المهدى يوسف كاجيجى: فحيح الأفاعي 8/10/2014 16:30 المهدى يوسف كاجيجى: فحيح الأفاعي
المهدي يوسف كاجيجي بحث

فى جريدة الحرية.. كان لدينا باب يومى، على الصفحة الاخيرة يحمل اسم  "ثرثار"، يشارك فى تحريره معظم المحررين، وتتم كتابته بشكل "نميمة" سياسية واجتماعية: "يقال إنّ" و"يشاع أنّ"، حتى لا تتحمل الجريدة ورئيس التحرير المسؤول العقوبات الجنائية المترتبة عن ذلك . كان هذا الباب من اكثر الأبواب قراء.

نشر خبر فى احد الايام  يقول (فى مستشفى طرابلس المركزى، تجرى هذه الايام عملية صيانة وتنظيف، يقال ان السبب هو تعرض مسؤول كبير بوزارة الصحة لوعكة صحية، ندعوا الله له بطول الإقامة، حتى يستفيد بقية المرضى، ومصائب قوم عند قوم فوائد) . فى اليوم التالى، تلقينا دعوة للمثول لدى نيابة المطبوعات، للتحقيق معنا بتهمة الإساءة والتشهير للسيد وزير الصحة، الذى كان وقتها السيد عمر جعودة رحمه الله. فى نفس الوقت، تلقيت مكالمة هاتفية من الاستاذ احمد الصالحين الهونى وزير الاعلام رحمه الله، كان الرجل أثناءها معاتبا بشدة على ما نشر وخاصة فقرة "الدعاء بطول الإقامة"، واقترح لملمة الموضوع ومرافقته لزيارة السيد جعودة.

دخلنا على الرجل فى المستشفى: حجرة عادية، لا تختلف عن بقية الحجرات. صافحته، فبادرني بصوت أبويّ: "يا بني! ماذا فعلت لكم ؟ حتّى تدعوا لي بطول المرض،  فعلى الأقل حبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك ". شعرت يخجل لا حدود له وعرفت وقتها معنى قسوة الكلمة وتأثيرها الجارح على النفس. تدخل الاستاذ احمد الصالحين بسرعة بديهته وحلت الابتسامات وعمّت المكان، فاقترح الاعتذار للسيد الوزير كتابة على صفحات الحرية . أبدى الرجل الكريم  رفضه لأي اعتذار واعتبر الزيارة من ابن لأبيه كافية، وقال لي فى نهاية اللقاء، تذكر يابني قول الشاعر: جراح السهام لها التئام  ***  ولا يلتئم ما جرح اللسان. كان درسا... لازمني طوال حياتى المهنية

فحيح الأفاعي

تذكرت تلك الايام وانا أتابع المشهد الإعلامي الليبى ومعالجته الخلاف السياسى القائم بين الأطراف المتنازعة، عبر الوسائل المتاحة، والأكثر تأثيرا، وهى القنوات الفضائية، ومواقع الاتصال الاجتماعي. والملاحظ ان معظمها اتخذت مواقف آنقسامية وانحاز كل فريق للحزب او الجهة الممولة له، بمنظور الرؤيا بعين واحدة "على رأى الاستاذ حسن الامين"، وشمل ذلك صياغة الخبر فى النشرات الإخبارية ، البرامج الحوارية والتى يتم أعدادها مسبقا  بين المذيع  والضيوف . الكل يكشّر عن أنيابه، والكل يمضغ لحم الاخر بلا رحمة. الغريب لم يراع احد منهم حالة التمزق الذى يعيشه الوطن، بل وكأن الكل يتبارى على توسيع رقعة التمزق، وضخ الملح فى الجرح الليبى النازف، فبدت أصوات المشاركين  كفحيح الأفاعي تبث سمومها، حتّى أنّ ما يطلق عليه اسم مؤتمرات او لقاءات او دعوات للمصالحة، يتم التشكيك فى نواياها قبل انعقادها.

الخطاب الدينى لم يسلم من التفرقة، وتحولت المنابر فى بيوت الله إلى قواعد هجوم كل طرف على الطرف الاخر، ووُظِّف النصّ الدينى وتفسيره بما يتناسب مع أهداف كل فريق وتوجهاته الفكرية ومصالحه الدنيوية بطريقة "لنا غفور رحيم ولكم شديد العقاب" وكان اخرها خطبة العيد التى كانت مخيبة للآمال .

الامل.. فى الكلمة الطيبة

للكلمة سحرها ان كانت صادقة، وحكيمة، منطلقة من قلب عاشق للوطن، يؤمن بحق المواطنة للجميع بما لها وما عليها . نحن نمرّ بمرحلة انحدار نحو المجهول بالغة الخطورة، وطن يكون او لا يكون، ميراث تبعثر، فتستطيع الكلمة البلسم ان تجمع ما تفرق رغم الجراح، كلمة تجمع ولا تفرق، ترى فى ليبيا الامل والمستقبل، والوطن الذى ورثناه موحدا، ودينا علينا ان نورثه موحدا. نحن بحاجة الى كلمة تدعو الى الحب،   وليست فحيح أفعى  تنشر السموم والموت.

انا لست حالما يا سادة، فكلنا يعرف ان من يملك القرار هو الذى يملك السلاح، وانا اعرف أيضاً ان عصر فض الخلافات بقصعات "الرز واللحم" "وعليّ الطلاق"  قد ولّى. وانا اعرف أيضاً ان ثقافة عين الغنيمة هى السائدة الان، وحجم الخلاف بين الفرقاء قد تحوّل الى جبل من الكراهية من الصعب إزالته بواسطة حسن النويا، وكلنا نعرف ان الصراع لم يعد ليبيا صرفا، بل تدخلت فيه قوى اجنبية متصارعة المصالح، وبالتالى اصبح الحلّ معقدا ولكننا نجزم أيضاً ان التركيبة الليبية، عبر كل الحقب والعصور، تعرضت للكثير من العواصف العاتية، لكنها ظلت متماسكة بفضل النسيج الاجتماعي المتشابك المتداخل، الذى ظلّ صامدا رغم الاختلاف العرقى ومساحة الارض الكبيرة المترامية الأطراف، والتعداد السكانى الذى يقل عن تعداد حيّ شعبى فى عاصمة لأحدى دول الجوار، ولكننا نظل البلد الوحيد فى الدنيا، الذى يكفى ان يذكر الشخص فيه لقبه العائلى لتعرف الى اين تمتد جذوره.

هذه التركيبة الفريدة، تؤكد حقيقة غائبة عن أذهان المتصارعين، وهي أن ليبيا لن يستطيع ان يحكمها فريق واحد مهما كانت قوته، وان الحل الوحيد مهما طالت مدة الصراع، سينتهى بجلوس الجميع، على مائدة وإحدة تحت مظلة ليبية، يحكمها القانون والأعراف الاجتماعية، فلا مفرّ من ذلك. وإذا أصرّ المتصارعون على السلطة على اعتقادهم الواهم  فيعمل الكلّ على إقصاء الاخر،  والانفراد بالسلطة، فهذا يعنى بداية الطريق الى نهاية وطن.

المهدي يوسف كاجيجي

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
نورالدين الثلثي
لك التحية عزيزي المهدي على هذه الإيماءة إلى الزمن الجميل. رحم الله رجاله....
التكملة
غيث سالم سيف النصر
حياك الله استاذ مهدى ورحم الله القامات التى اشرت اليها. نتفق معك على ان البندقية وان طال زمن صليها فانها لن تصل بالبلادالى حل, وانما يتحقق الحل بجلوس الجميع الى…...
التكملة
مفيد الزوبى
مصيبتنا اننا ابتلينا بسياسين لأهم لهم الا الوصول للحكم وبأمراء حرب لا يشفى غليلهم الا منظر الدم وبمحللين وأعلاميين هم دمى واراجيز وأبواق تنفذ السموم بغباء غير مسبوق كما ابتلينا…...
التكملة
احمد فرحات المهدي
الكلمة الطيبة مع فراعنة اليوم لا تزيدهم إلا تعنتا وقسوة .... نعم لم تعد للومة الاجتماعية لها وزنها عندهم .... التربية التي تلقوها قسوة + كبت +سجن لم يعيشوا حياة…...
التكملة
ليبيه وراسي فوق
سيدي قالوا زمان (ما ينفع في البائد ترقيع) خساره والف خساره دخل بين أبناء وطني الفتنه والفرقة وأول سؤال يوجه لك انت منين فترد وتقول ليبيه يرد ويقول نعرف انت…...
التكملة
محمود الفيتوري
رحم الله السيد عمر جعودة ورحم الله رجال ليبيا الأوائل الذين بنوا ليبيا بإخلاص وبحسن النوايا وبالكلمة الطيبة .. فعلا أستاذ المهدي .. الأمل في الكلمة الطيبة .. وهذا هو…...
التكملة
سالم عبد الله الهوني
نشاركك استاذ المهدي القلق على وطننا الجريح، لقد انكفأ الأخيار ، وتمادى الاشرار في بلادنا ، وتصحرت فيه قيم الحوار وقبول الرأي الاخر ، وتفننت فيه وسائل وأساليب الافناء الممنهج،…...
التكملة
ابو عمر
استاد المهدى --- هدانا الله واياكم سواء السبيل - السيد الوزير اجعوده رحمة الله عليه - اثرت كلماته فيك الى اليوم - وبها نعى اهمية الكلمه الطيبه - اليوم ليس…...
التكملة