مصطفى بعيو: دور الشمال الأفريقى فى الحضارة والفكر الاسلاميين 3/1/2015 16:19 مصطفى بعيو: دور الشمال الأفريقى فى الحضارة والفكر الاسلاميين
مصطفى عبدالله بعيو بحث

هذا المقال كتبه الاستاذ مصطفى عبدالله بعيو في اوائل 1975 وسبق ان نشر في مجلة "الاصالة" وهي مجلة ثقافية تصدرها وزارة التعليم الاصلي والشئون الدينية بالجمهورية الجزائرية في عددها 24 من السنة الرابعة الصادر في مارس – ابريل 1975. وكان هذا اخر مقال يكتبه من ارض الوطن قبل هجرته الثانية باشهر من ليبيا... وبدأت محطات الهجرة في التحاقه ببرنامج التنمية الاممي بدولة افغانستان وانتهت بوفاته في الولايات المتحدة الامريكية بمدينة لوس انجلوس. 

في السابع من هذا الشهر -يناير- تحل الذكرى السابعة
والعشرون على وفاة الاستاذ مصطفى عبدالله بعيو – رحمه الله.


دور الشمال الأفريقى فى الحضارة والفكر الاسلاميين

أفاض العلماء فى دراسة الحضارة الاسلامية وتبيين دورها الهام فى التراث الانسانى وتطويره فى مختلف الميادين، وكان للفكر  الاسلامى من مكانة خاصة فى الدراسات التى قام بها هؤلاء العلماء. وليس هنا مجال الكلام عن هذه الدراسات التى قام بهاء هؤلاء العلماء للكشف عن الدور الذى ساهمت الحضارة الاسلامية والفكر الاسلامى فى هذا الخصوص فالوقت لا يتسع لتناول هذا الموضوع الا بالشكل العام الذي يتمشى والوقت المخصص لمثل هذا الحديث ، ولكن هذا لا يمنع من القاء نظرة عابرة على الدور الهام الذى قامت به حضارة بلاد الشمال الأفريقي الاسلامية فى مختلف العلوم والفنون وفى التراث الانسانى بصفة خاصة.

فمنذ مجئ الاسلام الى بلاد الشمال الأفريقى فى القرن السابع الميلادى والبلاد تسهم باستمرار فى تنمية الحضارة الاسلامية والفكر الاسلامى وان اختلفت هذه المساهمة من عصر الى عصر حسب ظهور مراكز الاشعاع الثقافى فيها والتى انتشرت بطول البلاد وعرضها . وكان للموقع الفريد الذى اختص الله به بلاد الشمال الافريقى ما ساعد اهلها على القيام بهذه المهمة فهى بوقوعها على البحر المتوسط وساحل المحيط الاطلسى استطاعت ان تعطى الفرصة لاهلها ليؤثروا على حضارة البحر المتوسط ويتأثروا بها. وعن طريق بلاد الشمال الافريقى انتقلت الحضارة الاسلامية الى اسبانيا ومنها الى اوروبا . وعنها ايضا انتقلت هذه الحضارة الى صقلية وبقية الجزر الغربية فى البحر المتوسط ومنها الى ايطاليا وفرنسا ومن هناك الى بقية الدول الاوروبية . واذا كان علماء الحضارة الاسلامية قد حددوا طرقا رئيسية ثلاثة لانتقالها من العالم الاسلامى الى اوروبا فان بلاد الشمال الافريقى كان من نصيبها هذا الطريقان الهامان واللذان سبق الاشارة اليهما.

ولم يكن دور اهالى الشمال الافريقى قاصراً على نقل الحضارة الاسلامية الى اوروبا فقط بل انهم استطاعوا الوقوف امام ما تعرضت له بلادهم من هجمات وغارات شنها الاوروبيون على سواحل بلادهم بعد ان تم طرد المسلمين من اسبانيا فى اواخر القرن الخامس عشر الميلادى. ونجحت بلاد الشمال الافريقى فى اثبات وجودها فى ذلك الصراع البحرى الذى ساد مياه البحر المتوسط طيلة القرن السادس عشر حتى بداية القرن التاسع عشر. واستطاعت بحرية بلاد الشمال الافريقى أن تحتفظ لنفسها بمركز التفوق على بحرية الدول الاوروبية بفضل تماسك بلاد الشمال الافريقي واتحاد اهلها فى مجابهة العدوان الاوروبى حتى اذا نجحت فرنسا فى الاستيلاء على الجزائر فى عام 1830م بدأ التفكك يأخذ طريقه بين دول الشمال الافريقى فى الوقت الذى اخذت فيه الدول الاوروبية تضم صفوفها وتوحد كلمتها ضد نشاط بحرية بلاد الشمال الافريقى بعد مؤتمر فينا عام 1815م. الذى عقد بعد نهاية حروب نابليون بونابارت. وكان الاحتلال الفرنسى للجزائر بداية النهاية لبحرية الشمال الافريقى وبداية وقوع هذه البلاد باقطارها المختلفة فى قبضة الاستعمار الاوروبى فكان الاحتلال الفرنسى لتونس فى1881م. والاحتلال الايطالى لليبيا فى اواخر 1911م. والاحتلال الفرنسى للمغرب في 1912م.

وهكذا كان على اهل الشمال الافريقى ان يعطوا كل جهودهم طيلة فترة الصراع البحرى الى مقاومة المحاولات التى بذلتها اوروبا للسيطرة عليهم مما استنزف طاقاتهم وحول جزءاً كبيرا منها الى ميدان الحرب وعطل مسيرتهم الحضارية والفكرية حتى اذا كان القرن التاسع عشر شاهدت البلاد توقفا تاما فى المسيرة الحضارية وقد بدا الاستعمار الاوروبى يغزو البلاد ويستنزف قوى أهلها ويتحكم على توجيهها.

ولا شك أن السيادة البحرية لبلاد الشمال الافريقى فى البحر المتوسط قد اقترنت بتفوق اهلها فى الملاحة البحرية وعلومها وصناعة السفن وتطويرها وأجهزة الملاحة البحرية كالبوصلة Compass  التى جاء ذكرها لاول مرة فى اوروبا حوالى سنة 1190م.عندما ذكرها الشاعر الفرنسى جوبودى بروفان فى قصيدة له(1) و يعطى المؤرخ الانجليزي "ستانلى لين بول" فى كتابه Gutot de Provins (2) عن حركة الجهاد البحرى لبلاد الشمال الافريقى والتى اعتبرها مع غيره من الاوروبيين قرصنة بحرية الكثير من المعلومات عن التقدم الذى وصل اليه اهل شمال افريقية فى علوم البحر ووسائل المواصلات والآت البحرية الفنية كالبوصلة والاسطرلاب . وما زالت بعض المصطلحات البحرية الاسلامية مستعملة فى اللغات الاوروبية حتى وقتنا الحالى كدار الصناعة Arsenal والحبلCable  والأميرالAdmiral  وغيرها.
ومع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر قد شاهدت افول السيادة البحرية لبلاد الشمال الافريقى فى البحر المتوسط الا ان ما حدث فى تلك الفترة يكفى للكشف عن الدور العظيم الذى ساهمت به بلاد الشمال الافريقى فى البحر المتوسط يوم ان عرفت كيف تفرض وجودها بقوتها البحرية المدعمة بتقدمها فى فنون البحر ويعطى المؤرخ الامريكى جاردنر والن فى كتابه عن البحرية الامريكية وقراصنة الشمال الافريقي والذى صدر فى 1905م. باسم "بحريتنا وقراصنة المغرب"(3) معلومات هامة عن البحرية الامريكية وعلاقاتها ببحرية بلاد الشمال الافريقى. وقد حاولت الولايات المتحدة الامريكية الوصول الى تسوية مع بلاد الشمال الافريقى تضمن لسفنها التجارية سلامة المرور فى البحر المتوسط بعد أن حصلت على استقلالها من بريطانيا واصبحت مسؤولة عن حماية سفنها التجارية وكان للولايات المتحدة مساعى دبلوماسية فى هذا الخصوص مع دول الشمال الافريقى. وقام المستر جون ادمز عندما كان يشغل منصب وزير مفوض(4) فى لندن بمقابلة الشيخ عبد الرحمن سفير طرابلس الغرب (ليبيا) فى لندن لتسوية العلاقات الامريكية مع طرابلس الغرب وقد وصف الوزير الامريكى هذه المقابلة فى خطاب له الى جون جى وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية, بتاريخ 17فبراير1786م. حيث جاء فى هذا الخطاب ما يأتى:

"يكفى القول ان سعادته أثار تساؤلات كثيرة بخصوص امريكا ومناخها وتربتها وحرارتها وبردها...الخ ولاحظ بانها بلاد كبيرة جدا ولكن طرابلس الغرب فى حرب معها. ورد عليه متسائلا كيف تكون هناك حرب بين أمتين ليست بينهما عداوة ولا اساءة ولا اهانة او دافع اخر بين الجانبين؟. واجاب سعادته بإن تركيا وطرابلس الغرب وتونس والجزائر ومراكش كانت سيدة للبحر المتوسط وانه لا يمكن لاى امة ان تعبر ذلك البحر بدون معاهدة سلام معها"(5).

وكان من اهم نتائج الصراع البحرى بين الشمال الافريقى والدول الاوروبية ان وقع الكثير من الاسرى الاوروبيين فى ايدى مسلمى الشمال الافريقي . وقد استطاع هؤلاء الاسرى ان يطلعوا على الكثير من جوانب الحياة عند مسلمى الشمال الافريقى وان ينقلوها معهم عند عودتهم الى بلادهم. ويساهم بعض الذين جاءوا الى موانئ الشمال الافريقى للتجارة او للاشراف على عمليات تبادل الاسرى فى نقل الكثير من معالم حضارة المسلمين ومعلوماتهم عن بلاد السودان التى كان اهلها على اتصال وثيق بمسلمى الشمال الافريقى بحكم اتصالهم المستمر فى الميدان التجارى بفضل نشاط تجارة القوافل وازدهارها. وهكذا جاءت المعلومات الاولية عن بلاد السودان الى اوروبا بفضل جهود مسلمى بلاد الشمال الافريقى فى الكشف عن بلاد السودان والتعرف عليها والوصول اليها. وقد عرف الاوروبيون كيف يستفيدون من هذه المعلومات عندما نشطت جمعياتهم العلمية فى سبيل استكشاف القارة الافريقية فى اواخر القرن الثامن عشر وطيلة القرن التاسع عشر, ونذكر فى هذا الخصوص المستر سيمون لوكاس Simon Lucas  الذى كان يقوم بالترجمة الى اللغة العربية ومنها فى القصر الملكى بلندن والذى كان اول من استعانت به الرابطة الافريقية African Association بلندن فى مشروعاتها الكشفية للقارة الافريقية بحكم خدمته السابقة فى شمال افريقية عندما اسره رجال بحرية المغرب وقد عاش اسيراً يعمل فى قصر سلطان المغرب لمدة ثلاثة سنوات حيث اتيحت له الفرصة ليتعلم الكثير مما اهله فيما بعد ليعمل نائبا لقنصل انجلترا فى مراكش لمدة ستة عشر سنة حتى اذا عاد الى لندن التحق بخدمة القصر الملكى فى لندن. وبعد ذلك وقع عليه اختيار الرابطة الافريقية ليكون اول رجالها المبعوثين لاستكشاف بلاد السودان والوصول الى نهر النيجر عن طريق مدينة طرابلس, ولكن لم يستطيع التقدم بعد مدينة مسراته بعد وصوله الى طرابلس واكتفى بجمع معلومات اهلها عن المناطق الداخلية فى افريقية بحكم نشاطهم التجارى معها. وعاد لوكاس الى لندن مكتفيا بما حصل عليه من معلومات ولكنه ما لبث ان عاد الى مدينة طرابلس كقنصل لبلاده فيها.

وبلاد الشمال الافريقى بحكم موقعها الجغرافى هى المنفذ الطبيعى لبلاد السودان وقد عرف اهلها كيف يقومون بواجبهم في هذا الخصوص قبل ان يعرف الاستعمار الاوروبي طريقه هناك. ولم تكن الصحراء الكبرى بجفافها الشديد عائقا فى ربط العلاقات بين شمال افريقية واجزائها الوسطى والغربية بل كانت عاملاً منظما. وكانت واحاتها محطات للراحة والتبادل ومراكز لنشر الثقافة الاسلامية وعن طريقها عرف الاسلام طريقه الى بلاد السودان, وقد حمله تجار القوافل معهم. وعن طريق المراكز الثقافية فى واحات الصحراء انتشرت اللغة العربية واستطاع اهالى شمالى افريقية بنشاطهم التجارى والثقافى ان يكونوا حلقة الوصل بين اهالى السودان والعالم الخارجى وعندما  بدأت الجمعيات العلمية الاوروبية فى استكشاف المناطق الداخلية لافريقية وخاصة بلاد السودان فى اواخر القرن الثامن عشر كان اعتمادها الاكبر على ما كتبه علماء بلاد الشمالى الافريقى, وفى مقدمتهم البكرى من رجال القرن الحادى عشر والادريسى الجغرافى الكبير من رجال القرن الثانى عشر. وابن خلدون المؤرخ التونسى من رجال القرن الرابع عشر والذى يعتبر  بدراساته الاجتماعية المؤسس الاول لعلم الاجتماع. والحسن الوزانى المعروف بليون الافريقى من رجال القرن السادس عشر. وقد نقلت معلومات هؤلاء العلماء الى اوروبا عن طريق الترجمة وخاصة الى اللغة الفرنسية. ويعتبر ما كتبه كل من الادريسى والحسن الوزانى عن الصحراء الكبرى والسودان من اوفى ما قدمه المؤرخون والجغرافيون القدماء عن هذه المناطق. ومما يؤسف له انه لا توجد طبعة عربية لموسوعة الحسن الوزانى مع انها ترجمت من اللاتينية الى معظم اللغات الحية كان آخرها فيما اعلم الطبعة الفرنسية(6) التى ترجمت عن اللغة الايطالية. وقد صدرت الطبعة الفرنسية المشار اليها فى جزئين بباريس فى سنة 1956م.

وكان اعتماد "الرابطة الافريقية" كبيراً فى نشاطها الكشفى على هذه الموسوعة ويستحق الحسن الوزانى المعروف بليون الافريقى دراسة خاصة لأهمية موسوعته وفضلها فى التعريف على افريقية عند الاوروبيين بل لاهمية الدور الذى قام به فى حركة النهضة الايطالية بعد ان وقع فى الاسر البحري بالقرب من جزيرة جربه فى طريق عودته الى المغرب بعد رحلته الى اسطنبول وقد باعه البحارة المسيحيون الى البابا ليون العاشر الذى اكتشف مواهبه وعرف كيف يستفيد منه بعد ان احتضنه وضمه الى العقيدة المسيحية ولقبه بليون الافريقى. وكان لحسن الوزانى دور كبير فى الجامعات الايطالية بمساهمته العلمية حتى اذا مات البابا ليون العاشر جاء الحسن الوزانى الى تونس حيث عاد الى عقيدته الاسلامية وقضى ايامه الاخيرة بها ومات فيها.

واستمر اهالى الشمال الافريقى يقومون بدورهم الحضارى على أحسن ما يكون فى الربط بين بلاد السودان والعالم الخارجى حتى عرف الاستعمار الاوروبى طريقه الى بلاد السودان مستفيدا من نشاط تجارة القوافل التى كانت تربط بلاد السودان بالمنافذ البحرية على ساحل البحر المتوسط فى الشمال الافريقى، ونجح الاستعمار الاوروبى فى تغيير اتجاه الاتصال بين اهل السودان والعالم الخارجى بإنشاء منافذ جديدة على ساحل المحيط الاطلسي, والان وقد تحررت بلاد السودان واخذت بلاد الشمال الافريقي تعمل على تجديد الدور الذى كانت تقوم به فى السابق مع البلاد الواقعة الى جنوبى الصحراء الكبرى كمنفذ طبيعى لها بدأت الجزائر بمد الطرق المعبدة لربط موانئ الجزائر ببعض مناطق السودان . وبقى على بقية بلاد الشمال الافريقى ان تعطى اهتمامها الى هذا النوع من المواصلات وعلينا أن نستفيد من تقنية العلوم الحديثة فى تمهيد الطرق الصحراوية ومدها وصناعة السيارات وتكييفها والمهمة التى ستقوم بها مع العناية بالخدمات ووسائل السلامة والامن. وبهذا يمكن تجديد  نشاط الحضارة الاسلامية وعلاقاتها بهذه المناطق التى يقع على اهالى الشمال الافريقى الدور الهام فى تطويرها على اساس انسانى حضارى بحكم الموقع الجغرافى واستمرارية التاريخ لعلاقاتنا التى حكم عليها ان تقف بعد تغلغل الاستعمار الاوروبى فى بلاد السودان.

وبلاد الشمال الافريقى تقع بجزئها الغربى على ساحل المحيط الاطلسى وهى بذلك تواجه الى حد كبير العالم الجديد كما واجهت بساحلها الطويل الدول الاوروبية وبواحاتها الجنوبية بلاد السودان. وبحكم هذا الموقع على المحيط الاطلسى كان لاهالى المغرب دور كبير فى المحاولات التى بذلت لكشف ماوراء المحيط الاطلسى قبل ان ينجح كولومبس فى اكتشافه الجغرافى. ومن الثابت ان كولومبس اعتمد على بعض الخرائط العربية فى رحلته البحرية التى ادت به فى النهاية الى بداية كشف العالم الجديد. وهناك دراسات تاريخية يقوم بها بعض الاساتذة الامريكيين للكشف عن تاريخ امريكا فيما قبل اكتشاف كولومبس لها والمحاولات التى بذلت قبله كما حدثنى بذلك الاستاذ ارثر جيفرىArthur Jefferey  فى مايو1958م. عندما كان رئيسا لقسم اللغات الشرقية بجامعة كولومبيا فى مدينة نيويورك. ومن المتوقع ان تؤدى تلك الدراسات الى معلومات هامة تفيد فى الكشف عن الدور الذى قام به بعض رجال المغرب فى كشف العالم الجديد حتى اذا قامت الثورة الامريكية ضد التبعية البريطانية و نجحت في تحقيق اعلان استقلال الولايات المتحدة الامريكية يوم 4 يوليو 1776م. كانت دول الشمال الافريقى ممثلة فى بلاد المغرب فى مقدمة الدول التى اعترفت باستقلال الولايات المتحدة الامريكية وكان ترتيبها الاول فى الاعتراف بكيان دولة الولايات المتحدة الامريكية. وقامت بلاد الشمال الافريقى بتبادل التمثيل الدبلوماسى معها. كان ذلك فى الوقت الذى لم تكن فيه الكثير من الدول الاوروبية وغيرها على علم بتلك الجمهورية الامريكية الناشئة فضلاً عن الاعتراف بوجودها.

اما كيف تجمد الفكر الاسلامى فى بلاد الشمال الافريقى بعد ازدهاره وكيف اصبح اهالى الشمال الافريقى فى مؤخرة التقدم بعد ان كانت لهم الصدارة مع ان الفرق الزمنى لا يساوى ذلك الفرق الحضارى اذا قارنا ما كان عليه الحال فى بلاد الشمال الافريقى والولايات المتحدة الامريكية فى نهاية القرن الثامن عشر. وقد رأينا كيف كانت تسعى الاخيرة لكسب صداقة دول الشمال الافريقى فهذا ما يمكن تلخيصه فى العوامل الاتية مع ضرورة الاهتمام بالعلاج السريع لاستئناف المسيرة الحضارية:

اولاً: ان الجهد الشاق المستمر الذى بذله اهالى الشمال الافريقى فى مغالبة الغزو الاوروبى بعد ان تم طرد المسلمين من اسبانيا وسقوط غرناطة اخر معقل اسلامى فى الاندلس فى 1492م. وما صحب هذا الجهد من تركيز جميع الامكانيات والقوى لصد العدوان وبالتالى رده على اعقابه . وقد استنزف هذا الصراع الامكانيات البشرية والاقتصادية ولم يعط الوقت الكافى للتأمل والتفكير والابتكار.

ثانياً: توحيد كلمة الاوروبيين بعد مؤتمر فينا 1815م. تجاه دول الشمال الافريقى واتفاق الدول الاوربية الكبرى فيما بينها على اقتسام بلاد الشمال الافريقى وبالتالى استعمارها.

ثالثًا: ما دب بين حكام الشمال الافريقى من خلافات وخصومات ساعدت الاجنبى على استغلالها لتنفيذ خطته الاستعمارية بضرب بلاد الشمال الافريقى ببعضها فى سبيل اضعافها وبالتالى الاستيلاء عليها.

رابعاً: الشعور بالحساسية المطلقة وعدم قابليتنا للنقد الذاتى الذى هو مرحلة اساسية فى مراحل الابتكار والخلق والانشاء.

خامساً: تركيز كل الجهود وتخصيصاً لحركة التحرير من الاستعمار الاوروبى طيلة النصف الاول من القرن العشرين والانصراف الكلى للخروج من مرحلة التخلف بتوجيه العناية الى تنمية البلاد وتطويرها بعد النجاح فى الحصول على الاستقلال السياسى.

سادساً: تغلغل الاستعمار الاوروبى فى افريقية ونجاحه فى عزل بلاد الشمال الافريقى عن بلاد السودان التى اوجد لها منافذ بحرية على ساحل المحيط الاطلسى بعد ان زعزعت الثقة بين اهالى السودان واهالى افريقيا، ولابد من اعادة هذه الثقة لارجاع العلاقات المتينة بينهم وتطويرها لمصلحة الطرفين.

سابعاً: يجب ان يعود البحر المتوسط لاهله مع ضمان سلامة الملاحة فيه وحريتها للجميع حتى يطمئن سكان الشمال الافريقى فينصرفوا الى الابتكار والتجديد وحتى يكون هذا البحر مصدر الخير لهم بدلاً من ان يكون مصدراً للخطر الذى يتهددهم ويقطع عليهم أمنهم وسلامتهم. وعلى شعوب هذه الدول ان يتضافروا مع الشعوب الاخرى التى تقع على سواحل البحر المتوسط فى سبيل تحقيق هذه الغاية.

ثامنا: الاهتمام باحياء تراثنا القديم ونشر ما تركه علماء الشمال الافريقى مع ضرورة ترجمة كل ما كتبه الاوروبيون عن هذه البلاد وهو شئ كثير وغنى بالمعلومات. وعلى جامعات الشمال الافريقى ان تقوم بتنسيق هذه المهمة فيما بينها وتخصيص الاموال والاشخاص الاكفاء للترجمة مع التعليق عليها واظهار ما فيها من خفايا، ولنا فيما تركه الفرنسيون والاسبان والايطاليون ما يحتم علينا ضرورة الاسراع بهذا الاهتمام حتى لا تضيع المادة الموجودة وحتى يمكن الاستفادة من العناصر الوطنية المهيئة للقيام بهذه المهمة.

تاسعاً: ضرورة اعادة النظر فى مناهجنا الدراسية على اسس تحقق ما نهدف اليه مع العناية بالمدرس فى كافة مراحل التعليم من حيث الاستعداد والاعداد مع العناية بتشجيع البحث فى الجامعات والاساتذة والاخصائيين.

وقد آن الآوان لاعطاء العناية للكيف لا للكم بحكم ما تستلزمه مرحلة البناء والانطلاق. ولا اغالى اذا قلت ان هذه الناحية هى محور الانطلاق لاستئناف المسيرة الحضارية وعليها يتوقف تحقيق اهدافنا وبرامج التنمية فالمعلم بحكم مهنته هو خالق الاجيال ومنشئ الامم.                                                                                                                 
وأخيراً بقى علينا ان نتكاتف جميعاً فى سبيل استئناف المسيرة الحضارية بعد أن نجحنا فى تحقيق استقلالنا السياسى. وعلى ابناء الجيل الجديد ممثلين فى جميع قطاعات المجتمع ان يحافظوا على ما خلفه الاجداد والاباء من تراث وان يعملوا على تنميته وتطويره على احسن ما يكون.

مصطفى عبدالله بعيو
طرابلس - ليبيا - اوائل 1975

 


الهوامش:

(1) جورج فضلو حورانى، العرب والملاحة فى المحيط الهندى، ترجمة د. يعقوب بكر - القاهرة مكتبة الانجلو – ص84.

(2). Lame- Pole, Stanbey: The Barbary Corsairs. London 1896.P.P. XVIII-316

(3). Gardner W. Allen: Our Navy and Barbary - Corsairs - Boston, New-York, Chicago 1905 P.P XVIII 354

(4). من مواليد 30 اكتوبر 1735 ومات فى 4 يوليو 1826 اى بعد نصف قرن من اعلان استقلال الولايات المتحدة الامريكية 4 يوليو 1776 وكان جون ادم اول مبعوث دبلوماسي لتمثيل بلاده فى لندن 1782 – 1787: عاد الى بلاده واختير نائبا لرئيس الجمهورية ثم رئيسا لها 1796 – 1800 بعد رئاسة جورج واشنطون.

(5). انظر الملحق

(6) Jean–Leon L’Africain: description. L’Afrique Nouvelle. Edition traduite de L’Italien par E. Epaulard, Paris 1956. 2 vols. 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
إلى مواطن، وإلى ار..
سكان شمال أفريقيا يختلفون من مرحلة تاريخية إلى أخرى، فهم في العصور الحجرية غيرهم في العصور اللاحقة، وأغلب الظن وفقاً لبعض الدراسات هم من أصول أفريقية أي من العنصر الزنجي،…...
التكملة
ماجد الورفلي 1985
رحم الله الرجل الوطنى الراقي والمربي الاكاديمي الفاضل الدكتور مصطفى بعيو رحمة واسعة، وأدخله فسيح جناته وأخلده فيها مع الصالحين والخيرين والأبرار الأخيار من أمة سيدنا الحبيب محمد صلى الله…...
التكملة
زكريا
رحم اللة الكاتب وغفر اللة لة فهو يكتب وفق منهجية علمية وبحيادية تامة فهدا مايجب ان يكون علية الباحت و العالم. الكاتب يسمي سكان شمال افريقيا لانة يعلم انهم ليسوعرب…...
التكملة
فتحي سليم
كل الشكر والتقدير للسيد بعيو على هذا المقال الذي يؤسس لتاريخ النهضة في الشمال الافريقي والذي كان فيه الاسطول الليبي او كما كان يسمى بحرية طرابلس الذي ساد البحر المتوسط…...
التكملة
مواطن
أهالي الشمال الأفريقي! من أي جنس أو عرق هم؟ وإلى أي أمة ينتمون؟ أم أن الكاتب رحمه الله لا يدري!...
التكملة
بوخالد النهضة
تصحيح: عبدالرحمن البديري الخوجة وليس الزوجة وهو من رواد الديبلوماسية الليبية في حقبة حكم الدولة القرهمانلية...
التكملة
ارابن د ئحلال
غريب هذا المقال، من هم أهالي الشمال الإفريقي؟ الأشباح عديمي الأسم هؤلاء !ّ!...
التكملة
بوخالدةالنهضةا
الشيخ عبدالرحمن الذي ذكر ه صاحب المقال يتفاوض مع اميركا في لندن هو السفير عبدالرحمن البديري الزوجة وقد خصه الموءرخ محمد مصطفي بازامة بكتاب تحت عنوان الدبلوماسية الليبية في القرن…...
التكملة
علي الأسطي
رحم الله الأستاذ مصطفي بعيو ،إذ كان كتابه تاريخ ليبيا ،أول كتاب يكتب من ليبي بطريقة علمية حديثه ولا يشاركه في ذلك الا الأستاذ محمد مسعود فشيكة ،كان الأستاذ مصطفي…...
التكملة