محمود أحمد أبوصوة: نحو بناء دولة ليبية مدنية حديثة... دعوة للتفكير! 6/8/2015 12:10 محمود أحمد أبوصوة: نحو بناء دولة ليبية مدنية حديثة... دعوة للتفكير!
محمود أحمد أبوصوة بحث

يقول عالم الاجتماع الفرنسي (Pierre Bourdieu 1930-2002) إن البلدان التي يتم فيها التمييز بين الحكام والمحكومين هي بلدان لا تقوم بها دولة! ولعل هذا يفسر، وإن جزئيا، تعثر التجارب الدولانية الحديثة في بلداننا العربية الإسلامية! وأقول جزئيا لأن معظم هذه البلدان، والتي انقسمت طوال العصر الوسيط إلى حكام(أهل العقد والحل من المؤمنين) ومحكومين (العوام من مسلمين وكفار) كانت قد قررت بعد حصولها على الاستقلال أن تميز مرحلة الاستقلال الوطني عن سابقتها فأضافت بعدا ثالثا، بعد المتحكمين!!وهكذا تحولت بنية ليبيا السياسية منذ الاستقلال من بنية ثنائية، إلى بنية ثلاثية! بناء عليه فإن السؤال الذي من المفترض أن نقف عنده كثيرا هو كيف يمكن الشروع في بناء دولة مدنية حديثة بعد 17 فبراير وليبيا لا تعاني من استمرار ظاهرة الانقسام الثلاثي وحسب (متحكمون: الثوار والجيش، وحكام :حكومة وبرلمان في الشرق وحكومة ومؤتمر وطني في الغرب، ومحكومين هنا وهناك) بل وتعاني أيضا نتيجة الصراع الذي ينتج عادة بعد التغير من انقسامات أيديولوجية/جهوية/سياسية داخل المكون الواحد؟

إن عملية التنضيد السياسي المنوه إليها وإن لم تسهم في شرذمة المجتمع الليبي بعد، بحكم شدة تناغم هذا الأخير، لكنها تسببت في المقابل في تعميق الهوة بين هذه الشرائح من ناحية، وفي تأجيل عملية الانتقال من مرحلة مجتمع التناغم إلى مرحلة مجتمع المواطنة من ناحية أخرى!ولأنه لم يتم التفكير بعد في مسألة المواطنة، التي أعتبرها سلك الدولة الناظم، استمر معظمنا في الاعتقاد بأن الإسراع في تشكيل الجيش والشرطة سينهي حالة التشرذم السياسي وسينقل البلاد، عبر قفز ضفدعي، من مرحلة لا دولة إلى مرحلة الدولة المدنية الحديثة! هذا وتجدر الإشارة إلى أن اللجوء إلى  مبدأ القفز الضفدعي (leapfrogging)، كما هو الحال في مجالات الاتصال والاقتصاد أكثر من محفز وإنما في الدول المتقدمة دون غيرها!!

فلنعد مجددا إلى موضوع الجيش والشرطة؛ من المؤكد أن عامل العنف، أي الجيش والشرطة، العزيز على قلوب رجال القانون والسياسة، هو عامل لا يمكن تجاوزه أو تجاهله حين يتعلق الأمر بظهور الدولة وحماية مؤسساتها؛ فظهور الدولة منذ العصور الوسطى، يقول (Foucault)، يصعب رصده بعيدا عن دائرة العنف!  لكن الأمر الذي نحن بصدده الآن لا علاقة له بظهور شكل من أشكال الحكم/القوة، وإنما له علاقة بمسألة تشكل الدولة (state formation)، أي ذلك التشكل الاعتباري/ المجرد! وهذه العملية الأخيرة  يجب التذكير ليست معطى وإنما هي عملية بناء ذهني أساسه الفكر/المعرفة! وفي غياب هذا الأساس، فضلا عن شدة تواضع تراثنا السياسي، عجزنا في الماضي ومازلنا عاجزين في الوقت الراهن عن تفكيك بيئتنا السياسية ومن ثم التحرر من ثالوث المتحكمين والحكام والمحكومين الذي شكل وما يزال يشكل عائقا حقيقيا لأية محاولة جدية للانتقال إلى مرحلة الدولة الحديثة!
والمفارقة أن الذين يعتقدون أن تشكيل الجيش والشرطة سوف يضع حدا لرحلة الفوضى وسيسرع عملية الانتقال السلس إلى الدولة لا يدركون أن اعتقادهم  هذا قد ينتهي بنا إلى الاستسلام مجددا لإرادة المتحكمين! فبسبب عدم اكتراثنا بدراسة قوانين التغير وعلاقتها بديناميكيات التحولات (1951، 1969، 2011)، قد لا نكتفي في قادم الأيام بالاستسلام للمتحكمين الجدد وحسب، بل وقد نزودهم، عبر ممثلينا هنا (مجلس النواب) وهناك(المؤتمر الوطني العام)، "بتشريعات" غير ديمقراطية، أي انقلابية، هدفها تكريس فلسفة الإخضاع (subjugation) من ناحية، وإعادة إنتاجها ودعم سبل استمرارها من ناحية أخرى!

صحيح أن عددا غير قليل من المؤيدين لمشروع عودة الجيش والشرطة وإعادة تنظيمهما يعون جيدا إمكانية تغول هذين الجهازين وإمكانية اعتلائهما سدة الحكم مجددا بالقوة؛ بناء عليه ما انفكوا يقرنون مطلبهم،عودة هذين الجهازين، بعودة الحياة الدستورية ظنا منهم أن الدستور كفيل بتنظيم وسائل العنف وتنظيم احتكار الدولة لها! كيف لا والدستور لا يعني قيام دولة القانون وحسب وإنما يعني قدرته أيضا على المساهمة في صنع مجتمع المواطنة! كل هذا صحيح، غير أن وجود دستور في ظروف ليبيا الآن بكل إيجابياته  لن يضمن حيادية هذين الجهازين، بل وسيقف عاجزا عن حماية البلاد إذا قرر الجيش التفرد بالسلطة والاستحواذ على مقدرات الوطن والمجتمع خاصة وأن المرحلة الانتقالية عادة ما تتشكل معظم مكوناتها من ديناميكيات المرحلة السابقة! من ناحية أخرى، علينا أن نتذكر أن قبل 1969 كان لليبيا دستور لكنه لم يمنع جيش البلاد، الجد ضعيف حينئذ، من التفرد بالحكم! صحيح أن أطرافا أجنبية (الولايات المتحدة الأمريكية) وقفت إلى جانب الانقلابيين!والسؤال الذي لا يمكن تجاهله في هذا السياق: ما الذي يمنع الأطراف الأجنبية، والتي أسهمت في الإطاحة بدولة الانقلاب، من إعادة استنساخ تجربة 1969، أي الوقوف إلى جانب الجيش الجد ضعيف!

لست بصدد تخوين هذا الطرف الداخلي أو ذاك أو شيطنة الآخر فمهمة هذا المنشور، كما هو الشأن مع غيره، المساهمة في نقاش قد يبدو في ظاهره سياسيا لكني أزعم أن باطنه معرفي، ومن ثم فإن وظيفته تكاد تقتصر على مناقشة مرحلية التشكل، وليس التشكل ذاته، وهي عملية تستدعي، في اعتقادي، الإسراع في تفكيك أركيولوجية بيئتنا السياسية! فمن دون هذه الأخيرة يكون من الصعوبة بمكان الانتقال إلى مرحلة التشكل، وأقصد بالتشكل مرة أخرى مرحلية بناء الدولة! والمهمة المعرفية هذه، والتي تستدعي الحصول على الكثير من البيانات التي توفرها عادة الأنثربولوجيا السياسية، لا تتطلب جهدا مكثفا وعملا جماعيا وحسب بل وتتطلب أيضا إحساسا مضاعفا بعامل جوهري اسمه الزمن! ومشكلتنا مع الزمن في حقيقة الأمر مركبة؛ ففضلا عن حرصنا على تجاهل هذا العامل واستعجال التغيير دون وعي  بتراكمات الماضي (تراث الأسر الحاكمة ومؤسسات الاحتلال ومؤسسات الدولة الكتالوجية) ولا بمتطلبات المستقبل (بناء الدولة الديمقراطية الحديثة)، نحرص على سجن الزمن في دائرية رتيبة ومتدهورة رغم زعم من تولى قيادة البلاد في الأعوام 1951، و1969، و2011 أنهم خلصونا منها! هذا، كما يجب التذكير بأن الحنين للماضي هي حالة إنسانية ولا يمكن حصرها في الليبيين فقط؛ غير أنه في المقابل يجب التمييز بين الحنين للماضي وبين السعي إلى استعادته كاملا خارج الزمان! فاستعادة الماضي وفق هذه الرؤية لا تعني القفز على الحاضر وحسب، وإنما تعني، وببساطة،التنكر للمستقبل! والمفارقة أن الجميع، بما في ذلك أنصارتيار الإسلام السياسي المحافظ بطبعه، يطالبون بضرورة التحول من الثورة/الحاضر إلى الدولة المدنية والديمقراطية، أي المستقبل! وسؤالي كيف يمكن لمجتمع سياسي يستمرأ أفراده علاقات عتيقة، علاقات يكون الزمن فيها جامدا وإن تحرك فيكون حراكه دائريا، أن يستشرف مستقبلا؟

من السهل اتهام الآخر محليا كان أو غير محلي! غير أن اتهامي لمجتمعنا السياسي بالعجز لا يعني تبرئة الجمهور السياسي/الشعب! فجميعنا، ومن المؤكد أنني لا أستثني نفسي، متهم بالعجز وبالمساهمة في استمرار تعثر عمليات التغير بصفة عامة وتلك التي ترنو ببصرها نحو مستقبل أفضل بصفة خاصة! بناء عليه فإن عدم جاهزية مجتمعنا السياسي للمساهمة في نقل ليبيا من مرحلة لا دولة إلى مرحلة الدولة تعني أيضا عدم جاهزيتنا نحن، المحكومين، للقبول بشروط ومتطلبات الدولة الديمقراطية الحديثة! من ذلك، ففي الوقت الذي نطالب فيه نحن، أي الشعب، الجهات التي تتقاتل بتقديم تنازلات،لا نقدم في المقابل أي تنازل من جانبنا! فتنازلاتنا تكاد تنحصر في رصد فساد المتحكمين والحكام وننسى أن الفساد الذي تمارسه فئتا المتحكمين والحكام كان قد تحول إلى ظاهرة في وقت سابق! والحديث عن الظاهرة، ظاهرة الفساد في هذا السياق، يعني ببساطة انخراط معظمنا في علاقات فاسدة! لذا يتوجب الكف، عند التحليل، عن عزو فشل ليبيا في الانتقال إلى الدولة إلى المتحول (المتحكمين والحكام) والسكوت عن الثابت (المحكومين)! وهنا تأتي أهمية الدراسات الاجتماعية، الامبريقية وغير الامبريقية، ودراسات الأنثروبولوجيا السياسية!

في المقابل، علينا أن نتذكر بأنه على الرغم من أنه لا يمكن وقف عملية التغيير، إذ إنها تنجم عن تراكم في الزمان والمكان،فإنه بالإمكان توجيهها! وهذا ما حصل في تجاربنا السابقة وهذا ما يحصل الآن! هذا وتجدر الإشارة إلى أن قدرة بعض القوى (الخارجية والداخلية) على التأثير ومن ثم على التوجيه لا تكمن في "سوبرمانية" هذا القوة أو تلك بقدر ما تكمن في ضعفنا نحن الشعب واستسلامنا، بعيد مساهمتنا في التغيير، لثقافة المتحكمين والحكام، ثقافة كان وما يزال ديدنها تضامن آلي يرفض بطبيعته قيام دولة المواطنة! والحرص، حرص أفراد المجتمع السياسي، على التشبث بمبادئ التضامن الآلي ورفضهم مبادئ التضامن العضوي، وهو ما يعني استمرار ثقافة الإقصاء المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع السياسي في ليبيا، لا يمكن فهمهما إلا بمساءلة الماضي البعيد والماضي القريب والعمل على تفكيكهما! لأنه، وكما أنه يصعب اختزال مسألة فشلنا السياسي في الماضي القريب، الأربعة عقود الماضية، فإنه يستحيل عزو فشلنا في المقابل إلى الماضي الأقرب، أي السنوات الأربع الأخيرة! من المؤكد أن اللاحق يفسر السابق غير أن هذا الأخير يجب أن يشمل مدى زمنيا أرحب يعود على الأقل إلى المائتي سنة الأخيرة!

تأسيسا على بعض ما تقدم، وبعيدا عن مسألة تحديد الطرف الذي تقع عليه مسؤولية استمرار هيمنة مبادئ التضامن الآلي، يجب التذكير بأن بحث هذه المسائل وغيرها من المسائل ذات العلاقة بتشكل الدولة هي مسألة في غاية التعقيد، تعقيد لا تسمح طبيعة المنشور بإبانته! مع ذلك يجب التنبيه إلى أن التكوين يعني البناء، والبناء لا يبدأ من فوق! لذا، وسواء حظيت هذه المسلمة بالقبول أم لا  فإنه من حق القارئ أن يسأل: ماذا بعد؟

يقترح الجميع حلولا بزعم أصحابها قادرة على إخراج البلاد من أزمتها، لذا فإنه من المفترض أن أنهي، كغيري، هذا المنشور باقتراح "حل" يضع حدا لمسألة تعثر قيام الدولة في ليبيا!! يجب أن أعترف بأن مهمة بهذا الحجم، أي اقتراح وصفة جاهزة لمشروع دولة حديثة، هي مهمة أكبر بكثير من قدراتي ومن قدرات غيري من الأفراد والمؤسسات المحلية ولسبب بسيط أن هذه المهمة لم تكن منذ استقلال البلاد من صنع أبناء المنطقة! وهذه الحالة بالمناسبة لا تنفرد بها تجربة ليبيا السياسية الحديثة، فهذه الحالة شملت غيرنا من الدول العربية وغير العربية؛ فمعظم هذه البلدان كانت قد انتقلت من مرحلة حكم سلالات العصر الوسيط إلى حكم كمبرودوريات العصر الحديث (ممالك وإمارات وجمهوريات) وفق مخطط لم يراع فيه تراث المجتمع السياسي الحديث ولا حركة المجتمع، مخطط فرضته القوى الكبرى (بريطانيا وفرنسا في مرحلة أولى والولايات المتحدة في مرحلة لاحقة) بعد الانتصار الذي حققته في الحرب العالمية الثانية! إن هذا التحول الأخير والذي لم نسهم فيه بإرادتنا تولد عنه لاحقا ظهور الدولة الوطنية، دولة  كنت قد وصفتها في دراسة سابقة بـ"دولة الكتالوج" (ليبيا من الاحتلال على المروق: دولة العقيد أنموذجا،في :صحيفة ميادين، مايو،2014)، وما أقصد بدولة الكتالوج مجددا هي الدولة التي يجب على من يديرها أن يلتزم بتتبع الخطوات المبينة في كتالوج التشغيل! وبالنظر إلى أن هذا الأخير، شأنه شأن أي كتالوج خاص بتشغيل جهاز كمبيوتر أو غسالة صحون أو غسالة ملابس أو مولد، لا يتضمن خطوات إصلاح الأعطاب المعقدة، فإنه ينصح في مثل هذه الحالات باللجوء للمصنّع، أو لأحد وكلائه في المنطقة!  وبالتالي فهو أنموذج يؤكد  تبعية الجميع للصانع  من ناحية،ويرسخ من ناحية أخرى العلاقة التنافرية المستمدة من انقسام المجتمع إلى حكام (وكلاء تجاريين)، ومحكومين( المستهلكين)!

ولأن قادة البلاد في ليبيا منذ الاستقلال استمرؤوا في إدارتهم الشأن العام مبدأ الانقسام الثنائي تارة (حكام ومحكومين) والثلاثي أخرى (متحكمون وحكام ومحكومين)، ولأن ديناميكيات المرحلتين السابقتين ما تزال مهيمنة،  لم يتوصل الليبيون بعد إلى الاتفاق حول رؤية تحرر البلاد والعباد من ربقة هذا الانقسام أو ذاك، بل وبدوا عاجزين، وهو الأمّر، عن الامتثال، دون مساعدة الأطراف الأجنبية، لضرورات دولة الكتالوج! وهذا يفسر جزئيا التفاف أعداء الأمس القريب حول مائدة حوار تديرها منظمات دولية بمساعدة "الدول الوكيلة" وتحت إشراف "الدولة الراعية" لدولة الكتالوج! لذا فإنه يمكن القول بأن الصراع الدائر منذ سنتين على الأقل في ليبيا، وبعيدا عن الأسباب العرضية (ليبرالية مقابل إسلاموية، أو مدن منتصرة مقابل مدن منهزمة، أو جيش وطني مقابل مليشيات)، هو صراع في أساسه سياسي سببه تلكؤ الراعي الذي امتنع عن تزويد صناع القرار الجدد منذ أكتوبر 2011 بكتالوج يجنبهم المسار الذي لم يكن في مقدورهم تجنبه! كما يجب التذكير من ناحية أخرى بأن العلاقة الجدلية بين التغير والصراع  كثيرا ما تنتهي  بالمجتمعات التي يكون الحراك المدني/السياسي فيها جد متواضع، كما هو الحال في الحالة الليبية، إلى الاستسلام إلى أفراد غير مؤهلين في معظمهم لاستيعاب أبعاد هذه العلاقة؛ ومن ثم فقد كان من الطبيعي أن لا يروا وأن لا نرى معهم من التغير سوى الصراع، صراع اختزل في شعارات بعضها تحت وطني (قبلي/جهوي) وبعضها الآخر فوق وطني(إسلاموي معتدل)  ظن رافعوها أنها قادرة على تصحيح مسار الثورة، وعلى بناء الدولة، وقبل ذلك وبعده على مواجهة كل التحديات (إسلاموي متطرف)!

وعلى الرغم من أن عددا غير بسيط من المحللين الليبيين كانوا قد نبهوا منذ سقوط نظام العقيد إلى أهمية الحوار والمصالحة الوطنية، وقد كان لي الشرف أن أنبه منذ سنتين ونصف السنة إلى أهمية المصالحة  في مقال "المصالحة الوطنية شرط مسبق لأمن ليبيا الوطني"  نشر بصحيفة ليبيا المستقبل 2/2/2013، غير أن المتحكمين الجدد وبعض أنصارهم من الحكام والباحثين عن الحكم من صائدي الغنائم تحديدا (Bounty hunters) صموا آذانهم عن سماع النصح وقرروا خوض تجربتهم/حربهم بمساعدة بعض الدول الوكيلة "proxy states "! بناء عليه وبسبب خيارهم غير المحسوبة عواقبه ووجهوا بصعوبات ما كان لهم أن يتخيلوها إذ اعتقدوا أن السيطرة على البلاد ومن ثم إدارتها هي مسألة هينة (piece of cake) مقارنة "بنضالهم" الذي أنهى نظام العقيد! وهذا الشعور في حقيقة الأمر لازم كل الأفراد الذين أسهموا في تحرير بلدانهم من الاحتلال أو من النظم الدكتاتورية؛ فجميع هؤلاء تحولوا "بقدرة قادر" إلى زعماء لا يكتفون بقيادة البلاد وحسب وإنما بإدارتها وفق إستراتيجية النضال/الثورة! ولأن هذه الإستراتيجية  محكومة بداهة بالفشل، فقد كان على جميع البلدان التي قادها "زعماء/ثوار" اختزلوا الوطن ومؤسساته في شخصهم أن تتهيأ،  طال الزمن أو قصر، لتدخل أجنبي  لا يحرص على إنهاء دور الزعماء/الثوار بقدر ما يحرص على دفعهم أو دفع من يحل محلهم نحو خيار ينتهي بالبلاد إلى البدء من الصفر، أي العودة إلى"دولة الكتالوج" المأزومة!

كلمة أخيرة؛ إن التوقف كثيرا عند إشكالية الدولة من منظور الدولة الكتالوج قد ينتهي بنا جميعا إلى الاستسلام، كما يروج أعداء التغير/ 17 فبراير، إلى فكرة شديدة التهافت مفادها أن الوضع في ليبيا ميؤوس منه وأنه غير قابل للتغير للأفضل! والمفارقة أن الأفضل الذي يحن إليه عدد غير قليل من الليبيين الآن (عودة الأمن)، هو ما أوصلنا إلى هذه الحالة! من المؤكد أن الدافع للكتابة لا علاقة له بمضاعفة بؤس الليبيين، غير أن تجاوز المرحلة الانتقالية في أقرب الآجال يستدعي مواجهة المشاكل لا القفز عليها إذ إن عملية بناء الدولة ليست مزحة! فبسبب عنتريات النظام السابق واستهتارنا جميعا بكل ما هو مؤسساتي لا تقف البلاد الآن فوق فوهة بركان وحسب وإنما تتدحرج ببطء نحو القاع، تدحرج قد تعجز الوصفة الجاهزة (دولة الكتالوج)، إذا ما تأخرت أكثر، عن منعنا من الوقوع فيه! وهنا تكمن مأزقية وضعنا ومأزقية غيرنا من الدول الكتالوجية! والمفارقة أنه رغم عجز الوصفة الجاهزة عن استشراف المستقبل، فضلا عن دعمها لتبعية مزمنة، حرص صناع القرار الجدد في ليبيا،شأنهم في ذلك شأن من سبقهم، على توجيه التغير، توجيه سيزيدنا فرقة ويزيد"الدولة الراعية" قوة!

مع ذلك، وعلى الرغم من أن دائرية الزمن التي عانت منها معظم دول العالم الثالث هي ظاهرة بكل المقاييس محبطة وبائسة، لكنه من الممكن تجاوزها، أو على الأقل تجاوز جوانبها المتدهورة! فكثيرة هي البلدان التي مرت بتجربة دولة الكتالوج ولفترة ليست بالقصيرة (الهند، البرازيل، تركيا، ماليزيا، كوريا الجنوبية)، لكنها تمكنت بالتدريج وليس دفعة واحدة من التخلص من هذا المأزق وأصبحت قادرة على استشراف مستقبل تؤسس له وترعاه مؤسسات الدولة المدنية الديمقراطية  الحديثة! وهذا التطور علينا أن نتذكر لم يكن ولن يكون من صنع المجتمع السياسي وإنما من صنع المثقفين، وأقصد بالمثقفين تلك الشريحة التي تستند في تكوين أفكارها على العقل intellect الذي اشتق منه لفظ المثقفين intellectuals، هذه الشريحة التي لم تكن من صنع السلطة السياسية أو الدينية  هي التي أجبرت  وما تزال تجبر المجتمع السياسي في البلدان المتقدمة والسائرة في طريق التقدم على الاستماع إليها  والأخذ بآرائها!  فالدولة الحديثة التي تأسست على العقل لا يمكن أن يسهم في بنائها في أي مكان في العالم غير العقلانيين!!

في الأثناء، أي في مرحلة المخاض التي تمر بها البلاد والتي قد تشهد قريبا تشكل حكومة وفاق وطني/أولى مظاهر الوصفة الجاهزة، فإنه لا يوجد أمام الليبيين  سوى خيار واحد: إما المكابرة والاستمرار في الاقتتال وتدمير ما تبقى من مقدرات الوطن والمجتمع، وإما  الاستعانة بالآخر الذي يجهز منذ مدة كتالوج المرحلة القادمة! إن هذا الوضع البائس الذي لم  نكتف في تاريخنا الحديث  بالمساهمة فيه وحسب، بل وحرصنا أيضا على تحويله إلى وضع مأزقي يستدعي تدخل الأطراف الخارجية، يشكل تحديا كبيرا للجميع، تحديا من المفترض أن يواجه باستجابة يقودها مثقفون عقلانيون (intellectuals)، وخلايا تفكير (think tanks) من الأكاديميين وغير الأكاديميين لا يقفزون على تراث البلاد السياسي ولا على حراك المجتمع؛ وقبل ذلك وبعده ألا يظهروا غير ما يبطنوا! بمعنى أن لا يظهروا العداء  للوصفات الجاهزة مراعاة لمشاعر العوام، ويطالبون الطرف الأجنبي، وراء الأبواب المغلقة، بالتسريع في تنفيذها!

محمود أحمد أبوصوة

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
مصطفى الساحلى
مرحلية التشكل هى ترسيخ سيادة الشعب الدى هو مصدر السلطات وتجسيدها على ارض الواقع وهى الضامن والسد المنيع امام تغول الجهازين المزمع تكوينهم جهاز الجيش وجهاز الشرطة ,فالدستور وحده لن…...
التكملة
Ghoma
"Faqith ash-shee laa Ya'ateeh!"... Great analysis! The catalogue state or what many still call the neocolonial state with double or triple actors was/is a heavy inheritance from a failed past. Many…...
التكملة
عبد الله
إلى الأخ "ليبي" أتفق معك كثيراً فيما رميت إليه، ولن نتمكن من بناء دولة حديثة بالمفهوم العصري للحداثة إلا إذا فصل الدين عن السياسة، ولم تتحرر أوروبا من العقبات التي…...
التكملة
علي الاسطي
انها ثقافة البداوة،ثقافة (الغلبة والعصبية)تلك التي تحيل دون بناء دولة، الدولة ربط وانضباط ،والبداوة تتنافي وشرعية الدولة وهنا لا أقول القبيلة لان القبيلة بمفهومها الكلاسيكي لاوجودلها في ليبيا، من يوم…...
التكملة
فتحي سليم
اتفق مع الكاتب في جوانب متعددة من هذا التحليل. وانا شخصيا دعوت مند 2011م في مقالات متعددة إلى القبول بالمصالحة حتى وأن كانت على مضدد لبناء ليبيا الجديدة من أجل…...
التكملة
ليبي
الدولة المدنية تعتمد الحداثة الغربية ، وهذا مأزق انتهى بمعظم المفكرين الى القول باستحالة أقامتها تحت مفهوم اسلامى يقيد الحريات المطلقة ، فلا يجيز مثلا زواج المسلمة من النصارى كما…...
التكملة
عبدالله
مقال تحليلي رائع يدعو فيه كاتبه إلى إعمال العقل، والتفكير العميق في الكيفية السليمة التي يجب أن تبنى على اساسها ليبيا الحديثة، ولكن هذا الطرح العلمي الوافي يتطلب أغلبية من…...
التكملة