عزة كامل المقهور: محامية ليبيا الأولى تغادرنا... (الأستاذة/ كريمة الهادي التركي) 27/2/2015 15:53 عزة كامل المقهور: محامية ليبيا الأولى تغادرنا... (الأستاذة/ كريمة الهادي التركي)
عزة كامل المقهور بحث

محامية ليبيا الأولى تغادرنا... (الأستاذة/ كريمة الهادي التركي)

أستاذة كريمة، لابد لي وأن أنعيك اليوم وسط ازدحام كل تويجات الورود الوردية التي تتساقط بغزارة.. لم نعد نتساقط في أحضان أحد.. إما في مواطن الغربة، أو ننزوي كما انزويت وغادرت دون أن نعلم بأنك تهمين بالرحيل.. كثر الموت في بلادنا حتى لم نعد نشعر بوخزاته أو بنظرة الوداع التي كنا نراهاعلى محيا عجائزنا.. نموت صغارا اليوم، او نسقط فجأة كتويجات الورد الندية.

شبه كبير بيننا كان يربطنا.. كلما تجالسنا ذكرنا سيرتيهما العطرة.. والدك الأستاذ الهادي التركي رئيس محكمة استئناف طرابلس، ووالدي الأستاذ كامل المقهور المستشار بالمحكمة العليا.. محاميتان  تجمعنا القاعات الواسعة، والممرات الضيقة، وحكايا وشكاوى الموكلين.. وملفات فتحت وأغلقت ونقلت للأرشيف، وأخرى نتأبطها لسنوات بأوراقها التي علاها الصفار.. رائحة الكتب، و أرشيف المحاكم، وعرق المساجين في السجون.. أتذكري؟ كل تلك التجارب التي تقاطعت بيننا.. إصرار أوبوينا أن ننجح في مهنتنا التي تشبعا بها ونقلاها إلينا. مكتب الهادي التركي ومكتب المقهور للمحاماة.. غادرا، وبقينا.. نلامس كل مالامسوه وتركوه لنا بحب واحترام كبيرين.. نلمع اسميهما على لوحة نحاسية ونرفض أن يعلوها الصدأ، أو تركن في احدى الأدراج.. وها أنت تغادرين.. فمن سيحفظ ذلك الأرث الكبير؟

لا نرى الأستاذة كريمة إلا وهالة من الإحترام تلتف حولها، بسيطة، باسمة، ودودة.. لا تعترف بالعمر ولا بمسافاته.. ضحكتها طفولية وقلبها حبة لوز أخضر نمت في طرابلس وترعرعت فيها. درست في كلية الحقوق ببنغازي وسكنت داخلي البنات- حيث درست أنا وسكنت- لتصبح أول محامية ليبية.

التحقت بالعمل في المحكمة العليا وتولت القسم الفني وعملت تحت أشراف والدي رحمه الله حين كان مستشارا بها..كثيرا ما افتخرت بتلك التجربة حيث كانت تستخلص المبادئ من احكام المحكمة، وتصفها على الجانب الأيمن للأحكام تمهيدا لإصدارها في أعداد مجلة المحكمة العليا، وتحكي لي كيف تعلمت من والدي رحمه الله، الذي بدوره تعلم من والدها قاضي القضاة، فمثل أمامه في قضايا الجنايات وأمن الدولة، ومنها قضية البعثيين والناصريين..ثم افتتحت مكتبا للمحاماة مع والدها، وبعد تأميمها أنتقلت للعمل في إدارة المحاماة الشعبية وتولت إدارة إحدى أقسامها بإقتدار.

أما الرابط الإجتماعي، فكان عطرا رقراقا مشبعا بالذكريات، فقد سكنت عائلتها وبيت جدي لأمي في ذات العمارة المطلة على ميدان الشهداء... ترافقت وتصادقت مع خالتي سامية الغرياني التي غادرتنا منذ عام مضى.. فأبت إلا اللحاق بها.. كلما التقينا تحكي لي عن المناشير السياسية التي كانت تصلها من خالتي سامية ليوزعنها بين الطالبات، أو تحت اقواس عمارات ميدان الشهداء في العهد الملكي.. تضحك وهي تروي لي التفاصيل التي سبق وأن سمعتها مرارا من خالتي.. لأضحك مجددا.

جيل مميز.. في الحركة الكشفية، وركن الأطفال، ومسابقات الأدب، والانشطة الرياضية، ومدارس طرابلس المحدودة، والجمعيات النسائية، ووشائج اجتماعية ندية..جيل من النساء اغتربن للدراسة من أجل أن تكون للمرأة مكانا ومكانة في ليبيا.. لكنه جيل من النساء القادرات لم يمنحن براحا للحركة،  ولم ينلن حظه وانزوى، إلا البعض، ومن بينهن كريمة.. التي سارت بتؤدة ودون ضجيج، حتى حققت لنفسها رفعة، و مكانة مستقلة ومحترمة لدرجة ان طال احترامها موكليها.

أستاذة كريمة.... مكتبك في شارع كراتشي، لوحتك النحاسية المنقوش عليها إسمك.. الحاجب يتفنن في المناداة على موكلك.. الملف الأزرق في يدك، الشنطة الجلدية، كتبة المحاكم الودودين، قضاتنا المتجهمين الطيبين، إدارة القضايا تقف على الجانب الآخر، أعضاء النيابة المتعاونين معنا وغير المتعاونين، أجيال تتوالى على مهنة الألم كثيرات منهن تدربن على يديك.. قاعات المحاكم الواسعة والضيقة، المكاتب المهترئة والفخمة، طابور الموقوفين، الزملاء من المحامين الواقفين في انتظار أن ينادى عليهم، الكراسي الخشبية القليلة غير المريحة، عمي محمد.. عمي الشويرف.. عمي يوسف.. الأستاذ/ الأستاذة، أكشاك الكتبة العموميين والآت التصوير، المحكمة العليا امام شاطىء البحر... عذرا فقد أطلت...أسمع شقشقة العصافير.. هاهو الشتاء يرحل ومعه ترحلين.. سلام عليك.

عزة كامل المقهور
تورونتو 27. 2. 2015

 

 


إضغط هنا لمراجعة التعليمات الخاصة بتعليقات القراء

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
أسيا ابراهيم معمر محاميه
عزائي فيك... هو أن لايكون هناك عزاءْ.... عزائي فيك.... ليس صياح.... ولانياح ولابكاءْ.... عزائي فيك.... هو الصمت ولاشيئ غير الصمت.... إذا غاب حليم من الحلماءْ.... عزائي فيك.... هوالحب إذا حُكم على الحب.... بعدم البقاءْ.... ماالدمع؟.... إذا ضمت الأرض…...
التكملة
نجيب علي سيفاو
ربي يرحمها، كانت أستاذة فاضلة متفانية في خدمة الحق...
التكملة
إبن طرابلس
وعليها وعليك السلام عزيزتى عزة .. نعم انها سيدة فاضلة بمعنى الكلمة رحمة الله عليها وسائر المسلمين .... التقيت المرحومة مرة فى مكتبها الكائن بشارع كراتشى المتفرع من شارع امحمد…...
التكملة
Sania aziz
الله يرحمها ويسكنها فسيح جناته...
التكملة
صلاح بشير المرغني -المحامي
لقد عرفناك ولكم كنتي محط احترام وتقدير زملاءك ما تراجعتي يوما عن دعم مهنة الحق ونصرة المظلوم. ويكتب التاريخ بمداد من طيب ومسك سيرتك،، الحزن للخبر يلفنا ولا نقول الا…...
التكملة
عادل الطلحي
عرفتها في مكتبها القريب من ميدان الجزائر بطرابلس... طيب الله ثراها استاذة مثقفة ومحامية قديرة....
التكملة
خليفة الترهوني
نعم كان الهادي التركي وكامل المقهور من اشهر الناس في ليبيا خاصة بطرابلس عند ستينات القرن الماضي وكان الهادي التركي تحديدا مشهور جدا بتطبيق العدالة خاصة في قضايا الاخلاق ولعلا…...
التكملة
احمد ابراهيم الفقيه
رحمة الله الراحلة الكريمة السيدة كريمة الهادي التركي وغفر الله لها واكرم مثواها في دار البقاء وشكرا سيدة عزة لمقالة تعد مثالا راقيا لادب الرثاء وما تضمنه من انصاف للسيدة…...
التكملة