محمـد بن نصـر: قـراءة ايديولوجيـة في خطـاب طبـرق 27/5/2015 10:22 محمـد بن نصـر: قـراءة ايديولوجيـة في خطـاب طبـرق
محمد بن نصر بحث

قـراءة ايديولوجيـة في خطـاب طبـرق

"انتخبنا الشعب"... هذا هو خطاب طبرق!

انتخاب الشعب للبرلمان حقيقة لا مراء فيها، لكن ما يود برلمان طبرق وحكومته بناءه على هذا الخطاب هو الأمر الذي أراه في منتهى الخطورة... ولولا خطورة خطاب طبرق، الذي قد يتبناه غيره في مناسبة أخرى، ما كلفت نفسي عناء الكتابة في الموضوع، لأن حكم المحكمة العليا قد ابطل التعديل الدستوري الذي انتخب على أساسه البرلمان أولاً، ولأن الموعد الحتمي لانتهاء عمل البرلمان هو 21 أكتوبر 2015 على كل حال.

وفي هذا السياق يستحق الاساس الايديولوجي لـ"خطاب طبرق" قراءة متأنية، لأن رابح الانتخابات كثيراً ما يجعل من الشعب صنماً يُعبد، وخاسرها يجعل منه شيطاناً يُرجم! والشعب المسكين لا هذا ولا ذاك؛ لكن تحميله ما لا يُحتمل أصبح مما "يقع في مستقر العادة" كما يقول ابن خلدون؛ ولذا وجبت معالجة الموقف جذريا. ومن هنا تصبح قراءة وتحليل "خطاب طبرق" مجرد مناسبة لنقد الاساس الايديولوجي لفكرة سياسية (سيادة الشعب) لا أكثر ولا أقل.

أولاً: الخلفية الايديولوجيـة لخطـاب طبـرق

على المستوى الايديولوجي نحن نستخدم يومياً ما انتجته أوربا من أفكار سياسية مثل: "الثورة" و"الدولة ذات السيادة" و"سيادة الشعب"...إلخ. والفكرة الأخيرة هي محل الدرس.

سيادة الشعب (الفكرة)... ولدت في القرن الرابع عشر، وتحققت بعد قيام الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر. وفي ما يلي من فقرات سأستعرض باختصار المراحل التي مرت بها الفكرة منذ ميلادها في القرن الرابع عشر وحتى وصولها إلينا في القرن العشرين، مروراً بالتحول الذي احدثته الثورة الفرنسية في الموقف الايديولوجي الاوربي، الذي أصبح عالمياً بفعل عولمة التعليم للقيم والافكار الأوربية.

أ. التـاريـخ:

في سنة 1324 ظهر كتاب "المدافع عن السلم" لمرسيليوس دي بادو، وفيه يقترح المؤلف وضع الامبراطور فوق البابا؛ وكانت هذه الفكرة فكرة إنقلابية في السياق الأوربي-المسيحي! لكن هذا لم يكن كل ما في الأمر، فالفكرة الانقلابية أخفت وراءها فكرة ثورية أخرى تتمثل في اقتراح جعل انتخاب الامبراطور بيد الشعب. كانت هذه هي اللحظة التي ولدت فيها فكرة "سيادة الشعب".

وضعت الكنيسة الكتاب في قائمة الكتب الممنوعة من التداول فوراً، لأن جوهر مقترح مارسيليوس هوانتزاع السيادة من البابا وجعلها للشعب. ويوضح الجدول التالي مدى خطورة مشروع مارسيليوس على مركز البابا، الذي يتحول من الرب الأعلى إلى الرب الثالث، حسب ما يظهر في الجدول التالي:


ب. الايديولوجيا

لفهم ما جاء بالجدول لابد من شرح عدة أمور أهمها التالي:

1. الحديث هنا عن الاوربيين، وهم أهل الكتاب "الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله..". الفكر الأوربي-المسيحي يرى العالم مركباً عمودياً، على مستوى الارباب، وعلى مستوى طبقات المجتمع؛  فالبابا يرى نفسه الرب الأعلى في هذا النظام، بينما يجعله مقترح مارسيليوس في موقع الرب الثالث. وهذا الأمر سيكون أكثر وضوحاً بعد الحديث عن الإمبراطور.

2. يحتل الامبراطور في الامبراطورية الرومانية القديمة مكان الفرعون في مصر الفرعونية: إله يعبد (له معابد وتقدم له القرآبين). فمقترح مرسيليوس كان أحد الخطوات الأول على طريق العودة إلى القانون الروماني الذي كان سائداً قبل ميلاد المسيح.

3. في القرون التالية ظهر في فرنسا شعار: "الملك امبراطور في مملكته" وهو ما يعني أن الملك هو الرب الأعلى في مملكته، ولا سلطان للبابا عليه، مثلما كان الامبراطور الروماني قبل المسيح. وفي انجلترا أصدر البرلمان "قانون السمو" الذي يجعل الملك رأس الكنيسة والدولة معاً، مستبعداً البابا من مجال المشروعية، وهو ما يعني أن ملك انجلترا أصبح، هو ألآخر، الرب الأعلى في انجلترا، مثلما كان فرعون مصر في مصر الفرعونية، أو مثلما أصبح ملك/فرعون فرنسا في الدولة الفرنسية. ومما ساعد على هذه التطورات ظهور لوثر وكالفن اللذان اتهما البابا بالهرطقة والكنيسة الكاثوليكية بالفساد.

4. هذه الصراعات الايديولوجية حول تقرير من يكون الرب الأعلى ومن يكون الاله المعبود حسمت باتفاقيتان اوربيتان: الاتفاقية الأولى هي اتفاقية أوغسبورغ التي ابرمت سنة 1555، وتقرر ترك الشعوب على دين ملوكهم (كاثوليك أو بروتستانت). والاتفاقية الثانية هي اتفاقية وستفاليا التي ابرمت سنة 1648 وكانت، في جوهرها، إعلانا عن استقلال الممالك الأوربية عن الكنيسة. ويعتبر تاريخ ابرام هذه الاتفاقية هوتاريخ ميلاد "القانون الدولي" كما نعرفه اليوم.

5. لقد كان على "الشعب" أن ينتظر قيام الثورة الفرنسية ليصبح الرب الأعلى نظرياً. لأن الثورة الفرنسية هي من قضى على البابا والملك معاً. وأصبح الشعب الرب الأعلى لأن جان جاك روسو جعل من إرادة الشعب: "الإرادة العامة". ومن بعد روسو، وتأسيساً على ما بناه، جاء الثوار الفرنسيون ليعلنوا أن القانون هو صوت "الارادة العامة"ــــ إرادة الشعب. وبذا يصبح الشعب هو الرب الأعلى، أي مصدر كل القوانين والسلطات. ولم يصبح هذا ممكناً إلا بعد أن حزت المقصلة رأس لويس السادس عشر وقتلت كل الرهبان اللذين رفضوا الخضوع للنظام الجديد. لقد كانت الثورة هي "الفكرة-الصنم" الذي تحولت فرنسا باسمه إلى سلخانة.

ومن بعد كانت فكرة "سيادة الشعب" من جملة الأفكار (الثورة والدولة والوطن والوطنية والمواطنة) التي استقبلناها في القرن العشرين دون نقد، فكانت القوة الناعمة التي احتلت عقولنا بدل القوة الغاشمة التي كانت تحتل ارضنا.  لقد استبدلنا احتلال الأرض باحتلال العقل، فانتقلنا من سيء إلى أسوأ. ولم ينتهي القرن حتى ترنم شاعر أفريقا، محمد الفيتوري، بقصيدة "أصبح الشعب إلهاً".

ثانيا: مفــردات خطــاب طبــرق

بعد هلاك القذافي لم تحدث قطيعة تُذكر مع نهجه الغوغائي، فلم يكن لدى الليبين، مسلحين وغير مسلحين، من التعليم أو الثقافة ما يؤهلهم لإحداث قطيعة ايديولوجية تجعل النظام السابق في خبر كان، وتبني نظاماً جديد يختلف عنه جذرياً، فطل في هذا الفراغ  المنطق الثورجي من جديد، وبوضوح، في الاعلان الدستوري المؤقت (2011). في حينها نشرتُ مقالاً بعنوان "قراءة ايديولوجية في الاعلان الدستوري المؤقت" نبهت فيه للمثالب الايديولوجية التي تجعل مفردات الإعلان تتناقض في بعض نصوصه ومواده، لكن أحدا لم يكترث، ولم يكن أحدأ مستعداً لأن يسمع أو يناقش!

واليوم أعود لإثارة الموضوع من جديد، وبمعزل عن الصراعين السياسي والعسكري، اللذين يعكسان بوضوح القصور الايديولوجي في معالجة الأزمة الليبية.

الشعب انتخبناـ هذا هو خطاب طبرق!

ولكن هل فوض الشعب البرلمان في إلغاء منجزات شهداء 17 فبراير؟ وهل يتصور عاقل أن المقاتلين الذين خلعوا القذافي سيُخلوا أماكنهم لمن بقى مع القذافي إلى آخر لحظة لأن الصندوق أتى بهم؟

هذا سوء تقدير سياسي، مبني على بلبلة فكرية، وهو ما جعلني أعود للافكار مرة أخرى من أجل معالجة جذرية للموقف المتأزم.

الشعب انتخبنا تعني، في خطاب طبرق، أن الشعب-الاله نصبنا نحن أعضاء البرلمان! وتبعاً لذلك ارادتنا من ارادته؛ فلا يحق لأحد الاعتراض على ما نقوم به ولو كان إلغاء 17 فبراير، وإلغاء الكتائب المسلحة، وتقسيم ليبيا أو اقتسام  ثرواتها؟ ( وهذا المنطق العقيم يسمى في مجمله بالـ"الشرعية"!).

خطاب طبرق مبني على المنجزات الفرنسية التي تجعل من الشعب "الهاً" يهب المُلك لمن يشاء وينزعه ممن يشاء!... فهل يقبل من لا يجعل مع الله إله آخر هذه الايديولوجيا الفرنسية؟!

البرلمان يجعل من الشعب صنماً يُعبد وهو لا يعي ذلك ـــ أنا متأكد. البرلمان يسير على خطى القذافي عندما قال: "من الذي يستطع محاسبة الثورة؟ و... هل يستطيع أحد أن يقول لله لماذا فعلت كذا أو لماذا لم تفعل..؟ كانت "فكرة الثورة" هي صنم القذافي المفضل، من بين أصنام أوربا، لكن هذا الصنم لم ينفعه شيئاً عندما وقع في قبضة المقاتلين، في صحارى سرت، ذات صباح قائض من خريف 2011.

واليوم يلوذ البرلمان بالشعب والشرعية، مثلما لاذ القذافي قبله بالثورة و"الشرعية الثورية"، لكن لا "الشعب" ولا "الثورة" يستطيع أن يهب الملك لأحد أو ينزعه من أحد! مالك الملك هو الذي يهب الملك لمن يشاء وينزعه ممن يشاء، وكل تفكير غير هذا باطل، وأوهام يجب التخلي عنها قبل فوات الأوان.

ولما كان برلمان طبرق غير قادر على تجاوز أوهامه فهو يلوذ اليوم بوهم آخر أسمه "المجتمع الدولي"، ليستكثر به من قلة ويعتز به من ذلة. ولا لوم على "سي الباجي" إن هو صرح بأن شرعية بدون قوة هي والعدم سواءــــ هذا درس من سياسي محنك لن يعطينا مثله "المجتمع الدولي" الذي لا يأبه لشرعية لا تملك القوة لفرض نفسها على الارض. 

وفي غياب القوة الذاتية لدى برلمان طبرق يتحول "المجتمع الدولي" إلى مجرد صنم من "أصنام المسرح" التي يلوذ بها المغفلون!

لقد أخذنا عن اوربا تقريبا كل شيء، لكننا لم نأخذ عنها مهارة التفرقة بين الحقائق والاوهام. وهذا سر تحتفظ به الحضارة الأوربية/الغربية لنفسها، ولن تعلمنا منه أقل قدر، لأن غفلتنا هي مصدر ثروتها، وسر غلبتها.

السر أسمه: Realpolitik

لو ترجمنا هذا المصطلح على أنه "السياسة الواقعية" فستذهب الترجمة بروح المصطلح؛ لأن المصطلح لا يعني فقط أن الطعن من الخلف والضرب تحت الحزام من الأمور الجاري بها العمل في السياسة الغربية، وحتى بين الغربيين أنفسهم؛ وإنما يعني كذلك أن "السياسة الواقعية" يمكن أن تصنع من تناقضاتنا الأثنية والأيديولوجية خلطات متفجرة تجعل الغافلين والمغفلين يمزق بعضهم  بعضاً، ودون أدنى وعي لحقيقة ما يجري.  وهذ النوع من الخلطات هو سبب ازديادنا عنفاً على بعضنا البعض، لا سيما على مستوى القرار السياسي.

هذا الأمر وراءه دراسات نفسية، وأخرى اجتماعية، يقوم بها باحثون حسني النية، لكنها تتحول في مختبرات "السياسة الواقعية" (=المكيافيللية) إلى خلطات متفجرة تشعل حروباً أهلية.

وفي واقع الحال هذه "السياسة الواقعية" هي المسئول الأول عن تفخيخ بلاد الغافلين، الممتدة بين أفغانستان والمغرب! ومن الغباء، والحال هذه، الاعتقاد أن البلاد التي ثرواتها من أسلابنا، وعزها من ذلنا، ستأتي لإنقاذنا من أنفسنا، أو مما نحن فيه!

هي تنصب لنا الفخاخ حتى إذا وقعنا فيها أجهزت علينا:ــــ من أعطى صدام حسين اسلحة الدمار الشامل التي ضرب بها العراقيين؟ ومن دمر العراق باسم البحث عن اسلحة الدمار الشامل؟ من أغراه بغزو الكويت؟ ومن حطمه باسم تحرير الكويت؟ من الذي نصَّبَ صدام حسين؟ ومن الذي أزاحه؟ فهل بعد كل ما حصل للعراق والصومال وأفغانستان نتوقع أن ينقذنا المجتمع الدولي من أنفسنا؟

كل ما حصل للعراق تم باسم "الشرعية الدولية" التي أذنت بحصار قتل نصف مليون طفل عراقي لا ذنب لهم. وذات الشرعية جعلت من تبذير أموال العراق ونهبها أمرا مباحاً (النفط مقابل الغذاء)؛ وأصحاب ذات الشرعية يجتهدون اليوم في الاجهاز على العراق لتقسيمه إلى ثلاث دول.

تقسيم العراق وتقسيم ليبيا وتقسيم وادي النيل مشروع استراتيجي واحد؛ أفطال عليكم العهد حتى نسيتم أن فصل السودان عن مصر، وفصل جنوبه عن شماله، قد أخذ مائة سنة ونيف من المكر الانجليزي؟

في الذكرى العاشرة لغزو العراق صرح طوني بلير -للبي بي سي- أنه شارك في الغزو لاقتناعه بفكرة اعادة تشكيل [= تقسيم] الشرق الأوسط، وأن عملية اعادة التشكيل هذه ستأخذ وقتاً ممتداَ، وحروب دامية وطويلة!

أليس هذا هو ما نحن فيه الآن؟! أفبعد هذا يقتل بعضنا بعضاً، ونستعدي "المجتمع الدولي" على إخوان لنا في الدين والمصير بحجة شرعية هزيلة جاء بها صندوق غابت عنه أصوات ثلثي الليبيين الذين يحق لهم التصويت؟!

الاحتكام للصندوق لا معنى له إلا بعد تحديد الثوابت التي تبنى عليها الدولة؛ وهذه الثوابت إما أن تكون اسلامية أو لا تكون. ومن بعد تحديد الثوابت بوضوح، يكون للصندوق ذات الدور الذي لعبه في 7/7/2012. اخفاقات ما بعد 7/7 لا تعود للاشخاص وإنما للأفكار. والافكار العقيمة هي ما يجعل البعض يعتقد أن بالامكان فرض شرعية الصندوق بقوة غير ليبية. هذا المنطق، في عالم الأفكار، لا ينتسب للشرعية وإنما ينتسب إلى "القابلية للاستعمار"!

لابد من تغيير نهج التفكير لأن ".. الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال". ــــ "والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون".

محمد بن نصر

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
عبدالرؤوف طريش
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين, مقال قيّم يتطرق إلى نقاط محورية في الفكر السياسي الإقليمي عامة والليبي خاصة . فكر يمتد من المتطرفين دينياً إلى المتطرفين علمانيناً, والمتضارب بشكل…...
التكملة
محمد بن محمد
السيد محمد بن نصر، أشكرك على المقال، لكنني أعارضك في أن مفهوم الوحدة والتقسيم يأتي دائماً من الغرب، وإلا لنفينا وجود الله الخالق الذي ينصرنا ويساعدنا ونحن المسلمين أفضل أمة،…...
التكملة
نور بن سالم
بوركت على هذا التحليل ونسئل الله أن يعقل أهلنا...
التكملة
مواطن
احد ثوابت 17 فبراير التداول السلمى على السلطة اى ديمقراطية الانتخابات ، يفترض اذا كانت فيه مصدقية من هذا ننطلق ونتتبع الاحداث التى مرت بها البلاد من اول انتخاب بعد…...
التكملة
osama
تحليل عميق واستدلال تاريخي واقعي ......
التكملة