د. فاطمة الحمروش: ما بعد الربيع العربي (3) 21/1/2014 10:31 د. فاطمة الحمروش: ما بعد الربيع العربي (3)
الليبية بحث

"إن ما بدأ بتاريخ 17 فبراير في ليبيا، كان ثورة على الظلم
صحبتها مؤامرة، ثم إنتهت الثورة واستمرت المؤامرة"

أولاً: فعلا إن السلطة والمال يفعلان مفعول السحر، ولقد رأيت بعينى خلال فترتي الوزارية كيف يدخل عليّ البعض كالحمل الوديع، وبسيرة نظيفة، إلى أن يستلموا الإدارة والميزانية، فيتغيّروا أمامي حتى في شكلهم ومشيتهم، وكأنهم لبستهم روح شريرة أو مسّهم جان، وهذا الوصف ليس مقصورا على عدد قليل، بل هو واقعٌ حيّ، ينطبق على الأغلبية، إلا من ندر. ولقد علّمتني هذه التجارب أن لا أعطي شهادة ضمانٍ لأحدٍ مهما عرفته، لأبعدِ من تاريخ كتابة الشهادة، ولا أتردد أبداً في إضافة هذه الفقرة بالخصوص!

سأتطرق هنا إلى موضوع التعويضات ومطالبيها بعد  17 فبراير، وسأركّز على القرار الأخير الصادر من المؤتمر الوطني بخصوص "تعويض جميع المساجين السياسيين في عهد الجماهيرية":

كنا في جلسة لجنة ميزانية الطوارئ، برئاسة السيد مصطفى بوشاقور لمناقشة بعض المشاريع العاجلة المعروضة على مجلس الوزراء من قبل الوزراء، وكان الأعضاء هم: وزير الصحة، د فاطمة الحمروش، ووزير المالية السيد حسن زقلام، ووزير الاقتصاد السيد أحمد الكوشلي، ووزير التخطيط السيد عيسى التويجر، وكان معنا السيد نعيم الغرياني وزير التعليم العالي يومذاك لعرض بعض البرامج الخاصة بالتعليم العالي على اللجنة. دخل علينا السيد محمد بوسدرة، ومعه شخص آخر لا أذكره الآن، وذلك لمناقشة موضوع التعويضات للمساجين. كنا في اليوم السابق فقط قد هذا العرض ناقشنا في إجتماع مجلس الوزراء، والذي كان قد صدر بشكل مفاجئ وغير مدروس من المجلس الإنتقالي كوعدٍ لهؤلاء، وتم إتفاق مجلس الوزراء على عدم إقراره، وأن تترك كل حالة على حدة للبت فيها في المحاكم.

كان هذا الإتفاق مبنيا على نصيحة من وزير المالية، بعد تقدير إدارته لحجم التعويضات التي ستنجم عن هذا القرار، وقد عبّر بالحرف الواحد بقوله: "لابد من وضع حد لهذه المصاريف، لا نريد أن نلجأ للإحتياط، فهو زاد أحفادنا، ولو إستمرّ هذا الحال، لن يجدوا ما يأكلوه، وستلعننا الأجيال القادمة إلى يوم الدين". ورغم أن إتفاق مجلس الوزراء لم يكن سّرا، إلا أني عجبت ذلك اليوم لحضور السيد بوسدرة، فقد كان من الواضح أن هذا الاتفاق قد تسرّب خبره ولم يعجب من كانوا بانتظار التعويضات.

أوضحنا للسادة أسباب عدم إقرار القرار بالتعويضات، فرد علينا السيد بوسدرة: "كيف أشرح هذا لمن ينتظرون بسلاحهم بالخارج؟".. كان ردنا: "بالمنطق وبلغة المصلحة العامة، وبإعلان هم بأن العرض حين صدر من المجلس الإنتقالي، صدر بدافعِ عاطفي ولم يكن مدروسا من قبل ماليين، فلا نتصور من أي وطني أن يصرّ على هذا بعد أن تتضح له حجم الخطورة التي تترتب على إقرار قرارات غير مدروسة كهذه".

خرج السيدين، ولم يتم بعدها عرض الموضوع على الحكومة الانتقالية، لنفاجأ بعد تشكيل المؤتمر والحكومة المؤقتة، بعودة النقاش بخصوصه من جديد، من قبل نفس الأشخاص ذاتهم، والذين تم إعلامهم وبوضوح بكل ما سيترتب على هذا القرار من كارثة إقتصادية في حق ليبيا!! لن أزيد على هذا، وسأترك التعليق للقارئ.

حسب هذا القرار، يحق لي كوريثة لسجين سياسي سابق في نظام القذافي، أن أطالب وإخوتى بالتعويض! حسب ما أرى، لو أني أو أحد إخوتي باشر بهذا الإجراء، سنكون اقترفنا جرمين: الأول، المشاركة في نهب ثروات الشعب الليبي، والثاني: إغتيال الوالد رحمه الله غدرا وهو في قبره... وبالمناسبة، فإن ما سردته أعلاه يذكّرني بموقف والدي رحمه الله، فأرى فيه فرقا كبيرا في جميع القيم والموازين، بينه وبين هؤلاء: لقد قبع في السجن أربع سنوات، وحين صدر منطوق الحكم ببراءته في نهايتها، عُٰرِضت عليه خيارات للتعويض، ومن ضمنها أن يتولى أي سفارة يختارها في أي دولة بالعالم، أو التعويض المالي، أو كلاهما معا.. فرفضها جميعا، ولخّص رده، رحمه الله، بجملته الشهيرة: "لا أريد أيّ من هذه التعويضات، فتعويضي الوحيد الذي رضيته قد نلته، وهو منطوق الحكم ببراءتي بلسان عدوّي".. ولكَمْ أتأسف اليوم على الحال الذي وصل إليه من كانوا بالأمس ينالون العطف من الجميع لأنهم ظُلِموا، لنجدهم اليوم يصبحون هم الظالمين.

"لقد كسبتم دنياكم، وخسرتم آخرتكم"... كانت هذه الجملة خاتمة لحديثي مع أحد السجناء السابقين الذين استاءوا من رأيي بخصوص إصدار المؤتمر لقرار التعويضات العشوائية العامة وبدون دراسة لكل حالة على حدة، وذلك بعد إصراره بأني أظلمهم برأيي... اليوم أعيد نفس الجملة وأوجهها إلى كل من نهب، وكل من استغنى بعد 17 فبراير 2011، وكل من ظن أن المال العام غنيمة، واستحلّه لنفسه، ولم يتّقِ الله في شعبه ووطنه.. وأقول للصابرين المحتسبين: أذكروا آيات الذكر الحكيم:بسم الله الرحمن الرحيم "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) ۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)" آلِ عمران صدق الله العظيم.

د. فاطمة الحمروش 
20/01/2014

Dr Fatima Hamroush                                                              
FRCS(Ed) Ophth, DO, MBBS
 

 

 

 

 

 


إضغط هنا لمراجعة التعليمات الخاصة بتعليقات القراء

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عاشق ليبيا
المال مال الشعب والشعب كان ومازال يدفع في تعويضات عن افعال لم يكن مسئولا عنها داخليا وخارجيا...
التكملة
محمود
هذا هو هدف بوسدرة نهب المال العام وانتهاز فرصة وجود الضعفاء على راس المؤتمر للقيام بذلك ،كم اتمنى ان تتم مراجعة ملف التعويضات بصورة جادة واستعادة الحق العام منهم فلست…...
التكملة
سلوى
المغتصبة من يعوضها...
التكملة
عبد الله
انا يوم دخلت السجن لم اكن على موعد مع التعويض في فبراير ولاكن ان يجتمع علي ظلم القذافي وظلم فبراير هذا مالم يخطر على بالي...
التكملة
خليفة رجب
السيدة الفاضلة لقد تقدمت برفع قضية فى زمن القذافى وتحصلت على الصيغة التنفيذية ولكن لا حياة لمن تنادى ونرى الاموال يستاثر بها الافاقون وقناصى الفرص فاين نذهب برايك...
التكملة
يوسف
انا استغرب من اولئك الدين دهبوا الى ليبيا بعد الثوره من اجل المنصب وقالوا انهم يريدون خدمة البلد لا سرقتها وعندما تمت مدتهم رجعوا الى الخارج يعنى او كان تبونى…...
التكملة
ahmed aqela
ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامه...
التكملة
على موال
التسلط على اموال الشعب من قبل مجموعة غير مؤهلة ولن يرشحها هو السبب الرئيسي في كل ما يدور في ليبيا والحل لهذه المشكلة هو ان يقوم طرف خارجي بلسيطرة على…...
التكملة
المنقوش
لم تكن مؤامر بل كانت الحقيقة الغائبة...
التكملة
صالح حويل
هده الجماعات مكانهم الطبيعي سجن بوسليم من جديد ، قد يكلف هدا اعباء مالية على الدولة ، ولكن الله غالب لازم ياخدو الدوا امتاعهم داخل .. بعيدا عن الاطفال وهم…...
التكملة
سعيد رمضان
لقد وافق المؤتمر الوطنى على السماح لحكومة زيدان بمناقلة مبلغ 300 مليون دينار من أجل صرف التعويضات للسجناء السياسيين والأسلاميين وغيرهم ،وتم أقرار مبلغ 300 ألف دينار كحد أقصى لتعويض…...
التكملة
ليبي حر
نتاْسف علي من تراْس سجن ابوسليم وان تتم محاكمته بسبب عدم قضائه علي هولاء التكفيريين القتلة جميعيهم عليهم لعنة الله...
التكملة