عزة كامل المقهور: الليبيون والحوار: من 30/5/2015 15:37 عزة كامل المقهور: الليبيون والحوار: من "المربوعة" إلى الصخيرات
عزة كامل المقهور بحث

الليبيون والحوار: من "المربوعة" إلى الصخيرات
 


المتتبع للشأن الليبي، يري أن المرحلة الانتقالية في ليبيا دخلت عنق الزجاجة، بل أن هذه الزجاجة ذاتها يمكن أن تنكسر وتتبعثر. فبالإضافة إلى المسار الديمقراطي المتعثر، فإن انتشار السلاح والنزاعات المسلحة، التي تجتاح مناطق ليبيا كلها تقريبا دون استثناء، قد أدهشت في عنفها الليبيين ذاتهم. ضف إلى ذلك التدخلات الإجنبية لطرف على حساب آخر. لكن الخطر الداهم الذي يهدد وجود ليبيا ذاتها هو الإرهاب الذي انتشر في ربوعها، فبدت "القاعدة" وكأنها معتدلة مع وجود "داعش" التي باتت تحتل مدن بأكملها كمدينة درنة قي شرق البلاد وسرت في وسطها، بالإضافة إلى تواجدها ضمن تحالفات هشة في مدن آخرى بشكل غير واضح نسبيا.

في ظل هذه التهديدات الجدية، ظهر مسارا جديدا وهو الحوار السياسي برعاية الأمم المتحدة مابين تيارات واشخاص من المجتمع المدني ونشطاء وممثلي بلديات وأحزاب. هذه الورقة توضح طبيعة المسار الديمقراطي، وما آلت اليه الأوضاع، وتعتبر أن الليبيين مآلهم الجلوس معا والتفاوض، وقد يكون شبح الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تقوض الدولة ووجودها بالأساس، عامل مساعد على تجاوز الأزمة. مازال الحوار وما في جعبته حلا قد يخفف من حدة الصراع، لكنه بالتأكيد لن ينهيه إلا بإرادة الليبيين على تجاوز الخلافات والتفاوض المباشر فيما بينهم، كما هي ثقافتهم في التلاقي والحديث والتحاور المبني على الثقة.

المقدمة

إعتاد الليبيون في مجتمعهم البسيط، قليل العدد، وأرضهم الواسعة، أن يتحاوروا فيما بينهم في غرفة تعرف "بالمربوعة". وهي عادة ما تكون ملحقة بالبيت لكنها ذات باب خارجي، فسيحة مقارنة بغرف البيت الأخرى، تزدان ارضيتها بالبسط، وتفرش عليها "شلتات" من القماش المحشو بالصوف تعرف بـ"المنادير". المربوعة هي غرفة الرجال دون سواهم.

وفي خضم ما يشهده هذا المجتمع من نزاعات لم يعهدها في السابق، مصحوبة بالحرب والعنف والقتل والتعذيب والخطف والإعتداء وكل ما يمكن أن يتخيله البشر من أشكال للعنف، لم تعد "المرابيع" تكفي، ولا النداءات تُجدي، ولا دموع الثكالى واليتامى تؤثر. إختار الموت أن يزور الجميع بلا استثناء. وإختار كثيرون الموت الذي في اعتقادهم هو الحل، وما هو بذلك. ولم يتعظوا من تجارب الآخرين، ولم يخجلوا من دماء سالت في سبيل الديمقراطية التي حلم بها الليبيون منذ الاستقلال في عام 1951. فكانت كل حقبة تفترس الأخرى وتجعلها تبدو أفضل من الحاضر ويمكن المستقبل.

لذا، حين قرر الأمين العام للأمم المتحدة تعيين السيد برناردينو ليون رئيسا لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا ومبعوثا شخصيا له في شهر أغسطس / آب من العام الماضي، وحين قام الأخير بالإعلان عن قيام حوار ما بين الليبيين، تحرك شيء من الأمل في نفوس الليبيين الذين أوصدت “مرابيعهم” وحملوا خلافاتهم إلى الشارع في أسوأ مظاهر الخلاف وأقساه.

في أكتوبر / تشرين الأول 2014، بدأ الحوار في الجنوب الغربي من الصحراء الليبية في واحة تعرف بمدينة غدامس. وكانت غدامس قديما محطة مهمة لعبور القوافل ما بين جنوب الصحراء الكبرى وساحل المتوسط، يقطنها خليط من العرب والطوارق والأمازيغ في تناغم ومصاهرة وشكل هندسي فريد من البيوت البيضاء المتجاورة. وهي من المدن التي استطاعت "المرابيع" أن تمنع من أن تتسرب الخلافات إلى خارجها.

إستقبل الغدامسيون المتحاورين بالحمام الأبيض، ولم يكن المتحاورون كثر، كان التركيز أن ينطلق الحوار ما بين ممثلين عن مجلس النواب الليبي وبعض من النواب المقاطعين للمجلس. كما جرى تطعيم الحوار بشخصيات بعضها محسوب على أحد التيارين الرئيسيين الذين يغذيا النزاع المسلح القائم، التيار الإسلامي، وبعضها الآخر محسو ٌب على التيار غير الإسلامي أيا كانت تسميته.

وقد استمر الحوار متعثرا في بعض الأحيان، وانتقل إلى مدينة جنيف في يناير / كانون الثاني 2015، ثم عاد إلى غدامس حيث انضم وفد من المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق المنتهية مدته)، ثم إلى جنيف، ليحط أخيرا في مدينة الصخيرات المغربية على شاطئ الأطلسي.

وفي كل الأحوال، هجر الليبيون "المربوعة" وجلسوا في أربعة غرف منفصلة في الصخيرات برعاية الأمم المتحدة. الأولى تضم وفد مجلس النواب، والثانية وفد من أعضاء المؤتمر الوطني العام، والثالثة تضم بعض النواب المقاطعين لمجلس النواب، والرابعة بعض ممن عرفوا بالمستقلين ومن بينهم إمرأتان تمثلان المجتمع المدني.

السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف وصل الشقاق بين الليبيين إلى هذا الشكل من الحوار غير المباشر؟ وكيف عجز الليبييون عن أن يلتقوا كما كانوا ويناقشوا خلافاتهم ولا ينكثوا بوعودهم؟ لابد للإجابة على ذلك من العودة لشيء من تاريخ المرحلة الانتقالية التي عرفتها ليبيا بإندلاع ثورة فبراير / شباط، وما آلت اليه الأوضاع اليوم.


المرحلة الانتقالية في ليبيا: وتنقسم إلى ثلاث فترات:


الفترة الأولى: من إعلان المجلس الوطني الإنتقالي المؤقت في 27. 2. 2011 وحتى انتخاب المؤتمر الوطني العام....

قامت الثورة الليبية ضمن سلسلة من الثوارت التي شهدتها المنطقة، فبعد تونس كانت مصر ثم كان لا بد وأن تحدث في ليبيا، لكن استعجال بن علي للرحيل في تونس، واتفاق مبارك والعسكر على أن يرحل في مصر، لم يكن ذا تأثير في المشهد الليبي، الذي انزلق مباشرة للعنف. وكان تشبث القذافي وعدم تصديقه لما يجري في المدن الليبية من انتفاضة عارمة ضده، أن شق صفوف الليبين، وظل هذا الشق يزداد ويتفرع ويتعمق في ظل حالة من النشوة والفرح اللذان لم يتركا للعقل مكانا لتفادي المزيد.

تم الإعلان عن المجلس الوطني الانتقالي المؤقت باعتباره الذراع السياسي للثورة التي أصبحت مسلحة ودعمها الحلف الأطلسي بقوة عبر سماء ليبيا. وأصدر المجلس في 11 أغسطس/ آب 2011 وثيقة دستورية تحت مسمى "الإعلان الدستوري"، تنظم المرحلة الانتقالية لحين إصدار دستور دائم للبلاد خلال ستين يوما من أول إجتماع للهيئة التأسيسية للدستور. كما ضم هذا الإعلان الدستوري فصلا كاملا ومطولا، مقارنة بباقي الفصول، يُبين بطريقة حسابية مراحل انتقال السلطة في البلاد لحين صدور الدستور الدائم. والقارئ لهذه الوثيقة يمكن أن يستخلص منها النقاط التالية:

1. أن ليبيا اثناء الثورة كانت بلا دستور، لذا لا يمكن أن ينطبق عليها النموذج التونسي، كما وأن مؤسستها العسكرية في تشتت وضعف لذا لم ينطبق عليها النموذج المصري.

2. إن هذه الوثيقة قدمت نموذجا غير معتاد للحكم، كما وأن الخشية من عودة الدكتاتورية، أدت إلى هذا النظام الذي يمكن أن يطلق عليه "بالحكم الجماعي"، لتندمج السلطتان التشريعية والتنفيذية في هيئة واحدة، وتكون البلاد بلا رأس للدولة.

3. إن هذه الوثيقة ببساطتها لم تتصور ما يمكن أن تواجهه المراحل الانتقالية من أنواء وعواصف وخلاف ومفاجآت. ويمكن أن يقال أن روح "المربوعة" كانت حاضرة في النقطتين الثانية والثالثة، وهي روح لم تصمد ولم تتطور مع تشعب الخلافات والصراع على السلطة، وتغول المليشيات على المسار الديمقراطي اليافع، والسلاح المنتشر سريع وسهل الاستعمال، والمراهقة في العمل السياسي حديث العهد.

الفترة الثانية: من أول انتخابات تشريعية عقب الثورة (انتخاب المؤتمر الوطني العام) إلى تشكيل لجنة فبراير وقرار تسليم السلطة سلميا

تميزت هذه الفترة بحدث تاريخي مهم، ألا وهو أول تسليم سلمي للسلطة عرفته ليبيا منذ أستقلالها. فالمجلس الوطني الانتقالي كما سبق القول لم يكن مجلسا منخبا ولا تشريعيا، بل كان أعلى سلطة في البلاد وفقا للمادة (17) من الإعلان الدستوري. لذا فإن انتقال السلطة بمعناها العام سلميا كان مهم جدا في بلد رزح تحت نير الدكتاتورية لأكثر من أربعة عقود. شارك الليبيين في شهر يوليو/ تموز 2012 بعدد 2,865,937 ناخب، ووقفوا لأول مرة أمام صناديق الإقتراع في انتخابات حرة ونزيهة أشرفت عليها المفوضية العليا للانتخابات، وهي هيئة تتميز بالإستقلالية والحياد. كان يوما بهيجا اختلطت فيه دموع الفرح بغصة الحزن على من قضوا حتى ينعم الليبيون بهذه الديمقراطية الوليدة أو هكذا ظنوا.

وهكذا وصل 200 نائب إلى مؤتمر الوطني العام ليتقلد ذات الصلاحيات الواسعة التي كان يتقلدها مورثه، لكن الفترة كانت عصيبة والتحديات جمة ونهم السلطة وتحالفها مع السلاح بات جليا، فكان القرار رقم 7 لسنة 2012 بإجتياح مدينة بأكملها (مدينة بني وليد) وسفك دماء المدنيين فيها. ثم كان قانون العزل السياسي رقم ( 13) لسنة 2013 الذي ميّز ما بين الليبي وأخيه، وجعل من الليبيين أطيافاً، وكرر خطأ نظام قامت الثورة لإنهائه: الثوار والأزلام. وأصبحت الأحكام تصدر بالشبهات، لتتكرر تجربة إجتثات البعث في العراق، وتُزاح الطبقة العاملة والخبرات ويحل محلها أصحاب الكلام الشعبوي وحملة السلاح، ويتصدر المشهد من جديد خطابات نهمي السلطة. وبدلا من أن يعكف المؤتمر الوطني العام على أهم مسألتين ألا وهما: المسار الدستوري وتشكيل الهيئة التأسيسية لوضع الدستور الليبي، والعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، إنقلبت الأولويات لتدور حول تشكيل الحكومة والمحاصصة، وكذلك حول مرتبات "الثوار" المجزية من حملة السلاح، وتعويضات السجناء في عهد النظام السابق دون معايير محددة، وتوزيع المناصب حسب الولاءات والإنتماءات المناطقية.

ورغم ذلك كله، كان للمجتمع المدني الوليد، خاصة في جانبه السياسي، دورا بارزا ما بين العمل التطوعي والتثقيفي وتنمية الوعي السياسي والخروج إلى الميادين والشوارع للضغط والتعبير عن الرأي. وكان لحركات الاحتجاج المنظم، وأبرزها حركة "9 نوفمبر" و"لا للتمديد"، إضافة إلى المؤسسات الصحفية والإعلامية التي ازدهرت في تلك الفترة، وشبكات التواصل الإجتماعي، دورا بيّنا في الضغط والتغيير. وتحت تأثير هذا الضغط، قام المؤتمر الوطني العام بتشكيل لجنة عرفت "بلجنة فبراير" من 15 عضو من بينهم ستة من أعضاء المؤتمر وتسعة من خارجه، أنيط بها إعداد مقترح بالتعديلات الدستورية اللازمة لتداول السلطة سلميا تو ّجه إلى سلطة تشريعية جديدة ُسميت "مجلس النواب". وإستحداث منصب لرئيس الدولة وهو ما يتطلب الفصل ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وقانونا للانتخابات التشريعية المقبلة والرئاسية. وهكذا كان المخرج لتداول السلطة مرة ثانية أثناء الفترة الانتقالية وقبل صدور الدستور. وبناء على مقترحات هذه اللجنة، قام المؤتمر الوطني بإرتكاب خطأ آخر في فترة حرجة، فتبنى من خلال التعديل الدستوري السادس مقترح لجنة فبراير جزئيا، أي ما تعلق بالانتخابات التشريعية دون الانتخابات الرئاسية، وهو مقترح متكامل لا يقبل التجزئة. وتُرك القرار لمجلس النواب فيما يتعلق بإجراء انتخابات رئاسية مباشرة حسبما ورد في لجنة فبراير أو انتخابات غير مباشرة حسب موقف بعض الكتل في المؤتمر، خاصة كتلة الوفاء للشهداء ذات المواقف المتشددة. وهكذا كان الإخفاق الدستوري الآخر، والذي رغم أن ظاهره تداول السلطة سلميا إلا أن بوادره غير السلمية بدأت منذ ذاك الحين.

جرت انتخابات مجلس النواب في شهر يونيو / حزيران 2014، وأعلنت المفوضية العليا للانتخابات النتائج في يوليو / تموز 2014. وفي هذه الأثناء، كانت تدور في مدينة بنغازي، حيث مقر مجلس النواب الجديد، معارك عنيفة بين بقايا الجيش الليبي الذي كان يتعرض للتصفية والقتل اليومي من جهة، وتحالف ما بين الثوار والإسلاميين تحت عنوان مجلس ثوار بنغازي من جهة أخرى، وهي ماتزال قائمة حتى يومنا هذا.

الفترة الثالثة: انتخاب مجلس النواب وإشكالية بروتوكولية لإعلان نقل السلطة وتداولها

لم تظهر تلك الجموع الشعبية يوم الإقتراع كما كان في الانتخابات السابقة. كان هناك شعوٌر بالخوف وإنعدام الأمان، إضافة لشعور بالإحباط من أداء المؤتمر الوطني العام. كانت البلاد تشهد نقص حاد في الوقود وانقطاع مستمر للكهرباء. وبات ه ّم الليبي الأساسي هو تحصيل قوت يومه. ففي بنغازي، مدينة الثورة وحيث مقر مجلس النواب، هاجمت مجموعة مسلحة في 25 يونيو / حزيران 2014 سكن المحامية الناشطة الأستاذة سلوى بوقعيقيص، والتي كانت من الشخصيات البارزة في الثورة، وقتلتها، كما اختطف زوجها ليصبح في عداد المفقودين منذ ذلك اليوم. تبع هذه الجريمة، جريمة أخرى في يوليو / تموز 2014 بمدينة درنة، حين قتلت العضو السابق في المؤتمر الوطني العام عن هذه المدينة والتي استقالت من المؤتمر احتجاجا على سياساته ومواقفه ورفضت رواتبه، وهي الناشطة فريحة البركاوي، بمحطة الوقود داخل سيارتها وأمام الناس.

وسط كل هذا العنف، وبدل من أن تتكثّف الجهود وتتكاتف ويمد المؤتمر الوطني يده لمجلس النواب الجديد ويسارع بإجراءات الإعلان عن تسليم السلطة، فقد تذ ّرع بحجج شتّى كي لا يسلمها. فتارة تلظّى بالدعوة البروتوكولية من رئيسه، وتارة بمكان انعقاد الجلسة البروتوكولية والإعلان عن التسليم، وتارة بمخالفة انعقاد المجلس في مدينة بنغازي الذي توقف مطارها عن العمل وأصبحت الحياة فيها غير آمنة.

كل هذه العراقيل لم تمنع تولي مجلس النواب السلطة التي جاءت بناء على انتخابات ناجحة رغم الوضع الأمني واليومي الصعب لليبيين. وكان أن أعلن مجلس النواب ممثلا للشعب الليبي في جلسة انعقدت في مدينة طبرق في أغسطس / آب 2014. ثم اصدر تعديلا ثامنا للإعلان الدستوري يقضي بتأجيل الانتخابات الرئاسية، إضافة إلى موقف تأييد أغلبية أعضاء المؤتمر الوطني العام لمجلس النواب عدا بعض من مجلس رئاسته وأعضائه وبما لا يتجاوز الثلاثين عضو منه.

وفي يوم 13 يوليو / تموز 2014، وقبل إعلان نتائج الانتخابات وإستباقا لإعلانها، هاجم تحالف لمليشيات مسلحة يغلب عليها الطابع الجهوي، لإنتماء قادتها لمدينة مصراتة، على العاصمة طرابلس ابتداء من مطارها الدولي حيث تتمركز مليشيات تتبع مدينة الزنتان. وقد ترتب على هذا الهجوم ضررا بالغا بالمسار الديمقراطي حتى كاد أن يعصف به. كما ترتب عليه انتقال الحكومة من مقراتها في العاصمة طرابلس إلى مدينة البيضاء الجبلية في شرق البلاد.

وما أن إنتصر تحالف مليشاوي على آخر في العاصمة حتى أعلن المنتصر في هذا الصراع الدموي عودة المؤتمر الوطني العام، وكلفه بتشكيل حكومة. ورغم إن المسار الديمقراطي كان ومايزال يتنفس بعد ماغمرت البلاد دماء وصراعات، ورغم إجتماع مجلس النواب ومباشرته أعماله، ظل شبح هذه الحرب التي دارت رحاها في طرابلس عائقاً. لكن العائق الأكبر هو المحاولة الحثيثة لكسر العمود الفقري للمسار الديمقراطي من خلال اضعاف نتائج العملية الانتخابية والمؤسسة التشريعية، ألا وهي مجلس النواب، ومحاولة إظهار أن البلد فيه مؤسستين تشريعيتين وحكومتين وهو أمر غير حقيقي. فالمؤتمر إنتهى لأنه هو من قرر أن ينتهي وإتخذ الإجراءات اللازمة لذلك. وهو إنتهى بمجرد إعلان نتائج الانتخابات، وهو إنتهى لأن أغلب اعضائه رحلوا عنه وباركوا السلطة التشريعية الجديدة.

إن المشروعية تكون من خلال صناديق الانتخابات ونتائج الانتخابات، وإن التقليل من هذا الشأن هو دعم للإنقلاب على المسار الديمقراطي، وتغليب لسلطة أو سلطات منشأها الحرب وقوة السلاح.

ورغم كل الخطوات الصعبة التي أنجزت خلال زمن ضيق نسبيا (السنوات الأربعة الماضية): الإعلان الدستوري، ثلاث انتخابات (المؤتمر الوطني العام/ مجلس النواب/ الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور)، صناديق الإقتراع، الإنتخابات العامة، التداول السلمي للسلطة، المفوضية العليا للانتخابات، الانتخابات البلدية، تعديل الإعلان الدستوري وقانون انتخاب مجلس النواب رقم 10 لسنة 2014، فإنها لم تمنع الاخفاقات التي لحقت بالديمقراطية الهشة، لأن نهم السلطة واللجوء إلى الغلبة والعنف كان أشد شراسة وأسهل إستخداما. وبدا الطريق الديمقراطي صعب وشاق ويحتاج إلى نفس طويلة وصبر، ولم يتنبه كل هؤلاء الذين دمروا مسار الليبيين وخيارهم أنهم يدمرون ليبيا ووجودهم. رغم هذا فإن الديمقراطية في ليبيا ما تزال تتنفس، وإن الحاجة أكثر من أي وقت مضى لدعمها.

الحوار اليوم في الصخيرات رغم أهميته، لن ينجح إلا إذا عاد الليبيون إلى "المربوعة" الكبرى ليبيا وهم مقتنعون أن السلاح يجب أن يسلّم وأن الحل الوحيد رغم مشقته وصعوبته وطول أمده هو من خلال المسار الديمقراطي الذي عرفه الليبيون بعد الثورة، وأن خسارتهم الكبرى ستكون في فقدانه.

عزة كامل المقهور
محامية وعضو في المجلس الوطني الليبي لحقوق الإنسان

* نشر بــ "مبادرة الاصلاح العربي" أيار/مايو 2015
 


عن الكاتبة:

عزة كامل المقهور، محامية وعضو في المجلس الوطني الليبي لحقوق الإنسان. نشطت في مجال الدفاع عن حقوق المعتقلين السياسيين. وهي تنشط حالياً في المناقشات الجارية حول الديمقراطية ووضع دستور جديد وحماية حقوق المرأة. تخرجت من كلية الحقوق في جامعة بنغازي وتخصصت في حقل القانون الدولي في جامعة السوربون في باريس. كتبت العديد من المقالات والقصص القصيرة.

عن مبادرة الإصلاح العربي

تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 كشبكة مستقلة من مراكز ومعاهد بحثية عربية وأروبية وأمريكية. ورسخت المبادرة منذ تأسيسها انطباعاً قوياً في الأوساط البحثية ودوائر صنع القرار باعتبارها منتجة للمعرفة، من خلال الأبحاث، وبناء مجموعات عمل في دول مختلفة، وتطوير شبكة واسعة من الباحثين والنشطاء ممن يتقاسمون الرؤى الإصلاحية. الأوراق الصادرة عن مبادرة الإصلاح العربي تعبر عن رأي كاتبها ولا تمثل بالضرورة موقف أو رأي المبادرة. حقوق النشر محفوظة لمبادرة الإصلاح العربي. كل إعادة نشر للورقة أو استخدام جزء منها يتطلب الحصول على موافقة المبادرة.

© مبادرة الإصلاح العربي أيار/مايو 2015 [email protected]

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ليبى متدمر
سرد تاريخى مهم ارجو من الكاتبة التدقيق فى التواريخ وتصحيح بعضها مثلا تاريخ الاعلان الدستورى هو 3.8.2011 ... لتصير هذه الخلاصة ربما فى يوم من الايام مهمة لتذكيرنا بما حصل…...
التكملة
محمد الهمالي
نتمنى ان كل من يكتب ان تكون ليبيا هي الملهم- ليكون التوجه في الكتابة والانحياز الى ليبيا فقط لا الى جهة او الى كيان او الى هيئة او الى منطقة…...
التكملة
مفتاحً
تيار مدني نجح في الانتخابات لان برنامجة تأسيس دولة القانون والمؤسسات وتيار إسلامي وحلفاؤوة هزم في الانتخابات يريد حكم ليبيا باي طريقة لم يرضى بالنتائج ولجاء للسلاح والتمترس وراء الشعارات…...
التكملة
ممتعض
حين لا نتجاوز بقراءتنا لهذا المقال حدود تخلفنا وأوهام أن.. ليس في الإمكان ابدع مما كان.. فإنما نحن نقطع الطريق على أنفسنا لفهم أن دعوة السيدة الكاتبة ليست الى نجلس…...
التكملة
إبن الشاطىء
المقال سرد ثاريخى ...ليس الا...منادير تغيرت الى كراسى فخمة...وطاسة الشاهى الى قنينة مياه معدنية...وتفاقم الخلاف القبلى والجهوى... وكتاب يبحثون فى تكرار أعمدة الأحذاث المتشعبة اليومية...وأضمحلال الدوافع الوطنية.... وغياب النضوج السياسى…...
التكملة
ممتعض
تناول ضاف وتحليل دقيق وعميق لواقعنا المتردي ووصفة دواء مستقاة من معرفة واسعة بتجارب شعوب اخرى واجهت في تاريخها ما نواجهه ، ولكن السؤال هو .. من يقنع المريض بجدواها…...
التكملة
احمد العزابي
كفاكم كلام وإرهاق العقل الليبي اتقوا الله وقولوا قولا حسنا او اصمتوا لا تتلونوا حسب الظروف كفا وكفا وكفا تعليقات الوطن ضاع أنتم احد الأسباب والله سوف لن يرحمكم التاريخ...
التكملة