د. أحمد ابراهيم الفقيه: المشهد الليبي... قليل من الايجابيات 26/5/2015 07:57 د. أحمد ابراهيم الفقيه: المشهد الليبي... قليل من الايجابيات
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

المشهد الليبي: قليل من الايجابيات


مازالت الحالة العبثية السريالية ذات المنحي التراجيدي، هي الغالبة على المشهد الليبي، ومازل الغائب في هذا المشهد هو العقل والعقلانية، والحاضر حضورا اكيدا هو جنون الاجرام والتطرف وبلاطجة السلاح، وميليشيات المغالبة، واغتصاب السلطة، والاحتكام الى منطقة القوة، والانتهاك الصارخ للحقوق والاخلاقيات، ومازال التهميش والاقصاء هو نصيب المواطن الليبي، صاحب الحق في الوطن، وصاحب المصلحة في استقراره، وعودته الى الشرعية وحكم القانون واستتباب الامن والعدل والنظام، كسائر الاقطار في بقية العالم.

ووسط هذه الصورة المعتمة، تبرق احيانا نادرة، ومضات خاطفة من الضوء، تحرك في النفوس الامل، وتقاوم امواج اليأس والقنوت، ومن بين هذه الومضات ذات المنحى الايجابي، التي سنشير الى اكثرها اهمية، لانها تتصل بحراك شعبي حقيقي، نابع من قلب الناس العاديين، يفصح عن المزاج العام لاهل البلاد، ولعله يشيع مناخا يأذن بتغيير في مسار الاحداث ذات يوم قريب، وعودة هذا المسار الى دوائر العقل والمنطق بدلا من جنوحه الى فضاءات الجنون والعبث والتطرف، واقصد بهذه الومضات، ما نراه من مصالحات يعقدها الحراك الشعبي الاهلي في مناطق الاحتقان والاحتراب، ومراكزه المدنية والحضرية، فهناك لقاءات تتم بين القادة الاجتماعيين والشعبيين في هذه المناطق، تنتهي بعقد اتفاقيات الصلح وتبادل الاسري، كما حدث بين  ورشفانه ومصراته، والزاوية ومصراته، والزنتان وزواره، والزنتان وصبراته، مما يؤكد ان هذه المدن التي اظهرت هذا الموقف، وصنعت هذه المصالحة، كانت مختطفة من قبل فئات صغيرة مارقة، وبلاطجة السلاح وتجار الحروب، والمؤدلجين الذين يسيرون معصوبي الاعين، خلف مجانين التطرف من اهل الاسلام السياسي، وهي مصالحات تنتظر ان يتقدم الحراك السياسي الشرعي، لاستثمارها والبناء عليها في تاسيس واقع جديد، وحقائق جديدة في البلاد، لاحداث الاختراق المطلوب في الحالة الليبية، وقطع الطريق على تجار الحروب الذين صنعوا ثرواتهم الطائلة من استغلال الفوضى في المشهد الليبي، والعبث به بيعا وشراء في بورصات الدم البشري، ورقيق العصر المتمثل في افواج المهاجرين الشرعين الذين يتقاطرون على السواحل الليبية، ويضعون حياتهم بين ايدي هؤلاء التجار، وصار صعبا لهذه المافيات ان تستجيب لجهود السلام التي يبذلها المندوب الاممي، او تبذلها اطراف ليبية، من اهل العقل واصحاب التفويض الشعبي في مجلس النواب، والحكومة المنبثقة عنه، لان مصالح هذه المافيات وجماعات التطرف من دولة الاسلام والقاعدة وبوكو حرام وانصار الشريعة، قائمة على استمرار حالة الفوضى والاحتراب، وغياب الدولة وانهيار الامن والقانون، الا ان هذه الصحوة الشعبية، سوف ترغم الجميع على اعادة حساباتهم، قبل ان تتحول هذه الومضات الى عاصفة شعبية تجتاح عروش تجار الموت، ومافيات الحروب، واصحاب الاجندات السوداء، وتطوح بهم الى مزابل التاريخ، كما فعلت مع النظام الاستبدادي الانقلابي القديم.

ولابد للمجتمع الدولي متمثلا في هيئة الامم المتحدة، ووكالاتها، واتحاد الاوروبي وبلدانه التي تقع على الشاطيء الجنوبي للبحر الابيض المتوسط، ودول الجوار الاقليمي، المتضرر من فيوض الاجرام والتطرف والارهاب التي تنهال من الاراضي الليبية، الانتباه لهذه الصحوة الاهلية الشعبية في ليبيا، ودعم هذا الاتجاه الذي يسعى لان يعم السلام وروح الوداد بين الليبيين، وانهاء الاحتقان والاحتراب بين المدن والمناطق والقبائل الليبية، وتنمية هذا المناخ، باجراءات عملية لدعم الشرعية ومحاربة الارهاب، وان نرى تفعيلا للعقوبات التي تهدد بها الامم المتحدة ضد اهل الاجرام والمعرقلين للمسيرة السلمية، ووضعهم في قوائم الاتهام وتقديمهم الى المحكمة الدولية الجنائية، وتجميد ما لديهم من ارصدة في الخارج ووضع حظر على تحركاتهم واتصالاتهم، لانهم يعملون من خلال شبكة علاقات دولية مفيوزية.

بارقة الامل الثانية، التي تستحق الاشادة والتنويه، هي التي كان مصدرها الحراك الشعبي الاهلي في مدينة مصراته، وهي مدينة كانت مرتهنة بالكامل الى اهل التطرف والغلو من جماعات الاسلام السياسي، وقدمت التضحيات الكثيرة، واستقبلت مئات التوابيت التي تحمل جثامين ابنائها الموتي ممن ذهبوا وقودا لاحلام تجار السياسة وميليشياتها، فقد انتبهت الى حجم الاستغلال،  وحجم المتاجرة بدم ابنائها من قبل هذا التيار، ونهضت في مظاهرة لا سابق لها، وبدعم من مجلسها البلدي، الجسم المنتخب من اهل المدينة، ترتفع فيها الحناجر بالهتاف ضد الاسلام السياسي، وضد لوردات الحرب وضد الصراعات المسلحة بين اطراف النزاع الليبي الليبي، في بادرة صريحة لمد يد المصالحة مع الاطراف الاخرى، وفك الارتباط باصحاب الاجندات الاسلامية، ذات الاطماع السياسية والمالية . انه فأل طيب، وبادرة خير وبركة، ان نرى المدينة المجاهدة التي قادت اشرس المعارك ضد النظام المنهار للطاغية، ودفعت الثمن غاليا من اجل التحرر والانعتاق، تعود الان الى حضيرة العقل، بعد ان كانت رهينة في يد قلة من بنيها  من اهل التطرف والغلو، الذين تاجروا بمصالحها ودم ابنائها واورثوها احقاد جيرانها وابناء وطنها، فافاقت اخيرا الى هذا الهدر لمواردها ودم اولادها، ورجعت عن هذا المسار الكارثي الذي كان سيفقدها مكانتها المميزة كمدينة جهاد ونضال وارث حضاري، واسهام ثقافي وسياسي ووطني في تاريخ ليبيا.

انها بوادر خير وومضات امل، مرشحة لان تكبر وتنمو، اذا وجدت مناخا محليا واقليميا ودوليا، يسارع بدعمها وتوفير مؤهلات النجاح لها، لتتسيد هي على المشهد الذي مازال معتما، يتسيد عليه، لوردات الحرب واهل الاجندات الظلامية.

آخر التطورات التي نرجو ان تكون اضافة الى الايجابيات في هذا المشهد، هي ملتقى القبائل الليبية الذي تشهده القاهرة، بدءا من يوم الاثنين 25 يونيو الجاري ويستمر ثلاثة ايام، باستضافة من مصر، وبالتنسيق مع بعثة الامم المتحدة في ليبيا ليكون مسارا من مسارات الحوار التي تتبناها الامم المتحدة للوصول الى المصالحة الوطنية وانهاء حالة الاحتراب والاستقطاب التي جعلت البلاد تنقسم بين حكومتين ومجلسين للبرلمان وجيش وميليشيات شعبية، تحارب بعضها بعضا.

ولابد من ان ابدي تحفظي الدائم على ادخال المنطق القبلي  في المعادلة السياسية، ولا ارى القبيلة الا مفردة  من مفردات التخلف تجاوزها العصر الحديث، ولا يمكن ان نلقى لها وجودا في اي مجتمع اخذ باسباب الحضارة، بل ستكون نكتة اذا  انت تكلمت عن القبيلة في المانيا، خارج اطار الفلكور والتراث الشعبي الذي مازال يحتفي بالموسيقى والملابس والاغاني الشعبية التي تنسب الى القبائل الجرمانية في عصور قديمة، ولكن لابد من الاعتراف، ببعض حقائق الواقع، حتى وان كانت تمثل جيبا من جيوب التخلف، ولابد من فهم الظرف الاستثنائي الذي تمر به بلاد مثل ليبيا، وربما عثرنا على جانب ايجابي لهذه القبائل التي اعاد احيائها نظام استبدادي انقلابي، ديكتاتوري فاشي،  لم يكن ممكنا ان يحكم بمفردات العصر، فايقظ هذه النعرات القبلية والجهوية واستخدمها في  استمرار حكمه، وليجعل منها واقعا لا يمكن ان نتجاوزه، ومن هنا يصبح جلب هذا المكون القبلي واقحامه في الصورة ضرورة لها مبرراتها، كما يمكن النظر الي بعض الجوانب الايجابية في هذه المكونات القبلية، فهي كلها تنعم في ليبيا بانسجام وتواصل وتناغم، وليس بينها احقاد ولا تفصل بينها حواجز دينية على مستوى الديانة او المذهب اوالطائفة ويمكن ان تصل الى توافق وطني، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فهي  تمثل ثقلا على المستوى الاجماعي لان بعض المنخرطين في الميليشيات الخارجة على القانون، ينطلقون احيانا من الولاء القبلي، ويمكن لهذه القبائل اذا اقتنعت بالمصالحة والسلام ان تمارس تأثيرها على ابنائها فتسحب القوة التي يتعيش عليها لوردات الحرب، ممن يستخدمون شباب القبائل وقودا لاحلامهم وطموحاتهم الشخصية.

وقد قرات وسمعت بعص التعليقات التي تتهم بعض هذه المكونات القبلية بالولاء للعهد الاستبدادي الديكتاتوري، وحاربت معه ضد ثوار فبراير، ولا اوافق اصحاب هذه التعليقات على التعميم، لانه هناك قبائل  حاربت في صف الطاغية، ولكنها انسحبت مبكرا من تحت قيادة كتائبه وهو ما تسبب في هزيمة وانهيار هذه الكتاب، ولم تبق معه الا قبيلة او اثنين صغيرتين، هم ايضا من السهل تحت شعارات العفو والمصالحة انضمامهم الى العهد الجديد، لان احدى حقائق المشهد الليبي، انه لم يعد هناك وجود لشيء اسمه العهد الماضي، فهو نظام تقوض وانتهى ولم يترك صيتا حسنا يمكن ان يجتذب احدا للالتفات اليه بشيء من الحنين او الاعجاب، ولابد من سيادة مبدأ ليبيا لكل الليبيين، ولن تحقق سلامها وامنها ثم نهوضها وتقدمها الا بكل اهلها وكل فئاتها وكل مناطقها، ولا باس من القول بكل قبائلها، بامل ان تذوب هذه القبائل في صيغة مدنية حضارية، تنهى التعصب والاحتقان والاستقطاب الجهوي.

ان التحدي قائم امام الملتقى الثاني للقبائل الليبية في القاهرة، وهو ان يثبت زعماء هذه القبائل وقادتها، ارتفاعهم الى مستوى الافق الوطني، الذي يسعى الى تغليب مبدأ السلام على الاحتراب، ومنطق الوطن على الجهة او المنطقة او القبيلة، ومنطق الدولة المدنية الحضارية التي تشمل كل الليبيين على منطق التمزق والتشتت والنزاع الذي لا يبني وطنا ولا يحقق صلحا ولا امنا ولا نهوضا.

* سبق نشر هذا المقال في صحيفة "المقال".

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مواطن تائه
شكرا يا طرابلسي لقد قلت كل ما أريد قوله وأكثر لافظ فوك...
التكملة
رجب بن د ر د ف
لقد وضعت أصبعك على الجرح سيدى.ليت الأمانى الطيبة تتحقق فى القريب ويوقف هذا العبث الذى يهدد كيان الوطن بأسره. لقد أصبح الدم المهدور لايهم من يملكون بأيديهم سلاح الفتك لتحفيق…...
التكملة
من الطرابلسي إلى الربيعي
لا احد ينكر مهما كابر أو أختفى خلف الكلمات المنمقة والشعارات البراقة أن مصائب ليبيا الحالية وانحراف مسار الثورة الرهيب تجاه الفوضى وغياب القانون، قد خطط له ونفذه واصر على…...
التكملة
امحمد احمد بيرى
احترم حسن نيتكم ولكنى ارى ان تبادل الاسرى ليس دليلا او  برهانا على الصلح والتصالح وقديكون استعدادا لمرحلة اكثر اجراما..ارى ان اى اتفاق او تصالح يتم بمعزل عن البرلمان ما هو الا تهميش…...
التكملة
احمد الربيعي
أستاذ احمد: لحد اليوم كانت ثقتنا بكم كبيرة لأنك لم تنجر وراء قنوات الضلالة آلت سممت أفكار الليبيين البسطاء مثل أسطوانة الاخوان لكل من له رأي مخالف لتوجهاتهم القبلية المصلحية…...
التكملة