فاطمة غندور: بوقالات... عويشة 31/3/2015 07:09 فاطمة غندور: بوقالات... عويشة
فاطمة غندور بحث

بوقالات... عويشة *
 


السيدة (عويشة محمد الخريف) رائدة ليبية في مجال العمل الإذاعي الليبي، بمبنى الصمعه الحمراء – شارع الزاوية - مدينة طرابلس باشرت عملها كمُذيعة رسمية بتاريخ(15-5-1958م)، حينها لم تسبقها إلا السيدة نديمة بن موسى (شقيقة الفنان المتعدد العطاء الراحل: كاظم نديم) التي تركت الإذاعة سريعا لتكون المُعلمة الرائدة أيضا، وسيدة بإذاعة بنغازي: حميدة بن عامر، والتي سبقت السيدة خديجة الجهمي التي انتقلت بعملها بإذاعة طرابلس في ستينيات القرن الماضي، ظلت السيدة عويشة أنثى المكان الوحيدة تدخلُ بخمارها (البيشـه)، رفقة زملائها من المذيعين، والمحررين والممثلين، والفنين، حينها كانت الظروف الاجتماعية عصية على من تدخل المدرسة للتعلم فما بالك بمن تعمل بالإذاعة، عانت عويشة نظرة قاسية مُجحفة بحقها إذ قاطعها الجيران، وحرضت الجارات والدتها لتمنعها من ممارسة ما اعتبرنه عارا آنذاك، فصوتها المنطلق من الراديو يفضحها في دكان الفحم (البياض) بشهادة إحداهن!، عدا ظلم ذوي القربي فمنهم من هددها بالقتل، لكنها صمدت مدافعة عن خيارها، واضطلعت بدورها بتوجيه رسالتها الإذاعية الى مستمعيها عبر أول برامجها (ما يـطلبه المستمعون)، ثم تقاسمت إعداد وتقديم برنامج (مع الأسرة) من طرابلس، مع السيدة حميدة بن عامر بإذاعة بنغازي يوما بيوم، لتشكل علاقتها التخصصية التي تواصلت مع الأسرة الليبية بعامة، والمرأة فيما بعد بخاصة، وأصبح مشروعها عبر توالي سنوات عملها بالإذاعة الليبية (الجماهيرية سابقا)، وإذاعة طرابلس المحلية منحَ معارفها وخبراتها المُتعلقة بتفاصيل الحياة الأسرية، والعادات والتقاليد، الملابس والمصوغات وما عمرت به المدينة القديمة من تراث تقليدي فقد وثقت صوتا لسيرة بعض صناعها وحرفيها الرواد في: سوق الحرير، شارع الدباغ، سوق القزدارة، وتفننت طوال مواسم بث برنامجيها الرمضانيين (صحة وعافية)، (مطبخ رمضان) في اشهار ثقافة الطبخ، ومنها الوجبات الشعبية الليبية على تنوعها وتعددها.

الاذاعية عويشة رفقة مخطوطها

علاقتها بالبوقالة - ولا أبالغ إذا ما قلت عشقها - بثتها في برنامجيها (رمضان أيام زمان) أواخر التسعينيات، و(زغرودة الخميس 2002م) حيث خصصت فقرة لها تفاعلت معها مستمعات مُهتمات، وحافظات للبوقالة، كالحاجة فاطمة الخوجة، حينها كانت السيدة عويشة تستعيد بذاكرتها ما حفظته من أيام الطفولة بباب بحر شارع سيدي سالم، فهناك وُلدت ونشأت، وبين جنباته عاصرت (سهريات الليالي) كان بيتهم يعمر بمن تدعوهن والدتها الحاجة حوا: صبايا الأهل والجيران كلا منهن مشغولة بما تتعلمه وتتقنه فمنهن من  تغزل الصوف، أو تُطرز قماشتها (بماكينة الكناويشة أو بالقرقاف) والجارات من النساء الكبيرات في السن الخالتين: سليمة، وفاطمة الخُمسية، تحاذيهن صفرة الشاي (عالة الشاهي الليبية ولوازمها: أدواتٍ، وصحون الحلويات) وتفوح في المكان روائح البخور (الفاسوخ، والجاوي، والوشق)، حميمية اللمة، وأجواء القعدة النسوية تُكملها وتُجملها شارة البدء بطقس بعث البوقالة وأوله: أن تعقد إحدى الفتيات (وأحيانا امرأة متزوجة) حاشية أو أحد طرفي غطاء رأس (تستمال حرير أو برمبخ) وتقرب العُقدة من فمها لتبوح بسرها، وعادة ما تكون أمنيتها المخفية مُتعلقة بزوج مأمول، أو بعودة شقيق، أو أب غائب...الخ، فالأماني والرغبات مُشرعات، عندها تُطلق إحدى السيدات الحاضرات بوقالة يتم ترجمة فحواها على ما أضمرته الفتاة وعندها تصير الأمنية معلنة، وهكذا يتواصل سمر الليالي بأماني وتطلعات الفتيات بما تنشره البوقالة من أمل وتفاؤل وبهجة، الواحدة تلو الأخرى..، وعودة الى اهتمام وعناية السيدة عويشة بالبوقالة، وهي تصدر كتابها الأول التوثيقي بجهد مثابر، فحين أطلعتها على ما جمعته الشاعرة الليبية (المقيمة بهولندا) كريمة الشماخي في كتابها (البوكالة في الموروث الشعبي الليبي) بادرتني بملاحظاتها عنه: بدءً من العنوان، ثم محتوى الكتاب، ومن ذلك ما ورد عن: أوقات البوقالة، والتحويرات الحاصلة في النص، وبعض شروح المفردات، وقد شاركتها صديقتها الصحفية والأديبة نادرة العويتي ذات الملاحظات، وفي ظني أنها من ساهمت في دفعها وتشجيعها على توثيق مخزونها من البوقالات الطرابلسية، وحين أعلمتها بتأويلي لمفردة بوقالة: أن: البو= الأب، وهو لفظ دلالته تُشير الى مالكها، (القالة، القول) وربما كان المُلقي الأول لهذه الأبيات ذكر!،، ثم تحولت ملكيتها الى المرأة مع الإبقاء على التسمية (البو قالة)، فمتنها شُغله الشاغل والمخاطب فيه الرجل، وإن كان الخطاب في طقسه أحادي الوُجهة من المرأة الى المرأة، وقد أفادتني السيدة عويشة بتفسيرها لمعنى البوقالة الذي ينحو الى وظيفة البوقالة أداة الشرب (جرة فخارية) فحكاية صوت ثقوبها (بق بق بق)، وخصوصية علاقة الفم بها (أداة البوح السري) وهو ما يتفق مع إشارة الشاعرة كريمة من أنه قد تكتب الراوية (رغم أن التعليم للمرأة كان مُستبعدا) أشعار البوقالة، وتضعها في إناء من الفخار(البوقالة) بعد أن تُبخر المكان بشكل جيد، وهو تفسير يقارب معنى (البوقالة) النسوية الجزائرية.

والبوقالة: نص شعري شفاهي نسوي، له طقسه الخاص كما هو شعر نساء الطوارق، أو نساء البشتون الافغانيات، يعبر عن مكنون وجدانهن، فيكون البلسم المداوي، والرسالة التي تبثها لواعج الحب، والشجن، وشكوى الحنين والغياب والفقد، ونص البوقالة نص عفوي بسيط يُنظر إليه من خلال سياقه الزماني والمكاني، الذي أفرز وضع المرأة الاجتماعي والاقتصادي بما عانته من كبت، وتغيب، وضيق عوالمها، وفي رأيّ أنه يُحسب لها دفاعا عن تلك الأوضاع ما باحت به عبر متن مُختلف فنون القول، من شعر، وحكاية، ومثل... وغيرها، ففي نص البوقالة (كمثال) ومن خلال قراءة انطباعية لمخزون ذاكرة استعادية، لما وثقته مشكورة السيدة عويشة التي تعلن أن موطن البوقالة مدينة طرابلس وضواحيها نلحظُ إعلانا للتمرد، وجرأة في الخيارات الحياتية بما يخالف المألوف الاجتماعي السائد، فالقائلة تستدعي حبيبها لنبذ واقع سائد، والدعوة تبدو استفزازية متحدية، وسأشير هنا الى أن السيدة عويشة تحرجت من نشر بوقالات أكثر جرأة وبوح بواعز سببه على الاغلب اجتماعي، رغم نُصحي لها بتوثيق يشمل الإحاطة بأي نوع من بُنى البوقالة، فالجرأة مُبررها أن المستقبل والمرسل لنص البوقالة هي المرأة، وهو أدبها بخاصة، ففيم الحرج ومن من!! وفيما يلي نماذج تطرح كثيرا من مما يعكس انشغالاتها، ورأيها في الحياة التي عاشت في كنفها:

(حوشنا في الجبل / حبنا ف اسفل / بوي حبسني وما لقيت من نرسل / نرسلك خاتم دهب في عنق حمامه / ونتلاقوا في سقيفة الحمام/ نبوس خدك الوردي / ونصيم سبعة أيام)... (ناسنا حزار / وجيرانا فطان / دير روحك حنش / وتعالى علي السيسان / نشبحك يا غالي من شقوق البيبان).

وفي البوقالة أيضا اقتراب من المحظور السياسي والديني الجمعي: (يا قلب خيرك تخمم / وخيرك مجور عليا/ حتى الباشا تحول/ وجت مكانه الرعيه)... (اللي يحبك حبه / ووريه الحب كيف يكون/ واللي يكرهك أكرهه / ولو جد بوه شريف).

وما يلفت الانتباه أيضا ورود (البحر) كوسيلة لهجرة الحبيب، إذ هو عندها ليس المعادل للسلام والطمأنينة، بل للغياب والفقد: (سولتكم يا بنات ما تاخدو البحري /  يشيع القلعات / ويخلي الدمع يجري)... ولن نُغيب أيضا جماليات تفاصيل الامكنه التي تعج بها البوقالات، ولعل فيها ما يشي بملامح البيت الطرابلسي بكل ما فيه، وملابس وزينة المرأة، والرجل أيضا... كثيرا ما استمتعت بصوت السيده الرائدة الاذاعية عويشه الخريف وهي تترنم بالبوقالة وتمنحها معناها وإيقاعها المرتبط باللهجة الطرابلسية، واتمنى أن يحظى محبو ومحبات البوقالة بتسجيل صوتي مرفق بالكتاب التوثيقي الذي نتمنى أيضا أن ينال حقه من الدراسة والبحث.

فاطمة غندور

* مُقدمة كتاب السيدة عويشة الخريف (البوقالات الطرابلسية) صدر 2011، وتُنشر لأول مرة.

 

 


إضغط هنا لمراجعة التعليمات الخاصة بتعليقات القراء

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
منار عبد الرزاق الطرابلسي
الصوت الجميل والعزيزة النفس فاطمة كان بإمكانها ان تكون مذيعة السلطةاو فنانة السلطة لها من الامكانيات صحفية وباحثة واعلامية وفنانة مسرح لكنها نات بنفسها عن ما تقدم له غيرها من…...
التكملة
مفهوم !؟
كما لا تنسوا المذيعتان السيده عائده الكبتي والسيدة فاطمة عمر وعلى عطائهم فى تحسين وتطوير العمل الأذاعي الليبي....
التكملة
نعيم حميدة
رصد جميل للمذيعة فاطمة غندور والتي اتمنى عودتها للراديو فهي تملك صوت متميز وكنت احد المتابعين لها عندما كانت تقدم برنامج إلى الثائرين في مواقعهم وأوراق مسموعة غي إذاعة صوت…...
التكملة
زمان
اني انشوف ان الفرق كبير بين هذه النساء التي ذكرتيهن في مقالتك ونساء اليوم وخصوصا نساء الموتمر الوطني... انظرو ا اليهم كيف كانوا محترمات وكيف كانوا يبذلون جهدهم في اعطاء…...
التكملة
سعدون
كنت اتوقع ان تقوم سيداتنا المتسياسات وعضوات الاحزاب والتجمعات والمهرولات في كل الاجتماعات ان يقمن بدور في التذكير بشخصيات نسائية ليبية اعطين الكثير وقمن بادوار رائدة ولكن خيب ظني صمتهن…...
التكملة