جمعة عتيقة: دعوة للحوار (2) حديث حول الشخصية الليبية 5/5/2014 13:12 جمعة عتيقة: دعوة للحوار (2) حديث حول الشخصية الليبية
جمعة عتيقة بحث

كان هذا عنواناً لمحاضرة القيتها سنة 1971 من القرن الماضي ضمن النشاط الثقافي لكلية الإقتصاد والتجارة بالجامعة الليبية آنذاك وبدعوة من لجنتها الثقافية برئاسة صديقي المرحوم (عبد العزيز الغرابلي) حاولت فيها أن أتطرق الى ملامح الشخصية الليبية وخصائصها وخصوصياتها وكيف يمكن حمايتها في وجه المدّ (القومجي) الذي كان يهدر كالسيل الجارف مشرعاً قائمة إتهامات وإدانات لكلّ من يحاول الفكاك من أسر الشعارات الفارغة الفجة.. والمقولات التخديرية الجوفاء.. فكان أن إتهمتُ من قبل أعلى قيادات التنظيم السياسي حينذاك (الإتحاد الإشتراكي) بالإقليمية الضيقة.. والرجعية.. والإنفصالية.. وغيرها من النعوت.. ودعى (عبد السلام جلود) الطلبة المنضويين تحت ذلك التنظيم الكرنفالي .. الى أن ( يدوسوا بالأقدام على كل من يتحدث عن (الشخصية الليبية) وأورد ذات النعوت والإدانات المجانية الموتورة...

وجرت منذ ذلك التاريخ تحت جسر الوطن مياه كثيرة.. ملوثة بالإنفعال والعبث.. جرى فيها تزوير الذاكرة الوطنية وتزييف للوعي بالذات والموضوع... وعشنا عقوداً من التغييب (لمعنى الكيان).. نشأ عنه ركام من الحصاد المرّ.. أنتج فيما أنتجه.. هذه الحالة التي نعيشها اليوم.. والتي وقفنا أمامها بعد الثورة التي حطمت الإستبداد ووقفت دونه! والتي انتصرت ولم تنجح بعد.. تائهين وسط بحر الرمال عاجزين عن الإمساك بهوية وكيان وطني متماسك نتجاوز به اللحظة العاطفية التي اسرفنا في إستهلاكها حتى كادت أن تنفذ.. لتغرق أقدامنا في الرمال المتحركة.. قبائل.. تتقاتل.. وطواحين هواء تتصارع.. كقافلة دون حادٍ اودليل.. مسكونة بالتوتر والقلق والإنفعال والعنف الذي صار (سيد الأحكام)!!..

كل ذلك والقوم في غيّهم سائرون.. متسربلون بالجهل النشط.. والوعي الغائب والذات المتشظية... نلوّح بقبضاتنا في الهواء فلا نمسك سوى (بقبض الريح).. يبدوالطريق موحشاً والزاد قليل.. والأمل يتسرب كالماء من بين أصابعنا... تكاد أن تبتلعنا لجّة الموج الهادر المتلاطم... دون ان نهتدي اونحاول جادين الامساك بطوق النجاة والخلاص الذي سيجعل شاطئ الامان مرفأنا وملاذنا .. وما ذلك الخيط أوالطوق سوى استعادة وعينا (بالكيان الوطني) ولن يكون ذلك متاحا إلا اذا تحلينا بالشجاعة والتجرد والصدق في مواجهة الحقيقة.

يقول الاستاذ المرحوم عبد الله القويري في بحثه عن معني الكيان محاولة نظرية لفهم الواقع الليبي "اذا نشرنا امام اعيننا خريطة ليبيا, واردنا ان نحدد ملامح مجتمعنا علي ضوء الواقع الجغرافي وأبعدنا عن ذواتنا العلاقة الوجدانية التي تربطنا بهذا الواقع وكنا على قدر من المعلومات الجغرافية وعلاقاتها وانعكاساتها في جميع المجالات لما تمالكنا انفسنا من ان نطلق تعبيرا مملوءا بالدلالات "هذه بلادنا"...

نعم هذه بلادنا.. حقيقة اولية وأزلية .. فلا بلاد لنا سواها ولا وطن يحضننا غيره.. غير ان هذه العتبة الاولية التي نلجها والحقيقة الجلية التي نقررها لا تكفي لضمان صياغة الحياة في بلادنا وفق اسس العيش المشترك الذي يقوم على قواعد العدالة.. والتفاهم والمصلحة المشروعة التي تتبلور في النهاية بشكل راسخ في معنى (المواطنة) فلابد من أن نخطوخطوات اخرى بعيدا عن خداع العواطف والحواس وان نبحث بحثاً (اركيولوجياً) حسب تعبير المفكر الكبير "محمد اركون" في مفردات شخصيتنا... وقسمات تشكلها.. وأن نفكك بطريقة علمية رصينة هذه المفردات.. ونعيد صياغتها لأجل بناء (الشخصية الليبية القاعدية) القابلة للتحقق والمؤهلة للفعل.

يقودنا ذلك الي تقرير حقيقة اوردها الباحث التونسي (منصف الوناس) في كتاب له صدر حديثا يحمل عنوانا مثيرا ومليئا بالدلالات (الشخصية الليبية.. ثالوث.. القبيلة.. والغنيمة.. والغلبة) تلك الحقيقة الصادمة تحمل في ثناياها حقائق ناطقة وأخرى مضمرة ومسكوت عنها يمكن تلخيصها في اننا لم نولي موضوع دراسة (الشخصية الليبية) ما يستحقه من بحث علمي واقعي متجرد.

ودون النظر الى صحة اوعدم دقة ما انتهي اليه (المنصف الوناس) إلا ان اهمية هذا الكتيب الصغير قد تنبهنا الى ان الاوان قد آن للتصدي لهذا الموضوع والذي سيكون الشراع الوحيد الذي سينقذ سفينة الوطن المترنحة وسط عباب اليم.

وبالنظر الى ما نراه اليوم من تنازع يكاد يذهب بريح الوطن لم يعد هناك أي مجال للإبطاء والتجاهل والتغافل عن هذا الامر وأن التملص من مسؤولياتنا والهروب الي الامام والالتحاف بالأوهام وربع الحقائق سوف لن يخفي حقيقة اننا (كيان هش غير متماسك) يحتاج الي اعادة سبك وتشكيل وان ترديد شعارات حناجرية صاخبة من قبيل.. لا شرقية ولا غربية واللحمة الوطنية وليبيا وحدة وطنية سيظل طافحا علي السطح لا يجد له طريقا الى عمق تربتنا وهولن يجد هذا العمق وهذا الطريق إلا من خلال تناول علمي واقعي مدروس ومواجهة شفافة شجاعة قد يراها البعض صعبة مريرة ناكئة للجراح غير انها السبيل الوحيد الى عدم تحول هذه الجراح الى قرحة نازفة.

(فالذهنية القبلية) التي امتدت حتى غمرت ساحات المدن وأزقتها وحواريها والتي ظننا يوما انها قد تلاشت فيها قد افرزت ظاهرة خطيرة كنا نظن ايضا انها قد اضمحلت تلك الظاهرة هي (استحضار الماضي مجسدا في ذاكرته الدامية) فبرزت نزاعات ومنازعات كنا نعتقد ان سفر الزمن قد طواها.. وصار الكل ينفخ في نار اعتقدنا انها قد اخمدت حتى رأينا احداثا قارب عمرها قرنا من الزمان تبرز على يد (البعض) في شكل صور تعلق على الجدران الملتهبة تنفث الضغينة والبغضاء وتثير العصبيات القبلية. تلك هي الصورة التي افقنا عليها مصدومين مكلومين وقد كنا نحسب بأنها قد صارت في ذمة التاريخ.

كل ما تقدم لن يغرينا بتقديم معالجات سطحية مختزلة ومناشدات عاطفية تتغني بالوحدة الوطنية وتدعوالى ارساء قيم التسامح والمصالحة فما ذلك سوى علاج مؤقت يمسح على الجراح والندوب دون مداواتها بالدواء التي يجعلها تندمل حتى يتعافى جسم الوطن منها بل ان العلاج والدواء والسبيل الى ذلك لن يكون إلا بطرح مسالة (الشخصية الليبية) للحوار المجتمعي الهادف والجاد الذي ينطلق من المشتركات ويحترم الاختلافات ويؤكد على التنوع ضمن دائرة (الكيان الوطني) الواحد.

ودون ذلك لن نجد امامنا على خريطة ليبيا سوي ارخبيل من الرمال الذي تتناثر فوقه جزر معزولة منغلقة على ذاتها تضمر اوتظهر العداء للآخرين متشرنقة في احقاد الماضي رهينة لأوهام التاريخ المتخيل.

ان معالجة هذا الواقع كما اسلفنا يتطلب المبادرة والاقتحام وولوج طريق المكاشفة والتصالح مع الذات وهدم اسوار (التابوهات) وتحرير العقل من كل الموروثات البغيضة لمعالجة واقعنا معالجة حقيقية فاعلة, (هذا الواقع كما يقول المرحوم القويري واقعنا نريد أن نفهمه قد يقف الانسان منا مشدوها امامه أويحاول الهرب تبرما منه ولكن ابدا لم يفكر أحد من قبل تلمسه وإبراز خطوطه منعكسة في الافكار والدراسات وتوضيحها..)
وفي الختام (فهل اسمعت اذ ناديت حياً؟)...

وللموضوع صلة

جمعة عتيقة

إضغط هنا لمراجعة الجزء الأول

 


 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ابو عمر
استاد جمعه --- نعم ما دكرت يعكس حقيقة ما جرى - والمرحوم البكوش عند زيارته الجامعه لم يكن مرحبا به من قبل الطلبهبشكل عام - ولا بدعوته تلك حيث طلبة…...
التكملة
د. أحمد عمار
بروز مفهوم القبلية في ليبيا وتفاعله بالشكل الذي نراه اليوم كان بسبب ما أحدثه زلزال فبراير من فراغ سياسي وأمني، حيث كان أمر حتمي أن يلجأ الكثير إلى القبيلة لملأ…...
التكملة
د. أحمد عمار
بروز مفهوم القبلية في ليبيا وتفاعله بالشكل الذي نراه اليوم كان بسبب ما أحدثه زلزال فبراير من فراغ سياسي وأمني، حيث كان أمر حتمي أن يلجئ الكثير إلى القبيلة لملئ…...
التكملة
صهيب مختار ابوشعالة
ذاب الثلج وبان المرج... وكل من رشح نفسه للمؤتمر الوطنى مُخفياً إنتمائه لجماعة الاخوان، فها قد بان على حقيقتهِ الآن!!....
التكملة
Ali Hamza
Sayyed Jumaa, These are two very imprortant writings, many thanks to you.
I will comment back again when you answer this question. Do you admit to missing an important opportunity…...
التكملة