د. فاطمة الحمروش: 9/12/2013 23:33 د. فاطمة الحمروش: "السيد قطيط" - ظاهرة ليبية جديدة
الليبية بحث

لست من أنصار نظرية المؤامرة، كما أني لست من دعاة الإنقاص من قيمة أي مواطن ليبي أو من حقوقه، بما في ذلك حق الإنتخاب والترشح للرئاسة، ولكن تسلسل الأحداث المتعلقة بظهور السيد قطيط على الساحة الليبية لا يمتّ للمنطق بصلة، فظهوره المفاجئ كمرشح لنفسه للرئاسة هكذا وبدون مقدّمات، يدفعنا إلى التساؤل ثم البحث: "أين كان هذا الرجل طوال السنوات الثلاث الماضية وقبلها؟ ولماذا ظهر الآن فقط؟"

أرى أنها أسئلة مشروعة لمعرفة خلفيات هذا الظهور الإعلامي المكثّف له، وفي هذه المرحلة دون غيرها.

ربما سيردّ عليّ البعض بما جاء في الويكيبيديا عنه، وقد اطلعت عليها أيضاً، ولا شك لديّ بأنها تمّت تحت إشرافه المباشر لأجل الإعداد لهذه الحملة الإعلامية واسعة النطاق، لغرضٍ قد يكون كما يبدو، للدفع به إلى كرسي الرئاسة، أو لغرضٍ مخفي كالتمهيد للدفع بشخصية أخرى لم يُعلن عنها بعد، إستغلالاً للمرحلة الضبابية التي تمر بها البلاد، والتي يزيد من شدتها تضارب الأقوال والآراء بخصوص جدوى إستمرار حكومة السيد زيدان من عدمها.

إطّلعت أيضاً على ما جاء على لسان السيد قطيط بنفسه في صفحاته في الفيسبوك، والتي أود أن أشير هنا إلى حداثة نشأة جميعها، بتاريخ أقصاه 28 اكتوبر 2013!

كما شاهدت بدهشة تصريحه في المؤتمر الصحفي بطرابلس منذ بضعة أيام، إضافة إلى معلوماتٍ أخرى نُشِرَت له وعنه، فزادت قناعتي بأن الرجل جديد على هذه المهنة، ومسيّر بهذه الدعاية من قبل جهاتٍ أخرى تدفع به، وقد يكون فقط بالونة اختبار لردود أفعال الشارع الليبي، لقياس مدى تقبل المواطن الليبي لوجه جديد آخر.

وبالرغم من قناعتي بأن ليس كل ما نقرأه في شبكة التواصل الإجتماعي صحيحا، إلا أني أنصح بعدم تجاهل ما يرد، وعلينا دراسته، ولكن يجب أن يُقرن هذا بتحكيم العقل إضافة إلى البحث عن المصادر لفهم الدوافع من وراء ما يُكتب، وهذا لا يقتصر فقط على السيد قطيط بل عموما في كل ما نقرأه أو نسمعه في وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي.

إن الشعب الليبي اليوم يعرف بعضه البعض أكثر من أي زمنٍ مضى، ورغم المساحات الشاسعة التي تفصلنا إلا أن السنوات لثلاث الماضية قد أظهرت حقائقاً لا تُحصى عن الكثيرين، وما كانت لتظهر لولا الثورة وما تبعها من مخاض لولادة الدولة التي ننتظرها، والتي لم ترَ النور بعد.

بالتأكيد كان السيد قطيط معروفا لدى دائرة معارفه، ولكن حين ظهر إسمه منذ بضعة أسابيع في وسائل الإعلام، لم يكن هذا الرجل معروفا على نطاق واسع على مستوى الدولة، كذلك فلم نسمع به أبداً خلال سنوات المعارضة رغم وجوده بالخارج، ولم نسمع عنه يوما مشاركاً في نشاطات المعارضة بالخارج قبل الثورة، ولم نسمع عنه أيضاً حتى خلال الثورة، ولا حتى بعد إعلان التحرير.

لقد ظهر السيد قطيط فجأة في مؤتمر صحفي في طرابلس للدعاية لنفسه للرئاسة، رغم أن رئيس الوزراء الحالي لا يزال في مقعده، ورغم عدم وجود حملة إنتخابية أو حتّى دعوة للتقدّم لهذا المنصب، لكي نجد له عذراً يمنحه حق التصرُّف بهذا الشكل.

إضافةً إلى ذلك، فإن الطريقة التي ألقى بها الرسالة التي أراد أن يوصلها إلى الشعب الليبي، كانت تدل بوضوح على جهله بمحتواها، وأنها على الأرجح قد أُعِدّت له على عجالة وسلِّمت له ليقرأها على المنصّة، ولا أعرف حتى إن كان على إدراكٍ بحجم ما حملته تلك الجمل المقتضبة من معانٍ ومسؤولياتٍ جسام!

واستغرب من السيد قطيط تصريحه بأنه ضامن ل 140 صوتا من المؤتمر، وقد بلغني أن أعضاء حزب الإخوان المسلمين ليسوا متفقين معه، إذن يتبقى التحالف والمستقلين، فإذا كان فعلا يقصد هؤلاء، آمل أن لا يكون السيد قد نسى أن الشعب الليبي لا يُختَزَل في 170 عضو مؤتمر فقط، ولا أتصور أن أعضاء المؤتمر لا يدركون هذه الحقيقة.

أعتقد أن تجربتنا الإنتخابية لأعضاء المؤتمر كانت درسا قاسيا لنا جميعا، ولن يتكرر في المستقبل أي ترشيح أو إنتخابٍ بدون فهم أو دراية كاملة بمن سنمنحهم الثقة ليتولوا زمام أمورنا.

إن وراء هذه الظاهرة شركة دعائية قويّة، تدفع بسخاء للتعريف بالسيد قطيط عالميا ومحلّيا، وتصوّره بطلا على الطريقة الدعائية الأمريكية، وهذا ليس تخمينا بل تأكد لنا ذلك من خلال الإعلام الامريكي بخصوصه.

وللإيضاح هنا أشدد على أن اللجوء إلى هذه الوسيلة الدعائية في الدول التي يتسابق فيها المرشحون للرئاسة ولا تعني العمالة لأيٍّ كان، وهي الطريقة المتّبعة هناك.

الملاحظ، من خلال ما ورد في الحملة الدعائية له، توجد رسالة من السيد زيدان باسم المجلس الانتقالي بتاريخ 4 سبتمبر 2011 تخوله بالتواصل مع المؤسسات الإنسانية بالامريكتين، والحقيقة أن هذه الرسالة لا تعني شيئا، ففي تلك المرحلة كان قد أعلن التحرير وليست سوى صورية فقط، ربما لاستخدامها للدعاية فقط، إضافةً إلى أننا كحكومة انتقالية وجهة تنفيذية، لم يكن بيننا وبينه أي تواصل في أي شأن.

من خلال السيرة الذاتية له، يتبيّن أنه رجل ميسور الحال، وقد كانت ليبيا خلال الأشهر الأولى للثورة في أحمسّ الحاجة لأبنائها في الخارج ميسوري الحال، ولكننا لم نسمع بأي مشاركة من هذا الرجل حينها، وأتحدث هنا عن نشاطات الجاليات بالخارج بصفتي اني كنت منهم وكذلك كرئيسة لمؤسسة إنسانية مقرها الرئيسي في الخارج أيضاً، ولم يقتصر هذا فقط على ميسوري الحال فقط، بل ضحّى الكثيرون بما استطاعوا، من مالٍ ووقتٍ وجهدٍ، بل البعض حتى بأرواحهم وبذرّيتهم، لدعم الثورة وإنجاحها، فيكف لم يظهر السيد قطيط خلال تلك المرحلة الهامة من النضال داعما أو مشاركا بما أنعم الله عليه من رزق دنيوي أو بتأثير على مراكز القوة العالمية التي سرد حسن علاقاته بها في سيرته الذاتية؟

من الواضح أيضاً أنه ومن يسوّقون له لا يعرفون طبيعة الشعب الليبي وتركيبته، وعدم درايتهم جميعا بما يحدث من متغيرات على الساحة الليبية بعد الثورة، وجهلهم بطبع من ثاروا على القذافي.

ويبدو أيضاً أن من يقود حملة قطيط قد أشار عليه بضرورة التواصل مع بعض الشخصيات المؤثرة في الشارع الليبي لكسب تأييدها، وبالفعل قد قام بذلك في شتى أنحاء ليبيا ومع جميع المستويات والتوجهات السياسية والدينية.

ولو أن هذه الحملة ظهر بها السيد قطيط خلال مرحلة الثورة كما فعل الكثيرون، لربما تقبله الشعب الليبي في ذلك الوقت، بنفس الكيفية التي تقبّل فيها الكثيرين لدى الإنتخابات في شهر يوليو 2012، ولكن اليوم وبعد ثلاث سنوات من التجارب والتجاذبات والتغيرات العملاقة في ليبيا، والتي أكسبتنا جميعا خبرة في التعامل مع المرحلة، وعرّفتنا جميعا بعضنا ببعض، لا أتصوّر أن يتمكّن السيد قطيط من تحقيق ما يسوّق له، وأعتقد أن ما حدث ليس سوى جسّ نبضٍ للشارع الليبي من قِبَلِ من يدفعون به، وذلك لمعرفة ردود الأفعال المحلية والدولية، ولا أستبعد أن تكون العملية برمّتها تجهيزاً للدفع بشخصية أخرى مختلفة تماماً.

حسب رأيي، إن المعطيات الموجودة في سيرة هذا الرجل وفي شخصيته، لا تؤهله بأي شكل من الأشكال ليصبح "رئيساً لدولة"، ليبية أو غير ليبية، إضافةً إلى أن لليبيا حساسية خاصة في هذه المرحلة النارية والفاصلة والمفصلية من تاريخنا، وستكون صعبة القيادة حتى على من تقدّموا الصفوف الأمامية للثورة منذ قيامها، أو قادوا المعارضة منذ نشأتها، فالقضية الملحٰة الآن هي: ماذا يمكن أن نفعل في لجنة الستين، وما الذي يجب القيام به للقضاء على سلطة الإرهابيين وتأمين سلامة المواطنين، حتى تتحرك عجلة الحياة بالبلاد.

وعليه، فإن ليبيا اليوم بحاجة إلى رجل يعرف أهلها ويعرفونه، خبرهم وخبروه، وأثبت لهم خلال الثلاث سنوات الماضية بأنه أصيل، أمين، وحريص على مصلحة الوطن قبل نفسه، لا ينتمي إلى أي تيار سياسي، أو جهوي أو قبلي، وليس مجهولاً جديداً، فمهما كانت قدراته، لن يكون رجل المرحلة، ولن ينجح في تسيير الدولة وسط هذا الغضب العارم ووسط هذه الفوضى القائمة، وما لم تتوفر هذه الصفات في الشخصيات القادمة، فلن يكون لأي متقدّمٍ أي قبول لدى الغالبية، ولن ينجحوا في مهامهم الجسام.

والله المستعان.

د. فاطمة الحمروش
08/12/2013

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عاشق ليبيا
احبوله الدين ركت في تقادمها فأعتاض عنها الورى احبوله الوطن **من حق اي مواطن ليبي ان يترشح للانتخابات**من حق اي مواطن ليبي الدخول للقوات المسلحه وكافه الاجهزه الامنيه سوى كان…...
التكملة
ونيس عبدالسلام نجم
للدي سؤال مهم أرجو من الدكتورة فاطمة الحمروش الإجابة عليه بكل صدق وشجاعة وشفافية وهو: يتم تدوال اتهامك باختلاس مبلغ 3 مليارات بين عامة الشعب الليبي وأنا أريد من حضرتك…...
التكملة
أنس ضياء الحق
د.فاطمة من ياترى الرجل الذى يعرف اهلها ويعرفونه , ثم لماذا اختزلتى هذا الرجل فى الثلاث سنوات الماضية فقط بأنه امين واصيل وحريص على مصلحة الوطن ؟ ولماذا لم تكن…...
التكملة
الموهوب
تحليل جيد وعميق ومنطقى...ارجو المزيد من الكتابة وخاصة على مايحدث بوطننا الغالى ليبيا....
التكملة
احمد علي
للاسف الشديد حكومة الكيب التي تمثلين احد وزرائها الأساسيين ضربت مثل سئ جداً في الادارة وفي سلوك الموظف العام للاسف اكثر حتى من عهد معمر اول قرار اتخذتيه ( قرار…...
التكملة
قلتي الحقيقة في اخر 4 اسطر
الأربع أسطر الأخيرة تنطبق تماما عليك و على حكومة الكيب التي وفدت الينا مدعية قيم الحضارة والتطور وخربت شؤون البلاد والعباد في كل الفطاعات ومنها الصحة ، وبالأخص التيار الجهوي…...
التكملة
بن عيسى
كلام في الصميم لكن هات من يفهم...
التكملة
تعقيب على مشاركة " الي السويح"
اذا سلمنا جدلا بافتراضك الغريب ، وهو انك لا تلوم على الليبين الذين تربوا في عهد الجماهيرية والديك والدجاجة وغيرها من العبارات التب حفطها عن ظهر قلب وصرت تبرهن بها…...
التكملة
الى السويح
شكرأ هذه الكلمات الجميلة بصراحة جت من القلب الى قلبي لأنني نعلم جيدأ معانيها بس نقولك معليش سامحهم شويه لأنهم خوتنا تربوا في عصر الجماهيرية وملك ملوك القرود والديك يبيض…...
التكملة
مجرد رأي
من حق أي ليبي الترشح طالما لا توجد موانع قانونية أو أخلاقية.
ليس كل الليبين بالخارج غير جديرين بالمناصب والكثير ممن أفسدوا الحياة السياسية في ليبيا هم من…...
التكملة
رجب مكراز
ماهى مواصفاته على المؤتمر وضع معاييير تقطع الطريق على غير الليبين جنسيه ليبيه فقط حكمونا من تشاد ونيجر ومصر وتونس كفاية مهزلة...
التكملة
ليبي غيور
بارك الله فيك يا دكتوره , لقد كفيتي ووفيتي بتحليلك الرائع " وان غدا لناظره قريب "...
التكملة
besat
يادكتورة فاطمة.اولأ أحترامى وتقديرى لكل ليبى يسعى للمشاركة فى أنقاذ وبناء ليبيا...ولكن للأسف من نتائج التجربة المريرة والفاشلة بالأعتماد على العناصر الليبيةالمؤهلة والتى عاشت فى الدول المتقدمة لقيادة الدولة أتضح…...
التكملة
ونيس عبدالسلام نجم
دكتورة (فاطمة الحمروش ):أنا أقدرك وأحترمك وأثمن عاليا كل ما قدمته لقطاع الصحة الذي يعاني كثيرا قبلك وأثناء وجودك وبعد رحيلك مثله مثل أي قطاع آخر موجود في…...
التكملة
عزالدين
نفس الكلام ينطبق على حضرتكم سيدتي الوزير بستثناء أنك كنت من الناشطين فترة الثورة ... زيادة أنك فرطتي في أسرتك لمصلحتك الشخصية وهذا مقياس لإمكانية أن تفرطي في أسرتك الكبيرة…...
التكملة
libyan Doctor
He is new phenomenon, same like you when you showed up from Ireland. If you are want to save Libya why cant you be here. Please save your comments and…...
التكملة
berkawe
To the Writer lady, we admire the vibrant (Libyanism) in you, we appreciate you......
التكملة
محمد على المبروك
بغض البصر عن السيد ( قطيط ) سوف اعلق على طرح فكري نصه ان يكون حاكم ليبيا او رجل المرحلة معروفا للشعب الليبي ، من حق اي ليبي ان يكون…...
التكملة
السويح
الي من يزايدون علي من في الخارج الغربة هي حالة حب وجداني عنيف والتحام روحي بالوطن الأم لا يفهمه أو يستوعبه الذين يضعون الشعارات والقوانين الظالمة والمنفرة والحمقاء من أجل…...
التكملة
عراقيون من اجل ليبيا
الى الاخ المعلق تحت اسم ( ABDUAL.SEATTLE ): يا اخي خليك وين ما انت مقيم الان واترك ليبيا لليبيين. يا اخي عيب والله، الرجل مرشح نفسه ويستخدم الطرق المشروعة للترويج…...
التكملة
ABDUAL.SEATTLE
HE IS UNKNOWN MAN FOR LIBYANS IN LIBYA OR OUTSIDE LIBYA AS THE FORMER LIBYAN DICTATOR ON 1969...
التكملة
عراقيون من اجل ليبيا
ننصح الشعب الليبي نصيحة من مجرب ولوجه الله. ابعدوا ليبيي الخارج ( من تربوا وعاشوا في الخارج لمدة طويلة ) عن المناصب السياسية والحكم، والسبب لأن لهم وطنان، ليبيا والوطن…...
التكملة
بوليفة
هل هو قدر ليبيا ان يحكمها معتوه خواله يهود 42 عاما ليحكمها اخر اصهاره وخوال اولاده يهود ومن عتاة مناصري الصهيونية ولكن من المؤكد انها ليست ارادة الليبين ولا الشهداء…...
التكملة
حاتم الأطرش
شخص لا يفرق بين رؤية و خطة لن يذهب بعيداُ...
التكملة
الى فاطمة
يا دكتورة هذا ع الباسط ق الحاسي قام بمجهوده الشخصي لنصرة الثورة الليبية من بدايتها ومثبت على النت - يجب على الأنسان التحري على الملف الكامل من طق طق للسلاموا…...
التكملة
عبد الواحد الغرياني - مملكة اللسويد
ليس هناك ليبيو الخارج والداخل بل ليبيين لا غير اما التصنيفات فلا تخدم احدا. عاشت ليبيا, عاش الشعب الليبي العظيم
[email protected]
التكملة
خالد الليبي
بالله سؤال كيف يتم صرف ميزانية 140 مليار دينار لمدة سنتيين في دولة لايوجد بها لا جيش ولاشرطة ولاقضاء ولايحزنون اي ان لامؤسسات رقابية غير الارادة الالهية اليس دلك عبط…...
التكملة
ايبى 100%
أغلب القادمين من الخارج هم أحصنة طروادة بعلمهم أو بدون ذلك. والسؤال الكبير اليوم الذى ينبغى أن نسأله لماذا السيدة فاطمة الحمروش والكيب ومصطفى عبدالجليل ومحمود جبريل وأبوشاقور وووووو الذين…...
التكملة
المنتصري
والله ليبيا كان تفتك من (النصف) ليبيون الخارج راح ترتاح- كل مشاكل ليبيا جاية من ليبين الخارج...
التكملة