د. أحمد ابراهيم الفقيه: العدو الذي يسكن داخلنا 16/4/2015 05:12 د. أحمد ابراهيم الفقيه: العدو الذي يسكن داخلنا
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

العدو الذي يسكن داخلنا


تختلف الحالة كثيرا عندما يأتي التهديد من عدو خارجي، عنها عندما يتمثل هذا التهديد في عدو يهاجمنا من داخلنا. وكانت الحالة الاولى هي الشائعة في العالم العربي، الذي خاض اقطاره شرقا وغربا، نضالا تعددت انواعه، حربا وسياسة، مقاومة شعبية وجيوشا نظامية، لحسم الصراع مع العدو الذي ياتي من الخارج، سواء عندما كان غزوا اجنبيا استعماريا، وصل الى احتلال اقطار عربية، او عندما كان في شكل تحرشات وصدام وحروب قصيرة الامد، مثل تلك الحروب التي خاضتها دول عربية تقع على خط المواجهة مع دولة الاحتلال الصهيوني، في حروب 48 و56 و67 و73، وما بعدها وقبلها من كر وفر على جبهة لبنان  اوفي غزة او مع مصر اثناء حرب الاستنزاف.

حروب الاقطار العربية هذه الايام، تتركز اغلبها، ان لم تكن كلها، باستثناء الحالة الفلسطينية، في عدو يسكن بداخلنا، ويتمدد في عمق ارضنا، ويلقى المدد، في اجناده ومحاربيه، من ابناء الوطن نفسه، وضحاياه في الجانبين من اهل البلاد نفسها، حيث يحارب الوطن وقواه الشرعية، وجيشه الرسمي، تنظيما متطرفا متوحشا موغلا في الاجرام، وفئة من ابناء البلاد تمكنت جرثومة التطرف من ادمغتهم، وصورت لهم ان هذه الحرب التي يخوضونها ضد اهلهم وشعوبهم، انما هي حرب مقدسة، يبذلون من اجلها ارواحهم، في سبيل اخضاع اوطانهم لحكم الله الذي يرونه حسب هواهم، والتمكين لشريعة الله كما يتصورونها، والرجوع الى كتابه ليكون هو الدستور بدل الدساتير الوضعية.

ولسنا هنا في صدد مناقشة هؤلاء المتطرفين في قناعاتهم، او ردهم عنها، بالاقناع والحجة والبرهان، لانه من الواضح ان الامر ليس فكرا فقط، وانما هو شروخ في النفوس، وميول اجرامية تاصلت فيها، جعلت هذا المريض المصاب بهذه العلل العقلية والنفسية التي تدفعه الى جريمة، يريد ان يغطي امراضه وميوله الاجرامية، وربما الانتحارية، بغطاء مقدس، ليذهب الى مهمة القتل والتفجير والانتحار، التي تقتضي ان يتزنر النار، ويفجر نفسه في حشد من الابرياء، يقوم بهذه المهمة البشعة القبيحة، وهو يشعر بالارتياح والطمأنينة، اكثر مما يشعر بهما القاتل المجرم، الذي يتبع المافيا مثلا، والذي لا يجد غطاء ذهبيا مصنوعا من دين لا يقر به الدين، بظن انه يخدم رسالة سماوية، ويلبي نداء من خالق الكون، وسوف تكون المكافأة دخوله الى فراديس الله،  حيث سيجد اعدادا لا تحصى من الحور العين، ينتظرنه بالفرح والغناء والزغاريد، واحظانهن مفتوحة  لاستقباله.

ومهما عرف التاريخ من نزاعات داخلية، وحروب اهلية، وانقسامات وصراعات سياسية،  انتهت بان صارت صراعات مسلحة،  فانها لا تتماثل ولا تتشابه مع الحالة التي تعيشها اقطار الوطن العربي، مع التطرف الديني، صانع الارهاب، ومفجر الحروب بين ابناء الوطن الحرب.

ولن ابحث هنا في دوافع واسباب هذا الارهاب، فهناك بالتأكيد خلطة من الاسباب والدوافع، يأتي في مقدمتها ما حصل من تحريف وتجريف وتصحير للفكر والثقافة والقيم الاخلاقية وحقوق المواطنة، وتسطيح الدين وتسخيره اداة للحكم والسيطرة، ونتاج لعهود من الاستبداد ونزوات  عدد من الطغاة، حكموا اقطار الوطن العربي، وكانوا مثالا للجهل والعته والشر،  ولا احد يمكن ان يقول لي ان دواعش العراق، ليسوا ثمرة من ثمار الاستبداد الصدامي، وان دواعش سوريا ليسوا حصادا مرا للاستبداد الاسدي، وان دواعش مصر وتونس والجزائر والسودان ليسوا ثمرة اساليب في الحكم غابت فيها الرؤية الحضارية والاعتبارات الانسانية، وغابت فيها روح الخير والمحبة والحق، وساد فيها حكم المغالبة والقهر والكبت وغياب الحقوق والحريات الخاصة والعامة، ولا احد يقول لي ان دواعش ليبيا، برغم ما يحصلون عليه من مدد خارجي، لم  يكونوا نبتات انبتتها تربة الاستبداد والاجرام والقهر الذي ساد في عهد الطاغية الليبي، وانهم اجنة مشوهة خرجت من رحم نظامه.

اما المثل الاعلى الذي لا زال ماثلا للعيان، نراه يظهر على الشاشات، ويلقي التصريحات، ويقدم لنا حالة للتأمل والدراسة المعاينة، فهو الرئيس اليمني المخلوع، على عبد الله صالح، الطاغية الذي حكم اليمن ثلاثة وثلاثين عاما، مستخدما اساليب المافيا، بعد ان وصل الى منصبه بالدم والجريمة والخيانة والاغتيال، حيث لا تكفيه الجرائم التي ارتكبها طوال سنوات حكمه، وما اقترن بهذا الحكم من كوارث، وما تسبب فيه من جرائم، وما انزله باليمن من نكبات، يابي اليوم الا ان يواصل هذا الدور الاجرامي التخريبي، الذي لا يتستر باي غطاء، ولا حتى ورقة  توت يداري بها سوأته، وانما ياتي عاريا قبيحا، شنيعا، فظيعا، ليضع يده في يد العصابات المسلحة، ويؤسس لنفسه جيشا يشتري افراده بالمال الذي سطى عليه ونهبه نهبا من خزائن اليمن، ونراه اليوم بعد ان تحالف مع كل ميليشيات البلاطجة والاجرام والخروج على الشرعية، يمد يده جهارا نهارا لتنظيم القاعدة في المكلا، ليعطي لمجرمي هذا التنظيم قواعد جيشه، لكي تبدا تلك العصابة المارقة الكافرة انطلاقها في ممارسة التوحش ضد الشعب الذي صبر ثلاثة عقود ونيف على حكمه، ويابي بعد ان كان رئيسا مجرما، الا ان يكون خارجا على القانون، ويهبط بنفسه واتباعه الى الدرك الاسفل من الخسة والخيانة، ليعطينا جميعا عينة لهؤلاء الحكام الذي كانوا يسيطرون على مقدرات الوطن العربي عدة عقود، فهل يحق لاحد ان يسأل بعد هذا المثال، من اي ثقب اسود خرجت غيلان الدواعش ووحوشها؟

د. أحمد ابراهيم الفقيه

* سبق ان نشرت المقال في صحيفة العرب.

 


إضغط هنا لمراجعة التعليمات الخاصة بتعليقات القراء

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
بعثى ليبي
تاريخ الخوارج والتفكرين يسبق حكم صدام وبشار وغريهم من الحكام العرب بأكثر من ألف وثلاثمئة سنه تقريبا. والتاريخ الإسلامي ملئي بالطوائف التي حرفت القران وكفرت المسلمين واغتالت الخلفاء وقطعت رؤوس…...
التكملة
السويسى
عندما يغيب العقل ويتفشى الجهل يغدو الأنسان عدواً لنفسهِ وأهله ِ ووطنهِ . هذه حقيقة هولاء البلاهاء المأتسلمين يقودهم شيطان الجهل ويسوغ لهم أعمالهم الشريرة , وهذا هو حالنا كعرب…...
التكملة
أبالحكم
مقال مميز ومن أهم المقالات التي قرأتها مؤخرآ، به تحليل وتشخيص عميق للوضع الكارثي الذي نعيشه، والذي تنامى في ظل أنظمة الكبت والاستبداد والتجهيل وتوظيف 'فكر الجهل' لتحقيق مآرب شتّى. تحية…...
التكملة
امحمد احمد بيرى
المقال يصلح لكل زمان ومكان، فهو تشخيص جيد لواقعنا، فالعدو فكرنا والسيوف ايدينا والضحايا اجسامنا والدمار لاوطاننا والمبررات للضياع من صنعنا انتجتها ترسبات فكرية ضالة عبر قرون من الزمن. اجاد احدهم التعبير عما…...
التكملة