المهدي يوسف كاجيجي:  درنة التى كانت 14/4/2014 22:31 المهدي يوسف كاجيجي: درنة التى كانت
المهدي يوسف كاجيجي بحث

جنة الله

"كانت درنة جنة الله فى ارضه، طقسها رائع،تربتها خصبة، كانت درنة بحرا من الزهور، فيها تنمو اروع انواع الفواكه، بها اغرب وانقى ماء فى شمال أفريقيا، يهبط الماء من الجبال وينساب فى المدينة وضواحيها، تبدو كسجادة كبيرة من الحشائش، تعلوها الأزهار ذات الألوان الزاهية تمتد لتغطى التربة كلها، تنتشر الحدائق بأشجار الموز الوارفة المثمرة، طعمه أطيب ونكهته تجمع بين الأناناس والفراولة، اما ثمار المشمش والبرقوق فهى تنمو وتكبر حتى تصبح فى حجم بيض الإوز، الأعناب الحمراء والخضراء تنمو فى الشوارع يتفجر منها العصير فى اشهر الخريف من كل عام، تصبح الأعناب كبيرة كبيض الحمام، انها مدينة كريمة، سمائها زرقاء صافية كاهلها وناسها، يتحرك الشباب فيها وحول أعناقهم سلاسل من الزهور الزاهية، مثلما يحبون الجمال من حولهم فان الجمال مطبوع فى عقولهم واذهانهم".

هذا هو النص الحرفى لشهادة الرحالة الدنمركي المسلم كنود هولمبو منقول من كتابه " الصحراء تحترق " الذى كتبه كشاهد على تجربة نضال الشعب الليبي خلال الحقبة الفاشستية سنة 1928 وخلال مروره بمدينة درنة.

ورثة الجمال

فى أوائل الستينات من القرن الماضى اتخذت جريدتنا الحرية اول مقر لها فى شارع النصر بمدينة طرابلس، كان المكان عبارة عن تجمع سكنى بمجموعة من العمارات لها مدخل واحد، كان معظم السكان من الجاليات الأجنبية تحديدا من اليونانيين والبريطانيين، تزامن وقتها إلغاء نظام الولايات مما ترتب عليه انتقال كثير من كبار الموظفين للعمل فى العاصمة طرابلس، وكان من المفارقة الجميلة ان يكون تجمع شارع النصر يضم عدد من العائلات القادمة من درنة، الغريب ان القادمين الدراونة لم يحدثوا أي تنافر فى التركيبة السكانية للقاطنين. الأجانب بل لا أبالغ ان اعتبرت ان القادمين من درنة أضفوا مزيدا من البهجة والتحضر على المكان وكان شرفا كبيرا ان تتاح لنا فرصة التعارف على كوكبة من الرجال من أمثال الأساتذة محمد ابوغرارة والسيد الثلثي رحمهم الله، والسفير عاشور الامام أطال الله فى عمره، ولم يقتصر التعارف على القاطنين فقط بل امتد الى زوارهم   والتى كانت سمة التحضر والرقى حاضرة معهم أينما حلوا.

مسرحية الأسبوع

كتب الاستاذ المكى احمد المستجير مقالة على صفحات ليبيا المستقبل بعنوان "المسرح وطن وفبراير بلا وطن" وهو بالمناسبة من الكتاب الرائعين امل ان لا يبخل علينا بكتاباته، نستعير منها هذه الفقرة: ((كنت أتشوق كثيرا فى صغرى، ليوم الخميس، ارجع جذلا من المدرسة مهرولا ودقات قلبى قلبى تتسارع كلما دنى وقت المغرب جالسا امام باب منزلنا انتظر امى العزيزة، المربية الفاضلة لتاخذنى الى المسرح الوطنى بدرنه فى "وسط البلاد" او مسرح "محمد عبد الهادى" بجوار مسجد العتيق لنشاهد عرض مسرحية الأسبوع))... يا الله، الى اى درجة من التحضر وصلت اليه هذه المدينة ؟، مدينة تعود الأبناء فيها مصاحبة الأمهات لمشاهدة العرض " الأسبوعي " على احدى مسارحها.

من التنوير الى التكفير

يقول هنود هولمبو فى كتابه: "كان سكان الجبل الأخضر فى نضالهم المستمر ضد الإيطاليين وظلمهم اكثر تشددا' اما فى درنة حيث معقل السنوسية، فقد كان المسلمون اقل تشددا، بل يمكن القول بأنهم كانوا اكثر رقة ودماثة من اى مكان فى شمال افريقيا، ولم أرا مكاناً مثل درنة، حيث يغلب هنا على الناس كل ماهو جميل وكريم .. ويمقت فيه الناس الخرافات .. كما يمقتون الطاعون".

هذه درنة التى كانت، والتى اشتهر أهلها بحلاوة اللسان، ودماثة الخلق، والتى احتضن ثراها عددا كبير من الجثمان الطاهرة لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. امااليوم المشهد العام للمدينة ضبابى، اذ منارة التنوير التى كانت تشع بضوئها عبر حقب التاريخ تحولت الى قاعدة للتكفير، وغياب لغة الحوار مع الاخر التى اجتاحت ليبيا الوطن قطع علينا كل قنوات التواصل للتعرف على حقيقة ما يجرى هناك، وانا لا اصدق ما يتم تداوله عن المدينة بأنها أصبحت قاعدة للمتشددين الذين قدموا اليها من كل مكان ومن خارج ليبيا، وان ما يجرى على ارضها هو مقدمة لتكوين نظام الحكم النموذج الذى يجب ان يسود ليبيا والذى سينطلق من درنة الى المنطقة الشرقية ومنها ينطلق الى بقية ليبيا.

بقى سؤال، هل يمكن ان يكون هؤلاء الذين اختطفوا المدينة وعزلوها عن بقية الوطن، انهم حقاً ولدوا من رحمها ورضعوا من ثديها وحملوا جينات التنوير التى تم توارثها عبر كل الحقب ؟!!، وليرحمنا الله مما هو قادم.

المهدى يوسف كاجيجى

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
التاجوري
بالنظر إلى النسيج الاجتماعي الدرناوي الخالي من القبلية المقيته تجد المكونات السكانية تتشكل من المنطقة الغربية من الزاوية الى تاجوراء ومصراته وزليطن ..هذا سر اختلاف الدرناويين عن الباقين....
التكملة
درناوي مهاجر
هناك فرق بين الكتابة كنشاط و الكتابة لسرد الحقائق ، أو هكذا تزعم .. كيف يكون لمدينة درنة ماضي مليان بالفن و الثقافة و التمدن .. كما تقولون .. و…...
التكملة
سالم عبدالله الهوني
نعم, هكذا عرفنا مدينة درنة بموقعها المتميز , وبجمالها الخلاب , ورقي سكانها الحضاري والثقافي , ولكن ماتشهده بلادنا ليبيا من تأزم وانكسار وتخبط يجعل جميع المدن والقرى ارض خصبة…...
التكملة
سالم قنيبر
سالم قنيبر
إنهم الأهل ..طلائع النشأة الإعلامية ...الثقافية ... الصحفية في عصر النهضة .. عصر الإستقلال ..آل الهوني الكرام .. (الهوانــــــة) .. نسبة إلى (هــون ) .. بنغازي الجنوب…...
التكملة
احمد رفيق
درنة كانت مصابة بالهوس الثقافى والفن،واليوم مستنقع التطرف والنفوس الشاذة.نامل ان يعود اثير السجال فى المساجد وخاصة المسجد العتيق وفى المقاهى والنوادى الرياضية.kletterl...
التكملة
محمد الشعراوي
السيد مهدي: مقال جيد كالعاده. ولكن المخطط اكبر من ليبيا بكثير, الا ان ليبيا هي حجر الزاويه في المرحله القادمه. منها ستنطلق سهام العرب ضد العرب. واليها سترتد تلك السهام…...
التكملة
احمد الامازيغي
مقال رائع استاذ المهدي ،و كما يوقل اللبناني : شيء مهم . اتمنى تكتب عن تاريخ هذا الوطن بالستينات ، جيل كامل ونصف الجيل لا يعرف و لا يعلم و لايقرأ…...
التكملة
حسن
ذكرتنى بايام الطفولة وهذه الشيشما ذات المياه العذبة والباردة انها تقبع فى ميدان صغير من الجهة اليمنى مقهى شلغوم وخلف الشيشما الخراز حسين ليالس وامام الشيشما عدة محلات للخرازين منهم…...
التكملة