المهدي يوسف كاجيجي: ليبيا.. الشعب السعيد!! 11/8/2015 10:40 المهدي يوسف كاجيجي: ليبيا.. الشعب السعيد!!
المهدي يوسف كاجيجي بحث

فى الستينيات من القرن الماضى، قام السفير الأمريكى المعتمد فى ليبيا، بجولة فى ولاية برقة. فى مدينة اجدابيا استقبله عميد بلديتها، السيد رمضان الهتش رحمه الله، رجل اشتهر بأجوبته الساخرة. قال السفير للمترجم المرافق: "ابلغ حضرة العميد اننى سعيد جدا بلقائه"، فرد العميد بقوله: "اخبر سعادة السفير اننى انا هو السعيد جدا بلقائه، وقل له... انتً سعيد.. من يوم ولدتك أمك... انتً امريكانى".

تناقل الناس فى المنطقة الشرقية الحكاية، وتندروا بها فى مجالسهم لزمن طويل... وللاسف لم يتعرف الكثيرون منهم على المعنى المقصود من حكمة الرجل، وهو أن الدولة القوية العادلة، هى القادرة على منح مواطنيها السعادة، المتمثلة فى الامن والصحه والطمأنينة على الغد، والتى لخصها الحديث الشريف فيما معناه (من أمن فى بيته، وعفى فى بدنه وملك قوت يومه، ملك الدنيا جميعا) أي العيش السعيد بمعناه المتداول.

 الشعب التعيس!!

المساحة المسموحة بها للنشر هنا، لا تكفى لعرض تاريخى، لحالة التعاسة، وعدم الاستقرار، الذى تعرض لها الشعب الليبى منذ عرف هذا الاسم، جغرافيا وتاريخيا، حتى يومنا هذا، مرورا بالعصور والحقب  التى مرت على هذه الارض، وتشكل من خلالها هذا الشعب، اضافة الى ان القارئ العزيز هو آلان (تويترى) المزاج، لا يتحمل قراة مقال اكثر من صفحة واحدة، ولذلك سنستعين بشهادة مؤرخ عن حقب قريبة، كمثال يضرب.

فى كتابه "ولاة طرابلس من بداية الفتح العربى الى نهاية العهد التركى" يستعرض لنا المؤلف الشيخ الطاهر الزاوى رحلة الحكم، لمائة وثمانية واربعين واليا، بدأت من الصحابى الجليل سيدنا عمر بن العاص، وانتهت بالتركي ابراهيم ادهم باشا، اخر ولاة الحقبة التركية،  كانت رحلة عذاب، وصفها المؤلف فى مقدمته "فى الحقيقة ان حياة طرابلس من سنة 22 هجرى الى سنة 900 هجرى كانت كلها حروب وثورات، لم تتح لها فرصة استقرار اكثر من خمسين عاما -فيما اعلم- تسترد فيها انفاسها، وتنمي فيها اقتصادياتها وثقافتها... مائة وثمانية واربعون واليا، كان منهم النبيل، ومعظمهم من الأفاقين اللصوص المغامرين. منهم من حكم لسنوات، ومنهم من حكم لأيام، ومعظمهم مات قتلا"...  حقب توالت، كان من أطولها الحقبة التركية، والتى امتدت لاكثر من ثلاثة قرون ونصف، يصفها المؤلف بأنها "اشتهرت بالفوضى والظلم وسلب الأموال"، الى درجة فرض ضريبة تحصيل قيمتها بيضة واحدة كل عام على كل نخلة او زيتونة، رواها بن غلبون، عن فترة الوالى التركى النصراني الأصل محمد باشا الساقسلي، الذى بدأ حياته نوتياً "بحارا" وحكم طرابلس لاكثر من سبعة عشر عاما، ومات مسموما. وعندما شاخت تركيا، تركتنا لقمة سائغة، لاستعمار استيطاني  إيطالي لا يرحم، تعرض فيها  الشعب الليبى لإبادة جماعية، وصفها الشاعر الشعبى بقوله (علينا داروا حبيلة.. سلاسل بعد الكرمًة).

رحل الايطاليون بعد هزيمتهم فى الحرب، وتصارع المنتصرون على التركة، فحصلنا على الاستقلال، وأعلن عن ميلاد المملكة اللبية المتحدة، وعقد الآباء المؤسسون اتفاقيات مع القوى الجديدة، بتأجير القواعد العسكرية لتوفير الموارد المالية، للدولة الجديدة الفقيرة، وعبر الحليف الجديد، اكتشف النفط، وبنفوذ شركات النفط، وُئدت التجربة الناجحة لاتحاد الولايات الليبية الثلاث، ودمجت فى المملكة الليبية، مقدمة وتحضيرا، لانقلاب سبتمبر، ودخول البلاد فى حقبة من المغامرات السياسية، والكوارث المتلاحقة، التى كان من توابعها المشهد العام الذى نعيشه الآن.

• ليبيا... الشعب السعيد!!

فتحت الراديو... سمعت صوت المذيعة الشابة، على احدى محطات "أف ام" الليبية تقول: ما احوجنا الى الفرح والسعادة... حتى نكون شعبا سعيدا. تذكرت ضاحكا، جريدة الجماهيرية وعلى صفحتها الاولى موضوع بعنوان كبير، "انت ليبى..إذن انت محظوظ". قبل ان أطفئ الراديو، انطلقت زغروطة فى بيتنا، أعقبها تكبير... الله اكبر... الله اكبر، صوت قادم من بيت الجيران، فاقتحمت حفيدتى ذات الثلاث سنوات الغرفة وهى تغنى، الضو رجع. .ياجدى، الضو رجع. .يا جدى. نظرت الى ساعتى، فغمرتني السعادة، وكيف لا، لقد كان انقطاع الكهرباء هذه المرة لفترة ثماني ساعات فقط ، بدلا من أربع عشرة ساعة. خرجت إلى الشارع. امام البيت كان المرور شبه مستحيل لتزاحم السيارات على محطة بيع الوقود، فى صفوف طويلة، ولاول مرة ظهر عسكري مرور بعد غيبة طويلة، ينادي سائقى السيارات، بشكل  متواصل:  بره بره لقدام.. بره بره لقدام. واختفى الزحام من امام المخبز المجاور وعلقت لافتة.. نأسف ليس لدينا خبز. دخلت الصيدلية المجاورة، وعاتبت الصيدلى على بيعه لي دواء منتهي الصلاحية، وشكوت من ارتفاع الأسعار للضعف، فرد بإيجاز: الدولار ياحاج. علق مشترٍ اخر بقوله: هو دواء، هو مواد غذائية، كلها تواريخ مزورة.. فعقّب صوت اخر ضاحكا: "ما تعدلش ياحاج، إللى ما يقتل يسمِّن".

• ماذا فعلنا بانفسنا؟!

بلد كبير المساحة، قليل السكان، كثير الموارد، متجانس الأعراق، متوحد العقيدة، من المفروض ان المواطن فيه يملك كل مقومات العيش الرغد السعيد، فكيف تحولت فيه حياته الى عذاب يومى؟!، فقد فيها الأمن والأمان، طحنه الغلاء واجتاحته الأمراض. تحولت حياته الى كابوس، من طوابير العذاب فى الحصول على ضرورياته المعيشية. اصبح نصف سكانه من النازحين، والمهاجرين، والهاربين. بلد اقترن اسمه بالقتل والتعذيب والتهريب والعصابات المنظمة للهجرة الغير شرعية، تستقطع أراضيه فى الجنوب، ويتم تغيير تركيبته السكانية، وسط صمت رهيب من اهله. تدمر مدنه فى الشمال والقتل فيها على الهوية. بلد انحدر به الحال الى حالة من الهزال، الى درجة ان يخرج علينا الناطق الرسمى لوزارة الصحة فى الحكومة المؤقتًه، على احدى القنوات الفضائية الليبية، ليعلن بسعادة وابتهاج، عن توقيع عقد اتفاق مع مستشفى السلام الدولى، وهو مؤسسة خيرية فى العاصمة السودانية الخرطوم، لعلاج مرضى القلب الليبيين بالمجان. وصدق ابن سلك الفالى القائل: "لقد هزلت.. حتى بدا من هزالها.. كلاها.. وحتى سامها كل مفلس".

• والسؤال؟!

كيف ترى القوى السياسية المتصارعة المشهد؟، هل هى مدركة للنتائج؟، ام الكل استكان، لممارسة لعبة عفريت القمقم "اقلع عينى... مقابل العمى الكامل لاخى"، غير مدركين، ان عمى البصيرة، اسؤ من عمى البصر، وان الزلزال القادم سيجتاح الجميع بدون استثناء.

فى الماضى، كان الليبيون يواجهون العدو القادم، بالتضامن صبرا، والإيمان المطلق بموروثاتهم (لا يبقى فى الوادى الا حجره، ما يعجبك فى الزمان الا طوله)... وعلى صخرة الصبر، تحطم الغزاة.. والطغاة، وبَقى الوطن، ميراثا يتوارث، عبر كل الحقب. الآن اختلف الامر.. نحن امام عالم جديد، يتم اعادة تشكيله، لا وجود فيه للضعفاء، ونحن بلد شاسع المساحة، غنى بالموارد، قليل عدد السكان، تحيط به شعوب فقيرة وخاصة حدوده الجنوبية، تعانى من المجاعة، والانفجار السكانى، ولا حل لقضاياها الا بالتوسع، وهو حتمي، اضافة الى اطماع الدول الكبرى، التى ستتخذً من حالة الفوضى التى نعيشها حجة للغزو، وقبل ان يفاجئنا السيل الجارف، علينا ان نستعد له ونطوّعه لمصلحتنا، وان نكون واعين بحركة الجغرافيا والتاريخ، وان نضع حدا لما يجرى من حوار الطرشان - والاصرار على انها "عنز ولو طارت!"، وبدون وطن.. من تكونوا؟!.

المهدى يوسف كاجيجى

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
سعيد
اذكر في اغسطس سنة 1959كتبت مجلة أمريكية مقالا علي ليبيا تحت عنوان (الفقر والكبرياء) ذكر الكاتب فيه كيف هذا الشعب يعتز بنفسه رغم فقره ،مترفعًا لا يقبل اهانة ،وأعطي لذلك…...
التكملة
عمار
الي السيد محمد، هل هم (الموتمر والحكومة) فقط !...
التكملة
علي الاسطي
تتوقف السعادة علي كيف ننظر اليها ،فعندما وجد امريكاني لاتيني تحت شجرة متكا عليها واضعا رجل علي اخري ويتمتع بتدخين غليونه ،ساله الأميركي لمذا لاتشتغل ،فسأله اللاتيني ولماذا اشتغل ،فأجابه…...
التكملة
محمد
على النائب العام والحقوقين وكافة الشعب الليبى تحريك و تقديم وتوثيق كافة جرائم المسئولين (مؤتمر وحكومة) ضد الشعب الليبى.. تحريض على القتل و نهب وخطف واهدار للمال ووساطة ودمار وتخريب…...
التكملة
محب الاختصار
في بداية التسعينات سقطت الشيوعية اوربا الشرقية واعتقد البعض أن هذا التغيير سيسبب ربكة وحروب داخلية مرعبة، لكن شيئا من هذا لم يحدث لأن شعوب اوربا الشرقية كانت شعوب متعلمة…...
التكملة
سالم عبدالله

مقالة الأستاذ المهدي كاجيجي تلامس واقعنا بكل ما فيه من متناقضات حياتيه ومعيشيه, سياسية واقتصاديه خلال المراحل التاريخية المختلفة ,وتحاكي باسلوب صحفي مقتدر معاناة الإنسان الليبي في الحصول…...
التكملة
سالم عبدالله
مقالة الأستاذ المهدي كاجيجي تلامس واقعنا بكل ما فيه من متناقضات حياتيه ومعيشيه, سياسية واقتصاديه خلال المراحل التاريخية المختلفة ,وتحاكي باسلوب صحفي مقتدر معاناة الإنسان الليبي في الحصول على مستلزمات…...
التكملة
محمود محمد
أحسنت و أبدعت يا أستاذ المهدي, وأأسواء ما في الموضوع أن الرعاع لا تقراء مثل هذه المقالات, فقط الناس المثقة وولاد البلاد زي ما يقولو, لهذا السبب تجد التعليقات الايجابية…...
التكملة
عبد المالك محمد ابورقيبة

السيد الفاضل والعم الروحي المهدي يوسف كاجيجيقلم سيال وقريحة معطاء وسطور تنبض بالعالم والمعرفة وأسلوب مفعم بالحيوية والجاذبية!  رجلاً...عاشقا للحياة وكاتباً مملوُة بالحرارة والصدق عرفناه  نحن ابناء ابورقيبة عن قرب شاباً…...
التكملة
مفهوم !؟
قال سبحانه وتعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم)....
التكملة
وائل الكريكشي
تحية للكاتب علي هذا المقال الجميل واريد ان ادعوه ان يمتعنا بالإطالة فالقراء أقلية قليلة في جميع الأحوال، اما عن سؤال الختام فبدون وطن نحن مجرد أيتام تعساء حتي لو…...
التكملة
خالد محمد بشير
أستاذ المهدي، أنه بسبب غياب العقل وإنعدام روح الفريق، والقيادة الواعية، وطغيان حب الذات والعناد والحسد، كل الشعوب المتحضرة، تتحدث عن أن اليوم هو أفضل من ألأمس وأن المستقبل القادم…...
التكملة
علي الجروشي
واللة ياخي المهدي لقد تذكرة نكتة يقول فيها الليبين على شخص اسمة محمد جبر قال الى ابنائة بعد موتة ان يضعوا رخامة على قبره ويكتبون فيها هذا قبر الحاج محمد…...
التكملة
حسن الهوني
كم اشتقنا إلى الكتابة المقروءة..اسلوبا ومضمونا، سردا رشيقا ومعلومة.. سلمت يمينك، أيها الأستاذ والصديق وإبن العم....
التكملة
مواطن
أستاذ مهدي.. ما وجهته من نصيحة في نهاية مقالك لن تجد له سامع. في هذا البلد ليس هناك من يسمع أو يقرأ أو يتأمل. كل واحد تقوده حواسه الحسية و…...
التكملة
ابو عمر
استاذ المهدى... هدانا الله واياكم سواء السبيل، نعم المرحوم عبدالنبى الهتش، كان شخصية محترمه، ربما لم يكت من حملة الشهادات العليا، ولكنه كان خريج مدرسة الواقع الليبى، الذى للاسف لم…...
التكملة