جمعة عتيقة: العودة الى دستور المملكة... 9/12/2013 21:23 جمعة عتيقة: العودة الى دستور المملكة... "بين سلطة النص ومتغيرات الواقع"
جمعة عتيقة بحث

في ظل إستشعار كافة المهمومين بالشأن العام بالمأزق الدستوري الذي نحن مقبلون عليه و أمام إحتدام الجدل حول (التمديد) أو (عدم التمديد) للمؤتمر الوطني العام بعد إستنفاذ المدد المنصوص عليها في الإعلان الدستوري وبغض النظر عن الإختلاف أو الإتفاق على طبيعة هذه المدد و هل هي تنظيمية, إجرائية أو حتمية قطعية.. فإن قلقاً عاماً يجتاح كافة الفاعلين الإجتماعيين والسياسيين وقبلهم الشارع الليبي الذي قد لا يكون معنيّاً بالتخريجات القانونية و الأراء الفقهية قدر إهتمامه بمبدأ (التداول السلمي للسلطة).. في ظل هذا الواقع الملتبس وكمخرج من الأزمة الدستورية طرحت بعض المبادرات التي تتوخى خروجاً آمناً و تداولاً سلمياً وأن أي إختلال أو سوء فهم أو تجاهل من شأنه أن يؤدي الى فراغ دستوري لا يستطيع أحد التكهن بنتائجه خاصة في هذا الظرف الدقيق الذي يمرّ به وطننا وقد تبنّت بعض هذه المبادرات فكرة العودة الى دستور المملكة المعدّل بالقانون رقم (1) لسنة 1963... ومع تسليمنا بصدق النوايا لدى الكثيرين من هؤلاء.. إلا أننا و قبل التطرق لتفصيلات الموضوع نرى أنه لا مناص من مقدمة له تتصل بما عنونّا به المثال (سلطة النص ومتغيرات الواقع).. فنحن كأبناء شرعيين لحضارتنا التي تنفرد دون الحضارات الأخرى بأنها (حضارة نصّ) فإذا كانت الحضارات القديمة (الفرعونية.. والبابلية.. الخ) حضارات (الأسطورة) وأن الحضارة الغربية هي حضارة (الفعل) فإن سلطة (النص) في حضارتنا هي الحاكمة المتحكمة إلّا أن هذا النص إذا ما جاء مقطوع الصلة بالواقع و دون قدرته على معالجة تعقيداته وتحولاته و جدليته سوف يبقى نصاً معلّقاً جامداً كعرائس الثلج ومن هنا جاء إبداع فقهائنا الأجلاء حين قرروا مبدأً فقهياً مفاده (يَجُدّ للناس من الأقضية بقدر ما يجَدُّ لهم من القضايا) وفي ذلك إمداد للنص بالحيوية والمواكبة... ولعلّ قول (إبن تيمية) {حيث يكون (عدل) يكون شرع الله} ينسجم في هذا السياق فتحقيق العدل هو (غاية النصوص الشرعية) في حركتها وقدرتها على معالجة قضايا الواقع.

فالعدل غاية تتحقق بقدر معالجة النصوص وقدرتها على تحقيق الغايات المتوخاة والمبتغاة وذلك بتفسيرها وتأويلها تأويلاً صحيحاً يخدم واقع الناس بما يجلب المصلحة ويدرأ المفسدة.. فإذا كان هذا الطرح يشمل حتى (النصوص المؤسسة) من القرآن الكريم والسنّة المطهرة فكيف بالنصوص البشرية التي يؤخذ منها ويردّ عليها...

وحتى لا يأخذنا الإستطراد فإننا نعود بعد هذه المقدمة البسيطة الى موضوعنا.. وهو العودة الى دستور المملكة, فمن المعلوم أن هذا الدستور الذي صدر في 7 اكتوبر 1951 (أي قبل إعلان الإستقلال في 24 ديسمبر من العام نفسه) ولم يتم عرضه للإستفتاء والذي اعتمد في البداية صيغة فيدرالية توافقية و جرى تعديله سنة1963 كما أسلفنا قد جاء ملبياً لضرورات الواقع الموضوعي أنذاك ولا أحد ينكر (جزالة) النصّ القانوني وكذلك قدرته آنذاك على أن يؤسس دولة الإستقلال في ظل واقع كان الناس فيه يقتاتون بالصبر والعزيمة.

إلا أن إستدعاء هذا (النص) بعدما يزيد عن ستين عاماً جرت فيها مياه كثيرة تحت الجسور وشهدت مفردات الحياة تبدلات (ديموغرافية) و(ثقافية) و(سياسية) بكل ما فيها من سلب وإيجاب من نجاحات وإخفاقات يجعل منه (نصاً) قاصراً على تلبية طموحات الواقع و معالجة إشكالياته المعرفية والسياسية والإقتصادية ويجعل من تحميله ما لا يطيق شيء من الحيف والظلم وعدم الإنصاف.

"مقاربات واقعية"

إذا خلصنا من حبائل ما قد يراه البعض تنظيراً فإننا نعمد الى وضع الصورة في إطارها التاريخي والموضوعي و ذلك بإيراد الملاحظات التالية:

1) جاء دستور المملكة في بنيته الأساسية قائماً على نظام ملكي وراثي مطلق أي أنّه لم يكن دستوراً (لملكية دستورية).

2) جاء الدستور الملكي في إثني عشر فصلاً مقسمة الى (204) مادة.

3) لو إعتمدنا بما بدأنا به الحديث فإن ما (قد) يصلح للإعتماد في هذا الدستور يكاد ينحصر في الفصل الثاني (من مادة 8 الى مادة 35 ) والمعنون بــ (حقوق الشعب) والفصل الثامن المتعلق (بالسلطة القضائية).

4) ليس هناك مهرب من إلغاء كافة المواد الأخرى في الدستور الذي كما أسلفنا أسّس على أساس نظام ملكي وراثي.

5) إن الفصل الخامس قد أعطى سلطات للملك مطلقة واعفاه في المقابل من أي مسؤولية حيث نصّ في المادة (59) على أن (الملك مصون وغير مسؤول) في الوقت الذي نصّ فيه في المادة (42) على أن {السلطة التنفيذية يتولاها الملك في حدود الدستور} ونصّت المادة (41) على أن يتولى الملك السلطة (التشريعية) بالإشتراك مع مجلس الأمة.

6) تشكل المادة (197) حائلاً دستورياً يحول دون إقتراح تعديل هذا الدستور حيث تنص على أن (لا يجوز "إقتراح" تنقيح الأحكام الخاصة بشكل الحكم الملكي وبنظام وراثة العرش و بالحكم النيابي و بمبادئ الحرية والمساواة التي يكفلها هذا الدستور فهلّ بقت حجّة للقائلين بالأخذ بهذا الدستور وأن نقوم بتعديله بما يوائم واقعنا الحالي؟

وفي الختام.. فإن ما دفعني الى كتابة هذا المقال هو الدعوة الى الّا نجعل الوقت يفلت كالماء من بين أصابعنا و هي دعوة للمخلصين في دعوتهم لتبني دستور المملكة كي يصححوا ما قد يكون لبساً في الفهم و خطأ في المقارنة.. أما من يدعون الى ذلك و هم على علم بالحقائق سالفة الذكر لتحقيق أهداف سياسية لعلّ من أبرزها الإلتفاف على قانون (العزل السياسي) لأغراض شخصية فإننا نقول بأن قانون العزل أو غيره من القوانين التي تكشف التجربة قصورها أو عيوبها يجب ألا تجعلنا نخسر فرصة تاريخية لوضع دستوري عصري لدولة ديموقراطية مدنية يوائم بين (سلطة النص.. ومتغيرات الواقع) وحتى لا ينطبق علينا المثل الشعبي الشهير (على برغوثة يحرق حولي!!)...

والله من وراء القصد..

جمعة عتيقة
 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ابريك
اغلب الذين يتشبتون بدستور 52 لا يفرقون بين الدستور و المثرودة وبعض الخبثاء يتمسكون به لاشاراته الى الولايات والفيدرالية وهي في مجملها دعوات هدفها اثارة النعرات الجهوية ليس إلا ومن…...
التكملة
عقيله
نحن ولدنا وترعرنا في عهد قائم على الفوضويه اساس الحكم وقد تبنى المؤتمر الوطني واعضاءه بقصد او بتوجيه نظرية الفوضويه وانا على يقين ان هؤلاء القابعين على رأس الهرم لن…...
التكملة
ابو عمر
استاد جمعه --- القديم قد لايفيد - والجديد صعب مناله - ما الحل - الوقت يمر سريعا - انت من مكانتك ومن موقعك ومن تخصصك عليك الاسراع مع اخرين تعرفهم…...
التكملة