جمعة عتيقة: دعوة للحوار (3) عبد الحميد البكوش.. والشخصية الليبية 6/5/2014 17:01 جمعة عتيقة: دعوة للحوار (3) عبد الحميد البكوش.. والشخصية الليبية
جمعة عتيقة بحث

حين اطلق المرحوم عبد الحميد البكوش.. دعوته الى الإهتمام بالشخصية الليبية ودفع في إتجاه الإهتمام بها ودراستها وتجديد مفاهيمها.. كان المناخ السياسي في ليبيا يعيش تحت وطأة نكسة يونيو1967 وما أحدثته من صدمة موجعة للوجدان والكرامة والحلم.. فجاء إيقاع هذه الدعوة صادماً أيضاً بل وأضحى ساحة للجدل المشوب بالشك وإستبطان النوايا.. فالرجل الذي جاء الى موقع رئيس الوزراء شاباً في أواخر الثلاثينيات من عمره تفتّح وعيه على خريطة التيارات والحركات والتوجهات السياسية التي تأثر بها شأن أبناء جيله من الرواد الشباب.. كان أول مسؤول سياسي حاول أن يخترق مساحة الواقع التقليدي الذي يفرض على من يتولى منصب رئيس الحكومة.. أن يتحرك ضمن إطاره والذي يرتكز أساساً على الولاء للسدة الملكية والتعامل مع توازنات الواقع القبلي والمناطقي والذي لا يسمح بغير إستعمال أدوات الإدارة البيروقراطية في إدارة الشأن العام.

أحدثت دعوته أنذاك ردود أفعال متباينة.. حيث عدّها التيار التقليدي بدعة سياسية ربما يخفي في ثناياها طموحات شاب يحاول خلخلة وتفكيك بنية النظام الملكي والخروج عن قواعد اللعبة التي توافق عليها السياسيون أنذاك.. وعدّها التيار القومي بتنوعاته دعوة للإنفكاك عما ألفوه واعتادوه.. بل ذهب البعض الى أبعد من ذلك وأعملوا (نظرية المؤامرة) لنبذ هذه الدعوة ومناهضتها.

أما الناس فقد كانوا يلعقون جراح النكسة.. ويعيشون خيبات الأمل وهم يرون الشعارات الكبرى تنهار أمام أعينهم تحت ضربات طيران العدوالذي عاشوا عقوداً وهم يعدّونه (كياناً مصطنعاً زائلاً).

فلم تلقَ هذه الدعوة صدى لديهم.. وأنّى لها أن تلقى ذلك وهم يتمزقون بين نظام شاخ وترهل وأمل غاب وتبدد... كان ذلك هوالمناخ الذي أطلق فيه المرحوم عبد الحميد دعوته الى الشخصية الليبية.. وكان أن ترتب على ذلك أن تلقف نفرمن المثقفين الدعوة وتعاملوا معها من مواقع إنتهازية تتملق صاحب الدعوة من خلال موقعه الرسمي في السلطة.. فجاءت أغلب كتابات هؤلاء مغموسة في حبر الوصولية ولفت الإنتباه لغرض نيل مكاسب شخصية.. وليس أدلّ على ذلك من أنه فور مغادرة صاحب الدعوة لموقعه كرئيس للوزراء.. إنزوت هذه الأقلام وجفّ حبرها وتوارى ركزها وإضمحلّ ضجيجها.. وأذكر أنني كتبت مقالاً في جريدة (اليوم) التي كان يصدرها الإستاذ عبد الرحمن الشاطر عنوانه "الشخصية الليبية هل بلغت أهدافها وحققت مراميها؟" أبديت فيه إستغراباً لهذا الإنزواء والإنكفاء.

والأدهى من ذلك أن بعض ممثلي التيار الوطني قد إعتبروا أن غياب الدعوة وصاحبها نصراً مبيناً دون أدنى حدّ من الموضوعية والإنصاف وذلك في إطار الحراب الشخصي والغيرة السياسية والتشفي البدائي.. وهوالأمر الذي لا زلنا نعاني منه حتى اليوم..!! ثم جاء الطوفان الذي بدد آمالنا وأحلامنا شذراً مذراً وأحال بلادنا الى ساحة للتجريب العبثي والتخريب المدمّر.

وفي سنوات الغربة والترحال إقتربت من عبد الحميد البكوش وإتفقت معه وأختلفت سياسياً تبعاً لإختلاف الأجيال وتفاوت التجارب .. وكان لي معه أحاديث مطولة حول (الشخصية الليبية) والتي ذكر لي فيها بأن التحقيقات التي أجريت معه أثناء فترة سجنه بعد الإنقلاب كانت تتركز في اغلبها حول هذا الموضوع .. وما دافعه لإطلاق هذه الدعوة؟ وهل هناك شيء إسمه الشخصية الليبية؟ وكان المرحوم بين الحين والآخر يردد مقاطع من شعره العذب الذي يتغنى (بذات الرداء الأصفر) كما يحلوله أن يسمي ليبيا....

وعهد الله.. أنا أهواك يا بلدي...
وفي كبدي فراغ موحش أبدي...
الى الشمس التي إنسكبت على الأحداق..
الى الارض التي من شوقها الأشواق...
وعهد الله أنا أهواك يا بلدي...
لأنك لست لي وحدي...
فحضن الأم ما أحلاه...
مزدحماً كعش النحل بالولد...

لقد كانت دعوة البكوش للشخصية الليبية بمثابة الحلم الذي ناكفه المطر واجتاحه التصحر الفكري.. فما أحوجنا اليوم الى أن نطلق هذه الدعوة خاصة ونحن نعيش ما نعيشه في وطن تغوص أقدامه في الرمال المتحركة ويهرب (عنقه نحوالبحر).. تغيب ملامح وقسمات ومفردات وتنوعات (الشخصية الوطنية الجامعة).. هوية تتفكك ولا تتشكّل.. يكاد لا يجمع فيه القوم على شيء سوى تقديم (إستقالة) جماعية للعقل... فهل آن آوان الإستفاقة واليقضة ( والصحووالتجاوز)؟

وللموضوع صلة...

جمعة عتيقة

راجع:

دعوة للحوار (1)... الازمة الليبية وغياب (معني الكيان)
دعوة للحوار (2) حديث حول الشخصية الليبية

 


 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الصادق
ما هي مقومات شخصية كل أمة او شعب ؟
انها بلا شك : اللغة و الدين و الثقافة و التاريخ و الوطن الواحد . فالليبيون لغتهم واحدة في…...
التكملة
خالد المهدي - طرابلس
ان الدعوة لمفهوم الشخصية الليبية الذي عناه المرحوم البكوش عنى اولا وقبل كل شئ وضع اسس وركائز لجميع مكونات الدولة من تعليم وثقافة واعلام ومنابر للعمل على تجسيد كيان وطني…...
التكملة
رجب
لأشك كان البكوش رئيساً للوزارة عندما نادي بالشخصية الليبية ،ولكن كان ذلك كرد فعل لهزيمة 1967 فكانت مشينة لكل العرب ، ولكن البكوش سلبياته ،الم يكن في عهده سجن زملاءه…...
التكملة
الى المعلق عمر
تعليقك فيه الكثير من المغالطات. اولا لابد ان تعرف ان مصطفى عبد الجليل تقلد منصب وزير العدل لسنوات عديده فى عهد القذافي وحتى قيام الثوره وان سيف الاسلام هو من…...
التكملة
عمر
سيدي: اطلقوا العنان للوطنية وليس للشخصية. فالشخصية تكونت لكن تحتاج الى وعاء يحملها وتنموا وتترعرع فيه. وانه الوطن والوطنية. الشخصية الليبية اليوم لاتعني الوطنية. انظر سيدي كم من متغرب رجع…...
التكملة
يونس الهمالي بنينه
أشكرك دكتور جمعة على كل مقالاتك وبالخصوص عبد الحميد البكوش والشخصية الليبية. أساس المشكلة التي تُعاني منها ليبيا هي عدم توفر الإستقرار لسياسي ومن ثم غياب استراتيجية هدافة لتطور الوطن. وبطبيعة…...
التكملة
نبيل أبورزيزة
أحد أهم أسباب ضياع الحلم (الدولة الليبية) من عهد الملك الصالح مرورا بزمن (الهبال) ووقوفا عند الثلاث سنوات من (وين كنت إنت إيامات الجبهة؟؟),هو بكل تأكيد عدم إلتفافنا وتوافقنا حول…...
التكملة
حسام الدين
سرد جميل، لكن عمل السيد البكوش كان في سياق تاريخي سابق. ما هي المعطيات الحالية و كيف يمكن تناولها؟...
التكملة