د. فاطمة الحمروش: حذاري: فلا يُلدغُ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرَّتين (3) 8/10/2014 22:14 د. فاطمة الحمروش: حذاري: فلا يُلدغُ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرَّتين (3)
الليبية بحث

إذا كانت هناك أيّ هدفٍ مرجوٍّ من حوار الليبيين، فالحوار الجدي والجاد هو الحوار الوطني وليس السياسي، وليس النفعي والمنفعي، وهو الحوار الذي يعمل علي تجاوز جراح الماضي والحاضر والعمل علي رأب الصدع القائم لأجل بناء المستقبل، الحوار الذي يُنصَف فيه الليبون، ويهدف إلي إنهاء معاناتهم، الحوار الذي يضع فيه المتحاورون مستقبل الأجيال القادمة نصب أعينهم.

كما أنه لابد من التمييز بين مباديء الحوار ومباديء المصالحة وعدم الخلط بين الإثنين، فالحوار لا يعني المصالحة، وليس من المنطق أن يتبني أي منهما من لا يزال يستخدم قوة السلاح لفرض رغباته.

إن الحوار يتم فقط علي أسس ٍمبنيّةٍ على قواعد متفقٌ بشأنها مسبقا، ومن أهم هذه القواعد إزالة مظاهر التسلّح، مع بسط الأمن والأمان، وإعادة تفعيل السلطات القضائية المعطّلة، مع رفع الحصانة السيادية عن كل المكونات في الدولة ماعدا مجلس النواب، إضافة إلى شرط إلتزام الأطراف المتحاورة بما يتم الإتفاق عليه خلال الحوار.

ومن الأهمّية أيضاً يكون هناك إتفاقاً عاما بأن أرض الحوار الليبي لا تكون خارج ليبيا، والمشاركة الدولية لا تكون إلا في إدارة الحوار وليس لأجل الوصاية.

كذلك فإن الحوار الليبي الليبي، لا يصح إلا أن يكون بمبادرة ليبية وطنية صرفة بعيدة عن الأجندات المسيسة، والتطلعات والإرتباطات الإقليمية والدولية، كما يجب أن تُلزَم جميع الكيانات السيادية الخارجية بالتوقف عن التدخل في الشؤون الليبية، وأن تكفّ عن دعمها للكيانات خارج نطاق شرعية مجلس النواب المنتخب، الأمر الذي لا يختلف إثنان في أنه تدخّل سافر في الشؤون الليبية، وعاملا أساسياً في شق الصف الليبي وإفشال أي مساعى أو جُهودٍ تهدف إلى الإصلاح ورأب الصدع والنهوض بالدولة الليبية.


*******

وبعد، فمن خلال متابعة الأحداث في ليبيا، وبالتحديد منذ فترة الإنتخابات البرلمانية، وما تلاها من تطورات متسارعة على المستويين المحلي والدولي، تتّضح معالم التغييرات والتقلّبات في التوجهات الدولية، وذلك تفاعلا مع تسارع التطورات التي تجري على الأرض بليبيا، وقد انعكس ذلك في التصريحات الأخيرة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي فيما يخص الموقف القادم منها، مع تراجع واضحٍ لبعضها، أو تردده، في عملية تحديد هوية مرتكبي الإرهاب ومموليه وداعميه في ليبيا، إضافة إلى الإجماع بأن المخرج الوحيد لليبيا من إستمرار واستفحال الحرب الأهلية والإنقسام، هو إقامة الحوار الجاد والفاعل، تحت إشراف دولي كرقيب وضامن لتحقيق الأهداف المرجوّة من الحوار، وذلك بفرض إلتزام الطرفين بالإتفاقات الناجمة من جلسات الحوار.

إن جميع المبادرات والدعوات التي إنطلقت منذ أن بدأت بوادر التصدّع تظهر في البنيان الليبي، حتى قبل سقوط النظام في طرابلس، أكّدت بدون أدنى شكّ بأن الأمن والسلام وتحسين المستوى المعيشي للمواطن هما المطلب الأول والأساسي لكافة أبناء الشعب الليبي، وبالفعل فقد أحرزت أغلب هذه المساعي نجاحات متنوّعة، شجّعت على المزيد من الدعوات الأخرى للحوار على المستويين المحلي والدولي، وكوّن كل مجهودٍ سابق أساسا أقوى للذي تلاه.

ولذا فإنه قد أصبح من البديهي والملحّ، في هذه المرحلة، أن يتم ضم جميع هذه الجهود الجبّارة وتوحيدها تحت مظلة واحدة لتكون في مجملها خطوةً ممتازة وفاعلة وقوية لإنهاء الإنقسام القائم بين هذه المبادرات أولا، إضافة إلى تحقيق الهدف المشترك لها جميعا، ولمّ شمل المجموعات الأكبر والمستهدف الأول من قِبل كل برنامج على حدة، ألا وهو الشعب الليبي بكافة أطيافه وتوجّهاته.

وبما أن لجأناً ومؤسساتٍ وهيئاتٍ متعددة، على المستوى العالمي والمحلّي، وحكومات دولٍ أيضاً، قد أظهرت تأييدها للحوار الوطني الليبي، وبعضها أعربت عن رغبتها في قيادة الحوار أو الإشراف عليه، فإننا نرى أن جميع هذه الجهود وصلت إلى نقطة إلتقاء واحدة، حيث أنها قدّمت في مُجملها، الأساس المتين للحوار الحقيقي والشامل.

وعليه فإننا نتوقع أن ينتج من هذا التوافق والإتحاد، عملٌ ينهي التفتت الحاصل في النسيج الليبي، ويؤسس لبداية صحيحة في بناء الدولة المنهارة.

وإذ نتقدم بالشكر العميق للمجتمع الدولي على إظهار حرصه على أن يعم الأمن والسلام ربوع ليبيا، ولإحقاق الحق لأهله، فإننا نود أيضاً التأكيد على أن الدولة الليبية جزء لا يتجزأ من المجتمع الدولي، ورغم هشاشتها خلال هذه المرحلة الإستثنائية من تاريخها، فإنها لا تزال دولةً ذات سيادةٍ مستقلّة، تخوّلها الصلاحية القانونية والأخلاقية لاتخاذ القرارات والكلمة الأخيرة في شؤونها الخاصة والعامة.

وعليه، فإن الشكر للجميع يظل واجباً، ونقترح مع هذا الزخم، أن تتولى الدولة الليبية عملية تنظيم هذه المساعي الطيبة، وجمعها في إطار واحد يخدم المصلحة الليبية عامة، وينظّم مسار العمل، ويوفّر له المناخ والميزانية، ودعمها بالعلاقات الدولية الصحيحة، وذلك من خلال القنوات الرسمية للدولة الليبية، وليس عن طريق تعاملات فردية تتجاوز سيادتها.


*******

المقترح:

أقترح أن يقوم مجلس النواب بتوجيه كلمة إلى شعب الليبي وتلاحم ذلك مذكرة موجّهة إلى الإمم المتحدة، تبيّن السلطات الليبية في كلاهما عزمها ورغبتها في تشكيل لجنة "راعية" للحوار الوطني الليبي، على أن تتكون هذه اللجنة من جميع مؤسسي المبادرات التي قُدِّمت من الأطراف الليبية وغير الليبية.

أما من الجانب الدولي، فإننا نقترح أن تطلب ليبيا من المجتمع الدولي أن ترشّح كل دولة من الدول المجاورة لليبيا عضوا واحدا لهذه اللجنة، بما في ذلك دول شمال البحر الأبيض المتوسط ودول الطوق، وهذه الدول بالإسم هي: مصر، تونس، الجزائر، تشاد، النيجر، السودان، المغرب، مالي، اسبانيا، فرنسا، إيطاليا، اليونان، قبرص ومالطا.

كذلك نرجو من السلطات الليبية أن تطلب من كل من هيئة الآمم المتحدة والإتحاد الأوروبي والإتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية بتكليف مندوب خاص عن كل منها للمشاركة في اللجنة المشرفة على الحوار كمراقب، على أن تشرع ليبيا بتشكيل هذه اللجنة والإعلنة عنها من طرفها، وتحديد موعد ومكان الإجتماع... فالمبادرة بالحوار حق أصيل لليبيا، وهي المسؤول الأساسي وصاحب المصلحة الأولى.

نقترح كذلك بالتلازم مع هذا المقترح، أن تتقدم الدولة الليبية للقضاء الليبي وللأمم المتحدة، وعلى وجه السرعة، بالتالي:

1- قائمة مرفقة بمستندات الإثبات للأسماء المتهمة بزعزعة الأمن القومي الليبي وأمن المنطقة، أو باشتراكها في إهدار المال العام والفساد وغسيل الأموال، أو باقتراف جرائم ضد الإنسانية، لتقديمهم إلى المحاكمة العادلة، وللتنبيه عن عدم التعامل معها كجهات ذات صلاحية.

2- تقديم قرار مجلس النواب بإقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي وتعيين نائبه بديلا عنه، وتعميم القرار على الدول التي يتعامل معها المصرف، حتى يلغى منها توقيعه والتعامل معه بصفته ممتنعا عن الإمتثال للقرار ومتمردا على قرار الجسم الشرعي للدولة الليبية، وتبيان هذا الجرم صراحة، لما له من تداعيات خطيرة على المستوى الدولي في حال  قبول توقيعه، والذي يعتبر لاغيا منذ صدور قرار إقالته، ومن ثم عدم صلاحيته في التعاملات الدولية.

3- تقديم قرار الحكومة بإعادة هيكلة مجلس الوزراء إلى الأمم المتحدة، مع إيضاح إسم المخوّل بالتوقيع على تعاملات المؤسسة الوطنية للنفط في التعاملات المحلية والدولية، مع إرفاق قرار إلغاء وزارة النفط، والتعامل معها كالمؤسسة الوطنية للنفط. 

نحن على ثقة بأن هذه الإجراءات، ستنهي مصادر القلق العام، المحلي والدولي، وبها تحدد الجهة صاحبة القرار بالدولة الليبية، وكذلك فلن يتزعّم الحوار أو يشارك به إلا الشخصيات التي ليس عليها جدل، وسيتم الفصل في الشخصيات التي عليها جدل بالقانون، ومتى تنتهي الشكوك بخصوصها سيحق لها ما لها وما عليها، وفي هذا ما سيرضي جميع الأطراف المتحاورة، وسيقطع الشك باليقين، ويزيل أي شبهات لا تصب في الصالح العام عن أهداف ونتائج الحوار. هذا من الجانب المحلّي، أما من الجانب الدولي، فإن ما يتم تداوله عن رغبة بعض الأطراف الخارجية في تصفية حساباتها ضد بعضها باستخدام برنامج الحوار الليبي لصالحها، لن يكون وارداً بتاتا في وجود لجنة جلّها من الليبيين، وبمشاركة جميع من دَعَوْا للحوار من الدول المجاورة أو غيرها، حيث سيكون الكل رقيباً على الكل، وسيجتمع الجميع على هدف واحدٍ فقط لا اختلاف فيه، وهو إنجاح الحوار الليبي بدون تحقيق مصالحٍ جانبية أحادية، مع حفظ التوازن في المصلحة العامة، وحسن العلاقات بليبيا.
والله الموفق.

راجع الحلقات السابقة بأرشيف الكاتبة
08/10/2014

Dr Fatima Hamroush                                                               
FRCS(Ed) Ophth, DO, MBBS
 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الرحيبي
بارك الله فيك على جهودك الواضحة من أجل خدمة ليبيا من خلال مقالات عديدة مسؤولة كلها فائدة لمن يرغب في ذلك..أرجو أن يجد مقترحك آذان صاغية وتؤخذ في الحسبان كل…...
التكملة
Naser
بالله يا دكتوره ما رأيك في القعقاع والنوااصي لكي يفهم الشعب الليبي اما النصائح والمصالحة والوطنيه فهذا ما يسمعه من كل محاضر سؤالي لكي افهم مصداقية الكاتبة...
التكملة
عمر
ستحكم المحكمة بعدم الجستورية لانها في مرمى النار وهي لم تحكم بعدم دستورية قانون العزل السياسي بالرغم من عدم دستوريته. الخوف هو من سيحكم في ليبيا وهو من سيقرر الحكم…...
التكملة
منير
 خطوات جيدة من الكاتبة لمعالجة حوار ليبي على أسس سليمة , أرجو أن تجد هذه السطور أذان صاغية لدى مجلس النواب الشرعي والحكومة المنبثقة عنه  وبخصوص الرد على تعليق الأخ…...
التكملة
سالم العباني
ماذا لو حكمت المحكمة العليا بعدم دستورية انعقاد مجلس النواب في طبرق وببطلان ما صدر عنه من قوانين وقرارات؟...
التكملة
تكبير اشورخ يا دكتورة..
ليش هاللمة كلها, دول - طوق وغير طوق- عربية وغير عربية, اسلاميه ونصرانيه, امم متحدة وأخرى مفككة..هذا كله علشان الليبيين يتصالحوا ويكبوا على رؤوس بعضهم وإيردوا كى لول كى تالى؟؟؟…...
التكملة
محمد على
من العنوان هذا الحوار الدى اشارت اليه محكوم عليه بالفشل بسبب اختيار من يحضر ومن لا يحضر وايضا بسبب الاصرار على تنفيد بعض القراراث,,,, ان كان هناك حوار يجب ان…...
التكملة