عزة كامل المقهور: 18/11/2013 17:18 عزة كامل المقهور: "فستك"
عزة كامل المقهور بحث

"فستك"
( قصة قصيرة)

إلى أخي سفيان... ذكريات نسجناها معا...

كلمات مبعثرة كحبات الفستق الصغيرة البنّية الصلبة، وهي تبتسم، فتكشف عن قلب أخضر، تطحنها الضروس، فتصرخ ألماً، وتتكسر صدفتها، لتخرج الكلمات على غير حروفها. ينطق  أهل طرابلس حرف القاف كافاً، فيتحول "الفتسق" إلى "فستك"، و"الفسقية" إلى "فسكية". ومنذ اتقدت حواسي في هذه الدنيا وأنا أرى بحراً ممتدا على مدى البصر، ورمالا بيضاء، تستقبله في أحضانها المفتوحة، وهو يرتمي عليها بدعة، واعتاد سمعي على هديره وصوت ارتطامه بالشاطىء... يأتي من بعيد، ويقترب شيئاً فشيئأ، حتى يداعب مخارج قوقعة الأذن. وتذوق لساني ملوحته التي تستقر على شفاهي وتيبس. هكذا نحن أسماك، تسير على الارض بروحها وطبيعتها المغامرة وأجسامها الرخوة المتزحلقة.

- "البحر فستكي ... نوضوا"

هكذا يعلن أخي بداية يوم صيفي جديد ممتع.

- فستكي والله فستكي، غير شوفوا من البلكونه...

ننهض بصعوبة، وبقايا النعاس تمغنط أجسادنا وتجذبنا نحو أسرّتنا.

نرتدي ما تقع عليه أيادينا، نختطف "المايوه" و"الشورت الجينز" من على الحبل... ساخنة تحتوي أجسادنا الرخوة وتجمعها، وقد ظهرت عليها آثار اليوم السابق من بقع الملح البيضاء، بعد أن امتصت أشعة الشمس آخر قطرة منها.

ما زالت الأزقة هادئة، إلا من وقع خطواتنا الكسولة، نقرع أجراس الجيران، ولأنها معطلة في أغلب الأحوال نستعمل حناجرنا، أو ننفخ أوداجنا لنصدر صفيراً متعارفاً عليه...

- هيا كان واتيين... كان هذا لحّقوا.

نتجمع كالنوارس ذات المناقير المعقوفة الصفراء، وتزداد أعدادنا دون أن نتقاسم فريسة إلا البحر، تتدلى الفوط على أكتافنا، منا الحافي، ومنا من يرتدي خفاً، لا نستعمل القبعات، ولا ندهن وجوهنا العارية ولا أجسادنا بالزيوت... ما أن نصل إلى الشاطئ، حتى ننزع ملابسنا ونرتمي في أحضان البحر...

- هيا للدزيرة..

لم تكن "الجزيرة" سوى صخرة مستطيلة قاتمة السواد، تعلو ظهرها النتوءات و الحفر البنية الرطبة، وكأنها أقداح مياه هجرها أصحابها دون أن يكملوها، أما الحفر السوداء الصلبة الضيقة فهي مخبأً للهاربين من أقدامنا العارية. تتهشم على حواشيها الأمواج، وتتراجع وهي تجمع قواها لتعاود هجومها وتبعثرها من جديد، كأنها تتلذذ بانكسارها وفنائها في ذاتها، وهي تصدر ضجيجها العميق على دفقات. "الجزيرة" ليست بالبعيدة عن الشاطئ، لكن بينها وبينه مياه عميقة ومتدرجة الزرقة، تقترب من السواد باقترابها منها، تتخللها أعشاب متنوعة، يحرك رؤوسها الموج، فتبدو وكأنها في حديث هامس بينها، أو تهتز في رقصات أشبه بنخيخ النساء.

نسبح معاً نحو "الجزيرة"، دون أن نتسابق أو نتنافس... نستمتع بالمياة الباردة وهي تلاحق الكسل وتطرده عن أجسادنا الرخوة.

نصرخ أحيانا.....

- واااااااك الميّه ثلج.

- ياريت فيّ بطاطين.

نقهقه كالسكارى، تداعب المياه مساماتنا، ولا نعتادها إلا بعد أن تغطي رؤوسنا ونحبس أنفاسنا ما استطعنا تحت الماء.

- خود نفس واغطس.

أتذكرها بشعرها الكستنائي المموج، الذي يقسم جسدها إلى جزئين، بلونه البرونزي الممزوج بألوان البحر وملوحته، ترتمي للماء بغنج، وكأنها ترتمي لحضن تعرفه وتفتقده، تتحرك فيه كسمكة لا تخشي حوتاً ولا صياداً، تعرف تضاريس قاعه، وتتلمس مساكنه ومضاربه، وتلمس بجسدها رماله، ثم ما أن تتقلص رئتاها حتى تدفع جسدها بقوة وتخرج من الماء، يرتخي شعرها قطعة واحدة خلفها، لتعاود القفز نحو القاع وكأنها تتفقده.

لم  يبزها أحد في السباحة تحت الماء...كانت سمكة بلا خياشيم، تحبس أنفاسها، وتقوس جسدها اللامع كالدلافين، وتدفع به نحو الأعماق، حتى تصل إليها وتستوي عليها، تقلب جسدها على الجانب الأيمن، وتحرك ساقيها كحركة المقص، بينما ذراعاها تسحبان المياه نحوها في حركة تشبه جذب الحبال... وهكذا تقترب شيئاً فشيئاً من "الجزيرة"، وهي تفتح عينيها، وترى كيف تتكاثف الصخور وتتلون، وتتراقص الأعشاب وتتعانق....كيف تختفي الأسماك الصغيرة في الحفر، وتلتمع أشواك القنفد البحري، وتتدرج ألوانه الغامقة ما بين الأسود والبنفسجي، وكيف يطل "الباغلي" برأسه بتردد من ثقوب الرمال والصخور، وترمقها عيون الأخطبوط الماكرة، وهي تختفي في الحفر، وتشير إليها بسوالفها، وكيف تتدحرج الأصداف والمحارعلى سطح الرمال البيضاء، ويزحف نجم البحر بأذرعه المتساوية وجسمه الشوكي الصلب، وكيف تدور خصلات الأعشاب السوداء على نفسها كأنها تطير، وكيف تلامس لزوجةً الطحالب الرخوة الخضراء جسدها.

تنحسر المياة في المنطقة الملاصقة "للجزيرة" حتى لا تعود كافية للسباحة، فترتفع برأسها خارجة، وهي تلهث، وتبحث عن أكسجين يفتح شعيرات رئتيها...تجلس كيفما اتفق وسط المياه، تجمع قواها وأنفاسها، ثم تنهض دفعة واحدة، وتخطو وسط الصخور الوعرة نحو "الجزيرة".

حين تهجر "العروس" البحر يكون جسدها منهكاً وأنفاسها متلاحقة كتكتكات الساعة، ترتمي على الرمال دفعة واحدة، وهي منهكة، بينما عيناها تحرقانها من ملوحته، وقد تشققت شفتاها، واحمرت وجنتاها وذراعاها، تقطر خصلات شعرها ما تخللها من مياه، وقد استرخت أطرافها.

"عروس البحر"... نسميها وهي تتحرك فيه... حرة تواجه الموج برأسها، وتكسره بيديها، وتتقلب فيه بجسدها الذي يلتمع تحت أشعة الشمس.

تشكل "الجزيرة" فاصلاً ما بين البحر الذي يسبح فيه الجميع والبحر الذي تسبح فيه الصفوة، متمرسو السباحة، الذين يبحثون عن مياه لا تلعق إلا أجساداً معدودة، تدلعها وتدغدغها وتشبع غرورها.

تتخذ المياة ما بعد "الجزيرة" لوناً مختلفاً... نطلق عليها "البيّاضة" لشدة بياض رمالها، التي تنعكس على صفحتها، فتتحول إلى لون يقترب من البياض، المشوب ببعض الزرقة الخافتة، أو ما يعرف بالسماوي، أرضيتها الرملية صلبة ومتموجة، تنفذ إلى قاعها أشعة الشمس، لتشكل رسومات ضوئية متلألئة ومتطابقة، تتحرك على رمالها النقية. المياه في "البيّاضة" شديدة البرودة، نقية، رمالها البيضاء متصحرة... ومهما حاولنا الوصول إلى قاعها، لا نصل. ومع ذلك نحاول في كل مرة، لنبدو كالحيتان الصغيرة التي تتغذى عليها كائنات البحر الأخرى بسيقاننا الضعيفة، نصغر شيئاً فشيئاً ونحن نتجه نحو القاع، ثم نصعد بسرعة نحو السطح، لنعود لأحجامنا الطبيعية، بعد أن هربت أنفاسنا، وهدنا التعب.

يبدأ البحر الفستكي بعد "البيّاضة"... لون جذاب وغريب، يجذبنا بغموضه وسحره للوصول إليه، ونعيش وسطه حالة من الانتشاء والصخب. يتملكنا شعور بأن هذا البحر، الذي لا نرى له حداً، هو ملكنا، وأننا ملوك في مملكتنا، وأن لا حق، بل لا قدرة لأحد على أن يصل إلى هذه البقاع. في تلك السن المبكرة اكتشفنا لذة المغامرة، وكيف تجاسر الأوائل واكتشفوا أراضي جديدة، عندما شقوا البحار، واجتاحتهم موجات هوس لاكتشاف المزيد. شعور واحد، وإن اختلفت الطرق والنتائج، فنحن نشعر بغير الحقيقة والواقع، بينما هم شعروا وتملكوا وسيطروا.

كان لابد لنا من عودة... وأجمل ما في العودة أنها جماعية، فلا يبقى أحد، ولا نترك أحداً خلفنا، لا نسبح على خط واحد، ولا نتصادم في العودة، نتفرق كالدلافين، وكل يسبح على طريقته: "المتّان"، الضفدع، الظهر، الفراشة، أو كيفما اتفق، وكانت دائما هي في المقدمة.

تقشعر أبداننا في طريق العودة، إذ لا نرى أمامنا إلا المياة الزرقاء، وكأن الأفق انقلب إلى الجهة الأخرى، وشيئاً فشيئاً يظهر خط أصفر، يتحول إلى بني، ثم تظهر كرات سوداء مبعثرة على سطح المياه، ثم مكعبات بيضاء على الخط البني... هكذا نعود إلى منابتنا، حيث تتحرك بنا أقدامنا، لا أجسادنا، وحيث نتنفس بما يكفي لنحيا.

نسبح في المياه القريبة، وننفخ سطح الماء، فنصدر أصواتاً متقطعة، ونكّون بالونات مائية ذات جدران شفافة، سرعان ما تنقشع... ننثر الماء على بعضنا البعض في قطرات شفافة لامعة، كأنها أزهار الياسمين، أو حبات اللؤلؤ... كل شيء في البحر يعود لأصله...ماء...

ما أن تمتص الشمس شيئاً فشيئا أشعتها، وتتحول إلى قرص أحمر، حتى يفقد البحر ألوانه، ومن ثم حدوده، ولا يعد بالإمكان أن نميز ذلك البحر الفستكي الذي كنا نلهو فيه منذ حين. تزداد وتيرة دفقات الموج، وينصهر قرص الشمس، فيتوهج الأفق، ثم يخبو، وتعتلي الأجواء برودة مرجفة...ويتحول لونه إلى زرقة عميقة وكثيفة، تعلن أن لا احد يمتلك البحر.

بعد أن جمعنا البحر "الفستكي" لسنوات كالنوارس، فرقنا البر كالسناجب.. انقطعت صلتنا بالشاطئ، وأصبح خيالاً يداعبنا من حين لآخر... وكما تغيرت ملامحنا، فانحنت القامة، وامتلأ الجسد، تغير ذاك الشاطئ، دون أن يكون للزمن يد في ذلك... أيادٍ كثيرة عبثت به... منها ما كان يداعبها صغيرة، فيتحمل ضرباتها ولهوها فيه، ومنها من قابلها متأخراً، لكنها لم تصافحه... تكدست القمامة والإطارات على شاطئنا... تخللت مياهه زيوت السيارات وسوائل المجاري، تنفذ إلينا رائحتها من بعيد، طفت على مياهه عبوات البلاستيك و أكياسه، وبقايا البناء من حصى رمادي مصنع، وإسمنت وصفيح وحديد وحجر أبيض هش، يمتص رحيق البحر، ويتحلل فيه، ويخلف على وجهه فقاعات صفراء. تكاتفوا إما على هزيمته أو الاختلاط به والتحلل فيه وتغيير طبيعته. وصل بعضها إلى "الجزيرة"، يدور حولها بخبث، لكنه سرعان ما يرتطم بها دون أن يتهشم. وحدها قطع الزجاج تعود لأصلها، تنسجم مع رمال الشاطئ، يروضها البحر، فتلين له، تفقد حواشيها الحادة، وتتحول إلى ما يشبه الحصى الملون، لتضفي على صدره بهاءً. غيّر الغرباء ألوانه، انتحرت النباتات القريبة من الشاطئ، وطفت على السطح، تنفست الهواء، فغرقت به، وارتمت على الشاطئ، أو فقدت لزوجتها، وانكمشت، فتوقفت عن الرقص والتمايل، امتصت زرقته، فأصبح شاحباً، ما بين الرمادي والبني. انحسر اللون "الفستكي"، وضاق، وفرّ نحو الأفق، وكلما تقدموا تراجع، إلا أنه ما زال يظهر بحدوده الواضحة، من حين لآخر، كأن خطاطاً رسمها.

سافرت "عروس البحر" في مقتبل العمر، بعد أن انغمست بالكامل في مياه ذلك الشاطئ، واصطبغت به كقطع الجلد المغموسة في أحواض "الدباغ"، لكنها سرعان ماعادت كطائر الغرنيق، أراها اليوم، وقد تخللت السنون أجزاء من جسدها، فما عاد مشدوداً ولامعاً كالدلافين، لكنه ما يزال يحتفظ بآثار الشاطئ، بكل خلجاته وخفقاته وسكناته وألوانه وتضاريسه، بلزوجة نباتاته وخفة حركة كائناته، بحصاه الملونة وأصدافه المبعثرة، حتى تبدو كتلك الجزيرة المرتفعة عن بقية الجزر المتناثرة، التي لا تغمرها المياه حتى في حالات المدّ.

تبدو كحبة "الفستك"، بصلابة قشرتها وقلبها النابض الأخضر، تقاوم عبث الأصابع بها، وطحن الضروس، ترفض أن تنفرط صدفتها وتتعرى... تواجه البشر كما كانت تواجه الموج بحركات ذراعيها، وأشعة الشمس الحارقة بسمار جلدها. ما زالت تبلل جسدها المياه المالحة، وتسحبها أمواجها أحياناً نحو "البياضة" والبحر "الفستكي"، مازال ذاك الشاطئ ينمو على جلدها، لكنها لم تعد تعيش فيه.

عزة كامل المقهور
الرجبان
19. 9. 2013

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عبدالحق عبيالجبار
انت رحله و ذكرة سعيدة... في عروس البحر المدينه البيضاء ليس في مبانيئها فقط كما قال عنها كتب الرحاله والرجاله و انما في قلوب أعيانهاجزاك الله خير يا عزة طرابلس...
التكملة
عبد المجيد محمـد المنصورى
كانت قصة قصيرة تمثل واحة إستراحة فى خظم رمادية الظروف التى نتوق الى ملامسة شاطىء أمانها فى وقت قريب وطيب، دائماً مبدعة، رائعة ووطنية، رحم الله من أنجبك ورباك[email protected]
التكملة
حسن ابوقباعة المجبرى
سردية رائعة
تبعث الإثارة لمواضيع شتى أهمها أنها ستحرك مياهاَ راكدة فى جمال طرابلس لتبعدنا عن واقع مرير سادته الفوضى والتماهى وتعود المتلقى على وجوه ( وحوه عدة )…...
التكملة
مفتاح حفاف
التقيت بالاستاذة عزة فى امسية قصصية ضمن انشطة معرض طرابلس الدولى للكتاب الشهر الماضى وكنت قد سألتها عن المكان فى كتاباتها فأجابت بضحكتها المعهودة انا طرابلسية بإمتياز .
الاغراق…...
التكملة
صالح حويل
خطرتي علي مصيف جليانه في صغرنا بصراحة ، قصة جميلة ورائعة شكرا لك سيده عزة ....
التكملة
Elunderwater
Astonishing. Period...
التكملة
عللللى الحبلين انقز
انتصار هي عزة وعزة هي انتصار كله فستك ....
التكملة
احمد الطيب
شكرا استاذ عزة.القصة مكتوبة من شهرين ماضيين. العيب في تاخر النشر الذي جعل القصة تقع في تقاطع مع الاحداث الحالية....
التكملة
انتصار
هده القصةالرائعة لها معنى عميق فى نفوس سكان طرابلس والطرابلسية لما تحملة من بعد حضاري ، ورسالة لمن شوهو طرابلس بتصرفاتهم الغير اخلاقية والبشعة...
التكملة
kesaad halba?
مبعثرة كحبات الفستق...
التكملة
جبرون
هل نحن بحاجة الى منظر كهذا ؟ يقهقه والشباب دمهم لم تشربه الارض بعد..
...
التكملة
يا ريت تغيروا صورتها
نحن حزانى على شباب طرابس. 47 شهيد 75 موتى سريريا 500 جريح معظمهم باسلحة مضادة للطائرات لكم تصور نوع الاصابات....
التكملة
Khaled ali ghezzawi
قصة مثل كل قصصك الجميلة التي تمخر بنا في ذكريات الماضي انت من الظهرة و أنا من باب البحر و لكن الأحداث و الذكريات متشابهة أتذكر قصة البشكليطه و صاليطة…...
التكملة