محمد بن نصر: إنعـدام الوعـي السياسـي في لـيبيـا 17/11/2014 21:21 محمد بن نصر: إنعـدام الوعـي السياسـي في لـيبيـا
محمد بن نصر بحث

السياسة أكثر أهمية من القانون والقضاء. السياسة لا يعادلها في شمولهاوأهميتها إلا الدين. ولذا لا تنفع السياسة إلا إذا كانت ديناً، ولا ينفع الدين إلا إذا كان سياسةً؛ فالسياسة بدون دين ميكافيللية، والدين بدون سياسة دروشة. هذا هوالقدر المفقود من الوعي الذي أريد أن انبه إليه بمناسبة صدور حكم المحكمة العليا في الطعن المتعلق بانتخابات مجلس النواب وانعقاد جلساته في طبرق، وظهور عدة تعليقات بالخصوص، وهوما جعل الأفكار تتداعى في ذاكرتي على النحوالتالي.

أولاً. السياسـة أكثـر أهميـة من القضـاء

في الطعن (17/61 ق) حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 (معدلة) من الإعلان الدستوري؛ وفي الطعن (16/61 ق) حكمت المحكمة.... باعتبار الخصومة منتهية؛ فهل انتهى القتال بين الليبيين؟

لا... لم ينتهي بعد؛ وإذا قُدر له أن ينتهي فلن ينتهي بانتصار أحد الطرفين، وإنما باتفاق سياسي ينقل الصراع على السلطة من صراع مسلح إلى صراع سلمي. ومن هنا يمكنك أن ترى أن السياسة ليست أهم من الاحكام القضائية وحسب، وإنما هي أهم من السلاح الذي يُحتكم إليه الآن كذلك. السلاح وسيلة من الوسائل أما السياسة فهي كل الوسائل، ولذا قيل أن "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى" (مبدأ كلاوزفتز). ولذا أرجوأن يدرك القارئ أن الفرقاء في ليبيا لا يحتكمون إلى القانون والقضاء، وإنما يجندون القانون والقضاء في معركتهم السياسية، ومحاولة تجنيد القضاء شيء في منتهى السلبية،ومخاطرة ليس بهيبة المؤسسة القضائية فقط، بل وبوجودها كذلك، فهودليل قاطع على انعدام الوعي السياسي.

في هذا السياق أرجوأن يعذرني كل القانونيين الذين انتقدوا حكم المحكمة العليا، لأن أحاديثهم (=تعليقاتهم) خارج الموضوع، بسبب الطبيعةالسياسية للمشكلة، فالمشكلة السياسية لن تحل لا بحكم المحكمة ولا بنقده. أما إذا اراد المعلقون أن يبلغونا أنهم أكثر فقهاً بتطبيق القانون من المحكمة العليا فأقول لهم رسالتكم وصلت لكنها لن تحل المشكلة، بل ستزيدها تعقيداً.

وبالرغم مما سلف رأيت في تعليق د/الكوني عبودة، ما يستحق التوقف عنده؛ وهوقوله: "صدور حكم ولومن أعلى محكمة لايمنع الفرقاء من الاتفاق على تسوية، لان الصلح يظل سيد الاحكام". وهذا هوالواجب الآن: صلح (اتفاق) يجعل الحرب الجارية الآن آخر الحروب الأهلية في ليبيا. وأنا هنا أقرأ د/الكوني باعتباره صاحب مبادرة سياسية لإنهاء النزاع، وليس د/الكوني رئيس لجنة فبراير، الذي وضع نفسه في موضع التهمة بالتعليق على الحكم قبل مرور ما يكفي من الوقت لبحثه بحثاً هادءًا. وأنا أعول على صداقتي للكوني وسعة صدره ليغفر لي توجيه التهمة على رؤوس الأشهاد، لأن للكوني في تعليقه موقف صدق يقول فيه: "ولولا الاختلاف فى الرأي وفى النظرة الى الاشياء ،لفقدت الحياة معناها...". ولا رغبة لي في التعليق على تعليقه إلا أن يصبح التعبير عن اختلاف الرأي مكسب من المكاسب التي حققناها بعد 17 فبراير، ويمكن أن يمارسه الصديق في حق صديقه دون أدنى شعور بالحرج.

وبالرغم مما سلف تظل المشكلة التشريعية، كمشكلة مستقبلية، أكثر خطورة من الخصومات القضائية الحالية، وهوما ينبغي أن نستعد له -على المستوى النظري على أقل تقدير- حتى يظل التشريع عملية سياسية متوازنة، وليس متحاملة، على طرف بقصد القضاء عليه قضاءً مبرماً أوإقصاءه من المشهد بشكل نهائي؛ فالإقصاء هوأسوأ المواقف السياسية التي تختفي في ثوب تشريعي أحياناً.وهذا بالضبط ما حدث لمجلس النواب في طبرق عندما باع الحكمة واشترى الغطرسة، في تعبير جلي عن عدم النضج السياسي.

ثانياً. السياسـة أكثـر أهميـة من القانـون

لا يختلف الليبيون من حيث المبدأ على الشريعة الإسلامية، ومع ذلك لديهم حكومتان ومجلسان. ولكل فريق رؤى يجد لها أسانيد قانونية تدعم وجهة نظره (= تدعم هواه).

وهنا أقرر أن مجلس النواب كان يتبع هواه عندما قرر حل الدروع والكتائب المسلحة دون أن تكون لديه قوة تحل محلها غير تلك التي ورثها عن القذافي. الشعب اختار المجلس كسلطة تشريعية، لكن المجلس تصور نفسه صاحب حقوق إلهية! أعتقد المجلس أن الشعب إله ينزع الملك ممن يشاء ويمنحه لمن يشاء، وما دام الشعب قد انتخب مجلس النواب فبإمكان المجلس أن يلعب كيفما شاء. وظن المجلس أن بإمكانه أن يحي ويميت: يحي جيش القذافي ويميت الدروع التي شكلها الثوار، ولم يكن ظنه في محله.

وبعد ذلك تصرف مجلس النواب تصرفات لا تدل على أدنى وعي سياسي مثل استدعائه التدخل الأجنبي، وتبنيه لحفتر الذي كان قبل برهة مطلوباً للعدالة، وفي جهل تام للآثار السلبية التي يمكن أن تحدثها مثل تلك التصرفات على مستوى المشروعية التي اكتسبها في انتخابات حرة ونزيهة. لقد اعتقد المجلس أن سلطاته مطلقة، وهذا ما لا يجوز للمجلس، لأن ذلك يعطي المخلوق قوة الخالق، وهذا باطل!

لنتذكر فقط قوله تعالى "أرأيت من اتخذ ألهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً"، لندرك أن أول ما يجب علينا فعله هونبذ الهوى (أوالمصلحة الآنية-الذاتية). بعد ذلك، وبعد ذلك فقط، يصبح الطريق مفتوح لسياسة ناجعة وحلول سياسية حقيقية (= حلول تخدم مصلحة الجميع وليس مصلحة فريق دون آخر).

ومن هنا أقول: نحن اليوم في حاجة ماسة لبحث موضوع المشروعية، بشكل جدي،وفي ضوء قراءة قرآنية لتعدد مصادر المشروعية الوضعية (الشعب،والدولة،والثورة)، وهوموضوع في غاية الجدية ويتعلق به مصيرنا في الدنيا والآخرة.

وهذا الموضوعفكري-سياسي أكثر منه تشريعي لأنهيهم كافة الليبيين في الحال والاستقبال على مستوى أول، ولأن النص في الدستور على أن الشريعة هي المصدر الرئيس، أوحتى الوحيد، للتشريع لن يحل المشكلة على مستوى ثان؛ ولأننا في حاجة لبحث مقدار التلوث الذي أصاب عقيدتنا، وثقافتنا القانونية، من جراء استحضار التجربة الأوربية في سياستنا التشريعية على مستوى ثالث.

وهنا أراني في حاجةلأن أعيد التنبيه إلى موضوع كنت قد نبهت إليه عندما نظمت نقابة المحامين،طواليومي 22-23 أبريلسنة 2008، ندوة حول مشروع قانون العقوبات الجديد. وكانت لي في تلك الندوة ورقة بعنوان "الأزمة المزمنة: قراءة في نص المادة 287 من مشروع قانون العقوبات."

وفي معرض شرحي للأزمة المزمنة كتبت حرفياً ما نصه: "لدينا، في ليبيا، ثلاثة مصادر للمشروعية هي: الشريعة السماوية ذات المصدر الإلهي، والقانون الوضعي ومصدره الدولة، والشرعية الثورية ومصدرها الثورة. هولاء الشركاء المتشاكسون هم سبب الأزمة؛ فالمجتمع- أي مجتمع- لا يحتاج لأكثر من مصدر واحد للمشروعية. لذا من الطبيعي أن تستمر الأزمة (لتصبح مزمنة) طالما تعددت مصادر المشروعية.

ومن الضروري أن يحسم الخيار بين المصادر الثلاث لوضع حد للازمة؛ ولقد كان الأولى أن يحسم الخيار لحظة استقلال ليبيا سنة 1951 أولحظة التفكير في تطبيق الشريعة بعد ذلك! غير أن المجتمع الليبي لم يحسم هذا الخيار بعد!"

عبارة "الشركاء المتشاكسون" في النص مقصودة لذاتها، ومصدرها القرآني كفيل بأن ينبه قارئها إلى نوعية المشكلة المزمنة التي نعيشها....!

الوحيد الذي أعار حديثي بعض الاهتمام في حينها كان الزميل عبد السلام المسماري رحمه الله، والوحيد الذي توقف عند "شركاء متشاكسون" كان أحد القراء الذي اطلع على الورقة بعد الندوة. وفي تقديري؛ترجع قلة الاهتمام بما كتبت إلى أن ما أثرته لا يمثل شيء بالنسبة لإنسان لا يقرأ القرآن، أوإنسان يقرأه للبركة. وهنا لابد أن أذكر للقارئ أنني أقرأ القرآن قراءة سياسية، والبركة الحاصلة من هذه القراءة لا تعادلها بركة أخرى لأنها تجمع بين خيري الدنيا والآخرة. القراءة السياسية التي اتحدث عنها، هي ذات القراءة التي قامبها عمر المختار عندما عُرض عليه ترك ليبيا للإيطاليين والهجرة إلى مصر فقال: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار".

اتمنى على القارئ أن يعود إلى الورقة* ليرى تعقيدات الموضوع فيما يخص مادة واحدة في مشروع قانون العقوبات، ثم يتصور حجم المشاكل التي ستواجهنا فيما بعد إذا اكتفينا بالنص على أن الشريعة، أومبادئ الشريعة، هي المصدر الرئيس للقانون، أوما شابه ذلك. هذا النوع من الصياغة أدخله السادات لدستور 1971 في مصر لإضفاء مسحة إسلامية على مشروعه السياسي الذي انتهى باخفاق مروع.

لكل ما سبق ينبغي أن يكون هناك تصور واضح لمسألة التشريع مستقبلاً، وكيفية إخضاع القانون الوضعي -الذي لابد منه- لضوابط الشريعة، التي نحن بها مسَلّمون، أوالتي بتطبيقها يرى الناس الفرق بين المسلمين وغير المسلمين. وهذه مسألة سياسية ليس لأنها تتعلق بمصير الليبيين جميعاً، وإنما لأن حسمها ليس بوسع إنسان واحد وقد لا يتسع له كتاب واحد. علينا أن ندرك أن الاجتهاد قد توقف منذ ابن خلدون، وعلينا لذلك تغطية تخلف عمره ستة قرون. هذا هومعنى حديثي لمن أراد أن يقف على حجم المشكلة السياسي أوحجمها الحقيقي بالنسبة لمن سيقود البلاد مستقبلاً.

أخيراً عندما يقول لنا العالم إن المشكلة في ليبيا "مشكلة سياسية" فإنه يتوقع أن يكون لدينا من الوعي ما يكفي لفهم قصده بأن المشكلة الليبية لن تحل بالقانون، ولن تحل بالقضاء، ولن تحل بالسلاح. المشكلة الليبية تحل باجتماع الليبيين (أوعقلائهم) على مائدة واحدة لوضع اسس دولة جديدة لا تقصي أحداً ولا يحتكم فيها الناس للقوة المسلحة، وإنما لقوة المشاريع العلمية، وقوة التصورات العملية، وقوة الحجة الاخلاقية، وقوة الرأي العام الذي يعبر عن نفسه من خلال وسائل الاعلام، وصندوق الاقتراع.... لكن يبدولي أن هذا القدر من الوعي لا زال مفقودأً!

محمد بن نصر (أرشيف الكاتب)

* راجع: الأزمـة المزمنة: قراءة في نص المادة 287 من مشروع قانون العقوبات

 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ناصح
الشريعة ليست شريكا متشاكسا وانما هذا مثل ضربه الله لتقريب المعنی...
التكملة
إلى زكريا سويسي
أرجو أن تلاحظ يا استاذ زكريا عبارة"من حيث المبدأ"،و هذا معناه عدم استبعاد الاختلاف على التفاصيل. و لكن قد تكون أنت ممن يرفض الشريعة مطلقاً،و لكن لا يستطيع أن يصرح…...
التكملة
زكريا سويسي
""لا يختلف الليبيون من حيث المبدأ على الشريعة الإسلامية""... هل انت متأكد يا كاتبنا!؟ أليست كل هذه الحروب التي تشهدها البلاد بسبب اختلافهم على الشريعة الاسلامية؟ هل يوافق الليبيون على…...
التكملة
حسين
لماذا تعقدون الأمور والقضية في منتهى الوضوح.. مجموعة تريد الوصول للسلطة بأي طريقة بما فيها استغلال الدين، وإتهام الآخرين أنهم من بقايا النظام السابق، واستعمال السلاح بتهور وطيش لكبت أي…...
التكملة
عبد الله
لا تشاكس بين الشريعة والاخريين، انه العقوق ، الشريعة اصل حاكم ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا ان تكون لهم الخيرة من أمرهم) والاخريين فروع…...
التكملة
مواطن
وهل عندما نزلت الشريعة اجتمع محمد -صلى الله عليه وسلم-بأبى الحكم، ام كانت بدرا واحدا والخندق وفتح مكة سمى خلالها أبا الحكم بأبى جهل، تمام العقل يأتى من عدم مناقشة…...
التكملة