ابراهيم محمد الهنقاري: الحاج مصطفى الخروبي في رحاب الله 18/7/2015 08:45 ابراهيم محمد الهنقاري: الحاج مصطفى الخروبي في رحاب الله
ابراهيم محمد الهنقاري بحث

الحاج مصطفى الخروبي في رحاب الله


كان النقيب مصطفى الخروبي هو من استقبل يوم 3 سبتمبر 1969 في مطار بنينة في بنغازي السيد محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام الذي أوفده الرئيس جمال عبد الناصر في اول اتصال مباشر بين القيادة المصرية وصغار الضباط الذين قيل انهم قاموا بالانقلاب العسكري الذي اطاح بنظام الحكم الملكي الدستوري الذي كان قائما في ليبيا واعلن ان ليبيا اوالمملكة الليبية اصبح اسمها الجديد منذ 1969/9/1 هوالجمهورية العربية الليبية. لم يصدق الضابط الخروبي الذي رقي الى رتبة النقيب قبل ذلك باقل من اربعة اسابيع في التاسع من اغسطس عام 1969 لم يصدق انه كان يقابل شخصية كبيرة ومعروفة على مستوى الوطن العربي كما على مستوى العالم كشخصية الاستاذ محمد حسنين هيكل التي كان يسمع عنها فقط كغيره من الناس. ولذلك كان الارتباك واضحا على الضابط الليبي المغمور وهو يحتضن الصحفي المصري الكبير ويصافحه. وفي كتابه "الطريق الى رمضان" يروي السيد هيكل تفاصيل هذا اللقاء. وقد حرص  النقيب الخروبي ان يبلغ هيكل انه هو "عبد الحكيم عامر" الثورة الليبية ليوهمه انه هو الشخص الثاني في قيادة الثورة الليبية بعد قائدها الملازم اول الذي رقي استثنائيا الى رتبة العقيد التي كان يحتاج الى اكثر من عشر سنوات في الخدمة ليصل اليها اذا اجتاز كل الشروط المطلوبة للترقية من رتبة الى اخرى طبقا لقانون الجيش الليبي. وبعد ان عاد السيد هيكل الى القاهرة ابلغ الرئيس جمال عبد الناصر بان ما حدث في ليبيا انما هو"كارثة"!!. وليس ثورة!. ولست اعلم ان السيد هيكل كان صادقا في كل ما قاله وكل ما كتبه خلال تاريخه الطويل مع الصحافة والتأليف كما كان صادقا في هذا الوصف الدقيق والحقيقي لما جرى في ليبيا خلال النصف الأخير من ليلة الاثنين الاول من سبتمبر عام 1969.

وقد قدر لتلك "الكارثة" ان تنمو وتترعرع خلال ما يزيد عن اربعة عقود لتكتب أسوأ الصفحات في تاريخ ليبيا الحديث. كما قدر لذلك الملازم الذي كان يراه مصطفى الخروبي "عبد الناصر" الثورة الليبية ان يصبح هو"الامين على القومية" العربية بعد جمال عبد الناصر وهو القائد الاممي وهو ملك ملوك افريقيا وهو صانع "عصر الجماهير" وصاحب النظرية العالمية الثالثة ومؤلف "الكتاب الأخضر" الذي حمل "الحل النهائي" لمشاكل العالم كلها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كما قدر لتلك "الكارثة" ان تتربع على عرش الكوارث الكبرى في العالم من لدن ادم الى ان يرث الله الارض ومن عليها. ولم يتسن لمصطفى الخروبي ان يكون "عبد الحكيم عامر" ثورة  ليبيا كما كان يامل او كما كان يظن. ولكن مضت به الأيام في منظومة سبتمبر حتى بقي واحدا من اربعة فقط من الضباط التاريخيين الاثني عشر الذين عينهم الملازم اول معمر بومنيار القذافي اعضاء فيما سمي "مجلس قيادة الثورة". اما الثمانية الباقين فمنهم من قضي نحبه ومنهم من هرب الى الخارج ومنهم من جمد نشاطه او ابعد عن العمل السياسي ومنهم من وضع تحت الإقامة الجبرية. ويبدو ان مقولة "الثورة تاكل ابناءها" صحيحة منذ الثورة الفرنسية.

لم اكن شخصيا اعرف الضابط مصطفى الخروبي قبل الانقلاب ولم يكن من ضباط الانقلاب الذين كانوا يترددون علينا في السجن المركزي خلال فترة الاعتقال ولكنه كان هو الذي اتصل بي في أواخر شهر ديسمبر  من عام 1970 ليبلغني برفع الإقامة الجبرية عني بعد فرضها علي عقب خروجي من السجن في ابريل من ذلك العام. ولكنه كان يعرف اخوتي الأصغر مني لانهم درسوا جميعا في مدرسة الزاوية الثانوية معه ومع غيره من "الضباط الأحرار" المنتمين لمدينة الزاوية. ولم التق معه سوى مرتين. كانت الاولى في مطار بنينة حينما كنت انا واخي محمد ننتظر وصول جثامين شهداء الطائرة الليبية رحلة 114 التي أسقطتها المقاتلات الإسرائيلية فوق صحراء سيناء في 21 فبراير 1973 وكان من بين شهداء تلك الطائرة اختي سعاد محمد الهنقاري رحمها الله وكانت في السنة النهائية في كلية الطب في جامعة القاهرة. وكان النقيبان مصطفى الخروبي والخويلدي الحميدي يتمشيان في المطار ليكونا في استقبال تلك الجثامين ايضا. وعندما لمحنا السيد الخروبي نادى علينا قائلا "يا هنقاري!" فقلت لاخي محمد "انه يناديك" فقال "انا اقصد الاستاذ ابراهيم" فذهبنا لمصافحتهما حيث قدما لنا واجب العزاء.

وكانت المرة الثانية حينما بدأت أتردد على ليبيا بين الحين والاخر بعد طول اغتراب. ويبدو ان الضابط مصطفى الخروبي الذي اصبح في ذلك الوقت يحمل رتبة "لواء" في القوات المسلحة الليبية ويحمل ايضا لقب الحاج قد علم بترددي على ليبيا فطلب ان أقوم بزيارته في مكتبه. وقد ترددت كثيرا في القيام بتلك الزيارة الى ان نصحني احدهم بان أقوم بزيارته بنفسي حتى لا يقوم بإرسال من يأخذني اليه عنوة. وقد رايت في حينه ان ذلك افضل لي فعلا. ولذلك اتصلت بمدير مكتبه حيث رحب بي وحدد لي موعدا لمقابلة اللواء الحاج مصطفى الخروبي في مكتبه قريبا من معسكر باب العزيزية المعروف. ولا زلت اذكر جيدا تفاصيل ذلك اللقاء. فقد رحب بي واستقبلني على باب مكتبه ثم دعاني للجلوس في صالون المكتب وتركنا مدير مكتبه وحدنا خلال هذا اللقاء الذي استغرق حوالي الساعة. كان لقاءا وديا أبدى خلاله تقديره لمواقفي الوطنية كما قال قبل الثورة وسألني ان كنت اتعرض لأية مضايقات اواذا كانت لدي اية شكاوي فأخبرته بأنني لا اتعرض لأية مضايقات  وانه ليست لدي اية مطالب. ثم قال انه سعيد بانه لا يوجد احد من الزاوية ضد الثورة!! فأجبته مازحا "لا فيه!!"  وقد ضحكنا على هذا التعليق الذي لا يبدو انه قد اخذه ماخذ الجد. وفي نهاية اللقاء أهداني مصحفًا وعلبتين من التمر الليبي نوع "الدقلة".

وكان ذلك هواللقاء الثاني والأخير بيننا. ثم علمت انه قد سلم نفسه للثوار في طرابلس بعد احداث 17 فبراير حيث تم اعتقاله ولم اعد اسمع شيئا عنه عتى اعلن عن وفاته يوم امس رحمه الله.

لا شك ان مصطفى الخروبي كان احد الشخصيات الغامضة في منظومة سبتمبر. وقد برز دوره خلال المحاكمات العسكرية للضباط المتهمين في محاولة الانقلاب المبكر على الانقلاب بقيادة المقدم ادم الحواز والمقدم موسى احمد رحمهما الله. ثم كان ينوب عن "قائد الثورة" في استقبال بعض الشخصيات العربية والأجنبية التي كانت تزور ليبيا خلال العهدين الجمهوري والجماهيري. لم يعرف عنه تورطه في الفساد المالي اوالفساد الاخلاقي خلال حكم القذافي. وعرف عنه تدينه الشديد ومساعدة الكثير من المواطنين في استرداد بعض حقوقهم المغتصبة ولكنه ظل على وفائه للقذافي ولمنظومة سبتمبر.

قد يكون مصطفى الخروبي هوالصندوق الاسود لتلك المنظومة. ولكننا لم نقرا شيئا عن التحقيقات التي اجريت معه. كما لم نقرا شيئا عن التهم التي كان معتقلا بسببها سوى انه كان من أركان النظام السابق. ولم تتم إحالته الى المحاكمة حتى رحيله يوم امس ليلة عيد الفطر المبارك. لاشك انه شخصية مثيرة للجدل. له ما له وعليه ما عليه. ولكنه سيظل علامة استفهام كبيرة في قصة انقلاب سبتمبر 1969 وفيما تلى ذلك الانقلاب من احداث شدت ليبيا الى الوراء وأوقفت عجلة البناء فيها وضيقت سبل العيش على ابنائها. وأتاحت المجال لتأسيس دولة اسماها "قائد الثورة" بدولة الحقراء على أنقاض دولة ذات دستور نموذجي بدأت في وضع برامج طموحة للتنمية وكانت تحظى باحترام العالم.

ماذا سيقول التاريخ عن ابن الزاوية مصطفى الخروبي!؟. لعلنا نردد مع طرفة بن العبد: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأنباء من لم تزود.

رحم الله مصطفى الخروبي الذي اصبح الان في رحاب الله. فان كان محسنا فسيلقى ربا شكورا. وان كان مسيئا  فسيلقى ربا غفورا. "كل نفس ذائقة الموت وانما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور.". انا لله وانا اليه راجعون. 

ابراهيم محمد الهنقاري

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
فوزي
أولا تحية للسيد إبراهيم الهنقاري الذي تناول موضوع الخروبي بحيادية تامة...وأقول للحاقدين على شخصية الخروبي...أكتبوا ما شئتم...فالرجل في ذمة الله وقد أحسن خاتمته وهو يقرأ التشهد في ثاني ركعة من…...
التكملة
خليفه الزاوي
نحن شعب منافق. أليس كذلك. اذا انتقل الخروبي لرحمة الله قبل خمس سنوات. لبكته ليبيا كلها ولاعلن الحداد وتقاطرت الوفود الشعبيه من الشرق والغرب والجنوب على بيت أسرته فى المطرد.…...
التكملة
الخازمى ..قانونى
انتبه يا بني لما كتبته فهو ليس ضد المنطق والعقل فحسب بل ضد الدين الاسلامى الدى يرفض تمجيد الطغاة فأنت علاوة على مدحه ترحمت عليه رغم كونه احد المتهوريين الذين…...
التكملة
دبلوماسي معارض للقدافي في الداخل
لقد تعرضت لاشد الاجراءات القمعية من فبل امن الجماهيرية الدي كان الخروبي الرجل الاول فيها بداية من نهاية السبعينات وانا اقول هدا من تجربة شخصية عارف كل شخوصها من الزادمة…...
التكملة
العرادي
كان الخروبي سجينا محترما الى اعترافه انه كان من أركان مذبحة ابوسليم عند التحقيق معه ليتغير التعامل الى الاهانه والتعديب داخل السجن ليموت من الغم والاهانه...
التكملة
قعرالخابية
جاء في المقالة (عرف عنه تدينه الشديد) وكذلك (ولكنه ظل على وفائه للقذافي ولمنظومة سبتمبر.) هذان الأمران لا يجتمعان في قلب رجل مؤمن إذ كيف يكون رجل متدبن يخاف الله…...
التكملة
محمد العبيدى
اطلعت على كتاب عبد الناصر والثورة الليبية الذى كتبه فتحى الذيب حيث حضر برفقة هيكل فى تلك الليلة وكانت السيارة قد نقلتهم الى السفارة المصرية فى بنغازى فاصبحت الكارثة الليبية…...
التكملة
عبدالسلام
اتفق مع الاخ عقيلة فى رايه. فلولا ان جلود تحديدا لم يكن مفروض على القدافى من الجهة التى جندتهم لتخلص منه مند زمن بعيد خاصة ان القدافى لا يقبل اى…...
التكملة
العرفي
صدقت سيد شاهد علي العصر. لقد لخصت شخصية الخروبي تلخيصا جيدا. انة احد من شارك في تدمير الوطن واوصلنا الى ما نحن فية الان. اللة لايرحمة....
التكملة
عقيلة
شكرا للأستاذ إبراهيم على هذا السرد واضيف ان الخروبي احد القلائل الذين يعرفون الجهة المخابراتية التي جندت القذافي ورعته حتى جيء به الى السلطة ولهذا السبب لم يستطيع ان يتخلص…...
التكملة
شاهد على العصر
الخروبي كان نموذجيا بالنسبة للمقاييس التي يطلبها القذافي في اتباعه فالرجل بسبب قصوره الثقافي والعلمي الشديد لا يستطيع أن يخطب في عشرة اشخاص، ولا يملك كما يبدو من المعلومات العسكرية…...
التكملة
فوزي
احييك على الموضوعية في مقالك...وأضيف بأن التغيير سمة من سمات التاريخ فليبيا مملكة وليبيا جمهورية وليبيا جماهيرية وليبيا دولة جديدة هو أمر طبيعي جدا...ولكل مرحلة ظروفها ولكل تغيير دوافعه والله…...
التكملة
عـبـدالـواحـد مـحـمـد الـغـريـانـي - مـمـلـكـة الـسـويـد
لـقـد كـان مـصـطـفـى الـخـروبـي ذراع الـمـجـرم الـقـاتـل مـعـمـر الـقـذافـي الـيـمـنـى داخـل الـقـوات الـمـسـلـحـة.. ويـديـن لـه بـالـولاء والـطـاعـة الـعـمـيـاء.. فـقـد كـان رئـيـس الـمـخـابـرات الـعـسـكـريـة، ومـفـتـشـا عـامـا للـقـوات الـمـسـلـحـة.. وكـان الـخـروبـي صـحـبـة…...
التكملة
فتحي سوالم
لم يقم بدور متميز خلال انقلاب 69 سوى انه رافق المقريف للسيطرة على إذاعة بنغازي التي كان يحرسها شرطي واحد يحمل مسدس بدون ذخيرة. ومواقفه هزيله طوال فترة ارتباطه بالقذافي…...
التكملة
علي الصرماني
رحمه الله لم أكن اعرفه لكن كثيرين يقولون انه كان خيرا ومنع الاذى عن بعض الناس ويبقى الحكم على القذافي ورجاله للتاريخ فمنهم منظم وقتل وعذب ومنهم من حاول ان…...
التكملة
بنغازى
حقا ان لكل شخص نهاية واليتعظ الذين يفسدون فى الارض حيث نهاية كل نفس الموت وسوف تحاسب على اعماله السئة ويجازا على اعماله الخيرة يشاع بان الخروبى هو وراء اكتشلف…...
التكملة
سالم المرغني
رحم الله السيد مصطفى الخروبي ويشكر للاستاذ ابراهيم هذه الفتة لم اعرف الرجل ولم أقابله قط ولكنه فيما اسمع كان خيرا متواضعا والتقييم متروك للتاريخ...
التكملة
طاهر عمران
الله يرحمه... أفضى إلى ما قدم...
التكملة
عبدالحق عبدالجبار
الله يرحمه سوف يحاسبه الحق بالذي له و الذي عليه.... هل السر هناء والرائد مصطفي الخروبي (عضو مجلس قيادة الثورة وعضو اللجنة المركزية للتنظيم) تلقّي دورة تدريبية طويلة في الولايات المتحدة…...
التكملة
ابو عمر
استاذ ابراهيم... كل عام وانت بخير وعموم اهلنا فى الوطن، اكبر فيك الموضوعية فى طرح الاشياءوتقييمها، مع من تتفق ومن تختلف معه، وهى صفة تضفى كثيرا من المصداقية والاحترام على…...
التكملة