ابراهيم محمد الهنقاري: حديث هادئ وصريح عن الارهاب والإرهابيين 30/4/2015 07:02 ابراهيم محمد الهنقاري: حديث هادئ وصريح عن الارهاب والإرهابيين
ابراهيم محمد الهنقاري بحث

حديث هادئ وصريح عن الارهاب والإرهابيين


كثر الحديث عن الارهاب والإرهابيين. وازدادت العمليات الإرهابية كما وكيفا في جميع أنحاء العالم. وكما تطورت الصناعة والزراعة ووسائل النقل والاتصال وكما تطورت وتنوعت أساليب الحياة عند الناس كذلك تطورت العمليات الإرهابية وتعقدت وسائلها وتنوعت اساليبها وصار للارهاب علماء وله خبراء ومحللون ودارسون تماماً كما لأنواع المعرفة الاخرى. حتى اصبح الارهاب ظاهرة تحسب لها الدول والحكومات حسابها وتعمل على مواجهتها وترصد جزءا كبيرا من ميزانياتها لمحاربة الارهاب. والغريب ان معظم الحديث عن الارهاب ولاسيما في الصحافة الغربية يربط الارهاب دائماً بالإسلام. ومن هنا جاء موضوع هذا الحديث.

يحدثنا القران الكريم ان اول عملية "ارهابية" في التاريخ بالمعنى المتداول اليوم عن الارهاب كانت تلك التي قتل فيها قابيل بن ادم اخاه هابيل لسبب يبدو غريبا عند محاولة فهمه كما هي غريبة ايضا كل أسباب العمليات الإرهابية التي تمت عبر التاريخ الانساني الى يومنا هذا... فما هوسبب الارهاب؟ هل هومن طبائع البشر؟ هل هو قدر محتوم لا مفر منه؟ هل هوعمل طارئ على السلوك السوي للإنسان؟ هل هو نتيجة هوس عقائدي يسيطر على الانسان ويتحكم في سلوكه؟ هل هو من صنع قوى وظروف خارجية تدفع بعض الناس الى ممارسة الارهاب مقابل الحصول على منفعة مادية اومعنوية؟ هل هو حالة مرضية تصيب بعض الناس؟ هل هو مجرد ردود افعال غبية لا يدرك الإرهابي مداها ولا يدرك نتائجها؟ ام هو اليوم مشروع دولي كبير تقف وراءه قوى عظمى تعلن معارضتها الظاهرية للارهاب امام وسائل الاعلام ولكنها في الحقيقة هي صانعة الارهاب وراعيته وهي التي تقوم بتمويله وتسليحه والتغطية على عملياته خدمة لمصالحها الخاصة!؟ ولماذا تنسب معظم العمليات الإرهابية هذه الأيام الى الاسلام والى المسلمين!؟ وهل لنا نحن المسلمون دور في ذلك وهو ما يهمنا في هذا الحديث!؟.


السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ساهم بعض المسلمين في ترسيخ هذه الفكرة عند اهل الغرب من خلال بعض تصرفاتهم اومن خلال فهمهم الخاطئ لصحيح الاسلام؟ وهل اساء البعض فهم آيات سورة "الانفال" التي هي السورة الوحيدة في القران الكريم التي وردت فيها الإشارة الى الارهاب في كلمة "ترهبون" وذلك بمعناه اللغوي وليس بمعناه السياسي المعروف اليوم. فقد جاء في الآية الستين من سورة "الانفال": "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوالله وعدوكم واخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تُنفِقُوا من شيئ في سبيل الله يُوَف اليكم وانتم لا تظلمون" ذلك ان الآية التي تليها مباشرة وهي الآية (٦١) نصها هو: "وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله انه هوالسميع  العليم". كما انه لابد من فهم الآيتين الكريمتين في سياقهما الصحيح لارتباطهما بالآيات السابقة لهما والتي تتحدث عن كفار قريش الذين كفروا فهم لا يؤمنون والذين عاهدهم المسلمون اكثر من مرة ولكنهم ينقضون العهد ويخونون بذلك الرسول والمؤمنين. وواضح ان الآية تشير الى اؤلئك النفر من كفار قريش بالذات ولا "تشرع" الارهاب كما قد يظن الجاهلون. ثم ان السياق السليم لهذه الآيات البينات انما يفهم منه دعوة المهاجرين والانصار الى ان يعدوا ما أمكنهم من عناصر القوة المتاحة لهم في ذلك الوقت ومن رباط الخيل حتى لا يرهبهم اؤلئك الكفار من قريش الذين خانوا العهود والمواثيق التي أبرموها مع النبي وأصحابه. فقد يردعهم ذلك عن الاستمرار في تلك الخيانة وذلك الاخلال بالعهود والمواثيق، حتى اذا جنحوا للسلم جنح لها المسلمون كذلك وكفى الله المؤمنين القتال. كما جعل ذلك من أبواب الإنفاق في سبيل الله. فلا يعقل أبدا ان يسم احد الاسلام بالارهاب بسبب الفهم اوالتأويل الخاطئ لآيات سورة "الانفال.". أما الحالات العشر الآخري التي وردت فيها مشتقات كلمة "رهب" في القران الكريم فان اثنتين منها تشير الى الخوف من الله سبحانه وتعالى في موضعين من القران الكريم. واربعة منها تتحدث عن الرهبان والرهبانية في اربع سور من القران الكريم... ومرة عند الحديث عن سحرة فرعون الذين استرهبوا الناس بسحرهم ومرة عندما امر الله سبحانه وتعالى النبي موسى عليه السلام ان يضم يده الى صدره حتى لا يخاف من المعجزة الثانية حينما يسلك يده في جيبه اي في فتحة صدره فتخرج بيضاء من غير سوء وكان النبي موسى عليه السلام قد ولى مدبرا بعد ان شاهد ان عصاه التي يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه قد تحولت بقدرة الله تعالى الى ثعبان عظيم... ومرة عند الاستهزاء بالمنافقين الذين يعتبرون المسلمين اشدرهبة في صدورهم من الله لانهم قوم لايفقهون... وأخيراعند الحديث عن نعم الله تعالى على أنبيائه الكرام الذين كانوا يسارعون في الخيرات ويدعون ربهم رغبا ورهبا اي رغبة في مغفرته وخوفا من عذابه وكانوا له خاشعين. تلك هي الحالات التي وردت فيها الإشارة الى الارهاب في القران الكريم ليس من بينها ذكر صريح للارهاب بمعناه اللغوي والمتداول عند الناس الا ما جاء في الآية الستين من سورة "الانفال" المشار اليها وفي السياق الذي ذكرناه والذي لا نرى انه ينبغي الخروج عنه ليتم الفهم الصحيح لتلك الآية الكريمة. فكل دعوى لاتهام الاسلام والمسلمين بالارهاب اعتمادا على تلك الآية انما هي دعوى باطلة ولا يقوم عليها دليل عقلي اومنطقي. اما ما يقوم به بعض من ينسبون انفسهم للاسلام من بعض العمليات الإرهابية في بلاد المسلمين وفي خارجها فان الاسلام الصحيح بريئ منها ولا يتحمل المسؤولية عنها الا اؤلئك النفر الذين يرتكبونها.


ان الأصل والأساس في الاسلام هو حرمة دم المسلم على المسلم. فكيف تجرا ولا يزال يتجرا بعض المسلمين على سفك دماء اخوانهم المسلمين منذ فجر الاسلام والى يومنا هذا؟. فقد كانت عملية اغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب هي اول جريمة سياسية كبرى تتم في الاسلام وكانت دوافعها سياسية بحتة بسبب انهيار دولة كبرى مثل الامبراطورية الفارسية على يد الفاتحين العرب فقام احد الفرس من الذين هالهم ما حدث لبلادهم ولحاكمها باغتيال أمير المؤمنين اعتقادا منه بانه ينتقم لكسرى أنوشروان ولدولته التي داست عليها خيول واقدام الفاتحين العرب المسلمين بعد ان كان جزء كبير من العرب يدينون لملك الفرس بالولاء ويخضعون لملكه... تلى ذلك اغتيال الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه في ثاني ثورة شعبية يعرفها المسلمون بعد حروب الردة... كما تم اغتيال اخر الخلفاء الراشدين الامام علي وهو يؤدي صلاة الفجر على يد احد الخوارج الذين انشقوا عن الامام لإنكارهم قبوله التحكيم الذي أكرهوه على قبوله ورفعوا لاول مرة ذلك الشعار الغريب "لا حكم الا لله" ثم أعطوا لأنفسهم وحدهم تأويل "حكم الله". ولسنا هنا في مجال البحث عن أسباب تلك الثورات وذلك القتال بين خيار المسلمين من صحابة رسول الله ولا ما كان لها من الأثر البعيد والخطير على الاسلام والمسلمين بعد انتقال نبي الاسلام صلوات الله وسلامه عليه الى الرفيق الأعلى. ولكننا نوردها كمجرد أمثلة عن الاعمال الإرهابية التي شهدها التاريخ الاسلامي مبكرا ولا يزال. ولا يحتاج المرء الى كثير عناء لإثبات ان كل فترات هذا التاريخ الاسلامي منذ انقطاع الوحي بوفاة الرسول والى يومنا هذا قد شهدت ألوانا من الارهاب قد لايختلف كثيرا ان لم يزد في وحشيته عما نشاهده اليوم من ارهاب الجماعات الاسلامية بأسمائها وراياتها المختلفة. فقد تم اغتيال ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة وهناك من يدعي ان الخليفة الاول ايضا ربما اغتيل هو الاخر بدس السم في طعامه اوشرابه. اما الدولة الأموية فيكاد يكون الارهاب هو الوسيلة التي اختارها جميع خلفائها لحكم المسلمين لا يستثنى من ذلك سوى الخليفة عمر بن عبد العزيز. ولم تكن الخلافة العباسية الاولى التي أطاحت بحكم بني أمية بعيدة عن اختيار الارهاب وسيلة لحكم المسلمين ويكفي ان نذكر ان اول خليفة عباسي كان لقبه السفّاح. واستمر الحال كذلك في باقي دول الخلافة الاسلامية المتتابعة حتى اخرها وهي خلافة ال عثمان التي كانت كلها مزيجا غريبا من الارهاب والجهل والفتوحات.  ومن بين ما يزيد عن خمسين دولة إسلامية قائمة اليوم في عالمنا الحاضر فان معظم حكامها لم ينتخبهم احد وانما يتوارثون الحكم على طريقة بني أمية وبني العباس اوبالانقلابات العسكرية. ومع كل ما صاحب هذا التاريخ الاسلامي الطويل الذي تجاوز اربعة عشر قرنا من الاف العمليات الإرهابية فان الاسلام كدين سماوي قيم لا علاقة له بكل تلك الاعمال التي يتحمل مسؤوليتها المسلمون الذين انحرفوا عن صحيح الاسلام منذ حروب الردة وخلطوا بين أركان واحكام الدين الصريحة والواضحة وسياسة الناس التي يحكمها الهوى وظروف الزمان والمكان. بينما كان الامر مختلفا تماماً على عهد رسول الله الذي كان يؤدي رسالته الدينية كما أمره الله سبحانه وتعالى اما سياسة الناس فقد قال الرسول للمسلمين "انتم ادرى بشؤون دنياكم". وكان ينبغي ان تكون تلك هي احدى القواعد الاساسية التي يقوم عليها نظام الحكم الاسلامي،  فشؤون الدين يتولاها الدين وشؤون الناس يتولاها الناس. وربما لو تم ذلك لأمكن تجنب الكثير من الكوارث التي وقعت والكثير من الدماء التي سفكت عبرهذه القرون الطويلة التي عاشها المسلمون منذ وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه. 


فالإرهاب الذي يشهده العالم هذه الأيام وفي ما مضى منها هو سلوك بشري خاطئ ولا علاقة له بالاديان السماوية وعلى الأخص الدين الاسلامي الخاتم. ولابد ان يعي ذلك كل من ينتمي للجماعات الاسلامية التي تمارس الارهاب وتصدق ان ذلك من الدين. ولابد من فهم الآيات القرانية في سياق أسباب نزولها. ولعل ابلغ مثال على ذلك هو سورة "الكافرون" وهي من أوائل السور المكية وقد نزلت للرد على ما عرضه زعماء قريش على النبي من ان يعبد النبي الأصنام عاما ويعبدون هم الله عاما. فنزلت هذه السورة: "قل يا ايها الكافرون لا اعبد ما تعبدون. ولا انتم عابدون ما اعبد. ولا انا عابد ما عبدتم. ولا انتم عابدون ما اعبد. لكم دينكم ولي دين" فقد عبدت قريش بعد نزول هذه الآية ما كان يعبد رسول الله واصبح دينه هودينهم ولم يعدلكل منهم دينه الخاص به وذلك كله بفضل الله تعالى. ولا يمكن لعاقل ان يدعي ان ذلك كله قد تم بالمخالفة لما ورد في هذه السورة كما يزعم بعض الجاهلين ممن لا يفهمون القران الكريم الفهم الصحيح. ذلك لان هذه السورة الكريمة انما تتحدث عن موقف واحد وقع بين رسول الاسلام وقريش وانتهى عندما روته السورة. ولا تقرر حكما إلهيا بان كفار قريش لن يصبحوا أبدا من المسلمين  وهم قد دخلوا بعد ذلك في دين الله افواجا كما تقرر سورة اخرى من القران الكريم. 


الاسلام يدعو المؤمنين به الى التدبر في آيات الله ويدعو الى النظر، اي استعمال العقل، في ملكوت الله الواسع. ويدعو الى مكارم الاخلاق. والى الامر بالمعروف والنهي عن الفحشاء والمنكر. وهل هناك منكر في هذه الحياة الدنيا أسوأ من الارهاب وقتل النفس التي حرم الله والفساد في الارض. وهو ما تقوم به مع الاسف بعض الجماعات التي تنسب نفسها الى الاسلام والاسلام الصحيح بريئ منها ومن الارهاب الذي تمارسه. فاتقوا الله يا أولي الالباب. ان مثل هذه الاعمال هي التي يستغلها أعداء الاسلام للإساءة الى هذا الدين القويم. بينما القوى الحقيقية التي تمارس الارهاب وتموله وترعاه في العالم هي نفسها القوى الكبرى ذات المصالح الخاصة والتي تهدف الى استغلال ثروات الشعوب والتحكم في مصائرها.


فمتى يعرف المسلمون الحقيقة ويعودوا الى صحيح الاسلام... اللهم اهدنا فيمن هديت. وعافنا فيمن عافيت. وتولنا فيمن توليت. ولا حول ولا قوة الا بك.

ابراهيم محمد الهنقاري

 


إضغط هنا لمراجعة التعليمات الخاصة بتعليقات القراء

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عـبـدالـواحـد مـحـمـد الـغـريـانـي - مـمـلـكـة الـسـويـد
إلى الأخ نيتشة العرباوي / الأخطاء الإملائية التي ارتكبتها في سورة الكافرون ( تخلِّي الواحد يشرك شلاتيته )!؟ بالرغم من أن كاتبنا الكبير الأستاذ الهنقاري كتبها صحيحة، وهي أمامك في…...
التكملة
نيتشه العرباوى
المثل يقول يااستاذ ابراهيم " فاقد الشيء لا يعطيه" والتاريخ الإسلامي القديم منه والحديث ملئي بالأحداث التي تثبت بدون شك ان خلط الدين بسياسة الدولة عادتا ما يؤدى الى الحروب…...
التكملة
مواطن ليبي بسيط
سؤال يسيط من مواطن بسيط، ماذا قصد بالاسلام هل الاسلام هي رسالة نبينا محمد ام كل الرسالات السماوية السابقة....
التكملة
السنوسي محمد الماضي
تعودنا من هذا الكاتب الإصرار على تلفيق التهم شمالا ويمينا دون وجود ادلة وعندما تضهر الأدلة خلافا لحزمه بها يتهرب من ذلك ويصر على آراءه الخاطئة عملا بالقول: معيز ولو…...
التكملة
ممتعض
ببساطة .. علينا التفريق بين الدين من جانب والأيديولوجيا من موقع مناقض له بإطلاق، فالدين ببساطة يقوم على أسمى المباديء على الإطلاق.. مبدا التوحيد.. لا اله الا الله.. والذي عليه…...
التكملة
محمد محمود
خلط بين المعلومة الناقصة والتفريق بين الجريمة الجنائية والارهاب وتسمية المسميات بغير اسمها وقذف ورمي التهم على غير حق رجوعا الى ما تعودنا عليه وهو ثورة شعبية أتت على سيدنا…...
التكملة
عـبـدالـواحـد مـحـمـد الـغـريـانـي - مـمـلـكـة الـسـويـد
شـكـرا كـاتـبـنـا الـكـبـيـر الأســتـاذ الـهـنـقـاري عـلـى هـذا الـمـقـال الـرائـع.. فـعـلا الإسـلام بـريء مِمَّــا يُــنْـسـَـبُ إلـيـهِ، فـالإسـلام ديـن الـمَـحَـبَّـة والـسـلام. سـلام....
التكملة
بنغازينو
لماذا تشويه الحقائق، هل التفجير الذى قتل فيه 12 طالب من الثانوية العسكرية فى بنغازى، قام به الاسلاميون، القاتل اعترف بفعلته الشنيعة امام جميع القبائل، وهو محسوب على الكرامة...
التكملة
ليبي
عندما يأتى الكلام من غير مختص، ياتى الكلام مرتبكا ومبتورا، حتى أنه جعل الصراع على امرأة عملية ارهابية، وبدل البحث عن الحلول لوقف النزيف يأتى بسياقات قرآنية لا محل لها،…...
التكملة