د. أحمد ابراهيم الفقيه: لكي لا نظلم الثورة 11/6/2015 23:37 د. أحمد ابراهيم الفقيه: لكي لا نظلم الثورة
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

مع تفاقم الازمات التي صاحبت التحول الذي اصطلحنا على تسميته بالربيع العربي في عدد من البلدان، وانهيار الامن، وتغول اهل التطرف والبلطجة، وارتفاع ارقام الضحايا، ارتفعت النغمة التي تدين الثورات التي قامت في هذه البلدان والتي صنعت هذا الربيع، وتدين القيادات التي تصدرت صفوف الثوار، وتدين الثوار، وتسمي ما حصل مؤامرة  دولية، ولا ينقص اصحاب هذه الاطروحة بعض الشواهد يعززون بها كلامهم، والاقتباسات التي يقتبسونها من اقوال مسئول غربي، او يقتطعونها من مذكراته، بل ولا يتحرج بعضهم من التهويل، بل والتزييف والتشويه لهذه المقولات، الى حد ان سمعنا من روج لاقوال لم تقلها وزيرة الخارجية الامريكية السابقة، في كتابها خيارات صعبة، مدعيا انها تعترف صراحة بانها وراء تاسيس داعش، وتمهيد الاجواء لانتشارها وتسليحها وتعزيز حضورها فوق الارض العربية، وربما نلتمس العذر لبسطاء الناس ممن فقدوا الامن والامان، ووجدوا الحرائق تحاصرهم، وعصابات مسلحة خارج القانون تغتصب املاكهم، وتطردهم من بيوتهم، واحيانا من داخل القانون كما في سوريا، ولكنه قانون الحاكم المجرم المستبد القاتل، اقول اننا قد نجد العذر لمثل هذا المواطن البسيط في حنينه، كما سبق ان قلت، الى ما كان ينعم به من امان في ظل الانظمة الاستبدادية، ولكن من يدعى انتسابا للحراك السياسي، او للطلائع المستنيرة من ابناء الوطن، ثم يقول مثل هذا الكلام، فهو يجب ان يراجع نفسه، ويراجع ملكات الحكم والتقييم عنده، لانه بالتاكيد لا يستحق ان يكون مستنيرا او يملك مؤهلات الانتساب الى النخب المثقفة والمتعلمة، ولن استطيع شخصيا ان اقبل انسانا يقول لي  ان ثورة الشعب الليبي، ضد حاكم يمثل البشاعة في ابلغ صورها، ونظام لم يكن يحترم اي حق من حقوق الانسان، لا حقه في ان يكون له فكر مخالف لفكر الحاكم، ولا حقه في ان يكون له مشروعا تجاريا خاصا، لانه صادر حتى دكاكين الحلاقة، ولا حق ان يمتلك ارضا ولا بيتا غير بيت يسكنه، بل كان يضع قيودا على سفر هذا الانسان، وقيودا على ماله، بل وقيودا على ماذا ياكل وماذا يشرب وماذا يملك وماذا يلبس، وكيف يعيش او يسهر ومتى ينام او يستيقظ، وكل شيء مستباح في حياته، بما في ذلك حقه في الحياة يمكن ان يسلبه منه دون قانون ولا حسيب ولا رقيب. هذه الثورة ضد مثل هذا النظام اللانساني، بكل ما فيه من توحش وبدائية واجرام، يمكن اشكك في صدق دوافعه وفي ضرورة حصوله، بل العجب العجاب والامر الموجب للاستغراب هو كيف تاخرت هذه الثورة كل هذا الوقت، وكيف تمكن هذا المسخ من فرض سيطرته لمدة اربعة عقود ونيف، هذا ما يستحق الاندهاش اما الثورة نفسها فانها تملك من المصداقية ومن الدوافع ما يجعلها خارج اي درجة من درجات الشك او الريبة، وما قدمه اصحاب هذه الثورة من تضحيات،  وما اروه للعالم من صور البطولة والاستبسال، يكفي ليعرف القاصي والديني حجم الغل والحقد والكراهية التي تسكن في نفوس الليبيين، ضد جور وظلم ذلك النظام، وان هذا الظلم وما رافقه من عسف وقمع ومهانة، هي الدوافع وراء هذه الثورة، وليست الدوافع مؤامرة او يدا اجنبية، لاسقاط النظام وتقويضه.

واقول ايضا بعد ان قلت هذا الكلام، ان هناك اعداء خارجيون للحاكم الليبي، يتمنون انهاء حكمه، وربما كان هناك مثل هؤلاء الاعداء للحاكم في اليمن، والحاكم في تونس، والحاكم في مصر، والحاكم في سوريا، ممن استهدفتهم ثورات الربيع العربي، وهم يسعون ايضا لتقويض هذه الانظمة والاطاحة بها، وهذا وارد، ولعله كان جزءا من الزخم الذي ادى الى نجاح هذه الثورات في الاطاحة بمن اطيح به من هؤلاء الطغاة، بل اكثر من ذلك، هناك قوة كبرى في العالم، هي امريكا، لا يمكن لها ان تتصنع الحياد في اية حدث من احداث العالم، كما لا يمكن تفاديها او التغاضي عنها، وكانها ليست موجودة، فهي بالتاكيد تراقب اتجاه الريح في المنطقة العربية، ولا مانع من ان تسعى لتحريك هذه الريح والدفع بها في الاتجاه الذي تشتهيه السفن الامريكية، وهناك شواهد في التاريخ الحديث وشواهد كثيرة، تثبت انها تخلت عن اصدقاء، ان لم نقل عملاء لها، عندما وجدت ان الرياح التي تحولت الى عواصف للاطاحة بهم، لا يمكن السيطرة عليها، فانضمت هي ايضا الى قوى العاصفة، مع الحرص على ان يكون لها  حضور في مركز القرار الذي يحرك العاصفة، ويسعى لتوجيهها في الاتجاه الذي لا يخالف مصالحها، متخلية عن صديقها او عميلها من قادة النظام القديم، والثورة الاسلامية الايرانية، بقيادة الامام الخميني، وضد الشاه بما لديه من تاريخ طويل في خدمة امريكا، خير مثال وخير دليل على هذه المدرسة الامريكية في التعامل مع الاحداث.

وما حدث للثورة الايرانية، التي سخرتها امريكا في حربها لتقويض الاتحاد السوفييتي واشعال النعرات الدينية والقومية في جمهريات الاتحاد السوفييتي، والتي نجحت في تقويضه وهزيمته، كان لابد ان يتكرر مع ثورات الربيع العربي، واسلوب تعاملها مع هذه الثورات التي هبت لتقويض انظمة تسلطية تحظى بالدعم الامريكي، يشبه تعاملها مع عواصف انجيلا وفردريكا وفرانكا التي تهب من المحيطين الهادي والهندي، واخيرا سامنثا، حيث تملك امريكا تقنية ترويضها، واحيانا تقنية التنبؤ بها وبخط سيرها، وتستطيع على الاقل درء الخسائر النتائجة عنها، قبل ان تفرغها من قوتها، هذا اذا عجزت عن توظيفها، وهو موضوع يقودنا الى كيف ومتى واين رات امريكا في الاسلام السياسي حصانا يمكن ان تراهن عليه في العالم العربي، خاصة في شكله الذي يسمونه معتدلا، ويمثله في رايها تنظيم الاخوان المسلمين.

* سبق نشر المقال في صحيفة العرب

د. أحمد ابراهيم الفقيه

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
الكاتب علاء الأسواني
كيف تقضي على الثورة في 6 خطوات الأسواني :- 1- احتفل بالثورة والعن الديكتاتور المخلوع .2- احتفظ بالنظام القديم كاملا .3- اترك أحوال البلد تتدهور حتى تصل إلى الحضيض.4- اضرب وحدة الثوار…...
التكملة
محمد بن حمد
أخالفك الرأي سيادة كاتب المقال في قولك بأن الثورة الايرانية هي تناج تخطيط أمريكي، بل بالعكس ككانت مفاجئة للحكومة الامريكية ويجب أن لا تنسى حادثة إحتلال السفارة الامريكية في طهران…...
التكملة
عادل
بعض المعلقين يقول لا بد من تدمير الاخضر و اليابس و الاستعانه بالغرب حتي نتخلص من الطاغيه كما فعلت باقي الشعوب هل هذا كلام منطقي و اي حد لا يعجبه…...
التكملة
صابر
الاخ الي قال ليبيا ضيعت تريلون دولار من وين جبت هذه الارقام كفايه ضحك علي هذا الشعب المغلوب علي أمر و اجع الخبراء قبل ان ترمي بمعلومات لا توجد الا…...
التكملة
ابالحكم
مقال مهم وغرض نبيل وهو الدفاع عن ثورة التحرر والكرامة التي يتم طعنها وإثخانها بالجراح وإلباسها كل التهم وكل يوم !! عشت وطال عمرك د . ٱحمد الفقيه . نأمل…...
التكملة
الى الورفلي
من كان يعيش في عز ايام المقبور هم اتباعه امثالك اما اذا كان الشعب الليبي يعيش في عز ايام المقبور فلماذا ثار عليه الشعب؟ بئس القوم الذين يعتقدون ان القردافي…...
التكملة
الورفلي
ياسيدى هل هناك هزان اكثر من هوان اليوم وهل هناك ذل اكثر من الذل الذي لحق بالليبيين يكفي ان تسير في شوارع طرابلس لترى الذل على وجوه الناس انه ذل…...
التكملة
سايح يعرفها

بخصوص التعليق الأول لأستاد عـبـدالـواحـد مـحـمـد الـغـريـانـي - مـمـلـكـة الـسـويـد، أحب أن أقول فقط بأني لا اعتقد أن الـمـخـابـرات الأمـريـكـيـة قادرة على صنع أي شيء من ذلك القبيل…...
التكملة
إلى الورفلي من الورفلي الثاني
أقسم بالذي خلق ليبيا ومن في ليبيا أن هناك ليبيين يعيشون بيننا لا يملكون الحد الأدنى من الاستعداد الفكري لفهم تعقيد العالم الذي نعيش فيه. أخونا الورفلي يعتقد أن الثورات…...
التكملة
عـبـدالـواحـد مـحـمـد الـغـريـانـي - مـمـلـكـة الـسـويـد
إلـى الأخ (الـمـقـدام) وَدَدْتُ أن تـكـتـب إسـمـك الـحـقـيـقـي، لـكـى تـكـون مـِقـدامـاَ فِـعْـلًا!؟ أمَّـا دُويـلـة قـطـر فـلا تـعــدو عـن كـونـهـا مـحـطـة للـمـخـابـرات الأمـريـكـيـة والـغـربـيـة فـي الـمـنـطـقـة.. فـلا يـجـب أن تُـعْـــطَـى أكـبـر…...
التكملة
معلوم
لا فجر صليتوا لا كرامة درتو .. مغير ليبيا بسلاحكم دمرتو .. مش مرتاحة .. بدت ليبيا بالحرب كيف الساحة .. الليبي علي الليبي جبد سلاحه .. كم من مناطق…...
التكملة
احمد المصراتي
شكرًا أستاذ احمد ، تحليل دقيق لا يفهمه ويستوعبه الا المثقف والوطني اما الحاقد والمستفيد من المقبور فمعيز ولو طاروا او كما يقول المثل كمن يؤذن في مالطا لان مصلحته…...
التكملة
المقدام
الى الاخ الغرياني في السويد. ما اجمل وما اسهل التنظير في اوربا في بلاد الامن والامان. عندما تتكلم عن الانظمة يجب ان تتكلم بشكل موضوعي وعلمي وليس من منطق التحامل…...
التكملة
عـبـدالـواحـد مـحـمـد الـغـريـانـي - مـمـلـكـة الـسـويـد
الـمـخـابـرات الأمـريـكـيـة هـي الـتـي صـنـعـت زُمـرة سـبـتـمـبـر فـي لـيـبـيـا .. وبـائـع الـجـولان فـي سـوريـا .. والـشـاويـش عـلـي عـبـدالـلـه صـالـح فـي الـيـمـن .. وبـن عـلـي فـي تـونـس .. وحـسـنـي مـبـارك فـي…...
التكملة
احمد الفزاني
يجب ان تروا الأمور جيدا يجب ان تكتب مقالا بعنوان (لكي لا يظلم من وقف ضد 17 فبراير) او بعنونا (لكي لا يظلممن وقف ضد الناتو؟ أو عنوان مقال لكي…...
التكملة
الورفلي
الاستبداد لا يبيح الاستعانة بالاجنبي لتدمير البلاد الاستبداد لا يعطى صك غفران لاستقبال بارنارد ليفي وماكين وساركوزى على الأراضي الليبية الاستبداد لا يبيح ان يتحول الليبييون ومن يسمون بالثوار الي…...
التكملة