ام العز الفارسي: عن التعليم 1/8/2015 10:24 ام العز الفارسي: عن التعليم
ام العز الفارسي بحث

ونحن وسط هذه الحالة من التشرذم وإنعدام الوعي الجاد بأسباب مشاكلنا،علينا أن نغوص الي دواخلنا قليلا، نسترجع بدايات ونهايات ما آلت اليه أمور بلادنا، ولنكتشف معا أن الانحدار في مستويات جودة التعليم في بلادنا كانت أحد أهم الأسباب في نشؤ أجيالا كاملة أنعدم لديها الوعي ببناء الذات وأحترامها ككيان منتج ومشارك في التنميية والبناء والتغيير.

وتستحضرني في هذا السياق إسهامين لي سجلت بهما مجمل مخاوفي من هذا المآل... الأول جملة مقالات نشرتها في جريدة (قورينا) عن التعليم وكان أحدها بعنوان (من لنا بلي) أستعرضت فيه التجربة السنغافورية وكيف ساهم (لي كوان يو)، في نهضة بلاده تلك الدويلة المعدمة التي استقلت بشكل  مفاجئ عام 1965بعد أن سئمها المستعمر واعتقد أنه قد جفف منابع الخير فيها، متناسيا أن البشر هم عماده ورأس ماله الذي لاينضب، ويصف (لي كوان يو) في كتاب قصة سنغافورة في صعودها الطويل والشاق على مدى 25سنة، سرد فيها كيف تحولت من الجهل الي التعلم، ومن العدم الي القمة ومن الفقر إلى الرخاء، يقول: كثيرون كانوا لم يولدوا بعد أو كانوا صغيرين جداً عندما استلمت السلطة عام 1959، ولا يعرفون كيف اقتطعت دولة صغيرة تفتقر إلى الموارد الطبيعية من أرضها الخلفية الطبيعية، كما كان عليها أن تحافظ على وجودها في عالم قاس من الدول القومية الجديدة في جنوب شرق آسيا ، إنهم يعتبرونه أمراً طبيعياً جداً أن يعيد البنك الدولي تصنيف سنغافورة في أقل من أربعين سنة من دولة دون مستوى التطور إلى دولة متطورة، ذاك كان قرار سيادي بتوجيه البلاد الي الاستثمار في رأس المال الذي لا ينضب؛ الإنسان.

فماذا عنا؛ (المادة 30) من دستور دولة الاستقلال “  ليبيا  “ نصت صراحة علي أن (التعليم الأولي إلزامي لليبيين من بنين وبنات. والتعليم الأولي والابتدائي مجاني في المدارس الرسمية). كان ذلك قرارا محفزا جعل محط نظر الليبي المدرسة، التي تربي وتعلم وتطور الذات وتساهم في تثبيت وبناء قيم الانسانية والتعايش والتسامح... وتعمل منظومته علي الارتقاء بالانسان...عاش جيلي والجيل الذي سبقني هذا المنجز ونهل منه …في البدايات من نهاية 1951م... كانت الدولة الليبية تعاني آثار و تداعيات الحرب... ونقص في الموارد وضنك في العيش وبرغم ذلك بدأ الانسان ينهض ويحس بمعني الحرية والاستقلال ويستثمرها لتطوير ذاته... ومع العام 1963م... وباكتشاف النفط حدثت طفرة كبيرة... مدارس وجامعات وبعثات واستقطاب رموز للمعلمين والاساتذة ونقلة حقيقية رسخ لبنتها الدستور وساعد عليها التغير السريع في معدلات التنمية الاقتصادية... مع هيمنة القذافي ونظريته وغرابة أطواره علي السلطة منذ نهايات العام 1969م... عادت ليبيا الي مربع الانهيار التعليمي... فلا خطط ولابرامج هدفها العلم وبناء الانسان ولا ميزانيات وصرف ومخصصات... بل احتكار للايديولجيا ومحاولة السيطرة علي العقول …وترفع مخل عن قيم العلم والمعرفة والتربية وخلط للمعايير وتغيرات متسارعة في المناهج والاساليب التربوية... وتخبط لم ينج منه الطالب ولا المدرس ولا مؤسساتهم التعليمية... حقيقة ارتفاع معدلات المتعلمين احصائيا تدحضها الحالة التي نحن فيها الان... فالوعي بالمواطنة والانحياز لقيم الجماعة والحفاظ علي المنجز العام قيم مهدورة عند اجيال كاملة حل محلها الجشع والاستحواذ والافساد.

الموقف الثاني الذي يحضرني؛ كان تقريرا للصحفي خالد المهير... سألني فيه ـ آن لم تخني الذاكرة ـ عن مخاوفي مع بدايات الثورة…فركزت علي الوعي... واختراقه عبر منظومة التعليم المؤدلج الفاسد وخطورته علي التنشئة... لم أكن أقصد بالطبع عجز الليبيين، ولكن كنت ادرك كمتابع وممارس للعملية التعليمية، تلك الجهود المضنية التي يقوم بها من بقي علي اخلاقياته في مؤسساتنا التعليمية، لكي يكون اداة وصل بين الطالب ووعيه من ناحية وبينه وبين مجتمعه من ناحية آخرى... كانت تجربتنا في التعليم الجامعي مريرة وكان طلابنا يعذبون بتدخلات سياسية وقمعية مريعة لامجال للخوض فيها.

أعود الي التعليم وعن التعليم فقط أعول لاصلاح مانحن فيه والعودة بأولادنا الي مربع الامن والسلام... مربع الخلق والابداع مربع التنمية والمشاركة الحقيقية في الارتقاء بالذات أولا وبالوطن آخرا...

واستحضر تجربة إنسانية آخري تغذينا بالامل... فماليزيا اللتي نراها اليوم، بعيد استقلالها، خصص رئيس الوزراء مهاتير محمد 25% من الميزانية  للتعليم…لانه يرتقي بالناس ويجعلهم يعتنون بانفسهم وينمون قدراتهم... السيد مهاتير يقر بحالة الكسل التي يعيش فيها الشعب الماليزي بداية الاستقلال وركز علي ذلك في معظم كتاباته ولم يخجل حين قال: (ان خبرة آلاف السنين لم تجعل الانسان قادرا علي ادارة شؤونه افضل من اولئك الذين كانوا يعيشون في العصر الحجري)، إنها حالة التوحش التي نعيشها اليوم التقاتل والاحتراب ومحاولة الاستحواذ بحجج متعددة وبهدف واحد؛ مزيد من الخراب والدمار من اجل مزيد من السلطة والمال…وهذا لن يحارب الا بعودة الوعي عبر تعليم مبني علي أسس إعادة الوعي الذاتي للاسهام في بناء الحياة ونبذ التقاتل.

مهاتير اتجه بنظرته الي تجارب الشرق الناجحة واستثمر التجربة اليابانية ودعمها بعدم نبذ ما يصلح من مناهج المستعمر فتعاون في البنية والمناهج مع خبراء أنجليز وآلمان وخصص للتعيم وللمراكز البحثية جل موارد الدولة.

دعونا نصنع نهضتنا ونعيد الثقة الي أرواحنا التي خربها التناحر والتجاذب والتقاتل من أجل مآرب لا علم لنا بها... وجهوا نظرتكم لبناء الانسان فهو من سيعمر مادمر من حيطان. وللحديث عودة

أم العز الفارسي

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
رجب مكراز
هدم القيم ولاخلاق اثر كثرا فى بناء جيل او جيلين واصبح الفساد فى كل ناحية حتى فى الييت الواحد وكان التعليم يعتبر ميزة دخل المال ليخلق وضع اجتماعى حقير يتنافسون…...
التكملة
طالبة جامعية
أتذكر مقال السيد سالم الكبتي  تجار الكلام والمواسم ..و أمضي حثيثا في سخرية واشمئزاز من النخب و أقول دولة يصير منها في وجود المتسلقين في السلطة وتجر المقالات والبحث عن…...
التكملة
عبد الكريم المعلم
مراجعات في التعليم :ولج إلى الموضوع وكأنه واقع من ظهر جمل الاخوة القراء عبروا بدقة عن اراءهم حول هذا المقال المتسرع الذي لايكتبه حتى طلاب المرحلة الثانوية فما بالك بدكتورة…...
التكملة
مراجعات في التعليم
مقال جيد ويجب ان تتبعه العديد والعديد من الخطوات المكملة من كل المختصيين. ولعل في بعد ردود المتابعين من القرّاء ما يكفي ليوضح من مستوي متدني في التعليم والثقافة والتربية…...
التكملة
Complimenter
أظن أننا أمام معضلة هي (المجاملة)، وبكل الأسف فإنها تتسبب في إضعاف موقف كثير من الناس الذين ندرك أنهم في مكانة نظنهاأرقى مما هم بسبب هذه المجاملات يضعون أنفسهم فيها.…...
التكملة
فريحة الترهوني
لا ميزانيات وصرف ومخصصات هذا ما يهمك ام العز الفارسي الجانب المادى ، اذا اقول لك ان ليبيا من 1969 الي 2011 توجد بها اكثر من 70 جامعة اى بمعدل…...
التكملة
الظريف المستظرف ظرفة
هذا البهلول زنم الم يرى ماثر الاخوان في الصومال الم يجعلوا افغانستان دولة متقدمة علميا واقتصاديا واصبحت تنافس اليابان الم يساهموا الاخوان في عمار سوريا وطرد اليهود من الجولان الم…...
التكملة
مصطفي الزياني
لقد عبرت عن ماكنت اود ان اقول ياالبهلول شكراً لك....
التكملة
البهلول
مقال مهلهل لايرتكز على تشخيص تربوي ولارؤية إستراتيجية تربوية قوامها تحديد مواطن الخلل وكيفية الحلول للخروج من ازمة العملية التعليمية والتربوية في بلادنا التى تعاني من مشاكل مركبة بسبب عدم…...
التكملة
نيتشه العرباوى
كلام جميل يا دكتوره أم العز وبارك الله فيك...ولكن كيف لنا ان نقوم انسان يحمل درجة دكتوراه وعاش في الغرب أكثر من ثلاثة عقود من عمره وعندما يرجع الى الوطن...نجد…...
التكملة
عمر
ان اي تعليم لايخدم مجتمعه وبالتالي يتفاعل معه هو تعليم غير سوي. مشكلة التعليم انه مبني على مناهج مبنية على ثقافات ليس منها ثقافة وخصوصية وحاجة مجتمعاتنا ولاتتتحدث للمواطني والمهني…...
التكملة
مواطن
زمان كان البعض يقول التعليم دمره القذافي بتدخلاته العقائدية والسياسية. لكن التعليم من يوم ما قالوا فيه بتأنيت التعليم يعني في المراحل الالزامية (اتخذ التعليم). من يوم ما جا مصطلح…...
التكملة
ابو عمر
د. ام العز ... اعزك الله واعز بلادنا واهلها جميعا، جميل ورغم المعاناه نجد من يتحدث عن التعليم، والذى بدونه قطعا لن نحقق شيئا يفيد، وينتشلنا مما نحن فيه، اشرت…...
التكملة
Ibrahim
انا كنت ادرس في ليبيا والآن مقيم في باريس والفرق بين المناهج بين هنا وهناك كبيرة وأهمها اننا ندرس مناهج لا فاىدة منها وأغلبها فتجد النصوصوالمطالعة والنحو والأناشيد والبلاغة والكتب…...
التكملة
فتحي سليم
انا اتفق معك يادكتورة انا اعتقد ان العملية تحتاج إلى رؤية صائبة وخطة تبدا من البيت وتكثيف وعى الاباء والامهات عن طريق برامج توعوية والاهتمام بالاطفال العقول ووضع مناهج تعتمد…...
التكملة
سعدون
شكرا،وضعت يدك علي اهم المواضيع جميعا ،التعليم ،واقترح انشاء لجنة لوضع مقترحات للرفع بالتعليم والتربية ....
التكملة