د. فاطمة الحمروش: أسباب معارضة المواطن لنظام دولته 2/1/2014 13:58 د. فاطمة الحمروش: أسباب معارضة المواطن لنظام دولته
الليبية بحث

أسباب معارضة المواطن لنظام دولته - رحلة عبر محطات في سنواتٍ مضت

إن ما دفعني إلى التطرق لما سأسرده اليوم هنا، كان سؤالا موجّها لي من قِبَلِ شخصٍ محسوب على النظام السابق، بعد أن ذاب الثلج بيننا وجلسنا لنستمع إلى بعض أملا في أن نفهم كيف أصبحنا أعداء لعلنا نجد للإخوة عذراً من خلال ما يرد:

"ما الذي دفعك للانضمام للمعارضة ضد نظام القذافي؟"

إن الغرض هنا ليس لتحليل أسباب معارضة المواطنين لأنظمتهم، بل هي محطات يمكن للقارئ من خلالها أن يرى كيف تخلق الأنظمة معارضيها؟. سأقسّم إجابتي إلى محطات، لأهمية بعض النقاط، وللمقارنة بين الأنفس، إذ أجد في نفسي نموذجا لشخص عاش حقبة ثلاثة أنظمة متتالية، كان لي فيها تفاعلاً يدور اليوم بعضا من شبيهه مع آخرين..

المحطّة الأولى:

أتحفّظ الآن في ذكر إسم صاحب السؤال، فهو لا زال لا يستطيع العودة إلى ليبيا، لأنه عمل في موقع أكاديمي قيادي خلال فترة النظام السابق، فهوجم بعد الثورة وأوقفت مرتباته هو وأسرته، الأمر الذي اضطره للهجرة طلبا للجوء في أرض الله الواسعة.. هذه محطة من المحطات التي اطلب من القارئ الكريم أن يتوقف عندها، وأن يرجع لها بعد أن أسرد ما سيلي. كذلك فيما حدث لهذا الرجل تكرار لقصصٍ أخرى مشابهة، لآخرين من أبناء شعبنا، لا يقل عددهم عن المليون ليبي، هُجِّروا بعد الإعلان عن نجاح الثورة بعيدا عن ديارهم، ومنهم الآن مَن بخارج الوطن. ومنهم مَن بداخله. بعضٌ من هؤلاء مهجّرون لانتمائهم الفكري إلى القذافي، وبعضهم الآخر لا لأي سبب سوى أنهم عملوا خلال سنوات حكمه في منظومة النظام. وأجد لزاما عليّ أن أشير إلى نقطة هامة هنا، سبق لي أن كررتها عدّة مرات خلال حوراتي مع أصدقائي بالمعارضة، وذلك إنصافا للشرفاء الذين كانوا يعملون مع النظام السابق: أحترم كل من بقي وصمد وواصل جهاده ضد أساطيل الفساد التي كانت ولا تزال تنخر في عمق الدولة الليبية كالسوس فتضعف بنيانه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فمن هاجروا ذلك الوقت أصناف: منهم من هاجر طلباً للعلم واستقر حيث طاب له العيش أو الأمن أو كلاهما معا، ومنهم من هاجر مطاردا ومطلوبا من النظام السابق لمعارضته له أو لعدائه له، ومنهم من ركب الموجة ووجد في هذا وسيلة للعيش عالة على الدولة التي لجأ إليها، بدون أن يبذل جهدا للعيش الكريم، وأثر تلقي المعونات الإجتماعية من تلك الدول مع الراحة والسلامة، وأُدرِجوا جميعا في قوائم المعارضين رغم الفروق بين الثرى والثريا.. واليوم نجد مئات الأسر في تونس وفي مصر وفي دول أخرى من شتى أنحاء العالم، غالبيتهم يعانون ضيق العيش ومرارة الغربة والشعور بالذل. لنسأل أنفسنا: هل تقوم الثورات لهذا؟ الشعب الليبي شعب عزيز، فيكف ترضى قلوبنا أن يُذَلّوا؟

المحطة الثانية:

لو أن كل من رفض ما كان يعيثه من فسادٍ من سُلِّمَت لهم المسؤولية لتسيير الدولة، قام بمغادرتها وتركها لهؤلاء، لما بقيت بذور خير بالوطن ولما كان بالوطن من يحميه ويحافظ عليه، بل ولما كان هناك اليوم وطن. وعليه، فهؤلاء الذين يُنظر لهم اليوم بعين النقص، وتُدرج أسمائهم في قوائم العزل السياسي، ومنهم من حتى في قوائم العزل الإجتماعي وقوائم التصفية الجسدية، ظلما وبهتانا، وحرمانا من حقوقهم المدنية، وإفراغا للدولة من كوادرها الخبيرة بها وبالكثير مما يجهله القادمون الجدد! هؤلاء، منهم من كان العمود الفقري الذي حفظ قامة الدولة من أن تنحني. إن البت في هذه الأمور يجب أن يُترك في يد لقضاء، وليس بسطوة دكتاتوريةٍ جديدة تحرق الأخضر واليابس ولا ينجو منها أحد.. لا يجوز أن نكرر نفس ما حصل في بداية الأربعين سنة من نظام الجماهيرية، لن نحصل إلا على نفس النتيجة، ولا يجوز أن يُنَصِّبَ أحدٌ نفسه قاضيا على الآخر، وجلادا، وسجانا، وبيده صحيفة الاتهام! لنسمح أولا بقيام دولة القانون، ثم: لكل من أذنب حُكمُه.

المحطّة الثالثة:

عودةً إلى السؤال الذي طرحه عليّ الأخ الكريم، بعد أن أجبته، أيقنت أن تاريخنا يجب أن تعاد كتابته من جديد بأيدي أمينة وصادقة، لكي نأخذ منه الدروس والعبر، ولا تكرر الأجيال المتلاحقة أخطاء الأجيال السابقة فقط لجهلها بها.. إن ما يحدث اليوم في ليبيا وما نسميه بثورة السابع عشر من فبراير بوجه عام، هو تكرار يكاد يكون نسخة طبق الأصل لما حدث في ليبيا عام 1969، أسميه أنا بالإنقلاب العسكري، ويسميه آخرون بثورة الفاتح من سبتمبر.

كان ردي عليه كالتالي: أردد دوما بأني من القلة المحصّنة ضدالقذافي ونظامه، فلم أرضى به ولم أهلل له يوما منذ لحظاته الأولى.. فهو بالنسبة لي كان إنقلابا عسكريا، وتم الدفع بالناس للخروج في الشوارع والتهليل له ليبدو كأنه ثورة.

لقد كان عمري حينها عشر سنوات فقط، ولكني لا أنسى التفاصيل خلال تلك المرحلة: فقد سٰجِن والدي ليلة الأحد 31/08/1969 مع عدد من رفاقه، وحين سمعنا البيان الأول صبيحة اليوم التالي، عرفنا أن غياب والدنا تلك الليلة كان لأمر جلل، ولم نكن نعلم حتى إن كان حيا أو ميتا.

كانت بداية السنة الدراسية، فتم نقل طلبة المدارس من مدارسهم إلى الشوارع وتم تلقين البعض بعض الهتافات، وبالفعل فرح الطلبة بالخروج من المدارس وكانت هذه الفرحة بادية على وجوههم، فقد كان خروجهم من المدارس بالنسبة لهم بمثابة الإذن الرسمي للهروب من الحصص، وبدون أن يحسب ذلك لهم غيابا، إنها الفرصة الذهبية وبإذن رسمي بالإنصراف والابتعاد عن الواجبات المدرسية وما يتبعها من روتين ممل وبدون عقاب، بل وبمباركة المدرسة والدولة! إنه نعيم المجانين!

ركِبَت الشعب الليبي خلال تلك المظاهرات "هستيريا جماعية"، وقد كنت شاهدا على ذلك، فقد كانت الهتافات قوية ورددتها الجموع بملء حناجرها إلى أن بحّت.. ولم يكن غالبية من رددوها يفقهون ما كانوا يقولون، لقد كانت مجرّد جنونٍ مباح شاركت فيه حشود تم نقلها إلى الشوارع من المدارس ومحال العمل الحكومية... لم يحدث ذلك في تاريخ ليبيا من قبل! أما نحن، فقد كنا نعود بهدوء إلى البيت ولم نكن نشارك في ذلك الهرج.. وكنا ملتزمين الصمت والهدوء خوفا من أن يطالنا أذىً.

هنا من جديد، أطلب من القارئ أن يتوقف في هذه المحطّة أيضاً.. ألا يسمع البعض ممن ناصروا النظام السابق أو حُسِبوا عليه، في هذا صدىً لأنفسهم اليوم؟ خلال أسبوع من إعتقال الوالد، سُمِح له بأن يتصل بنا ليطمئننا بأنه بخير وأنه لا يزال حيا يرزق، ولكنه أعلمنا أيضاً أن غيابه قد يطول إلى أجلٍ غير مسمّى.

المحطة الرابعة

إنفضَّ من حولنا أقاربنا وأصدقائنا، وعُزلنا بالكامل من المجتمع.. كانت والدتي جميلة وصغيرة في العمر، وكان حد تعليمها الإبتدائية، ولكنها نجحت في العناية بنا، وأصبحت تؤدي دور الرجل والمرأة بالبيت، فكانت خير مثل للمرأة الليبية الشريفة المناضلة في صمت، وحفظت لوالدي الأمانة، لم نتغيب يوما عن دراستنا، وكنا من الأوائل في تحصيلنا العلمي طوال السنوات التي قضاها والدي في السجن. طوال تلك السنوات، لم يبق معنا إلا ثلاثة أصدقاء فقط: فلم يكن يزور بيتنا إلا عائلتين: أسرة صديقٍ لوالدي استلم سيارته لإيصالنا للمدارس ولنقل والدتي لقضاء ما تحتاجه من أعمال، وأسرة إحدى خالاتي شقيقة الوالدة، أما بقية الأهل والأصحاب فقد أعلن بعض منهم صراحةً لنا أنهم يخشون فقدان وظائفهم إذا ما تترددوا على بيتنا، فانقطعت صلتنا بهم جميعا. الصديق الثالث كان "كلبة" تحرس البيت وتمنع أن يقترب منه أحد، ومعها شعرنا بالأمان! قد يستغرب القارئ هذا، ولكنها كانت فعلا تجبر حتى المشاة أن يغيروا طريقهم ليسيروا على الجانب الآخر من الطريق خوفا من نباحها عليهم وهجومها متى اقتربوا من البيت. تم نعتنا بالرجعيين المتعفنين، وبالبرجوازيين.. وتم التعدّي على بيتنا في الساعات الأولى من الفجر وترهيبنا من مجهولين لاذوا بالفرار بعد بث الرعب في قلوبنا.. كان بقرب بيتنا مركز شرطة الحدائق، فقام آمر المركز بإعطاء أوامر لدوريات حراسة المركز بأن توسع من مجال حراساتها الى المنطقة التي تشمل بيتنا، ثم أعلمنا بهذا لطمأنتنا، وطلب منا التكتّم بالخصوص حتى لا يطاله أذىً. وبالفعل وفى بعهده إلى أن رجع الوالد من سجنه في نهاية عام 1973، بعد تبرئته من جميع التهم المنسوبة له خلال محكمة الشعب الأولى، والتي أقيمت بعد أن قضى في الحصان الاسود قرابة الأربع سنوات، بدون محاكمة وبدون تهمة.. كان شعورنا بالظلم أكبر من أن يوصف بالكلمات.

المحطة الخامسة:

كان تاريخ الأول من سبتمبر بالنسبة لنا بداية لسلسلة من المظالم التي لم تنته، وتغيّرت حياتنا وانقلبت رأسا على عقب.. لم تكن الهجرة حينها أمرا واردا، فوالدنا كان بالسجن، ولم نضطر لها: فمرتبه لم ينقطع، وهذه تُحسَبُ للنظام السابق، حيث أنه لم يقم بما يقوم به اليوم "الفبراريون" من قطع الأرزاق لمجرد أن أصحابها كانوا يعملون من ضمن منظومة النظام السابق! وبالمناسبة، أود أن أشير هنا إلى أني، خلال فترتي بالحكومة الانتقالية، قمت بإعادة صرف مرتبات لأطباء وجدت أنها قد أوقفت بعذر أنهم كانوا باللجان الثورية.. والحقيقة فإني أستغرب جداً، كيف تم إصدار هذه القرارات وتنفيذها رغم علم من تولى إقتراف هذا الجرم بأنه بذلك يعاقب أسرٍ بكاملها ويمنع عنها مصدر رزقها الذي تقتات منه، منصِّبا نفسه الإدّعاء والقاضي والجلّاد في آنٍ واحدٍ، ناسيا أنه بذلك الفعل يتقمّص نفس الشخصية لخصمه والتي دفعته للمشاركة في "الثورة"! فعلت ذلك بقلبٍ مفعمٌ بالألم، واعتذرت لأحدهم حين تمكّن من الوصول إليّ.. كنت افكّر: ماذا لو أن ذلك قد حدث لنا عام 1969، كيف كنا سنستطيع الإستمرار في الحياة بدون دخل يؤمن لنا المأكل والمشرب والملبس والمسكن؟ لا حول ولا قوة الا بالله.. كيف تغلظ القلوب بهذا الشكل وتقسو، وتتقمص الضحية روح جلادها لتصبح أشد تنكيلا وقسوة بدافع الانتقام؟!

المحطة السادسة:

تم في البداية إحتجاز ضباط الجيش الليبي في قصور الضيافة لمدة شهرين قبل نقلهم إلى سجن الحصان الأبيض، فقد سُمِّيَ بهذا الإسم نسبة لتمثال حصان لونه أبيض في مدخل السجن، ثم تم طلائه بعد عام باللون الأسود وتغيرت تسميته إلى سجن الحصان الأسود.. أذكر ذلك جيدا، فرغم صغر سني ذلك الوقت إلا أن قلبي انقبض لدى رؤيتي للحصان بالطلاء الجديد، فقد كان ذلك بالنسبة لنا إشارة ضمنية بأن ما خلف تلك الأبواب الموصدة لم يعد أبيضا، بل سواد وظلام ومصير مجهول.. نظر ضباط الجيش الليبي إلى بعضهم البعض في المعتقل، فوجدوا أنهم كانوا جميعا هناك، تعجبوا: من قام بالإنقلاب العسكري إذن؟ فالكل هنا! حين تبيّن لهم لاحقا بأنه الملازم امعمر القذافي، تأكد لهم أن اللعبة أكبر من انقلاب مدبّر من الجيش الليبي أو ثورة شعبية: فحسب التسلسل الوظيفي والإنضباط العسكري كان ذلك مستحيلا! لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يقود ملازم أول ضباط وجيش بكامله وينصاغوا له.. ليس هكذا تسيّر الأمور في الجيوش. كان هذا رأي الوالد رحمه الله منذ ذلك التاريخ إلى أن غادر الدنيا عام 2003 إثر خطأٍ طبي في مصحة المروى ببنغازي..

هنا اطلب من القارئ الكريم أن يتوقف لحظة ويقارن بين ما سُمّيَ ب "ثورة الفاتح من سبتمبر" وما سُمِّيَ ب "ثورة السابع عشر من فبراير"، وما سبقها وما لحقها.. علينا إعادة التمعّن في تاريخنا، وإعادة كتابة ما سقط منه أو أُسقط عمداً، فبهذا الجزء الذي لم يقال، توجد الحقيقة الكاملة لهذه الثورات. ورغم أن "السابقة الأولى" لم تسفك فيها دماء، بينما الثانية كانت دموية جداً، إلا أن التشابه في أمورٍ كثيرة بينها يفرض علينا أن ننظر بعين الموضوعية للحدثين، ونصارح أنفسنا بكل مصداقية: هل فعلا كانت هذه ثورات؟ بالنسبة للبعض نعم، وقد شاركوا فيها بروح الثورة وبدافع التغيير والقضاء على الفساد واستبدال نظامٍ غير مرضيٌّ عليه بآخرٍ أفضل، وقد كانت لهم بالفعل ثورة، وأنا منهم.. أما بالنسبة لآخرين فلا. وبعيدا عن توزيع شهادات الخيانة على أبناء شعبنا، علينا أن نعي بأن نفس من حرّك الشعوب لتخرج ولتعطي تلك الأحداث صفة "ثورة"، مزج هاتين "الثورتين" أيضا بأحداث أخرى وشخصياتٍ مريبة، أبعدت عنها صفة الثورة، ووضعت الإثنتين في خانة "المؤامرة".

المحطة السابعة:

سأعود بالذاكرة قليلا إلى الخلف: عام النكبة: 1967، حين خسر العرب حربهم ضد إسرائيل، خرج الشعب الليبي غاضبا بشكل تلقائي في الشوارع منددا بما جرى، وسأحكي هنا عن بنغازي فقط لعلمي ببعض التفاصيل بالخصوص:

حين تم إطلاق النار على المتظاهرين سقط بعضهم شهداء، كان مصدر إطلاق النار من الشرطة، فقام الجيش بتفريق المتظاهرين ومنع الشرطة من الاستمرار في هجومها عليهم. وبالفعل كان موقف الجيش رائعاً حينها، إذ منع المزيد من الفوضى ووقف سدا منيعا بين الشرطة والشعب. خلال تلك الساعات، كنت بالمدرسة، وقد كان الجدار الخلفي لها هو محلات "بدوسة" اليهودي التي تم حرقها ذلك اليوم، فوصلت النيران إلى المدرسة. كان حينها أهالي جميع الطالبات قد رجعوا بهن إلى بيوتهم، إلا أنا، فقد كان والدي في حال مختلف: كان والدي رحمه الله من ضمن ضباط الجيش المتواجدين لحماية المتظاهرين، فما كان من الجموع الهائجة إلا أن لف بعض منهم الوالد في علم ليبيا وداروا به لمدة ساعة حول المدينة فرحاً بموقف الجيش تجاههم، وكاد يقضى عليه اختناقا، إلى إن إنتبه أحدهم لذلك فتم إنزاله من على الأكتاف.. خلال نفس العام مثل القذافي أمام الوالد في المحكمة العسكرية ببنغازي بتهمة تعذيب جندي خلال التدريب، وقد ثبتت التهمة وأصدر الوالد حكمه على القذافي بالسجن الانفرادي لمدة لا اذكرها بالتحديد، ولكنها كانت بين الثلاثة أيام إلى الأسبوع، وترتب عليها حرمان القذافي من ترقيته ذلك العام. كذلك، بدأنا نلاحظ على الوالد تذمراً واضحا من سياسة النظام تجاه الجيش، فقد بدأ الملك رحمه الله يعطي الأفضلية للشرطة بقيادة السيد عبدالعزيز الشلحي، أعتقد انه كان على صلة قرابة بالملكة فاطمة، بينما كان الجيش يفقد ميزاته ودعمه المالي، فقرر تقديم استقالته إعتراضا على ما يتعرض له الجيش الليبي آنذاك من إهمال ونقص ذخيرة بينما كانت الشرطة تنال جميع الامتيازات، وقد كان رأيه منذ ذلك الوقت أن هذه يهدد أمننا القومي ويجرٰد الجيش من قوته ويضعفه. في عيد الجيش 9 أغسطس 1969، دخل علينا الوالد بلباسه العسكري وعلى أكتافه شارات الترقية من رتبة مقدم إلى رتبة عقيد، فكانت فرحة الوالدة غامرة، وبدأت في الزغاريد، ولكن فوجئنا بردة فعل الوالد: أوقفها عن الاستمرار واقتلع الشارات من على أكتافه، ثم رماها على الكرسي وارتمى على الكرسي المجاور وهو يقول لها: "لقد كنت أطمح في قبول استقالتي وليس في ترقية!" ألجمنا جميعا وعم الوجوم بالبيت...

لقد كان والدي من ضمن عدد من الضباط في الجيش الليبي المعارضين لسياسات الملك، وأود ان اذكر شيئا هنا لم يسبق لي أن سجلته كتابيا رغم أن بعض الاصدقاء يعلمون بهذا:
حين كنا ننشد النشيد الوطني، لم نكن نردد الفقرة الخاصة بالملك مع البقية، فقد كان الوالد قد علّمنا أن لا نفعل، كان ذلك لكي لا نمجّد الأشخاص بل الوطن فقط.. وهنا المفارقة العجيبة!

ما ارغب أن أشير إليه هو النظر إلى أوجه الشبه والإختلاف بين ما تعرّض له الضباط في الجيش الليبي تلك الحقبة والحالية: فالوالد كان من الرتب العالية بالجيش الليبي، وتم سجنه لذلك السبب (وزاد الامر تعقيدا رغبة القذافي في الانتقام الشخصي منه بسبب سجنه له)، كذلك تم عزله وعزل أسرته عن المجتمع بهذه التهمة إيضا.. ورغم هذا كله، لقد كان في قرارة نفسه معارضا لسياسات النظام الملكي، وكان يزرع ذلك في قلوبنا.

المحطة الثامنة والأخيرة

عودة إلى أسباب التحاقي بالمعارضة الليبية ضد نظام القذافي، مما يتبين أعلاه، فقد كانت لي أسبابي الشخصية في البداية، ولكن ذلك تطور إلى أسباب تخص رفضي للمظالم للغير، منها الأحداث التالية:

♦ ممارسات اللجان الثورية إبتداء من منتصف السبعينات،
الزج بأبنائنا في أتون حروب أوغندا وتشاد.

الحصار الاقتصادي الذي تعرضت له ليبيا بسبب ضلوع ليبيا في تفجير مقهى لابيل في ألمانيا وما تعرضنا له كشعب من نقص في ابسط الاحتياجات اليومية، إضافة إلى المهانة التي كنا نتعرض لها في المطارات عند السفر.

إذلال شعبنا ببرنامج التشاركيات في الثمانينات، ووقوفنا في طوابير طويلة لا داعي لها، للحصول على بضاعة لا داعي لها أيضاً، والمعاناة التي تلحقها لاستبدالها مع الآخرين بما يتناسب مع الإحتياجات الشخصية.

تعريض الشعب الليبي للغارة الامريكية.
حادثة لوكربي.
♦  حادثة الخطوط الجوية العربية الليبية فوق سيدي السايح.
جريمة بوسليم.
جريمة الإيدز.

الأساليب التي كانت تحل بها الدولة أزماتها مع العالم: كانت تنعكس بشكل سئ على كرامتنا واحترامنا في المجتمع الدولي.

تدني المرتبات وانتشار الفساد.
تدهور مستوى التعليم.
تفشي الفساد بدون رادعٍ جدّي.
الفساد المتفشي في جميع الدوائر الحكومية بما فيها الهيئات القضائية.
انعدام حرية التعبير.
تدني مستوى إحترام حقوق الإنسان.

لقد كانت هذه هي الأسباب التي عارضت لأجلها النظام السابق، ولم أعارض أشخاصا لشخصهم بل سياسات أشخاص تسببت فيما ذكرت أعلاه.

د. فاطمة الحمروش
Dr Fatima Hamroush                                                               
FRCS(Ed) Ophth, DO, MBBS
 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
حسين الخطابى
بارك الله فيك على جهدك ونظالك...
التكملة
مواطن معاصر لتلك الحقبة
متى كان عبد العزيز الشلحي قائدا للشرطة ؟الم يكن محمود بوقويطين...
التكملة
بلاش منو
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد...
التكملة
شباب الثورة بنغازى
الشعب الليبى اغلبة علنى الامريين ولكنة دفع الثمن فقر وجهل ومرض اما انتى لم تدفعى الثمن الظروف عوضتكى عن الماضى والادهى من ذلك تركى امول ملف الجرحى للسراق الانتهازيين وربما…...
التكملة
عبدالمنعم ادريس
تبارك الله. دائما اقرأ لك ودائما استفيد، أفادك الله ونصرك على من قست قلوبهم وانحرفوا في هذه الثورة....
التكملة
عبدالناصر البوسيفى
كنتم محظوظين فى عدم قطع مرتب والدكم عنكم ....فأنا موسى كوسا قطع راتبى عام 1996م بدون رحمة ولاشفقة ...لوكان كوسا موجوداً فى تلك المرحلة لربما قطع عليكم رزقكم فهو متخصص…...
التكملة
مصطفى
الله يرحم والدك . لا شك أن الوطنية موروث جيني تصقله التربية في البيت .. عشتي
...
التكملة
مواطنة ليبية
شكرًا على هذه الحقائق ، كم أتمنى كل من تعرض للظلم من النظام السابق أن يتم توثيقه للتاريخ و أن تقوم القنوات الإعلامية (بدلا من إشعال نار الفتنة أو مناقشة…...
التكملة
عمران
تحية تقدير للسيدة فاطمة على موضوعية الطرح المنصف إلى حد ما...واسمحي لي بأن أشير إلى أنه من الطبيعي أن (يحقد، يكره، يعارض) كل المتضررين من نظام الدولة أيا كان خاصة…...
التكملة
صلاح
أنا مقدر كل كلمة كتبتيها.. بس لما فكرت فى كلامك قلت... واحنا الغلابة منو بينا؟ضاع عمرنا فى عهد القذافى وتوا ضايع عمرنا من شقى لشقىتانى. ليه انكتب علينا الهم والشقى…...
التكملة
ليبي.
جزاك الله خيرا على سرد هذه الحقائق وذكريات الماضي وذكرتيني ايضا باستقالة والدي رحمه الله من الجيش الملكي في عام 1966 لنفس الاسباب رغم أنه كان يتمتع بمزايا خاصة باعتبارة…...
التكملة
أنس ضياء الحق
لقد اثر الفكر القومي العقيم " الناصري / البعث " على كثير من ضباط القوات المسلحة الليبية , حيث كانوا يبعثون الى العراق ومصر فى دورات عسكرية تحولت الى دورات…...
التكملة
عبدالسلام
ربما كان كلامكي مقبول ومنطقي وهو ما يفسر انضما مكي للمعارضة ولكن يا دكتورة ليس معارضة للنظام تعني بالضرورة انها علي حق وهذا ان ذل علي شي فانه ياسيدي انك…...
التكملة
عفوا
لاتهمني المحطات بقدر ماتهمني نتائج الاجراءات عندما اتتبع خطواتك وكلماتك لا اجدك تختلفين عنهم فسياسة التبرير سنكون حمقى اذا قبلناها لانها سلاح العاجز فهي تعني ان سنين مرت من اعمارنا…...
التكملة
سعيد رمضان
أختى الفاضلة :هناك شريحة من المعارضين لنظام القذافى بالداخل الليبى ،هاجموا الفساد فى عقر داره ،فتمت محاصرتهم أقتصاديا وتجويعهم ،ثم هاجروا ولكن من سوء حظهم هاجروا الى بلاد فقيرة ولم…...
التكملة
مرجاوى
السبده د/ فاطمه الحمروش
بعد التحية اهنئك على هذه المحطات التى من خلالها اوجزتى حقبة تاريخية من حياة شعب تجاوزت اربعة عقود اكتوى بنارها معطم بل كل الشعب الليبى…...
التكملة
غريب مائة غريب من الاعلام والكتاب
كلكم تتحثون عن المال ولكنكم لاتتحثون عن تطهير القضاء الذي يحمي هذا المال!!!!؟؟؟؟؟...
التكملة
عبدالستار محمد سيف النصر
أشكر السيدة الدكتورة فأطمه الحمروش على هذه المقالة الراءعة والمعبرة عن الظلم الذى وقع على أسرتها وما تتمتع به من نبل الأخلاق الوطنية التى تربت عليها بان أنصفت الطرف الاخر…...
التكملة
قراءة بين السطور
في المحطة الثامنة والأخيرة ذكرتي أسباب التحاقي بالمعارضة الليبية بعد خروجك من ليبيا سنة ١٩٩٨م عندما صار عمرك 40 سنة واصبحتي ام وطبيبية وذكرتي بأن كانت لي أسبابي الشخصية في…...
التكملة
خالد الصارى
رغم تشابه وضع الاثنين فى بعض الظروف لكن يجب ان نميز بين معارضين كانوا متواجدين بالخارج بسبب معارضتهم لنظام حكم ظالم و سياساته و أساليبه و اخرون متواجدون بالخارج لمعارضتهم…...
التكملة
قراءة بين السطور
في المحطة الثامنة والأخيرة ذكرتي " أسباب التحاقي بالمعارضة الليبية " بعد خروجك من ليبيا سنة ١٩٩٨م عندما صار عمرك ٣٠ سنة واصبحتي ام وطبيبية وذكرتي بأن " كانت لي…...
التكملة
ابو عمر
د- فاطمه ------ لقد كنت موضوعيه فى حديثك - وهوامر محترم - اتفق المرء معك او اختلف - تحملتى المسئوليه فى بداية مشوار الحياه -ولم تقصرى عندما جد الجد -…...
التكملة