د. أحمد ابراهيم الفقيه: تونس الخضراء والهجمات الارهابية السوداء 29/3/2015 18:40 د. أحمد ابراهيم الفقيه: تونس الخضراء والهجمات الارهابية السوداء
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

تونس الخضراء والهجمات الارهابية السوداء
 

اثار الهجوم الاجرامي الذي نفذته عناصر ارهابية من تنظيم داعش على متحف باردو في العاصمة التونسية نتج عنه عشرين قتيلا اجنبيا وثلاثة تونسيين وعددا كبيرا من الجرحي، صدمة في العالم اجمع لحجم التوحش الذي صاحب هذا الاعتداء على معلم  حضاري، ومركز من مراكز التراث الانساني، واستهدف اناسا ابرياء من السياح القادمين الى تونس من مختلف اقطار العالم، كل جريمتهم، انهم احبوا هذا الارث الحضاري الانساني في ، وتحملوا متاعب السفر وتبعاته ونفقاته، هذه البلاد، وجاءوا اليه للاستمتاع بتنوعه وجماله الفني وما يحمله من معاني وحدة الحضارة الانسانية، في احضان تونس الخضراء الجميلة،  فكانت المكافآة التي تنتطرهم، على ايدي شباب من اهل البلاد، هو قتلهم بدم بارد في مجزرة تستحي من ارتكابها ابالسة الارض والسماء.

وقد سقط بالاضافة الى هؤلاء السائحين الابرياء، عدد من اهل البلاد، قتلوا وعدد آخر ما زالوا في المستشفيات بين الحياة والموت، واصاب الحادث في مقتل موردا من موارد الدخل القومي التونسي هو السياحة، واذا كان الارهاب "لا يحتاج الى اسباب ومسوغات لتبرير جرائمه الوحشية، وانه يضرب حيث يستطيع دون حساب، ويسري كالوباء، يعبر الحدود مثل النار في الهشيم" كما يقول الكاتب المصري المعروف مكرم محمد احمد، الذي استهدفه الارهاب في محاولة لقتله لمجرد انه استخدم قلمه في ادانة الارهابيين، فان ذلك لا يمنعنا من مواصلة البحث والتنقيب عن جذوره ومنابعه، وفهم  واسبابه، مع اتفاقنا مع  نفس الكاتب من الحل الاساسي في التعامل معه  هو اعلان الحرب عليه الى ان يرفع راية الاستسلام.

ويقتضي حادث باردو، بالضرورة، القاء نظرة على الحالة التونسية التي انتجت هذا الارهاب بنسخته الداعشية التونسية، ومن اين جاء، وكيف صار يقوم بهذه الضربات، ويمارس ارتكاب المجازر وعمليات الاغتيال التي طالت رموزا ثقافية وقادة سياسيين، وتواصل استهدافها لاعضاء المؤسستين الامنية والعسكرية بهجمات سوداء، افسدت صفاء السماء في بلد حباه الله بجمال الطبيعة ونقاء الاجواء واخصرار الارض وبهاء الشواطيء التي يؤمها السائحين من اصقاع الارض.

ويكتسب الحادث الارهابي الذي حصل في متحف باردو، بما لهذا المكان من رمزية ذات ابعاد ثقافية وحضارية، دلالة خاصة، فهو يحدث في بلد من اكثر البلاد العربية اخذا باسباب الحداثة، وتوطينا للتفكير العلمي والعقلاني، واهتماما بترسيخ الثقافة العصرية والاستفادة من مكتسباتها، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فان تونس الخضراء هي بلد جامع الزيتونه، منارة العلوم الدينية الشهيرة، عرفت دائما بالوسطية والاعتدال، عبر تاريخ طويل وعريق ورموز في الفكر الديني، من اصحاب الاستنارة والتجديد، وهو صنو للازهر الشريف في القاهرة، وجامع القرويين في فاس، وكانت تونس احدى البلدان التي اخذت باسباب النهضة التي عرفتها المنطقة العربية والاسلامية في انعطافة القرن التاسع عشر والقرن العشرين، مع وصول خير الدين التونسي، صاحب كتاب "أقوم المسالك، في احوال الممالك" الصادر عام 1896، الى المنصب الاول في الدولة، يدعو فيه الى ما دعا اليه رفاعه الطهطاوي قبله في مصر بان تأخذ الامة العربية الاسلامية باسباب الحضارة الحديثة التي صنعت نهضة اوروبا، مقترحا تلك الصيغة التي توائم بين اقتباس اسباب النهوض من الامم المتقدمة في الغرب مع الاحتفاظ بالهوية الاسلامية والشخصية الحضارية الخاصة بشعوب المنطقة، ما تميز به عن معاصريه من اهل التنوير والتبشير بالقيم الحديثة، انه يقول ذلك من موقعه في اعلى مركز في السلطة التنفيذية في بلاده قادرا على  وضع افكاره موقع التنفيذ، على الاقل وفق ماهو متاح له من صلاحيات في ظل الوصاية الفرنسية.

واسوق هذه المقدمة التاريخية الخاصة بارهصات النهضة والتنوير، في مطلع القرن الماضي واواخر القرن الذي قبله، لاشير الى تجذر الحداثة في تونس وباعتبار ذلك التاريخ خلفية لهذه المسيرة التي تعززت في النصف التاني من القرن العشرين، وبعد انالت تونس استقلالها من الاستعمار الفرنسي عام 1956 على يد المناضلين الذي قادهم في مرحلة من مراحل النضال الزعيم الحبيب بورقيبة، والذي قلده الشعب التونسي منصب رئيس الجمهورية، ويمكن بالتأكيد الحديث عن كثير من اوجه القصور والتقصير التي شابت نظام هذا الرئيس، الذي كان فرديا بامتياز، يعتمد على كاريزما الزعيم الاوحد، وما يحمله من رصيد لدى الشعب، بسبب مسيرته النضالية، الا اننا لا نستطيع ان ننكر عليه، عددا من المؤهلات الشخصية، التي انعكست بشكل ايجابي على نظامه وتكريسه لمبدأ الدولة المدنية العصرية ذات التوجه العلماني، واحدى هذه المؤهلات وصوله الى اعلى المراتب في التعليم، المتاح في الحقبة التي عاصرها و الظروف التي نشأ في اطارها، ففي حين كان الزعماء التاريخيون في البلاد العربية، من ابناء جيله، يكتفون بالتعليم الاولي والمتوسط، خريجي الكتاب والمدارس القرآنية، حيث لا تتعدي الدراسة مدة سنوات الروضة في العصر الحديث، امثال الملك ادريس الليبي، ومحمد الخامس المغربي، والملك عبد العزيز، فان ابورقيبة، بدأ قيادة المسرة في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو المحامي الذي درس القانون في السوربون، اعلى جامعات العالم كعبا في ذلك الوقت، وكان يجمع مع ثقافته الفرنسية ثقافة عربية تقليدية نالها قبل الذهاب الى باريس، وهذا المستوى الرفيع من التحصيل التعليمي والثقافي الذي حصل عليه، جعله واعيا وهو يعتلي سدة الحكم، باهمية العامل الثقافي في تنمية المجتمعات، فعمل على تعميم المكتبات والمراكز الثقافية، واهتم اهتماما خاصا بالتعليم، وقدم مبادرات جريئة وقوية فيما يتصل بتحرير المرأة واشراكها في الحياة واتاحة فرص العمل والتعليم امامها، وعزز الاجراء التنفيذي الحكومي بتشريعات وقوانين تنصف المرأة، وتضعها على قدم المساواة مع الرجل، بما في ذلك المشاركة السياسية، ولم يكن غريبا اثناء ثورة الياسمين ان نرى المرأة التونسية تتقدم الصفوف في المسيرات والعمل الثوري والسياسي، وعزز مسيرة الاستقلال بما اسماه السياسة الثقافية القائمة على احياء التراث الشعبي التونسي وفق مفهوم الخصوص التونسية، كما كان يقول، والتراث الحضاري العربي في مراكز عرفت تاريخا مشهودا مثل القيروان عاصمة عقبة بن نافع ومن بعده الدولة العباسية ودولة الاغالبة  والمهدية عاصمة الفاطميين، وتوسع عهده في نشر المراكز الثقافية وكنا نزور تونس في الستينيات ضيوفا ثقافيين على مراكز شهيرة مثل ابن منظور وابن خلدون وابن الرشيق، التي كان يدير احداها كاتبا من ابناء جيلي هو الصديق الراحل سمير العيادي، وهي مراكز لا تكتفي بوجود قاعات القراءة واعارة الكتب للمشتركين، وانما فضاء للتفاعل الثقافي واقامة المحاضرات والمعارض للفنانين التشكيليين، وساحة للحوار بين المثقفين، واهتم النظام بالصناعات التقليدية والتراث الشعبي في هذا المجال وفي مجال الفنون، واذا كان قد حصر السياسة في حزبه واركان حكمه فان  الحريات الاخرى كانت مكفولة مثل حرية العمل النقابي، والحريات العامة والخاصة، ولم يكن النظام يتدخل فيما يأكل الناس وفيما يشربون او يلبسون او كيف يسهرون ويقضون اجازاتهم، او كيفية التعليم الذي يرتضونه لاطفالهم، باتاحة الفرصة للتعليم الخاص وتعليم اللغات مع مدارس الدولة التي تتيح التعليم مجانا لابناء البلاد، وجعل تونس مركزا من مراكز الاستقطاب السياحي، قبل ان تصبح السياحة صناعة وتجارة، في بقية انحاء العالم.

وساعد ابورقيبة، في انشاء مجتمع عصري في تونس، ان المستعمر الفرنسي، صنع قاعدة ثقافية فرنسية، لم يدخر النظام البورقيبي جهدا في تعريبها،  في مجال التعليم، ثم في دواليب الدولة، ومؤسساتها ووزراراتها، حتى ترسخت وصارت هي اللغة الاولى في البلاد، والفرنسية لغة ثانية، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فقد ساعده على ترسيخ قيم الحداثة وروح العصر ان المجتمع التونسي، بعكس الجارين الليبي والجزائري، حيث تشكل الطبيعة البدوية الصحراوية العنصر الغالب في ليبيا، وتشكل حياة الجبال وحياة الصحراء العنصر الغالب في الجزائر، فان العنصر المدني، لاسباب تتصل بخريطة تونس والبعد الديمغرافي، هو العنصر الغالب، فكان سهلا ان يجد ارضا خصبة لدعواه في التحديث والتجديد، وهي قيم بقدر ما ترسخت واستقرت في عقول وقلوب الناس من ذكور واناث، بقدر ما  صنعت ردود فعل لدى بعض الناس، وجيوب مقاومة ورفض لهذا التوجه المدني العصرى العلماني، وهي التي تحولت فيما بعد الى هذه البؤر الارهابية التي استطاعت بعد سبات طويل وعميق، ان تستيقظ على اصوات قرع الطبول التي تحركت في  جبال وكهوف افغانستان ووجدت اصداء لها  في جبال الجزائر واحراجها، قبل ان تتحول الى وباء ينتشر في مشارق  ومغارب العالمين العربي والاسلامي، وقد وجدت الدعم والمد على ايدي فرانكشتاين الغرب، الذي يصنع الغيلان والكوابيس، دون ان يعبا بان يكون بعض اهله من ضحاياها... وهو حديث يستحق ان يتواصل في حلقات اخرى.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
Libi Baseet
Good to see that you are back, please don't deprive us from your as always fruitful contributions, you are one of the very few writers that put Libya on the…...
التكملة
عثمان
بالرغم من كل المكتسبات الحضارية التي تحققت في تونس فأن البروز المفاجيء لهذه القوي الظلامية وجد له بيئة خصبة من الفقر والتهميش والجهل وسلطان المفاهيم والثقافة الدينية المغلوطة. ظاهرة البروز…...
التكملة
احمد بن علي
شكرا للكاتب المرموق الدكتور احمد علي هذا المقال المفيد والمنصف ونسال الله ان يبعد عن اوطاننا كل مكروه. شكرا...
التكملة
بنغازي
عزيزي د. أحمد... أظننا قد نحتاج إلى أجزاء أخرى من رائعة خرائط الروح... لابأس من تحديث الخرائط من حين لآخر... موفق بإن الله...
التكملة