يريد الفيدراليون هوية مضادة أسمها الهوية البرقاوية؟ لا أظن ذلك! فكل ما أعلنوا عنه أنهم يريدون في ليبيا نظاماً فيدرالياً يتجاوز المركزية و التهميش ــــ و أنا أصدقهم.

لكن ما يمكن أن يجعل برقة إقليماً مستقلاً هو رغبة العدو التي قد تصيرها الظروف أمراً واقعاً. و لا شك عندي في أن العدو يعمل على توفير الأسباب التي تجعل من رغبته هذه أمراً واقعاً. لكن العدو ليس واحداً، فهناك في الواقع عدوان: عدو خارجي مصلحته في خراب المنطقة، و عدو داخلي/ذاتي، و هو قصر النظر و الغفلة. و العدو الداخلي لا يقل خطورة عن العدو الخارجي، فقديماً قيل:"يفعل الجهل بصاحبه ما لا يفعل العدو بعدوه"؛ فخطط العدو الخارجي لا يمكن أن تُنَفذ إلا إذا توفرت لها الغفلة و قصر النظر على المستوى الداخلي.

أرجو أن يسمح لي الفدراليون بأن أتهمهم بقصر النظر؛ ودليلي على ذلك هو مقارنتهم الشعب الليبي بالشعب السويسري و الشعب الأمريكي، اللذين يعيشان في ظل نظام اتحادي. واعتراضي على المقارنة لا ينصب على نوعية الشعب الليبي، وإنما على نوعية نخبته (= قيادته). الشعب الليبي ليس لديه نخبة من نوع النخبة التي أقامت نظاماً اتحاديا في سويسرا أو النخبة التي حررت الولايات المتحدة الأمريكية من الاستعمار الإنجليزي!

لو كان عندنا نخبة من النوع السويسري أو الأمريكي لما سارت في غير طريق وحدة الأمة وليس في طريق إعادة تقسيمها بحيث تصبح مئة وخمسين دولة بدل خمسين! لو كان عندنا نخبة من النوع السويسري أو الأمريكي لكانت قطعت شوطاً في بناء ليبيا خلال السنتين الماضيتتين، وربما تفكر الآن في توحيد ليبيا مع تونس والجزائر، لبناء دولة بخمسين مليون نسمة وثروات تكفي للقضاء على البطالة الحاضرة والبحث عن عمالة إضافية!

لكن بدل السير في طريق تكوين دولة كبرى يسير البعض في طريق تمزيق البقية الباقية من أوصال الأمة ! وهل يسير الفدراليون في هذا الطريق؟ نعم... وهم غافلون!
ولما كان هدفي هو ثني الفدراليين عن مقصدهم، و إقناعهم بضرورة التمسك ليس بوحدة البلاد و حسب و إنما بتوحيد الأمة فوق ذلك، فسأقدم لهم من التاريخ و الواقع ما يجعلني أعتقد أن فكرة الفدرالية ستؤدي (ما لم يتم التخلي عنها) إلى تقسيم البلاد، عاجلاً و ليس آجلاً، لأن ليبيا تسير بخطى متسارعة نحو الفوضى!

في هذا السياق سأتناول التقسيم كمشروع تاريخي أولاً، ثم سيناريو التقسيم بعد ذلك.
أولا: التقسيم كمشروع تاريخي: في المرة السابقة أشرت إلى أن وحدة الأمة فرع من وحدانية الله، و اليوم أؤكد على أن جعل وحدانية الله مسألة ثانوية خطأ منهجي يتم وفقاً له استبدال الحق بالظن و التخريص. و هذا مستنتج من قوله تعالى في الذين تركوا سبيله:" إن يتبعون إلا الظن و إن هم إلا يخرصون"، و "إن يتبعون إلا الظن و ما تهوى الأنفس و لقد جاءهم من ربهم الهدى"، و"ما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن و إن الظن لا يغني من الحق شيئا". لقد ظن السودانيون أن خلاصهم في الانفصال عن مصر فأعلنوا استقلالهم سنة 1956، ثم ظن جنوب السودان أن خلاصه في الاستقلال عن شماله فتم له ذلك سنة 2011. ظاهر الحال يقول أن جنوب السودان انفصل عن شماله طبقاً لمبدأ تقرير المصير، لكن ظاهر الحال هذا يخفي الكثير من الحقائق التي تمتد من تنصير الجنوب (كجزء من عمل استراتيجي للحيلولة دون تحول إفريقيا إلى قارة مسلمة) إلى إمداد الجنوبيين بالخبراء والأموال والسلاح؛ وهو ما كانت "ليبيا- القذافي" شريكة نشطة فيه. ولا زالت تتهدد السودان تصدعات أخرى في غربه و شرقه. ومن الغفلة الاعتقاد بأن ما يجري في السودان خاص به و لن يمتد للدول المجاورة!

قبل السودان أضاع المسلمون الهند بانفصال الباكستان عنها، و بعد بضعة و ثلاثين سنة انفصلت بنغلاديش عن باكستان. وفي العقد الماضي كان العراق مرشحاً لإعادة تقسيمه إلى ثلاث دويلات. صحيح أن إعادة تقسيم العراق، كهدف لغزوه، فشلت لكن نجاحها مسألة وقت! إذ يتحين الأكراد في شمال العراق الفرصة و يتحرقون شوقاً إلى إعلان دولتهم المستقلة. و روسيا و أمريكيا و أوربا و دولة بني إسرائيل سيكونون أكثر من سعداء إذا تحقق ذلك، وهم يساهمون بهمة و نشاط في تحقيق ذلك، لأن تمزيق الأمة هو الهدف الاستراتيجي الذي يوحدهم، مهما اختلفت مصالحهم الآنية و تكتيكاتهم السياسية.

وصحيح، من جهة أخرى، أن تقسيم ليبيا غير مطروح بصراحة و وضوح في الوقت الحالي، لكن ذلك مسألة وقت هو الآخر، فالسودان لم يقسم بين عيشة و ضحاها، لقد أخذت العملية أطواراً معقدة واستمرت لنصف قرن على الأقل، ثم أصبحت أمراً واقعاً بعد ذلك. لكن القوى الخارجية لا تستطيع الدفع باتجاه الانفصال (أو إعادة التقسيم) إلا بوجود عنصر داخلي نشط و مستعد للموت في سبيل الانفصال؛ فإذا توفر العنصر الانفصالي الداخلي لا يبقى للعدو الخارجي إلا انتظار اللحظة المواتية للدفع باتجاه إعادة التقسيم. إعادة التقسيم، أو ما أصبح يُعرف بـ"تقسيم المقسم"، برنامج شامل ومستمر، ولن يتوقف حتى نستعين بالله عليه ونعمل على إيقافه. هل يمكن أن يكون الفدراليون الليبيون عنصر الانفصال الداخلي؟ نعم....! لكن وفقاً لأي سيناريو؟

ثانياً. سيناريـو تقسيـم لـيبيـا: بعد أربعة عقود عجاف أصبحت ليبيا بكاملها دولة مهشمة وهامشية؛ ومقارنة بتونس و ليس مقارنة بأي دولة من الدول الأخرى. ومع ذلك يتحدث الفدراليون كما لو أن برقة هي المكان الوحيد المهمش في العالم! والقضية في جوهرها قضية نفط؛ خصوصا وأن موقع بعض آبار النفط في المنطقة الشرقية. ويقال أن اكتشاف النفط في برقة (في النصف الثاني من القرن الماضي) قد حفز بعض القبائل لطلب نصيبها من دخل النفط على اعتبار أن الآبار واقعة في أراضيها، غير أن فكرة الدولة ووحدة البلاد كانت في حينها أقوى وأهم من منطق التخلف:"القبيلة" و"الغنيمة".

وبعد أربعة عقود من الفساد والفراغ تخلصت ليبيا من القذافي لتجد نفسها في أحضان القبيلة و القبلية من جديد، فالقبيلة هي آخر الروابط في مجتمع متفسخ. ولما كانت النخبة الليبية اليوم أعجز من أن تتجاوز القبيلة و تبني دولة، أخذت المشاريع البديلة تطل برأسها، ومن بينها مشروع الفيدرالية، الذي أرجو أن يظل يتيماً على الساحة الدولية. ومشروع كهذا لا تكفي فيه الرغبة الذاتية، ولا عنصر الانفصال الداخلي، والرعاية الدولية وحسب، وإنما يلزمه زعيم كذلك! والزعيم موجودــــ إنه أحمد الزبير، سليل الأسرة السنوسية العريقة! إذا وضعنا المعطيات الحالية في السياق التاريخي الذي تم عرضه في الحلقة السابقة، يمكن القول أن أحمد الزبير لن يقود برقة على خطى جده أحمد الشريف، أو على خطى محمد على السنوسي الكبير، وإنما سيقودها على خطى ابن عمه إدريس السنوسي... رحم الله الجميع.

لقد كان ادريس السنوسي قانعاً راضياً بأن يكون أميراً لبرقة و كفى! لكن طرابلس فرضت نفسها عليه مرتين: مرة سنة 1922، حين أرسلت له البيعة في اجدابيا لأجل توحيد الجهاد، و المرة الثانية عقب الاستقلال حين رضته ملكاً على ليبيا لأجل الحفاظ على وحدة البلادـــ التي استمات أهلها (في الشرق والغرب و الجنوب) في رفض مشروع التقسيم الاستعماري الذي اشتُهر بمشروع "بيفن- سفورزا". ومن خلال ظهوره، في الاحتشاد الفيدرالي، يبدو لي أن طموحات أحمد الزبير لا تتجاوز طموحات الأمير إدريس السنوسي سنة 1949ــــ إمارة برقة! وإذا لم يقف الليبيون صفاً واحداً في مواجهة المشروع الفيدرالي يمكن أن يتحقق مشروع "بيفن-سفورزا" بعد موت أصحابه، ويمكن أن تتطور الأمور على النحو التالي: إذا استطاع الفيدراليون جعل الفدرالية أمراً واقعاً، فإن أول الصعوبات ستكون حول من له حق إبرام العقود مع شركات النفط الأجنبية، و كيفية/نسبة تقسيم ريع النفط بين الحكومة الفدرالية وحكومة الولاية. وعلى هذا الخط سيدخل الجنوب الفقير باقتراح "النفط مقابل الماء"، على اعتبار أن لتر الماء أغلى من لتر البترول، وهو الثروة الطبيعية الواقعة بالجنوب، وطالما لكل إقليم ثروته التي يساوم بها الحكومة الاتحادية فالجنوب المهمش أولى بثرواته المائية التي يجب أن تباع للمدن المرفهة على الساحل، بدل هدرها دون مقابل. وبعد أخذ ورد، بين هذا وذاك، ستجد برقة أن من الأجدى لها أن تعلن استقلالها، وتصبح "دولة مستقلة ذات سيادة"، لتتمتع بثرواتها دون تدخل من القوى الإمبريالية وعلى رأسها طرابلس (أو مصراتة). وقد ترى فزان نفس الرأي حتى تقضي على التهميش!
وعندها سينفجر النزاع حول الحدود بين الولايات مثل الحاصل الآن بين جنوب وشمال السودان. وإذا انتهى النزاع على الحدود بقدرة قادر أو باللجوء لمحكمة العدل الدولية (مثلما فعلنا سابقاً، و دون خجل، مع تونس وتشاد) فسينفجر عندها نزاع آخر حول الثروات النفطية أو المائية التي تمتد تحت الأرض دون اعتراف بالحدود الوهمية. وقد تنفجر حرب المياه في ليبيا وبين الليبيين، وهو ما لا يراه الكثيرون بسبب الغفلة وقصر النظر! وقد نجد أنفسنا أمام مأساة اجتماعية، أو حتى حرب أهلية ممتدة، إذا قررت برقة طرد "الغرابة" وقررت طرابلس طرد "الشراقة". هذه ليست نظرة تشاؤمية لمستقبل ليبيا؛ هذا هو ما يجري في السودان، ومنذ ما يزيد على نصف قرن، لكننا لا نراه، ولا نقرأ فيه مستقبلنا المحتمل ـــــ وهذه هي الغفلة. لقد أصبح للسودان مشاكل سياسية واجتماعية، ونزاعات حدودية ومهجرين، بينه وبين الجنوب. وقد تشتعل حرب بين مصر والسودان حول مثلث حلايب الحدودي المتبقي كقنبلة موقوتة منذ انفصال السودان عن مصر سنة 1956؛ فكل ما يلزم لانفجار هذا النزاع هو حاكم مجنون يريد تحويل الأزمة الداخلية إلى أزمة خارجية، دون أن يرقب في الأمة إلاً ولا ذمةــــ مثلما حصل في حرب الخليج الأولى: انفجار نزاع حدودي بين العراق وإيران....
وبالنسبة لليبيا هناك ما هو أسوأ، وهو أن تعتقد مدينة بحجم مدينة البيضاء مثلاً أن العاصمة(بنغازي) تهمشها إما بتزوير الانتخابات أو بالتلاعب في رسم الدوائر الانتخابية، أو عدد المقاعد المخصصة لها؛ لحرمانها من حقوقها الطبيعية، فتطالب باستقلالها، فهي لا تقل أهمية عن "موناكو" أو "لخشتنشتاين"، وعندها قد يظهر مشروع نضالي جديد لتحرير درنة أو طبرق من التهميش الذي تمارسه بنغازي. وعندها قد تظهر عندنا "إمارة"، أو ربما حتى "إمارات" "إسلامية" و"امازيغية".... إلخ! هل هذا هو ما تريدونه؟ إذا كانت الإجابة لا..... فماذا لديكم من ضمانات ضد تحققه؟! لقد كان بإمكان السودان تجاوز مآسيه أو جلها لو كان لدى النخبة السودانية ما يكفي من العقل للتمسك بوحدة وادي النيل إلى آخر رمق. فهل نستدرك نحن في ليبيا ما فات أخواننا في السودان.... وفي باكستان؟

محمد بن نصر

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع