المهدي يوسف كاجيجي: التسامح... الحلم المستحيل!! 15/12/2014 20:21 المهدي يوسف كاجيجي: التسامح... الحلم المستحيل!!
المهدي يوسف كاجيجي بحث

الكاتب...

استاذنا محمد عبدالكافى جاء الى ليبيا وحل بين ظهرانينا فى الخمسينات من القرن الماضى، لاجئا سياسيا هاربا من تونس حاملا على رقبته حكما بالإعدام، بعد ان تحول الخلاف فى الرأي، بين رفاق النضال فى الحزب الدستورى التونسى بالامس الى جريمة. فى مدرسة الزاوية الثانوية عمل مدرسا للغة الفرنسية وانتقل منها الى مدرسة طرابلس الثانوية. اعتقد ان طلبة تلك الحقبة يتذكرونه جيدا. كان تونسى المولد، ليبى الرضاعة تبعا لامه الليبية، كريمة عائلة الزليطنى المعروفة فى طرابلس. كانت ليبيا الامتداد لعائلته الكبيرة، انطلق فيها بلا حدود، موسوعة متحركة، مدرسا وموظفا، كاتبا وشاعرا، مذيعا ومعدا ومخرجا للبرامج فى الإذاعة الليبية فى شارع الزاوية. فى جريدة الحرية التقينا، فكانت له مساهمات كبيرة خاصة فى عملية الترجمة من الفرنسية الى العربية، شملت كل المواضيع، اضافة الى كتاباته فى الشأن الليبى بدون توقيع منعا للحساسية. جاء انقلاب سبتمبر وكان هوى الانقلابيين مشارقى، فسجن محمد عبدالكافى فى طرابلس، ومورست عليه الضغوط لتوظيفه للعمل فى الحملة الإعلامية  لمهاجمة النظام البورقيبي. لكن، وعلى الرغم من انه ضحية هذا النظام، رفض بشدة واتخذ قراره بمغادرة طرابلس. نجحت المساعى التى تمت مع النظام التونسي لحصوله على عفوعام، فعاد الى تونس فى بداية السبعينيات. بما أنّ تهمة المعارض فى العالم العربى وصمة تلاحق صاحبها من المهد الى اللحد، انطلق فى رحلة الهجرة الاخيرة الى اسبانيا. فى ثلاثة اشهر تعلم اللغة ليجتاز بجدارة امتحان وظيفة مدرس للغة العربية فى كلية أركان الحرب الاسبانية. كانت مدريد قاعدة انطلاقه الى آفاق اكثر رحابة، فعاد ليصول ويجول مراسلا لجريدة العرب الدولية، ورئيسا لنادى الصحافة الدولى. عرفته المنتديات السياسية والثقافية والإعلامية الاسبانية مناقشا ومحاورا وكاتبا فى الشأن العربى والاسلامى. كتب وترجم اكثر من خمسة عشر كتابا من بينها خمسة كتب عن ليبيا وحدها. رحلة طويلة باهرة لرجل ينطبق عليه شطر بيت من قصيدة للشاعر محمد الفيتورى يقول: "الأعظم من قدر الانسان...هوالانسان".

المقال...

فى جريدة العرب الدولية، كتب الاستاذ محمد عبد الكافى فى مقاله الاسبوعي موضوعا بعنوان "حلم تحقق ام سراب"، عن افتتاح أولى جلسات مجلس نواب الشعب التونسى، أشار فيها الى الصورة الرائعة للتلاحم الوطنى من اجل إنجاح التجربة الديمقراطية الجديدة، والارتفاع بها فوق مستوى الاحقاد، وتصافح الأضداد فى خوض تجربة من التسامح من اجل وطن افضل للجميع. نقل لنا مشهدا رائعا عن تعانق الجلاد والضحية، من اجل مستقبلا افضل لأجيال قادمة، إذ ترأس الجلسة الافتتاحية اكبر الأعضاء سنا، مناضل قديم هوالسيد على بن سالم، شارك فى معارك التحرير لطرد المستعمر، وقاسى كل انواع التعذيب من اجل الحرية، ودفع ضريبة الخلاف فى الرأي مع السلطة الوطنية سجنا وتعذيبا. أدار الجلسة وعينه دامعة، وقام بدوره بتسليم الرئاسة للرئيس المنتخب، القادم من الحرس القديم الذى أسقطته الثورة. انتخب ايضا نائبا للرئيس، الشيخ عبد الفتاح موروالذى كان احد الضحايا، ليتعانق الجميع، مرددين فى صوت واحد: نموت.. نموت.. ويحيا الوطن.

فى صياغته لنقل صورة الحدث، اشار الاستاذ محمد عبدالكافى الى الضحايا باسمائهم والجلاد بوظيفته، منعا للتشهير، والمشاركة فى حالة التسامح التى يعيشها المشهد التونسى بشكل عام. الرجل كان ايضا ضحية، ودفع اجمل سنوات عمره لاجئا غريبا ينام مفتوح العينين. انا شاهد، على الرجل، انه وخلال فترة  نصف قرن من تعارفنا كان، ولا يزال، عندما يتحدث عن التجربة البورقيبية، يذكر دائماً، ما لها، وما عليها، ملخصا أسباب ما جرى من خلاف بين الرفاق على انه صراع بين الوطنية والسياسة.

الحلم الليبى.. المستحيل!!

والسؤال الان: اما آن لنزيف الدم الليبي.. ان يتوقف؟! اما آن لنعيق البوم وفحيح الأفاعى.. ان يصمت؟! اما آن لجبال الحقد والكراهية.. ان تتصدع؟!

انا اعرف مسبقا ان طلب التسامح من الضحية ليس سهلا، ولكننى امل ان لا يكون مستحيلا. انا اعرف اننا شعب سئ الحظ، وخاصة خلال تجربته السياسية. شعب اجمعت ارادته على إسقاط نظام، وكان له ما أراد! وتعثرت خطانا بعد ذلك. تحولنا الى حقل تجارب لهواة لا خبرة لهم، منهم من أضاعنا بحسن النوايا.. وقلة الخبرة، ومنهم من رأى فينا مغنما، ومنهم من أقحمنا فى صراع لمخططات طموحه، صراع أيدلوجى قادم من خارج الوطن. طوق النجاة الذى بقى لنا هوان نجلس معا لنتحاور ولن يتم ذلك قبل ان يسبقه التسامح. هذا هوالمخرج الوحيد من الأزمة، دواء شديد المرارة، فعلينا ان نجلس معا، ونتجرعه معا، ان أردنا ان نحافظ على ما تبقى من اشلاء وطن. تسامح يحفظ حقوق الضحايا، يُطالب بها امام قضاء عادل. انا اعرف ان الكثيرين سيقولون من سيسامح من؟ بعد كل ما جرى من قتل وسفك دماء واغتصاب وتشريد واختطاف، كيف سنصل إلى التسامح امام حالة التعبئة الشرسة، التى تقودها عشرات من القنوات الفضائية، التى تتبارى فى بث فحيحها وسمومها، وتملأ الوطن كآبة وحزنا؟ كيف سنتسامح امام تيار الحقد والكراهية ألذى تحوّل الى جبال وأسوار قسمت الوطن الى كانتونات متناثرة، لا رابط بينها سوى نزعة الانتقام الكل من الاخر. ولكن صدقونى، انا لا أزال، وما زلت، احلم بوطن يخرج من الانقاض بتسامح أهله، وارتفاعهم فوق كل الآلام والاحقاد، وتصفية حسابات، من اجل سداد دين الدم  لوطن ورثناه موحدا، وعلينا ان نورثه متحدا. وطن حر يعيش أبناؤه متساويين تحت مظلة القانون، لا تسلب فيه حرية الا بقانون. وليرحمنا الله من انفسنا.

المهدي يوسف كاجيجي

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عبد الله علي
الأخ المهدي كتاباتك ممتعة، وطلب المتعة هو الدافع من وراء قراءتها، فوجدت فيها معلومات قيمة عن سيرة أخ تونسي مناضل هو محمد عبد الكافي ليته يكون قدوة يقتدي بها فالوطن…...
التكملة
صبحي
ان التسامح من أخلاق الشعب الليبي وشاهدناه طوال تاريخه ،ففي التاريخ الحديث انقسمت القبائل الليبية في صراع الأسرة القرمانلية وحاربت بعضها ثم سري التسامح بينها ،وانقسمت عند مجيء العثمانيين فكان…...
التكملة
ليبيه وراسي فوق
يا طول رجاك يا مهدي اقبل الامر الواقع واقبل هو هكي بيني وبينك ليبيا راحت بين الهمج والطامعين واللي من صالحه يفضل الوضع علي ماهو عليه ( الله غالب )…...
التكملة
عاشور الامام
استاذ مهدى مشكور على هذه المقالة التى تفيض الما وحسرة على ما وصل به الحال عندنا وارى كما تفضلت بان التسامح هو طوق النجاة الذى يجب ان نتشبث به مهما…...
التكملة
محمد العبيدى
الاستاذ المهدى احييك من قلبى الذى يتقطع الما على بلادى انا مكثت مدة فى تونس ليس كلاجىء او مريض ولكن لدراسة اللغة الفرنسية وحاورت الكثير من ابناء تونس فوجدهم يجيدون…...
التكملة
ابو عمر
استاذ المهدى - هدانا الله جميعا سواء السبيل - التسامح سمة الاقوياء - وقد قالها رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام - اذهبوا فانتم الطلقاء - والحمد لله ان شعبنا…...
التكملة