محمد بن نصر: تصحيح المقدمات الخاطئة! 10/9/2014 08:07 محمد بن نصر: تصحيح المقدمات الخاطئة!
محمد بن نصر بحث

هل تقود المقدمات الخاطئة إلى نتائج غير خاطئة؟.. بالطبع لا! البلبلة التي يعيشها الليبيون اليوم مصدرها مقدمتين خاطئتين: 17 فبراير ثورة، وليبيا دولة! نحن لا ثورة ولا دولة؛ نحن فوضى. وهذه الفوضى يراها الليبيون بمنتهى الوضوح في عالمي الاشياء والاشخاص، لكنهم لا يرونها في عالم الأفكار... في هذا السياق تهدف هذه الورقة إلى معالجة ليبيا كأزمة وليس كدولة أوثورة. بكلمات أخرى: هذه الورقة بحث نظري هدفه معالجة لماذ لم تكن 17 فبراير ثورة مكتملة الاركان، ولماذ لا يمكن ان تكون ليبيا بوضعها الحالي دولة (لا فاشلة ولا غير فاشلة). فإذا اقتنع القارئ بعرضي النظري - وهوالمأمول- عندها سأتحول إلى كيفية معالجة "الأزمة" بشكل عملي.

أولاً: الثورة والدولة في ليبيا!

لا يمكن اطلاق مصطلح "ثورة" على أي حدث، ولا يمكن اطلاق مصطلح "دولة" على أي كيان. للثورة والدولة اركان يترتب عن تخلفها أن يصبح الحديث عن "ثورة" أو"دولة" مجرد ثرثرة لا طائل من وراءها:

1- الثورة في ليبيا، نظرياً لكل ثورة ركنان: مادي وهوعنصر العنف المفضي للتغيير الذي كان مستحيلاً بشكل سلمي؛ ومعنوي، وهوالشق النظري الذي يسبق المادي زمنياً فيمهد له الارضية الاجتماعية المتطلعة للتغيير؛ وربما لم تكن عندنا ثورة، غيرانفجار العنف، لغياب أي تطلع نظري لمشروع جديد!

لنرى التفاصيل:

الركن المادي للثورة؛ وهوالعنف المفضى إلى اجتثاث النظام القديم. وهنا لا اعتقد أن بإمكان أحد اليوم أن يشكك في أن "النظام السابق" لم يتم اجتثاثه بعد، بل لازال يعربد عبر المتعاطفين معه في الداخل ورموزه الفارين في الخارج. هولاء جميعاً يعملون جاهدين على نشر الاحباط والرعب، بكافة الوسائل، لاقناع الليبين بان النظام السابق أفضل. هولاء هم القوى المضادة لفكرة الثورة، أوبتعبير معاصر "الثورة المضادة"، التي تحقق نجاحات على مستوى "الوعي الجماهيري" المستعد لمقايضة الأمن بالحرية.

•  الركن المعنوي للثورة؛ ويتمثل في تصور نظري يتم وضعه موضع التطبيق كبديل للنظام المجتث. بالنسبة لهذا الركن، لم يكن لليبيين، عشية 17 فبراير، تصور معين لما بعد القذافي. لقد انفجروا غيضاً عليه ومقتاً له ولنظامه؛ هذا كل ما في الأمر. صحيح أن هناك باستمرار من يتحدث عن الحرية والديمقراطية، والدولة المدنية، ولكن دون أن تعكس هذه المصطلحات وعياً مشتركاً لمضامينها، وإرادة جماعية لوضعها موضع التطبيق. وهنا تتضح ضحالة الرؤى عند المتصدرين للمشهد السياسي في ليبيا، الذين وضعوا احقادهم القديمة والجديدة، ومصالحهم الانية والمستقبلية على رأس قائمة أولوياتهم، حتى وإن كان استبعاد المنافسين أوتحقيق الطموح الشخصي لا يتحقق إلا بخراب البلاد! ولا يسري هذا في حق الاغرار الذين جذبهم بريق المناصب السياسية فقط، وإنما يشمل خبراء السياسة والاستراتيجيا الذين يصرون أن يكونوا هم من يرفع راية "الوطنية" ولوعلى أشلاء "الوطن".

2- الدولة في ليبيا. لا دولة بدون رجال دولة والعكس صحيح: بعض السياسيين الليبيين يظهر بمظهر سماسرة سوق التبن، ويخطب، في البرلمان وفي الفضائيات، كما لوكان في سوق التبن. لا يمكن إعفاء النظام السابق من نصيبه في المسؤلية عما وصل إليه القبح عندنا في المظهر والمنطق، غير أن لوم النظام السابق وحده لن يحل المشكلة. على السياسيين الليبيين أن يكونوا القيادة التي تخرج بالليبيين من الاوحال اللفظية التي مرغهم فيها القذافي حتى اعتادوها، وظنوا أن لا عيش بدونها. بعد ذلك عليهم أن لا يدخلوا السياسة من باب القانون، ولا أن يزجوا بالقضاء في المعركة السياسية. السياسة هي القدرة على معالجة ما لا يعالج بالقانون وحده ولا يحسمه القضاء دون الزج بالمؤسسة القضائية في الصراع السياسي. في عهد الطاغية تحول القانون والقضاء إلى ادوات سياسية لتصفية الخصوم، وهذا ما قلل من أهمية القانون كقواعد ملزمة للحاكم والمحكوم، وزعزع الثقة المفترضة في نزاهة القضاء. فما لم تنتبه السلطة التشريعية إلى ضرورة الموازنة بين دورها التشريعي ودورها السياسي في المرحلة الانتقالية، وما لم يرفض القضاء التدخل في الصراع السياسي، ستتفاقم الاخطاء والمخاطر إلى أن تضيع البلاد، وهذا هوصلب الأزمة.

ثانياً: لـيبيـا الأزمـة

سأبدأ بتحديد مفردات الازمة أولاً، ثم انطلق إلى امكانية معالجتها فيما بعد.

1- مفردات الازمة: تتكون الازمة في شكلها الحالي من شرعية بدون قوة وقوة بدون شرعية.

• شـرعيـة بـدون قـوة. انتخاب الشعب الليبي لمجلس النواب هوأساس شرعيته. غير أن النواب ارتكبوا خطأً سياسياً قاتلاً عندما اعتقدوا أن اكتساب الشرعية يجعل منهم آلهة تحيي وتميت. لقد اعتقدوا أن بإمكانهم الحكم على الدروع والكتائب بالإعدام بجرة قلم في طبرق. هل تصور النواب الاكارم أن المسلحين سيقبلوا أن ينفذ فيهم حكم المجلس (بالإعدام) وسلاحهم في أيديهم؟ ربما كان استبعاد المجلس لقبول الدروع والكتائب تنفيذ قراره طواعية هوما عجل بطلبه التدخل الدولي. لقد كان طلب التدخل الخارجي الخطأ الثاني، أوالعار، الذي افتتح به المجلس أعماله. لا مجال هنا للمقارنة بين ما يجري الآن من تهديد لحياة المدنيين وما جرى عندما شرعت كتائب القذافي في تنفيذ وعيده بإبادة بنغازي إبادة جماعية تامة، تصل إلى درجة محوالمدينة من على الخريطة. أن تموت نفس واحدة ظلماً أكثر مما يطيق إنسان مثلي، غير أن طلب التدخل الخارجي غير ممكن لحل كل أزمة داخلية. واليوم تتكرر على مسامعنا مقولة أن "المجتمع الدولي" سيعترف بمن يحسم الأمور على الأرض. وهذا إغراء ماكر للاطراف بالاحتكام إلى القوة المسلحة، وهوتطبيق ذكي لفكرة "الاحتواء المزدوج" التي أذكت نيران الحرب بين ايران والعراق لثماني سنوات، ودون طائل سوى قتل مليون إنسان.

انعقاد مجلس النواب في طبرق ليس كافياً للتشكيك في شرعيته التي اعترفت بها الكثير من الدول، وإن تحفظت على قراراته الخاطئة. انعقاد المجلس في طبرق مخالفة قانونية تصلح لجدل فقهي في صالونات السياسة أوأمام القضاء، لكنها ليست من النوع الذي يهدد شرعية المجلس، الذي قد يجد نفسه، بالرغم مما سلف، منبوذاً ومطالباً بالرحيل، مثلما حصل للمؤتمر الوطني الذي اخترناه في انتخابات 7/7، التي أذهلت العالم بالهدوء الذي انتظم فيه الخارجين من الحرب أمام صندوق الاقتراع. على المجلس أن يعلم أن الانتخاب لا يعطي صكاً على بياض، وأن الشعب لا يصبر طويلاً على من يعبث بمصيره. وهنا نصل إلى خطأ مجلس النواب الثالث، وهوالانحياز لعملية الكرامة بالبقاء في اقليمها، والتنسيق معها، وهذا الخطأ بالذات يهدد مشروعيته بشكل خطير لانحيازه إلى عمل عسكري يقوده انسان مغامر لا صفة له:(لواء متقاعد يهددنا بالعودة إلى فرجينيا). ليس من الحكمة أن يربط مجلس النواب مصيره بمصير إنسان يتأهب لمغادرة البلاد.على مجلس النواب أن يشق طريق العودة إلى بنغازي بالمفاوضات. ووفق  خارطة طريق عليها تصور لمهام سياسية محددة مثل التفاوض مع الثوار ليكونوا نواة الجيش الليبي، وجمع عقلاء الفرقاء في حوار سياسي، وهوالموضوع الذي سأعود إليه بعد قليل.

• قـوة بـدون شرعيـة. على الجانب الآخر لم أكن أتصور أن بإمكان الليبيين أن يحيوا الميت: (المؤتمر الوطني العام). القوة المسلحة تعزز المكانة التفاوضية للدروع والثوار لكنها لا تحيي الميت. على الاقوياء في ليبيا، ومهما كان أساس قوتهم (شرعية أوسلاح)، دعوة شركائهم الضعفاء إلى حوار هدفه بناء مؤسسات قوية لضمان مستقبل أفضل. لقد قاد ديجول فرنسا المنتصرة للدخول في شراكة مع ألمانيا المهزومة، لبناء أوربا جديدة وموحدة، بدل أوربا القديمة المتناحرة. بامكاننا بناء ليبيا بحوار صريح بين الرؤى المختلفة لكيفية بناء ليبيا الجديدة، ودون الحاجة للدخول في صراع مسلح يهلك الحرث والنسل.

2- الحوار هوالحل: ما أراه الحل اليوم ليس أي الحوار، وإنما حوار من نوع خاص، إنه حوار الخائفين. من هم الخائفون؟.. إنهم الاسلاميون والليبراليون معاً!

• الاسلاميون: في تهديدات اللواء المتقاعد، ومن لف لفه، يتراى للإسلاميين شبح الزنازين، والقتل والتعذيب، والمحاكمات الجائرة والاحكام بالإعدام والسجن المؤبد، باسم الشعب أوباسم الثورة! وماذا عليهم أن يتوقعوا من رجل لا صفة له سوى "المتقاعد"، وهويهددهم بالقبض عليهم ومحاكمتهم إذا حلوا ببرقة، حتى وإن كانوا ممثلي الشعب في المؤتمر الوطني العام أوفي الحكومة. هل تنازل الشعب الليبي عن برقة للواء؟ أم أن اللواء اكتسبها، مثل القذافي، بوضع اليد من خلال بيان مذاع..! لا ألوم الاسلاميين عن فزعهم ولا الليبيين عموماً عن توجسهم. بل أحسبهم في حالة دفاع عن النفس، والحرية التي اكتسبت بثمن باهض. لقد ظهر لنا شبح القذافي المفزع من جديد، نعوذ بالله من شره.

• الليبراليون: وهولاء هم الاخرون في فزع شديد من شبح العنف المتسربل بعباءة اسلامية. وأنا أفهمهم، وإن كان بإمكاني أن ألومهم على التطرف في رؤية بعضهم للحلول. اولاً؛ أنا لا ألوم على الليبراليين خوفهم، لأن أثمن شيء عند الانسان، بعد حياته، هوحريته. وفي الخطاب الاسلامي المتشدد ما يوحي بإن الحياة والحرية في خطر، وأكبر مصدر لهذا الايحاء هو"التكفير". لكن، وثانياً؛ على الليبيراليين أن يدركوا أن التعسف في إلقاء تهمة الارهاب على كل الاسلاميين هو"التكفير المضاد". تهمة "الكفر" وتهمة "الارهاب" لهما نفس الهدف: اهدار دم الضحية. أكبر من استخدم تهمة الارهاب لاهدار دم وكرامة ضحاياه هونظام بن علي في تونس. وهناك للأسف من يحاول تعميم "التجربة" رغم اخفاقها. وما أخفق فيه بن علي ليس سفك دماء ابناء حركة النهضة، وإنما كان اخفاقه في تحويلهم إلى العنف المسلح، أي إلى ارهابيين يجوز سفك دمائهم أينما وجدوا، أومطاردين على مستوى العالم كله، وليس تونس فقط. سأكون على خطأ لوقلت أن الكفر والارهاب غير موجودين، لكن الخطأ هوإعلان حرب عالمية على "الكفار" أو"الارهاب"، لأن الحرب تجري على أرضنا، ونحن وقودها سوى كانت على "الكفار" أوعلى "الارهاب"، وبذا ارجوا أن ندرك أن الحرب هي في حقيقتها على الاسلام، فعلى أرضه تجري، وثمنها أمواله ودماء ابناءه. وما يؤسفني ليس عدم ادراك بعض المسلمين لهذه الحقيقة، ما يؤسفني هوأن يكون بعض الكفار أكثر إنصافاً من المسلمين في باب تصنيف جماعة الاخوان المسلمين. ففي الوقت التي يصف ويصنف فيه بعض المسلمين –دولاً وافراد- الحركة بالارهابية، ترفض ذلك دول غير مسلمة، لأن التصنيف سياسي لا هدف له إلا إبادة أعضاء الحركة، أوتحويلهم إل حمل السلاح بحيث يحل بهم ما حل بالقاعدة.

على الاسلاميين أن يدرسوا نجاحات النهضة في تونس، وأهمها نبذ العنف ورفض الانجرار إليه. وعلى الليبيراليون أن يدرسوا أخفاقات بن علي، الامنية وغير الأمنية، في تونس. نجحت تونس عندما تجاوزت ارادة الاقصاء، وجلس جميع الفرقاء للحوار والشراكة، وذلك ما علينا فعله في ليبيا. قد لا يكون ذلك سهلاً، ولكنه ممكن!

محمد بن نصر (أرشيف الكاتب)


 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مسعود محمد
السيد محمد بن نصر تكلم علي ان في المشهد الليبي الان جهتين هما شرعيه بدون قوه ويقصد مجلس النواب وقوه بدون شرعيه والان يمثلها الاسلام السياسي وتظهر بوضوح في قوه…...
التكملة
عمران
اني مش عارف اسطوانة الحوار هده حوار بين من ومن الشعب اختار من يمتله الدي هو البرلمان وغيره هم الانقلابيون المتمردون علي نتائج الانتخابات هم اولئك الجماعات الارهابية كم صنفها…...
التكملة
مصراتى
شكرا جزيلا للكاتب ، الذى كتب بواقعية ورؤية ليبية أصيلة قل من يكتب من خلالها ، الحل هو الحوار فى ظل احكام الشريعة كما نقلت عن الائمة المجتهدين لتبتعد عن…...
التكملة