د. فاطمة الحمروش: ما بعد الربيع العربي (2) 15/1/2014 23:16 د. فاطمة الحمروش: ما بعد الربيع العربي (2)
الليبية بحث

لا لاستمرار العبث بمصير ليبيا على أيادي خريجي السجون، ولا لحكم هؤلاء، بل لن تقوم لليبيا قائمة مادام هؤلاء وأمثالهم، وبجرمهم المشهود، لا يزالون خارج السجون... رئيس إدارة الجرحى ونائبه بوزارة الصحة في الحكومة المؤقتة، والملحق الثقافي الجديد بفرنسا: أمثلة حيّة بالبرهان والدليل الموثّق على تولّي السفهاء لمقاليد الأمور بليبيا.

لقد تكبدنا من المشقّة والعمل الدؤوب، والصراع المرير لمدة لا تقل عن تسعة أشهر، منذ بدايته في شهر فبراير 2012، وصلنا فيها الليل بالنهار، إلى إن تمكّنّا من إقفال هيئة شؤون الجرحى في نهاية شهر (6) وضمها إلى وزارة الصحة كإدارة، بعد أن كانت هيئة منفصلة ومستقلة إداريا وماليا وتابعة مباشرة إلى رئيس الوزراء ونائبه بوشاقور، ثم في بداية شهر (9) إستطعنا أن نحصل لأول مرّة على جزء من الميزانية المخصصة لعلاج الجرحى.

نجحنا خلال هذه المرحلة في إيقاف التكليفات الصادرة من رئيس هيئة شؤون الجرحى، السيد أشرف بن اسماعيل، إلى اللجان السابقة التابعة للهيئة، وأوقفنا حتى الهيئة نفسها، وشرعنا في التحقيق والتدقيق، وغيرنا الملاحق الصحيين المشبوهين، والمراقبين الماليين، وحتى بعض السفراء، وقد تم ذلك بالتعاون مع وزيري المالية والخارجية، ثم شكّلنا عدداً محدوداً من اللجان لإنهاء إجراءات من تبقوا من الجرحى.

إضافة إلى ذلك فقد قمنا بإحالة ملفات الكثيرين من المتورطين في الفساد إلى النائب العام بالتفصيل الكامل لهويتهم وجرمهم، وكان المتوقع أن يّقفل هذا الملف بالكامل بنهاية عام 2012.

تعرضنا خلال هذه الفترة بسبب الإجراءات الصارمة التي اتخذناها، إلى محاولتي اغتيال صريحتين، ومحاولة اختطاف واعتداء جسدي ولفظي، محاولة أخرى، إضافة الى العرقلة والتهديدات التي لم تتوقف.. إضافة إلى الشكاوى الكيدية والضغوطات علينا للإستقالة، ولم يثنِ أيٌ من هذا عزمنا على السير في طريق الحق.. كُنّا نعلم منذ بداية تولينا مسؤولية وزارة الصحة في تلك المرحلة العصيبة، بأننا تولينا مهمة إستشهادية، فكان الله هو حسبنا ووكيلنا.

جاءت الحكومة الجديدة وعيّنت وزيراً للجرحي (السيد رمضان زرموح)، الأمر الذي ما كان يجب أن يحدث من أساسه لو أن السيد زيدان أنصت إلى نصيحتنا، فالسيد زرموح لم يكن يعلم شيئا عن الملف الذي أوشك على الإنتهاء، وكذلك فقد تشابكت الإجراءات التنفيذية بينه وبين وزير الصحة، د نوري دغمان، بالخصوص.

قمنا بتسليم الوزيرين الملف كاملا، بكل ما فيه من إجراءات سابقة، وبكل القضايا التي ارتبطت به، مرفقا بتوصياتنا أيضاً، كما جلسنا مع الوزيرين وشرحنا لهما البرنامج، وجلسنا أيضاً مع لجنة الصحة والجرحى بالمؤتمر للإيضاح، وأبدينا إستعدانا للتعاون في اي استشارة إذا أراد أي منهم وفي أي وقتٍ يشاؤون، كما حذرناهم من الإنتهازيين ومن المخاطر المحيطة بالملف وحذرنا أيضاً من الكثير من الشخصيات التي تدور في فلكه.

ما يحز في النفس أن الفساد عاد للملف من جديد، والسبب يرجع إلى عودة ذات المفسدين الذين قمنا باستبعادهم وبالإبلاغ عنهم لدى السلطات للتحقيق معهم لممارساتهم غير القانونية والتي شهدنا عليها خلال تلك الفترة.

إن ما حدث في هذا المضمار يثير العجب والحزن أيضاً، فقد قام السيد نورالدين دغمان بتعيين شخصين، كمدير إدارة الجرحى ونائبه. إن هذين الشخصين معروفين من ذوي السوابق الجنائية في درنة، وهما فكري قصار وفخري (لا أذكر لقبه)، وكنا قد أرسلنا رسالة إلى النائب العام ولوزير الداخلية بخصوصهما مع طلب لاحتجازهما على ذمة التحقيق، وذلك لإغلاقهما للوزارة لمدة أسبوع والإعتداء على بعض موظفي الوزارة وترويعهم وتهديدهم، إضافة إلى قيام نفس الشخصين بإحتلال مقر هيئة الجرحى واحتجاز 1600 ملف، واستخدام أصحابها للضغط على الوزارة لتعيينهما كمشرفين للجرحي.

كان هذين الشخصين يحوّلان المقر ليلا إلى ماخورٍ للدعارة وللخمر والمخدرات، وقد تم إبلاغ وزارة الداخلية بذلك لاتخاذ ما يلزم من إجراءات ضدهما. وها هما اليوم يتم تعيينهما لرئاسة إدارة الجرحى بوزارة الصحة.

أما الشخص الثالث فيدعى بمحمد الضلعة، من مصراتة. تمت التوصية به من مصراتة ليرأس إدارة شؤون الجرحى بالوزارة، وقد الحّ السادة مصطفى درويش ومحمد سوالم، وزير العمل الحالي، على تعيينه لمناسبته للوظيفة، ثم تبيّن لي بعد شهرين من هذا التعيين بأنه غير قادر على تحمّل المسؤولية، وذلك لتفضيله لمصراتة على بقية مناطق ليبيا، إضافة إلى شروعه في إرسال قوافل من الحالات العشوائية من مدينة مصراتة إلى كل من ماليزيا وبعض الدول الأخرى، بدون علمنا وبدون التقيد بالمعايير والضوابط التي قمنا بفرضها لمنع تكرار الفساد الذي شاب هيئة شؤون الجرحى قبل إقفالها.

والحقيقة أن السيد وسام بن أحميد وقريبه زيدون بن أحميد هما من قاما بتنبيهنا إلى هذا التصرف واستنكاره، لما لحق بالمصابين من بنغازي خاصة والمنطقة الشرقية عامة من إهمالِ متعمّد من قبل هذا الشخص.

حين علم الضلعة بشروعنا في إصدار قرار إقالته من إدارة الجرحى، قام بإحضار كتيبة حاصرت الوزارة، وحين لم يجدنا بها، قام باحتجاز مدير مكتبي ومدير الإدارة القانونية ومدير إدارة التوثيق والمعلومات في مكتبي تحت تهديد السلاح، ثم أعطى أوامره لعناصر من الكتيبة التي حاصر بها الوزارة لاستجلاب مدير الإدارة المالية بالوزارة، ليحتجزه هو الآخر مع نفس المجموعة.

قام خلال مدة الإحتجاز بإملاء مذكرة على المستشار القانوني ليصيغها لكي تقدّم لي (للتوقيع عليها فقط!)، كبيان من طرفي أظهر فيه عدولي عن قرار إقالته! كنت خلال تلك الفترة قد قررت العمل من فندق كورنثيا لكي لا يقاطعني المخربون ولأتمكّن من أداء عملي.

حين وصلتني الرسالة، اشتططت غضباً وقمت على الفور بإصدار قرار إقالته، ولكن اتصل بي رئيس المجلس المحلي لمصراتة حينها، السيد بيت المال، طالبا مني أن لا أصدر القرار بتلك الصيغة، وأن انتظر طلب الإستقالة مكتوباً من الضلعة لأوافق عليه، وعلل ذلك إلى أسبابٍ تخصهم في مصراتة! نزولا عند رغبة السيد بيت المال، وذلك إحتراما له، أصدرت قرار الإقالة بعد استلامي لطلب الإقالة كما أرادت مصراتة.

قمنا بعد هذا الحدث مباشرة بإصدار قرار يخول المناطق بليبيا بالإستقلالية الإدارية للتعامل مع الجرحى وعلاجهم، بشرط أن يكون قرار التفويضات المالية صادرا من طرفي مباشرة حتى لا يحدث تلاعب. كذلك قمنا بوضع ضوابط تفرض على جميع اللجان والملاحق الصحية أن تقدم تقاريرها الشهرية إلى وزارة الصحة وإلى ديوان المحاسبة لتبيان سلامة الإجراءات الإدارية والطبية والمالية. أفاجأ بعد خروجي من الوزاة، بتعيين السيد الضلعة كمشرف ومندوب على الجرحى في فرنسا، ثم انتهى به المطاف بصدور قرار بتعيينه بالسلك الدبلوماسي كملحق ثقافي بفرنسا!

هذه عينات فقط ممن يتولون اليوم صنع القرار في ليبيا، وتُسلَّم لهم الميزانيات والثقة.
فماذا نتوقع لمصير هذا الوطن إذا استمر هذا العبث ولم نضع له حدٰاً؟

د. فاطمة الحمروش
15/01/2014

Dr Fatima Hamroush                                                               
FRCS(Ed) Ophth, DO, MBBS

د. فاطمة الحمروش: ما بعد الربيع العربي (1)

 

 

 

 

 


إضغط هنا لمراجعة التعليمات الخاصة بتعليقات القراء
 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عاشق ليبا
الامم لاتنجح في الوصول للاستقرار والتنميه والعداله والحريه الا بتكوين مخالب وانياب أي جيش وشرطه+ القياده للفئه المستنيره...
التكملة
علي الكبتي- بنغازي
تحياتي للدكتورة فاطمة بنت المرحوم البطل عبدالله حمد الحمروش. هذه الدكتورة الشجاعة ورثت بطولتها من المرحوم والدها العقيد عبدالله حينما حكم على الطاغية في محاكمة عادلة بالحبس لمدة شهرا بعد…...
التكملة
الي ليبيا المستقبل
لماذا لم تنشروا الاسئلة يامن تدعون الحرية في التعبير ,لقد سقطت الاقنعة ياسيد حسن الامين , شكرا لثورة 17 فبراير كل ماقدمت ومازالت تقدم لتكشف لنا على الطاغاة الذين يكممون…...
التكملة
عبدالمنعم الطرابلسى
اولا شكرا لدكتورة, اود ان اقول بالله كيف بشباب يدعوا بانهم حاربوا ضد القدافى تم يقومون هم بخراب وقتل ونهب اموال الليبيين بحجة انهم كانوا من التوار لكن عين الله…...
التكملة
عبد الكريم
مثل هذه النماذج الساقطة ستلوث وتفسد اي نظام والسبيل الوحيد هو منعها من مزاولة اي عمل حكومي وهذا مجرد علاج وقائي اما النهائي فهو التحقيق والاعدام....
التكملة
كمال
شجاعتك في الكتابه و صراحتك فكرتني بالاخت وفاء البوعيسى. أتمنى لكما التوفيق و الاستمرار في الكتابه...
التكملة
مصراتية
ملف اوشك على الانتهاء ومازال العديد من الذين اصيبوا في الجبهات بدون علاج,...
التكملة
مصطفى محمد
تحية... لطالما رأيت نساء ليبيات اشجع من مئات الرجال واصدق وطنية برافو دكتورة على الجرأة الايجابية وننتظر اصحاب القرار ليحذوا حذوك...
التكملة
عبداللطيف
بالله لو قسمتوا ليبيا لفدراليات ثلاث أرجو أن يتم ضم مصراتة وسرت لإقليم برقة. لإنهم ليسوا من غرب ليبيا. خذوهم معاكم بالك يصلح حالهم...
التكملة
احمد
لك الله يا ليبيا: نحن نصدقكِ يا دكتورة وانت شريفة و عفيفة و نامل فضح الفاسدين والمرتشين في وطننا الحبيب ,,, اما لماذا استمرار الفساد فلن الاخوة الاعداء في المؤتمر…...
التكملة
محمد السنوسي المناعي
شكرا للدكتورة فاطمة على شجاعتها للكشف على الفساد في قطاع الصحة وكنت اتمنى ان يكون لنا عشرات منها في كل القطاعات الحكومية والعامة للكشف على الفساد المستشري والدي زاد استشراءا…...
التكملة
سعيد رمضان
سيدتى الفاضلة : وماذا عن مئات الملايين من الدولارات التى قام السيد /عبدالمنعم الهونى بعد التحرير مباشرة بأهدارها دون وجه حق تحت ذريعة الصرف على علاج الجرحى والمصابين حيث قام…...
التكملة
أحمد تمالّـه
كل من ذكرتهم الدكتورة الفاضلة فاطمة الحمروش في هذا المقال عليهم أن يعلقوا عليه كتابة على هذا المنبر، و من منهم لا يفنّد ما تفضلت الدكتورة فاطمة به من معلومات…...
التكملة
ليبي حر
حسبنا الله ونعم الوكيل هذايتبت باْن ما يسمي بالتورات ليست مباركة وسوف تسقط بأذن الله ونقضي علي هذه الزمرة الفاسدة وتنهض ليبياباْبنائها الصادقيين الويل كل الويل للسارقيين...
التكملة
بلخير ماضي
احي الدكتورة فاطمة علي شجاعتها في زمن قلة فيه هذه الصفة حتي في الرجال وارجو منك كشف هؤلاء السراق وتعريتهم امام الشعب...
التكملة
لك الله ياليبيا
لك الله ياليبيا لكم الله يافقرائنا اعزة النفوس ويامن تحملتم الفقر والعوز سابقا وحاليا دون ان تنهبوا وتسرقوا او تمدوا ايديكم للذل والمهانة..لكم الله يايتامي وارامل ومرضي ليبيا..وياكل من قتل…...
التكملة
ابن برقة
كل هذه المشاكل نتيجة لعدم السماع لاصحاب الطرح الفدرالي في تحليلهم للواقع الليبي حول العدول على انتخابات المؤتمر الوطني وعدم نقل المجلس الانتقالي لطرابلس وتقسيم النظام الاداري الى 3 اقاليم…...
التكملة
الصادق
كلام موثق ودقيق، وفيه سرد بالأسماء والتواريخ، وأعتقد أن الدكتور فاطمة عادت إلى مكانها الطبيعي، مناضلة، فأهلاً بكِ مجدّداً يا ليبية. وكفى...
التكملة
عبدالعزيز علي تامر
للاسف كانت ليبيا خاربة ومازالت كما كانت الا انها اعظم مما كانت علية بالف مرة فاموال ليبيا نهبت وسرقة. العصر الوحيد في تاريخ ليبيا هو عصر ما بعد الاستقلال وفيه…...
التكملة