المهدى يوسف كاجيجي: بأى حال عدت يا ابريل؟!! 30/3/2015 14:03 المهدى يوسف كاجيجي: بأى حال عدت يا ابريل؟!!
المهدي يوسف كاجيجي بحث

ابريل شهر مثير للجدل، يراه البعض شهر الجمال، واكتمال البهجة بقدوم الربيع، معناه باللاتينية التفتح، وفى السومرية، الباكورة، لكن المتشائمون يصفونه بشهر اللعنة والحروب، إذ فيه اندلعت الحرب الأهلية فى أمريكا، وفيه ولد هتلر، وانهزمت ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية، وصدر فيه أيضا الجزء الاول من الكتاب الأخضر وسقطت بغداد.  يقول عنه الشعراء "امطار ابريل القليلة تاتى بزهور مايو" - كما اشتهر بكذبة ابريل، التى يراها البعض دعابة وَلَهْو وتسلية ويراها البعض الاخر خطيئة تستحق العقاب، فى ليبيا أخذت شهرته السيئة من ردود فعل النظام الحاكم تجاه معارضيه، اعتقال، وتعذيب وقتل وشنق وشراسة لا حدود لها فى قمع الخصوم.

ابريل.. الكذبة والدعابة

فى يوم الأول من ابريل.. فى منتصف الستينيات من القرن الماضى، صدرت جريدة الحرية وعلى صفحتها الاولى خبر وصورة لطبق طائر بعنوان "هبوط مركبة فضائية فى طرابلس" وتفاصيل الخبر (هبطت مركبة فضائية غريبة، يعتقد  انها قادمة من كوكب اخر بالقرب من شاطئ  البحر،  طريق الملاحة، ويؤكد شهود عيان مشاهدتهم  اجسام غريبة هبطت من المركبة وقامت بالتجول فى المنطقة) - اثار الخبر حالة من الفضول الممزوج  بالخوف لدى سكان المدينة، وانطلقت عشرات السيارات للمنطقة المذكورة على امل شاهدة المركبة الغريبة وركابها، على الطبيعة. لم ينقطع رنين الهاتف على مكاتب الجريدة لمعرفة تفاصيل اكثر عن الخبر، فى صباح اليوم التالى نشرت الجريدة مربعا فى نفس المكان كتب فيه "الى القرّاء الأعزاء كل اول ابريل وانتم بخير" كان الخبر مجرد دعابة من المحرر الى القرّاء بمناسبة "كذبة ابريل"، كانت هناك طبعا ردود فعل متباينة، هناك من احتج بشده واعتبر عملية النشر استهتارا واستهزاء من المحرر، واعتبره البعض الاخر دعابة محببة، ومر الموضوع بسلام وان ظل لفترة طويلة مثارا للنقاش فى مدينة طرابلس.

ابريل.. بداية عصر الفوضى

فى الخامس عشر من ابريل لعام 1973 وفى مدينة زوارة أصدر العقيد معمر القذافى شهادة وفاة الدولة الليبية بإعلانه نقاطه الخمسة مبشرا بعصر الفوضى والتى شملت، 1) نهاية الحكم بالقانون ونشر شريعة الغاب - "تعطيل العمل بالقوانين المعمول بها"، 2) قمع المعارضة -"القضاء على الحزبيين واعداء الثورة"، 3) ارساء قواعد الفكر الأوحد "اعلان الثورة الثقافية"، 4) تدمير الادارة "اعلان الثورة الإدارية "، 5) نشر الفوضى - "اعلان الثورة الشعبية". وهكذا وعلى اثر انتهائه من خطابه انطلقت اجهزته القمعية لالقاء القبض على المئات من الطلبة وخريجى الجامعات، الكثير من الكتاب والمفكرين والاعلاميين، وتم ايداعهم فى السجون والمعتقلات. يقول الكاتب الكبير استاذنا عبدالله القويرى رحمه الله: انه دخل السجن وخرج ولم يعرف سببا لذلك، فيقول ساخرا، "كنت اصاب بهستيريا من الضحك عندما يضعوا قدمى فـى "الفلقة " وكنت ارى نظرات الخجل والالم فى عين من يمارس عليَّ نوبة الضرب والتعذيب".

ابريل.. المشانق

كان لخطاب زواره وما تبعه من إجراءات الأثر الأكبر فى بث حالة من الرعب والخوف فى معظم القطاعات ماعدا القطاع الطلابي، الذى وقف صلبا ورفض تهديدات العقيد الذى طرحها فى ابريل 73 تحت اسم الثورة الثقافية والتى أعلن فيها وبالحرف الواحد: "ساحرق وامزق كل الكتب، ساشن ثورة على المكتبات والجامعات والمناهج وعلى كل شئ مكتوب.. هذه الكتب ستحرق ومن يقف معها سيحرق، الذى يريد ان يمضى معنا يمضى، والذى ليس معنا يبقى تحت اقدامنا، والذي يتخلف ندوسه بالاقدام". فى ابريل 1976 فاض به الكيل وقال :"انا سئمت قطعا من الجامعات والكتابات والاتحاد الذى كونتموه، الان وجب تشكيل لجان ثورية تقوم بتطهير القاعدة الطلابية ان أرادوها بسلام والا فلتكن بالدم، انا قرأت المنشورات التى يكتبها بعض الهلافيت هنا فى الجامعة وقد جاء الوقت لقطع أيديهم ثم قطع رقابهم".

رفض الطلبة الانحناء والانسحاب من الساحة كبقية القطاعات، وكان على النظام الذى فقد صوابه ان يبطش وبتوحش، فتمّ فى الثالث من ابريل 1977 تنفيذ حكم الإعدام رميا بالرصاص على 22 من صفوة الضباط وزّعوا على عدد من المعسكرات وتم القتل امام زملائهم فى صباح يوم السابع من ابريل، وفى احد الميادين بمدينة بنغازى امام مبنى ما يسمى بالاتحاد الاشتراكى، تم نصب أعواد المشانق. اعتقد المارة بداية ان هناك تجهيزات فنية  لتصوير فيلم عن جهاد الليبين فى الحقبة الإيطالية، بعد ذلك انطلقت الصفارات لشد الانتباه بما يجرى وامام ذهول الجميع، اقتيد الطالب عمر دبوب وزميله محمد الطاهر بن سعود، مكبلي اليدين معصوبى العينين وقام ضابط من الجيش بيد مرتعشة بتلاوة حكم الإعدام على عجالة تم علّق الجسمان الطاهران فى المشانق المعلقة. عندها، انطلق صوت باك وسط الزحام  يقول "آه يا بلد معادش فيكي رجالة". فى نفس اللحظة وامام ميناء بنغازى كانت هناك رسالة مشابهة بعثها النظام للقطاع العمالى حيث تم إعدام المطرب الفنان عمر المخزومي وعامل مصرى بسيط ساقه حظه التعيس ليكون ضمن الأبطال فى مسرحية هزلية دامية انتجها النظام ليرهب بها الخصوم، وظلت الجثمان الطاهرة معلقة حتى غربت الشمس. منذ ذلك اليوم المشؤوم اعتبر النظام يوم السابع من ابريل "يوم عيد تصفية الحساب مع الرجعية".

بأيّ حال عدت.. يا ابريل

فى المسرحية الغنائية "ناطورة المفاتيح"  للفنانة اللبنانية فيروز تقول الحكاية: كان يا مكان بلد ابتلاه الزمان بحاكم ظالم جبان، فى مقاومة سلمية للظلم، قرر الحكماء من أهله  الهجرة الجماعية، وحرمان الحاكم من متعة التحكم فى الرقاب.. وهل هناك قيمة لحاكم بدون شعب؟. سلم الاهالى مفاتيح بيوتهم أمانة لاكثر السيدات حكمة وأطلقوا عليها اسم،" ناطورة المفاتيح" اى حارسة المفاتيح واوكلوا لها التحاور مع الحاكم وشروط العودة، فشل الحاكم والزبانية فى اقناع الحارسة بخيانة الأمانة وعندما مارسوا عليها أساليب الضغط قالت: "لو قبلت معناه إللى راحوا.. راحو بلا ثمن".

ذكرتنى الجملة الاخيرة بحالنا وما يجرى على ارض وطننا المنكوب باهله وتوالت الأسئلة،  اين ذهبت كل التضحيات التى قدمتها اجيال متلاحقة من أنبل الرجال؟ اين ذهبت الدماء الزكية التى سفكت، والاسر التى شردت، والامهات اللاتي ثكلن، والأطفال الذين تيتموا؟، هل يعقل ان يكون هذا الحصاد لرحلة  مليئة بالالام والذل والتعذيب والمهانة من اجل حلم بوطن افضل لأجيال قادمة؟، هل يعقل ان يكون الحصاد  بلد ممزق، يتقاتل فيه أهله تحت رايات الحقد والحسد والبغض والكراهية؟ الموت فيه حدث يومى، بلد تذبح فيه الرؤوس كما تذبح الشاه بدم بارد، هل يعقل ان كل الذين راحوا.. راحو بلا ثمن؟! ويبقى سؤال: لو استمر هذا الحال هل سيدركنا ابريل القادم وعلى الخريطة السياسة بلد اسمه ليبيا؟!

المهدى يوسف كاجيجي

 

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ليبي و خلاص
على فكرة هناك تصريحات بتحرير بنغازي بعد 6 ايام (من 1 ابريل) اي في السابع من ابريل و جيش القبائل حاول دخول طرابلس يوم 19 مارس ... يبدو أن للتواريخ…...
التكملة
الليبي الغلبان
الموت فيه حدث يومي صدقت واعتقد ان كان ٧ ابريل يوم بعد ١٧ فبراير اصبح كل يوم ، و ان كان لدينا جلاد اصبح لدينا جلادين وان كان لدينا علي…...
التكملة
الشعب
إستاد مهدي ان الأخلاق قد اندثرت والجشع وبيع الوطن بدراهم وكان الوطن لا يساوي عند ابنائه الاكم استطعت ان تقطع من رداء يكتسيه ان ساسة هدا الزمان هم العن ممن…...
التكملة
محمد على
استاد يوسف شكرا على المقال الذى يذكرنا بهذ الشهر واتمنى ان نتحصل على اسماء المجرمين التى قامو باعدام الشهداء واعتقد ان معظمهم الان تحولو الى ثوار....
التكملة
جمعه صالح
اذا كنا نريد نقيم اي شي فيجب النظر للاشياء الايجابية والسلبية والفترة الزمنية لكل منهما،نبداء بالمساجين هل هناك شخص في ليبيا يعرف ما هو عدد المساجين الان او كيف يعاملون…...
التكملة
عمر
سيد مهدي كاجيجي: ارجوا ان تذكرني بكم عدد المعتقلين والمعدومين والمخطوفين والمشردين من كلا النظامين: نظام القذافي ونظام الاخوان او نظام سبتمبر ونظام فبراير. الارقام تقدم صورا اوضح من شطحات…...
التكملة