عزة كامل المقهور: غازل الألف أغنية...  أحمد الحريري 30/1/2015 07:24 عزة كامل المقهور: غازل الألف أغنية... أحمد الحريري
عزة كامل المقهور بحث

الشاعر والفنان المرهف أحمد الحريري.. رأيته أكثر من مرة في مكتب والدي ببيتنا.. قصير القامة، يرتدي بنطالا من "الجينز" وقميصا مشجرا، يطلق شعره الأسود الفاحم الناعم، وله شارب مميز يؤطر ابتسامة لا تفارق محياه.. ودودا، باسما، ضاحكا، وحساسا.. ولعل هذا الحس المرهف جعل منه صنفا آخر من البشر قريب إلى الملائكة.. لا يتنفس إلا في أزقة المدينة القديمة، منهل أشعاره وأغانيه، يكتب أينما كان حتى على علبة دخانه الروثمان... أحمد الحريري، طرز كلماته كما كان يطرز في دكاكين مدينته العريقة.. يجلس بتؤدة.. يدندن وهو يمسك بخيوط الفضة والحرير يداعب بها أصابعه وينسج بها أجمل الأشكال على قطع القماش.. وبقدر حنيته مع هذه الخيوط الثمينة وبقدر جمالها و بهجتها، بقدر حنية كلماته التي يدندن بها بوداعة.. لتخرج من بين شفتيه عذبة رقراقة كبحر طرابلس الذي خبره.

"عرجون فل عشيه
شميت فيه ايام حلوة هنية
منين كان بدلة مزينه المنشيه
بيني وبينك كان ليه معاني
عرجون فل منين فاح خـداني
خطر عليا عمرنا الحقاني"

"آه مشي ياريدي
تتفكري ماضي مشي ياريدي
لحن الهوى غنيه ليا وعيدي"

"... لحقنا الندم في غيابه
زي الريد اللي فقد صحابه
الوطن لو فارق يطول عذابه
واللي فارقه فارق زهاه ياعينه
والديس وتعدينا
فتنا النخل والديس واتعدينا
لحقنا الندم ، ياريتنا ولينا"

سمعت والدي يحكي مع صديقه الحريري عن ركوب الموج، والصيد... عن السرتمة والبرنقالي... يضحكان وهما ينسجان معا حكايا بحر طرابلس الهادئ بطبيعته.. الثائر الغاضب حينما يتصارع مع رياح الشتاء وينثر لؤلؤه على صخوره السوداء المحاطة ببرج بوليلة.. ليعاود هيجانه من جديد.

كنت أسترق النظر إلى اياديهم فأجدها أيادي تحتضن أقلاما..أو تضغط أصابعها على سيجارة.. استمع إلى الحكايا التي تتخللها ضحكاتهم، وحركات اياديهم وهما يسحبان الشباك.. أو خيوط "الشليف"، فلا أرى إلا صورا والوانا ورسومات وكلمات.. ولا أرى خدوشا أو علامات... من أين لهم بكل هذه الحكايات أتساءل؟

"عالموجة عايشين سهارة.. ما أصعبها حياة البحارة
بين الشبكة واللمبارة... نكافح نجري ليل نهار
هوبا.. هيا يارجال...."

كان الحريري لا يحب الجلوس طويلا.. سرعان ما ينهض ويتجول في مكتبة والدي.. رأيته يوما يتناول روايات لنجيب محفوظ.. وكان من بينها "زقاق المدق".. كبرت وقرأتها وانا اتذكر أحمد الحريري يقف أمام مكتبة والدي يرتفع بجسده على أصابع قدميه وهو يقلب كتبه.

لم يكن الحريري يجهد نفسه وهو يكتب.. كانت كلماته تخرج من حنجرته كما ينفث دخانه.. سلسلة.. ناعمة.. بسيطة.. لكنها عميقة.. زاخرة.. تحمل الألم والسعادة.. الفرح والحزن.. الغربة والوطن.. تخرج من احاسيس مكثفة مصدرها بلده الذي عشقه.

"لو تؤمريني فوق نسمة نطير... ونجيبلك حزمة نجوم تنير
تضوي طريق الحب للإنسان.. يا ليبيا وتزرع ترابك خير"

كتب ألف أغنية.. تغنى بها سلام قدري، و محمد رشيد، وأحمد سامي، وخالد سعيد وراسم فخري وغيرهم... أعد البرامج الإذاعية وقدمها.. اكتشف شخصيات في عالم الغناء والتمثيل والإذاعة والصحافة.. شجعهم وكتب لهم ومهد لهم طريق الشهرة.. ولم يسعى لها.. لم يصدر إلا ثلاث دواوين.. والبقية ما تزال بين دفتي كراريسه وأوراقه.. والكثير منها ماتزال يانعة تعتمل في صدره.. لم يعد يقوى على الإمساك بالقلم وخطها في كلمات مكتوبة... نستمع لكل تلك الأغاني التي كتبها وننسبها للمتغنين بها ولا نتذكره.. وهو مبدع كلماتها.

"منديلها الوردي.. تذكارها عندي
وين ننشد عليها.. يتنهد في يدي
منديلها من عام.. جاني هدية حب
ورسمت فيه أحلام.. بيها كبر القلب
من حكمة الأقسام.. والهجر من غير ذنب
وقعدت والمنديل
ساهر معاه الليل
من ننشده عليها
يتنهد في يدي"

أتذكر آخر مرة رأيته فيها كان في مكتب والدي في الظهرة.. جاء مهموما.. يحمل حزنا على كتفيه.. دخانه يطل من قميصه المزركش.. وهن جسده وخبا اللمعان في عينيه.. جاء يشتكي من صحفي تمادى عليه في مقال كتبه.. كان متأثرا وحزينا.. مد بالصحيفة لوالدي ولم يتحدث كثيرا.. وكأنه يلقي بهمه إلى صديقه ويطلب منه أن يحميه من وخز تلك الكلمات التي طالت في حقيقتها تراث طرابلس واستهزأت به.. كان والدي يقرأ ويردد "لا حول ولا قوة إلا بالله".. ولم يطفئ والدي غضبه في ذلك اليوم حتى أعد إخطارا للصحفي، سطر فيه بقلمه تعريفا لأحمد الحريري ودوره في الثقافة الليبية.. ثم ختمه بتحذير عنيف، وطالب منه الإعتذار العلني.. رأيت حينها أسارير الحريري تنفرج وهمه المكثف يذوب.. وابتسامته تعود.. مع نظرة عرفان وود لصديقه الذي شد أزره فورا.

لم تمض سوى أيام قليلة حتى جاء الصحفي إلى المكتب وهو خجل.. قبل رأس الحريري وأعتذر.. لم يطلب الحريري أكثر من ذلك.. تعامل مع الأمر بروح الفنان وبتسامح  الشاعر.. لكنني أتذكر جيدا أنه قال له.. ليس من حقك وأنت ضيف على طرابلس أن تستهزأ بتراثها الذي يصعب عليك – على ما يبدو- تذوقه.. نظر اليّ فأبتسم..

"تنشدني ع الصحه الله يهنيك
لكن شنهو قصدك وشن خطرنا عليك
شن هو اللي جابك بعد ان طال غيباك
قلت علينا حبابك عايش بينا و بيك
مش كنت مجافينا و قدرك عالي علينا
نسيت ايام شقينا وين كنا نبيك"

أيها الحريري.. ملقي الشباك وجامعها وهي تنؤ بالخير... ملامس خيوط الفضة والحرير دون أن يكون في جيبك إلا بضعة دنانير.. نساج الكلمات والأغاني والسيناريو والبرامج.. حمّال "الأسية".. يا من لم نوفه أبسط حقوقه.. فعاش بأنفة "ولاد المدينة".. يا من بخسناك حقك ولم نذكر حتى إنك كاتب أجمل الكلمات والأغاني.. يا من لم نحفظ لك حقوقك بالنشر والتوزيع.. يا من لا يعرفك طلبة مدارسنا ولا معلمي اليوم.. يا حريري طرابلس.. أيها الصبور على جحودنا.. يكفي أن مدينتك تعرفك.. وتحبك.. لأنك تغنيت لها وبها.

"حطيتك ياشمس في كفي... ورسمت مشاوير
وقلتلهم بنعيش.. لا حرير ولا ريش
سموني الدرويش!!
غلطة واحدة تكلف عمرك.. يا تايه ياغريب.
دنيا هات وهات... ويعيشوا الباشوات
ويموت.. الحوات!!"

عزة كامل المقهور
12.1.2014

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
إمحمد حماد الترهوني
بارك الله فيك سيدتي وسعدت بأبيك وصاحبه الشاعر الرقيق فياض العاطفة جياش المشاعر ... أبن طرابلس ...التي فتحت ابوابها للجميع ومنحت حبها وعطفها للجميع ... وكان اسلوبك مبدعا وانيقا وفي…...
التكملة
عبدالدائم الغرابلي
أحسنت استاذة عزة..وكأنك بهذه المقالة الرائعة تخففين من شعورنا بالذنب نتيجة عدم تقديرنا وتكريمنا لمبدعينا وأولهم فارس الأغنية الليبية الحديثة بلا منازع المبدع أحمد الحريري..جزاك الله عنا كل خير ,الف…...
التكملة
سالم العربي
نعم يا عزه المدينه القديمه و ابنائها و بناتها--عرجون فل منين فاح خداني-- قد رحلت بنا الي عالم عمتي عتيقه العجوز المسنه التي كانت تقص علينا و علي ركابه سيدي…...
التكملة
علي باني
نسج احمد الحريري ألف أغنية.. لكنها ستكون ناقصة اذا لم. يُكتب عنها ما كتبتي... رحم الله كامل.. صديق الحوكيّة والحرارية... وارقّهم احمد الحريري.. بارك فيك....
التكملة
صالح حويل
رائعة انتي ياسيدة عزة .. ربي يحفضك...
التكملة
بونوارة
نظم يجمع خيوط الفضة مع عراجين الفل مطرزا منديلها الوردي ويضوع عبق البخور في زنقة الريح و يعلو زفيف دفوف الزاوية الكبيرة وفي الخلفية يصلناهدير البحر وابتهالات البحارة.. يامهون.. وهم…...
التكملة
الى السيدة عزة
عرجون فل عشيه
شميت فيه ايام حلوة هنية
منين كان بدلة مزينه المنشيه
بيني وبينك كان ليه معاني
عرجون فل منين فاح خـداني
خطر عليا…...
التكملة
Reader
You really do bring back memories of my beloved Tripoli. Reading this brought tears to my eyes (I am 61 years old by the way). Bless you my true Tripolitanian...
التكملة