محمـد بن نصـر: نحن وخرافة المجتمع الدولـي 24/3/2015 17:59 محمـد بن نصـر: نحن وخرافة المجتمع الدولـي
محمد بن نصر بحث

استوقفني ما قاله د/ طارق متري (في محاضرته عن ليبيا) بخصوص مصطلح "المجتمع الدولي"! لقد قال بالحرف الواحد: "أنا لا أعرف ماذا تعني تماماً هذه العبارة"! فإذا كان مندوب الأمم المتحدة لا يعرف تماماً ماذا يعني هذا المصطلح، فمن يعرف؟! لذا قررت سبر غور المصطلح من خلال محركات البحث على الشبكة العنكبوتية. وأود في هذه الورقة اشراك القراء في نتائج البحث؛ على المستويين الذاتي والموضوعي.

أولاً. على المستوى الذاتـي

لقد اتضح لي أني كنت من الغافلين عن الفرق بين "المجتمع الدولي" و"منظمة الأمم المتحدة". وما قادني للوقوف على غفلتي هذه هو نفي مندوب الأمم المتحدة، غير المباشر، لما يسمى "المجتمع الدولي"! وكأنه كان يقول لنا: أيها الغافلون ليس هناك شيء أسمه "المجتمع الدولي"؛ أنتم ترددون مصطلحات خرافية، بطريقة ببغائية، لأنكم لا تفرقون بين الحقيقة (=الأمم المتحدة) والخرافة (=المجتمع الدولي). وإذا كان هذا هو، في الواقع، حالي أنا (أستاذ القانون، الذي عاش في اوربا لعشر سنوات، ويتكلم لغتين أجنبيتين)؛ تُرى كم مستمع من المستمعين أومشاهد من المشاهدين قد استوقفه تشكيك مندوب الأمم المتحدة في وجود "المجتمع الدولي" ؟!

أفضت بحوثي- على كل حال- إلى عدة نتائج أهمها تعريف ناحوم تشومسكي لـ"المجتمع الدولي" على أنه "الولايات المتحدة وزبائنها (= الدول التابعة لها) ووسائل الاعلام التي تسوق لرؤية الولايات المتحدة في الدول الزبونة".

أما الدكتور عبد الستار قاسم فيقسم المجتمع الدولي إلى سبع طبقات، أهمها الأولى والثانية، وهي على النحوالتالي:

1- تشكل الولايات المتحدة وإسرائيل الطبقة الأولي في هذا المجتمــع.

2- وتشكل الدول الأوروبية المساندة تلقائيا لإسرائيل والولايات المتحدة الطبقة الثانية.

أما الدول العربية فيضعها الدكتور قاسم في الطبقة السادسة، وهي حسب تصنيفه "دول في الغالب فاسدة إداريا وماليا، وحكامها شهوانيون، وشعوبها خاملة كسولة تستجدي العون والمساعدات من الآخرين ولا طموح لديها."

هذا هو إذن "المجتمع الدولي"!.. المجتمع الدولي ليس الأمم المتحدة، وليس العالم أجمع، وإنما طبقات، على رأسها أمريكا وإسرائيل وفي مؤخرتها العرب العاربة، التي غرقً حكامها في الفساد، وتطبعت شعوبها بالكسل والتسول وانعدام الطموح!

كل هذه الحقائق لا تتبادر إلى الذهن عندما يسمع غافل مثلي عبارة "المجتمع الدولي". وهذه الغفلة لا تؤثر على ادراك شخص أوبضعة أشخاص في ليبيا، وإنما تؤثر في مدى ادراكنا لحقائق ما يجري لنا وما يجري في العالم. ولذا لابد أن انتقل بالمصطلح وفهمه من المستوى الذاتي إلى المستوى الموضوعي، ومن عدم الفهم كمشكلة ليبية إلى الالتباس لدى عموم الأمة، التي أصبحت كالكرة، تركلها كل الارجل فتطير في كل اتجاه، دون أن تعي من واقعها المؤلم شيئاً.

ثانياً. على المستوى الموضوعي

من الناحية الاجرائية/المنهجية لابد من التفرقة هنا بين ليبيا والأمة. وأقول "من الناحية الاجرائية/المنهجية" فقط، لأن جوهر الازمة في ليبيا هو، موضوعياً، انموذج للأزمة (السياسية) التي تمر بها الأمة عموماً، ولذا سأبدأ بليبيا وانتهي بالأمة. على المستوى الليبي يرى د/ متري أن النزاع هوفي حقيقته على الغنيمة (=الدولة وثرواتها في الداخل والخارج). وسواء اتفقنا أواختلفنا معه حول حقيقة الصراع، لا يخفق د/متري في التفرقة بين الموقفين القانوني (=الشرعية)  والسياسي (=موازين القوة/السلاح على الارض) وما يعكسانه على المستوى الاجتماعي في شرق ليبيا وغربها. وهذا هوما لم يدركه الكثير من الليبيين بعد، ويرفض المنظوون تحت شرعية برلمان طبرق ادراكه في المطلق. إنهم يتشبثون بالشرعية، وحيث لم يكن لديهم من القوة ما يؤكد شرعيتهم على الارض فإنهم يعيشون على خرافة "المجتمع الدولي" كسند لشرعية لم تلبث إلا قليلاً حتى أطاح بها حكم المحكمة العليا.

كان برلمان طبرق يتقدم سياسياً ويحتل موقعاً متميزاً مقارنة بخصومه، لأن أحداً لم يشكك بنزاهة الانتخابات التي أتت به، بالرغم من أن المشاركين فيها كانوا 30% ممن شاركوا بانتخابات 7/7/2012. هذا الموقف خسره برلمان طبرق، بحكم المحكمة، لصالح المؤتمر الوطني العام الذي تحسن مركزه في مواجهة البرلمان. وبدل الدخول في مفاوضات لـيبيـة-لـيبيـة لحل الازمة، ظل البرلمان في طبرق يتمسك بنتائج الانتخابات التي أصبحت في خبر كان.

ما الذي يجعل البرلمان يتمسك بنتائج انتخابات تم ابطال الاساس القانوني الذي قامت عليه؟

هناك سوء تقدير على المستويين القانوني والسياسي من طرف قيادات البرلمان والحكومة في طبرق. على المستوى القانوني ظن برلمان طبرق أن الشعب هوالاله الذي يهب المُلك لمن يشاء وينزعه ممن يشاء! وطالما أن الشعب/الاله قد نزع السلطة من المؤتمر ومنحها للبرلمان، فإن البرلمان يستطيع أن يفعل ما يشاء، بما في ذلك إلغاء كتائب الثوار، وحتى قبل، أوبدون، شكليات تسليم واستلام. وهذه الفرضية انهارت ليس لأن المحكمة قد ابطلت التعديل الدستوري الذي نتج عنه البرلمان المنتخب، وإنما لأن الاله الذي يعتمد عليه البرلمان ليس إلهاً؛ وإن قال شاعر أفريقيا "أصبح الشعب إلهاً"! وعلى المستوى السياسي قال عمر بن الخطاب "لا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له"، فحتى لوكانت للبرلمان شرعية ولكنه لا يستطيع فرضها، لانعدام القوة لديه، فشرعيته والعدم سواء. العالم يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية "ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني"، فهل قامت "الدولة الفلسطينية"؟ برلمان طبرق والسلطة الفلسطينية يعيشان على الاوهام النظرية التي تجعل من الشعب إلهاً! الشرعية القانونية لا تتحول إلى شرعية سياسية إلا بالقوة التي تفرضها في الواقع، ولذا تتوقع السلطة الفلسطينية وبرلمان طبرق من "المجتمع الدولي" أن يفرض هذه الشرعية، وهذا وهم مركب لأن المجتمع الدولي تحركه المصلحة وليس الشرعية.

البرلمان وحكومته في طبرق يعيشان، في واقع الحال، أضغاث أحلام. وقد لخصها د/ متري على النحو التالي:

"في الاشهر الفاصلة بين الحملة على المؤتمر الوطني العام وانتخابات مجلس النواب الجديد، عاد الجنرال خليفة حفتر إلى الواجهة واطلق عملية الكرامة الهادفة إلى استئصال الجماعات الارهابية لا سيما منظمة انصار الشريعة، بدءًا من بنغازي. واستطاع حشد بعض التأييد في اوساط الجيش الوطني، وشن حرباً شاملة لم تميز بين التنظيم الارهابي المذكور وغيره من كتائب الثوار - الاسلاميين وأنصاف الاسلاميين! واستقوت بحركة حفتر القوى غير الاسلامية؛ أي ذاك المزيج من مقاتلي الزنتان وورشفانة والليبراليين والمحافظين والقبليين والفدراليين وبعض أنصار النظام السابق. وظنت القوى السياسية هذه أن نجاح العملية العسكرية، مشفوعاً بالفوز الانتخابي المرجح، كفيل بضمان توليها السلطة والقضاء على نفوذ الاسلاميين إلى غير رجعة. لذلك لم تستجب للدعوة للحوار قبل الانتخابات...". (عدم قدرة البعض على فهم موضوعية متري في تقديره للواقع الليبي قاد هذا البعض إلى التصريح بأن د/ متري من "الاخوان المسلمين"..!)

رفض الحوار إذن موقف مبدئي بالنسبة لبرلمان طبرق و"فرسان الكرامة"، الحالمين باستئصال الثوار والاسلاميين إلى غير رجعة. لقد كان هذا هوموقفهم بالأمس، وهذا هوموقفهم اليوم. وكل هذه المواقف/الأحلام مبنية على خرافة اسمها "المجتمع الدولي"، الذي عليه التدخل لحسم الموقف لصالح الشرعية التي لا تكتمل إلا باستئصال الاسلاميين والثوار، مرة واحدة، وإلى الابد! ولما كان ظن الحالمون أن المجتمع الدولي يجهل الارهابيين الحقيقيين بادروا إلى إغراءه بجميع الاسلاميين (دون تفرقة بين الارهابيين وغير الارهابيين)، حتى يختلط عليه الأمر، ويصفيهم جملة واحدة.

وما يغيب عن ذهن هولاء هوصناعة الغرب للارهاب، ورعايته له، باعتباره مبرر وجوده في المنطقة وحجته في السيطرة عليها! ولهذا لا يحارب الغرب مصادر الارهاب التي تمده بالارهابيين الذين يقاتلهم، فوجوده في المنطقة وسيطرته على حكامها يتوقف على وجود الارهاب والارهابيين.  

وللانتقال من ليبيا إلى الأمة أقول: يتبارى فريقان من الليبيين في اتهام قطر وتركيا من جهة، ومصر والامارات من الجهة الأخرى! أما الدكتور متري فيرى الحقيقة كما هي: ليبيا ساحة صراع اقليمي بين محور مصر-السعودية- الامارات، ومحور قطر- تركيا. المحور الأول يدعم "الليبراليين"، وهم من وصفهم الدكتور متري بالـ"المزيج" الذي يضم القبليين والفدراليين وبعض انصار النظام السابق. وهذا "المزيج" العجيب، يعد بالعجب العجاب على المستوى السياسي، لاسيما إذا انتهى إليه الأمر في ليبيا. والمحور الثاني، محور قطر- تركيا، يدعم "الثوار" و"الاسلاميين" من منطلقات تعاطف اسلامية، وهذه المحور أكثر تماسكاً وفعالية من محور الكرامة، الذي يراهن على شرعية مفقودة ومجتمع دولي خرافي!

وما تقدم يجعلني لا أشك في أن الازمة التي تعيشها ليبيا هي في الواقع ذات الأزمة التي تعيشها الأمة، فالانقسام الرأسي في ليبيا الذي يبدأ في الحكومة، وينتهي في الأسرة مروراً ببقية البنى الاجتماعية كالقبيلة والقرية والمدينة، هو ذات الانقسام الذي يشق الامة نصفين، فريق مع التغيير، وفريق مع بقاء الحال على ما هوعليه.

المحور السعودي الاماراتي صاحب عقيدة ثورية، ويدعم "ثورة 30 يونيو"، ويؤمن بأن "بقاء الحال ليس محال"، والدليل هورجوع الجيش المصري للسلطة. ولا يشاطر هذا المحور هذه القناعة الثورية سوى إسرائيل، التي تعيش على بقاء الحال في المنطقة على ما هوعليه (من تشرذم وانقسامات). انطلاقاً من هذه الشراكة في العقيدة الثورية يقف المحور السعودي-الاماراتي مع مصر واسرائيل صفاً واحداً ضد الجبهة الارهابية (حماس والاخوان) التي ترى أن بقاء الحال من المحال. وهنا أخلص إلى أن المستفيد الوحيد من التغيير على الطريقة المصرية هو"إسرائيل"، و"المجتمع الدولي"، اللذان نجحا في جعل كيد المسلمين في نحرهم.

بالامكان القول إذن أن الخاسر مما يجري ليس حماس أوالاخوان أوالاسلام السياسي، أوالاسلاميين عموماً، وإنما الأمة المسلمة التي تعبد إلهاً "يحب اللذين يقاتلون في سبيله كأنهم بنيان مرصوص". وهذا ما لا يفكر فيه أحد من اللذين يشاركون في المجهود الحربي الاسرائيلي وهم لا يشعرون! وأقصد هنا الغافلون/الابرياء من أبناء المسلمين، لأن الحكام العرب يشاركون في المجهود الحربي الاسرائيلي وهم يعلمون. ولأول مرة- منذ غزوة الاحزاب- يقف العرب واليهود صفاً واحداً في مواجهة المسلمين. الفارق الوحيد بين "غزوة الاحزاب" و"غزوة غزة" هو أن المنافقين هذه المرة من العرب بينما كانوا في غزوة الاحزاب من اليهود.

كيف يشارك أبناء المسلمين في المجهود الحربي الاسرائيلي؟!

لوقلنا أعماهم الحقد على الاسلاميين، الذي تغذيه وسائل الاعلام، لكان في ذلك بعض الحقيقة، ولوقلنا أن الاسلاميين يرتكبون أخطاءً كارثية تخيب آمال الناس فيهم، لكان في ذلك بعض الحقيقة، ولكن هذا ليس كل الحقيقة، لأن هناك عوامل مساعدة للتدليس على المغفلين، ومن أهمها خرافة الارهاب "ظاهرة عالمية" وأن اللذين يواجهون الارهاب في المنطقة يواجهونه نيابة عن "العالم"! وهذه خرافة استخدمتها أنظمة الأمس(القذافي)، وتستخدمها أنظمة اليوم(الاسد).

لابد من التفرقة بين الارهاب ومحاربة الارهاب!

وجود الارهاب لا يمكن إنكاره؛ أما الحرب فهي على الاسلام، وما الارهاب إلا للتغطية على تلك الحقيقة. والمغفلون من المسلمين لا يدركون أن الارهاب يتمدد لأنه لا يحارب إلا في وسائل الإعلام، الذي يخلط الاوراق بمهنية عالية لا يستطيع المغفلون معها التفرقة بين الارهابيين وغير الإرهابيين من الاسلاميين. وهنا يعتمد المدلسون في وسائل الاعلام، والمغفلون من المعتمدين عليه، مقولة هنتجتون: "المسلمون كلهم ارهابيون" والحل كما يراه هنتجتون هو في أن "نسلط [نحن الامريكان] الذي يؤمنون بأفكارنا ويعملون معنا على الذين لا يؤمنون بأفكارنا ويعملون ضدنا"؛ وهكذا تذهب ريح المسلمين ويصبح كيدهم في نحرهم.

وهذه النتيجة تستدعي مراجعة بعض القناعات البالية، ومن بينها تقسيم العالم إلى "دار اسلام" و"دار حرب"، لأن الحرب على الاسلام تجري في بلاد المسلمين، وهذا ما يجعل دار الاسلام ودار الحرب شيء واحد. دار الحرب الأصلية تخطط وتجهز، أما التنفيذ فيتم في دار الاسلام، وبإيدي الذين يتظاهرون بالإسلام.

أول من له مصلحة في مقولة "الارهاب ظاهرة عالمية" هوالانظمة الفاسدة في المنطقة، لأن في تلك المقولة إلغاء لفرضية أن الارهاب سببه الظلم والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. إسرائيل أيضاً لها مصلحة في مقولة "الارهاب ظاهرة عالمية"، لأن في ذلك إلغاء لمسئوليتها عما يعانيه أويرتكبه الفلسطينيون أويرتكب في حقهم من الارهاب. مقولة "الارهاب ظاهرة عالمية" تعفي المسئولين الحقيقيين عن الارهاب من مسئوليتهم.

لست هنا بمعرض المحاكمة لأي كان؛ وكل ما أود الوصول إليه هوالقول بأن قطر والامارات ومصر وتركيا وليبيا دول مسلمة. وإذا اعتمدنا هذا المبدأ نخلص إلى أن الحرب الجارية الآن هي حرب أهلية بين المسلمين. ولكن عندما يقف بعض المسلمين مع إسرائيل والبعض الآخر ضدها، فإن أي إنسان يرجو الله واليوم الأخر لن يخطيء في اختيار معسكره.

دمتم بسلام والسلام عليكم

محمد بن نصر (أرشيف الكاتب)

 

إضغط هنا لمراجعة التعليمات الخاصة بتعليقات القراء

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
طاهر عمران
بعث طيب تشكر عليه و علي الليبيين حل قضيتهم بانفسهم .. ولكن مأزق ليبيا في هذا التيار الذي يدعي الاسلام من اخوان و مقاتلة و انصار شريعة و قاعدة و…...
التكملة
مراقـــب
لم توضح أين هو معسكرك. كنا نود معرفة خصوصيتك أنت فيما أوردته في هذا المقال. لم تقل رأيك الشخصي و الى أي المعسكرات تنتمي بعقلك و فكرك. ثم ما هو…...
التكملة
مراد
يؤسفني القول ياسيادة كاتب المقال بانك انت من تعيش اضغات احلام وان البرلمان حقيقة واقعة والمؤتمر من الماضي وان المحكمة وان اقررنا جدلا بنزاهتها لم تذكر ولم تمس من قريب…...
التكملة
عبدالبارئ عبدالله تربل
في سنة 2010 حضرت محاضرة في القنصلية السودانية بطرابلس كان المحاضر يتحدث عن المجتمع الدولي فسألته عقب المحاضرة عندما نتحدث عن مفرد المجتمع الدولي فهل يعني هذا أن للمجتمع الدولي…...
التكملة