الليبيـة: دروس من أزمتي القذافي مع لوكربي وجنيف 1 8/3/2010 02:13 الليبيـة: دروس من أزمتي القذافي مع لوكربي وجنيف 1
الليبية بحث

- أيُّها الكاتِبُ ذو الكفّ النظيفَـةْ
لا تُسـوِّدْها بتبييضِ مجـلاّتِ الخَليفـةْ.
- أيـنَ أمضي
وهـوَ في حوزَتِـهِ كُلُّ صحيفَـةْ ؟
- إمضِ للحائِطِ
واكتُبْ بالطّباشيرِ وبالفَحـمِ..
- وهلْ تُشبِعُني هـذي الوظيفَـةْ !؟
أنا مُضطَـرٌّ لأنْ آكُلَ خُبـزَا..
- واصِـلِ الصّـومَ.. ولا تُفطِـرْ بجيفَـه
- أنا إنسانٌ وأحتـاجُ إلى كسبِ رغيفـي
- ليسَ بالإنسانِ
مَن يكسِبُ بالقتلِ رغيفَـهْ.
قاتِلٌ من يتقـوّى بِرغيفٍ
قُصَّ من جِلْـدِ الجماهيرِ الضّعيفـةْ!
كُلُّ حَـرفٍ في مجـلاّت الخَليفَـةْ
ليسَ إلاّ خِنجـراً يفتـحُ جُرحـاً
يدفعُ الشّعبُ نزيفَـهْ!
- لا تُقيّـدني بأسـلاكِ الشّعاراتِ السخيفَـةْ
أنا لم أمـدَحْ ولَـمْ أردح.
- ولـمْ تنقُـدْ ولم تقْـدَحْ
ولمْ تكشِفْ ولم تشـرَحْ.
حصـاةٌ عَلِقـتْ في فتحـةِ المَجْـرى
وقَـدْ كانتْ قذيفَـةْ!
- أكلُ عيشٍ
لمْ يمُتْ حُـرٌّ مِنَ الجـوعِ
ولـمْ تأخـذْهُ إلاّ
مِـنْ حيـاةِ العبـدِ خيفَـةْ.
لا .. ولا مِن موضِـعِ الأقـذارِ
يسترزِقُ ذو الكفِّ النّظيفَـةْ.
"أكلُ عيـشٍ..
كسـبُ قـوتٍ.."
إنّـهُ العـذْرُ الذي تعلِكُـةُ المومِسُ
لو قيلَ لهـا: كوني شريفَـهْ!

قصيدة "أعذار واهية" للشاعر أحمد مطر.

بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف يوم الخميس 25 فبراير 2009، خرج علينا القذافي بعد صمت طويل، وبثوب جديد، هذا المرة كداعية للجهاد من أجل نصرة الإسلام! (1)

وباختصار شديد، يمكن أن تتلخص محصلة كلامه في العبارة التالية: الدعوة إلى تأجيج الفتنة والصراع القائم بين المتطرفين المسلمين والمتطرفين المسيحيين، والذي نرى كيف أن وتيرته تزداد حدة وشدة يوما بعد يوم بفضل ما ينفثه أمثال هذا من سموم.

ولكم أعجب كيف لهذا المخلوق أن يتصور أن تنطلي نيته الخبيثة هذه على عاقل. إن ما قاله, جملة وتفصيلا, لا يحمل مثقال ذرة من المناصرة للإسلام، بل كان به إستغلال فجّ لموقفٍ مخزٍ يُفترضُ فيه أن يَندى له جبينه ويبحث له عن مخرجٍ ليَحفظ له ولأبنائه ماء الوجه. ومع هذا، وبالرغم من الحقائق الواضحة أمامنا والخطأ البين، فما أبَى إلا أن يستغل هذا الموقف لكي يوظفه لصالح إتمام مهمته التي جاء أصلاً إلى الحكم في ليبيا من أجلها، والتي ما انفك يوما عن العمل الدؤوب وراء السعي إلى إنجازها.

إن القذافي بكلامه هذا قد أعطي دليلا جديدا على تصميمه لمواصلة مساعيه المستميتة والمستمرة لأجل تشويه صورة المسلمين وصبغهم بصفة الإرهاب، ولأجل المزيد من تأليب الرأي العام ضدهم حتى من بين المسلمين أنفسهم، ومن ثم تفكيك صفوفهم بالإضافة إلى منع أي تعاطف معهم في القضايا التي تنتهك فيها حقوقهم ويُحَدُّ من حرياتهم بشكل مضطرد يوما بعد يوم. وبذلك فإنه بدوره يساهم في سلبهم حقهم العادل من العدالة نفسها وبإسمها، وما هو بغافلٍ عن هذه الحقيقة.

لا يجب أن يستغفلنا بنطقه لآيات من القرآن الكريم، أو بتشنجه في خطابه، بل علينا أن نتذكر أن كل من يسعى إلى إشعال المزيد من الفتنة والجفاء بين المسلمين والمسيحيين، بقصد أو بدونه، يخدم قيام دولة إسرائيل، الهدف المنشود من كل صهيوني. وعليه فإن تأزم هذه العلاقات، سواء بين المسلمين وبقية الديانات أم بين المسلمين والمسلمين أنفسهم، لا يستفيد منه ولا يتحمس له إلا من يؤمن بالقضية الصهيونية وبأنه لن تقوم لدولة إسرائيل قائمة إلا بعد الحرب الشاملة(2) Armageddon

سأذكر هنا حادثة شاهدتها بنفسي في لقاء لليورونيوز مع نتنياهو منذ حوالي ثلاثة أو أربعة أعوام، إذ أعرب الأخير صراحةً عن إيمانه بالحرب الشاملة وبأنها ضرورية ومرحب بها لدى الإسرائيليين حيث أن إنتهاءها مرتبط بعودة "أرض الميعاد" إلى اليهود لكي يعم العالم السلام. فسأله المذيع: "أنكم الآن تعتبرون المسلمين أعداءكم، ولكن الحرب الشاملة تخص اليهود وحدهم بالفوز، وهذا يعني نهاية المسيحيين أيضا، فماذا تقول؟" بدا رده كمزحة وكان كالتالي: "لنترك الأمر الآن بين المسلمين والمسيحيين، وحين يأتي ذلك الوقت سنتعامل حينها مع المسيحيين!"

إن فكرة إقامة دولة إسرائيل لدي الصهاينة ليست مبنية على أطماع دنيوية، بل هي مطلب ديني مترسخ لديهم وجزء من عقيدتهم، ولذا فإن جميع حروبهم وسياساتهم يحركها دافع الدين، وأود هنا أن أذكر القارئ بذلك المنظر الغريب الذي رأيناه في بداية عام 2009 خلال الهجوم على غزة، حيث كان الحاخامات يتصدرون الصفوف الأولى للدبَّابات مرتلين التوراة في كل خطوة يخطوها الجنود إلى الأمام نحو الفلسطينيين.(3) لقد كان بالفعل منظراً يقشعر له البدن لما به من عمقٍ أكثر شراسة حتى من منظر سقوط القنابل الفوسفورية عليهم.(4)

وعليه، فإننا إذا سلّمنا بما يتردد بأن القذافي ينتمي إلى أصولٍ يهودية وبأن قناعاته صهيونية صِرفة(5)، فإننا لن نجد بتاتاً أي صعوبة في أن نرى بوضوح كيف أن دعوته إلى محاربة سويسرا باسم الجهاد، تصب بقوة وبشدة في هذا الإتجاه وتخدمه بامتياز لا نظير له سوى ما يقوم به الموساد نفسه!

نحن، شعب ليبيا، بحكم تجاربنا مع القذافي على مدى السنوات الماضية التي عرفناه فيها وخبرنا سياساته عن قرب، ندرك جيدا كيف أنه لا يُفَوِّت أي فرصة تسنح له ليستغلها في جميع المواقف التي تواجهه لكي يخدم بها برامج أخرى خفية تختلف تمام الإختلاف عن القضية الظاهرة والمطروحة، وما حادثة سويسرا هذه إلا مثال من تلك الأمثلة، ولكنها على مستوى عالمي ومفضوح أيضاً.

سأشرح وجهة نظري:

في البداية أدعو القارئ إلى أن يرجع معي إلى الوراء بضع سنوات، وأعني هنا سنوات الوئام بين ليبيا وسويسرا خلال فترة "الحصار المزعوم" على شعب ليبيا:

كلنا نعرف أن الحصار الذي فُرِضَ على ليبيا كان بسبب إتهام ليبيا بالمسؤولية في قضية تفجير الطائرة الأمريكية فوق لوكربي(6)، وبالرغم من أنه لا يخفى على أحد أن القذافي هو المسؤول عن هذه الجريمة، إلا أن الذي دفع الثمن، ولا يزال إلى يومنا هذا، هو الشعب الليبي.

لقد نجح القذافي في توظيف هذه القضية برمتها لخدمة مصالحه وبرامجه الخاصة، سواء كان خلال فترة الحصار أو بعد رفعه. وبالرغم من أن قرار الحصار كان مجحفا بحق الشعب الليبي إلا أنه كان حصارا جويا فقط ولم يشمل تقييد حرية المواطن الليبي أو التجارة، وقد كان الغرض منه هو الضغط على الحكومة الليبية لكي تتعاون مع قرارات الأمم المتحدة بشأن تسليم المشتبه فيهما في قضية تفجير الطائرة.

وجد القذافي في هذا الحصار فرصة ذهبية لكي ينهب المزيد من ثروات الشعب الليبي ولكي يزيد من تضييق الخناق عليه ويمعن في إذلاله وإفقاره، فعانى شعبنا من جراء هذا الإجراء وبدون مبرر الأمرَّين. وهكذا، طوال فترة الحصار، وبينما كانت أسرة القذافي والمقربون له يتلقون العلاج والكشوفات الصحية الدورية ويرفهون عن أنفسهم في سويسرا بالذات، تعرض القطاع الصحي في ليبيا لإهمال ظالم ومتعمد مما أدى إلى تفشى الأمراض بين عامة الشعب والمزيد من الفقر بين أفراد المجتمع الليبي. كذلك، وكأن هذا لم يكن كافيا لإذلال هذا الشعب الصبور، وبنية مبيتة وتواطؤ مع جهات لم يُعلن عنها بعد إلى يومنا هذا، تم حقن أطفال في مستشفى الفاتح في بنغازي بفيروس الآيدز، وبعد الكثير من الكر والفر، إنتهى المطاف بإلقاء اللوم على إنعدام العناية الصحية بسبب الحصار لتعليل حدوث ما حدث ولإقفال ملف هذه الجريمة النكراء، ومن جديد نرى هنا كيف تم إستغلال حجة الحصار لخدمة برنامج بعيد كل البعد عن الحصار وأسبابه وآثاره، كذلك فإن الخاسر هنا أيضا هو الشعب الليبي، بينما خرج القذافي ومن عمل معه بدون أي محاسبة قانونية، بل فائزين مظفرين. (7)

هذا مثال فقط من كثير، ولا مجال هنا لذكر بقية القطاعات التي دمرها القذافي بحجة الحصار أو بغيرها من الظروف القاهرة التي تسبب فيها وحده ودفع ثمنها شعبنا. ولكي لا أبتعد عن الموضوع الأساسي، يكفيني هنا فقط أن أذكر أن القذافي، باستخدامه لحجة الحصار، تمكن من أن يُجَوِّع الشعب الليبي، وينشرالمرض بين أبنائه، ويشعره بالمذلة والحاجة والفاقة، فأصبح كل هَمّ غالبية أبناء شعب ليبيا من الصباح إلى المساء لا يتعدى سدّ لقمة العيش والسعي وراءها، فأحكم بهذا قبضته على الغالبية العظمى من الشعب الليبي وثبّت حكمه الظالم بيد من حديد.

أما الفائدة الثانية التي تمكن من تحقيقها باستغلاله لحجة الحصار فقد كانت تخزين إيرادات البترول الليبي في حسابات سرية في "سويسرا" تحت أسماء أفراد يثق بهم وحوَّل جزءا منها إلى ذهبٍ. ولقد إستخدم هاتين الوسيلتين لأنهما الوسيلتان الأكثر ضمانا حتى لا يتمكن أحد من تجميد حسابات ليبيا في بنوك العالم.

ما لم يتوقعه أحد هو أن تحدث الأزمة الإقتصادية العالمية الحالية، ولقد تزامنت هذه الأزمة مع رفع الحصار على ليبيا، وهنا لا يسعني سوى أن أتساءل: هل كان رفع الحصار عن ليبيا في هذه الفترة بالذات حقا مصادفة؟ أم أنه قد رُفِع لتحقيق مكاسب وأهداف حان موعد تنفيذها؟ علينا أن لا ننسى أن جميع التنازلات التي قدمها القذافي والتي بناء عليها تم رفع الحصار كانت كلها نزيف من خزينة الشعب الليبي ومن كرامته. (8)

مهما كانت الإجابة، فإن الأهم الآن هو ما يحصل اليوم أمامنا، إذ بينما أعلنت دول كثيرة إفلاسها أو قربها من الإفلاس، بدأ يتضح لنفس هذه الدول وللعالم أجمع بأن ثروة ليبيا اليوم تفوق الخيال وأنه بالرغم من أن معظم شعب ليبيا عاش ولا يزال يعيش على حافة الفقر أو تحت خط الفقر، فقد عمل القذافي طوال مدة حكمه على تكديس ثروة ليبيا وتخزينها، كما تركز هذا المجهود بشكل مكثف وبحجة الحصار في السنوات العشر الأخيرة. هذا بالإضافة إلى إرتفاع قيمة الذهب اليوم إلى ما لا يقل عن أربعة أضعاف قيمته حين إشتراه القذافي بتلك الإيرادات الهائلة من البترول الليبي. وهكذا فقد خرج القذافي للعالم الجائع كالمارد المنقذ بسخاء لا محدود وبغنىً فاحشٍ بدرجاتٍ لا يعرفها سواه أو من يعمل له. (9)

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إستيقظ العالم أيضاً على حقيقة لم يكن يتوقعها وهي أنه بالرغم من الإنحدار الحاد في الإقتصاد العالمي والذي ضرب العالم بأكمله، فإن ليبيا لم تتأثر بهذه الأزمة، بل إذا صح التعبير فإن ليبيا قد تكون الدولة الوحيدة في العالم التي تحسنت أوضاعها الإقتصادية تزامنا مع إنحدارها في بقية أنحاء العالم، وبالطبع دون أن ينعكس ذلك على المستوى المعيشي لعامة الشعب الليبي. (10)

ما إن ظهرت هذه الحقيقة حتى قامت دول كثيرة بالتسابق وبمحاولات مستميتة لتجميل الوجه القبيح للقذافي ولنظامه، مدفوع ثمنه مسبقا من خزينة الشعب الليبي، وبمجهود ذهني وعملي من طرف من تم شراؤهم لهذا الغرض. الشرط الوحيد والدائم في هذه الصفقة القذرة هي أن تصبح للقذافي مكانة عالمية ويصبح قائدا أمميا وملك الملوك وإمام المسلمين كما أراد. وهكذا, وبلمحة بصر، تغيرت صفة القذافي من "الدكتاتور والمساند للإرهاب" Dictator & sponsor of terrorism إلى "الدكتاتور المعاد تأهيله والحليف ضد الإرهاب"(11) Reformed dictator and ally against terrorism

وبطبيعة الحال، لم يكن للشعب الليبي برمته أي قرار أو قول في كلتا الحالتين، بل أن الأصوات التي كانت ولا تزال تنادي بضرورة خلاص الشعب الليبي من قبضة هذا المجرم أصبحت في خطر أن يشار إليها بانتمائها إلى المنظمات الإرهابية بتهمة كاذبة من النظام الليبي الحالي وبمساندة من الدول الحليفة معه ضد الإرهاب المزعوم. وهكذا نرى هنا أيضا وبوضوح كيف استغل القذافي هذا التغيير في الظروف الجديدة لصالحه من جديد، ولصالحه فقط ليزيد من سلطته ولتصبح مطلقة.

(يتبع)

المراجع:

1- القذافي يدعو للجهاد ضد سويسرا
2- حلفاء من أجل أرماجيدون: صعود الصهيونية المسيحية
3- حرب الحاخامات .. الحرب المقدسة على غزة
4- قنابل فسفورية وارتجاعية وفراغية جميعها محرمة دوليا
5- القذافي: العميل المزدوج (الجزء الأول) بقلم: الليبيــــة
6- لوكربي قضيّة مزمنة لم تُحسم بعد
7- المقرحي عاد الى طرابلس برفقة سيف الاسلام وليبيا تتحدى واشنطن وتستقبله استقبال الابطال
8- ليبيا تطلب تعويضات عن تسليمها المواد النووية وتستعجل واشنطن في رفع العقوبات قبل مايو
9- إشارات استباقية عن ثروة القذافي في العالم
10- موظف في لجنة تعداد السكان : التعداد يظهر حالات الفقر
11- Once a pariah, Muammar Gaddafi has become an ally against terrorism

 


إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع