محمد بن نصر: دعوة لتعميق التفكير (1-3) 14/8/2015 13:07 محمد بن نصر: دعوة لتعميق التفكير (1-3)
محمد بن نصر بحث

دعوة لتعميق التفكير... اركيولوجيا ليبيا-الدولة (1-3)


كتب د/ محمود ابوصوة مقالة بعنوان "نحو دولة ليبية مدنية حديثة... دعوة للتفكير". ولما كنت افكر في الموضوع منذ زمن فقد رأيت من الواجب الاستجابة لدعوة الدكتور أبوصوة، لا سيما وأنه صديق عزيز، ومنذ ربع قرن تقريباً؛ وما التقينا مرة إلا وكان خلافنا في الرأي أكثر فائدة -لي على الأقل- من اتفاقنا.

هذه إذن ليست معركة تنظيرية بين شخصين، بل حوار بين صديقين، وقد اقترحت في السابق على د/ ابوصوة أن تكون حواراتنا، التي عادة ما يشارك فيها نخبة من الاصددقاء الأخرين، متلفزة حتى تكون الفائدة عامة، إلا أنه اعتذر/رفض لأسباب لا تخفى على أحد في يومنا هذا. على كل حال قد يكون التفكير/الحوار المكتوب أكثر فائدة من الحوار المتلفز - وعلى الله قصد السبيل.

لن أعيد أوأوجز ما كتبه د/ ابوصوة، ومنشور على موقع ليبيا المستقبل، ومع ذلك سأبدأ بذكر نقطتين هامتين جاءتا بالمقالة، ليس لأني اتفق أوأختلف فيهما معه، وإنما لأني أريد البناء عليهما لكي يكون التفكير متصل من حيث الموضوع، وإن اختلفت ادوات التحليل، أو"أدوات الحفر"، إذا تحدثنا لغة الاركيولوجيا. النقطة الأولى هي كون الاشكال الليبي سياسي في الظاهر لكنه في الحقيقة معرفي، والثانية هي فكرة "الدولة الوطنية"! وأنا لا أريد مناقشة الحقائق التي يتم القفز عليها ضفدعياً حسب وصف د/ ابوصوة، وإنما اريد الحفر على الحقائق المطمورة التي لا يكاد يراها أحد.

مشروع هذه الورقة إذن هوالحفر عن الأجزاء المطمورة من تاريخ ليبيا-الدولة، باعتبارها المثال القريب للدولة الوطنية، التي لا أرى فيها سوى تطوير للمشروع الاستعماري، الذي مكن الاستعمار من الاستمرار في استغلال ثروات البلاد دون تحمل مسئولية القمع الذي أوكله، في حقبة "ما بعد الاستعمار"، لحكومات وأجهزة أمن/رعب محلية! وهذا يتطلب شيء مما يسمى "اركيلوجيا المعرفة"، الذي أشار إليه الدكتور عندما رأى ضرورة "الإسراع في تفكيك أركيولوجية بيئتنا السياسية"، وهذه النقطة الأخيرة هي ما سأبدأ به اليوم، على أمل أن تكون اركيولوجيا الدولة الوطنية موضوع اللقاء القادم.

الاركيولوجيا هي علم الآثار، وقد انتقل المصطلح من دائرة الاثار المادية (المباني والآواني) إلى دائرة الأثار المعرفية للأمم/الحضارات تحديداً، ولميشيل فوكوكتاب شهير في هذا الباب عنوانه "حفريات المعرفة".

لو تصورنا ليبيا عمارة من خمس طوابق، ولكن لا يظهر منها إلا الطابق الخامس لأن الطوابق الأخرى مغمورة في التراب، فإن معرفة شكل ومحتويات الطوابق الاربعة يتطلب أعمال حفر تبدأ من الطابق الخامس، نزولاً إلى الطابق الأول. وإذا اتممنا عملية الحفر فسيظهر لنا ليس شكل العمارة كاملاً وحسب، وإنما محتويات كل طابق، والمحتويات التي اتحدث عنها هنا معرفية، وليست مادية.

إذا شرعنا في الحفر فإنا سنتجاوز الطابق الخامس حيث يسكن السابع عشر من فبراير، إلى الطابق الرابع حيث سكن نظام القذافي، وفي الطابق الثالث سنجد بقايا أثاث النظام الملكي، وفي الطابق الثاني سنجد آثار الادارة البريطانية، وفي الطابق الأول سنجد الاستعمار الايطالي   وهويجسد كل ما تمثله "الظاهرة الاستعمارية" التي ولدت "الدولة الوطنية" من رحمها.

وفي الطابق الأول سنجد طرابلس الغرب -الولاية العثمانية- تتحول إلى الشاطئ الرابع لإيطاليا. ومنذ هذه اللحظة دخلت ولاية طرابلس (التي ستصبح ليبيا فيما بعد) في صيرورة جديدة، تشكل قطيعة جذرية مع ما عاشته البلاد في القرون السابقة على الغزوالإيطالي.

الحقائق المتعلقة بهذا التحول الجذري هوما سأوجزه فيما يلي، ولكن صعوداً هذه المرة من الطابق الأول إلى الطابق الخامس.

1. ظهور الاستعمار (الايطالي) على الشاطيء الجنوبي للبحر المتوسط كان إيذانا باختفاء عالم وميلاد آخر. لقد اختفت الولاية العثمانية "طرابلس الغرب" مثلما اختفت ولايات عثمانية أخرى من قبلها. وبعدها اختفت "فكرة الخلافة" نفسها من عالم السياسة، بعد قرابة اربعة عشر قرناً من الوجود الذي جعل جنوب المتوسط فضاءً اسلامياً واحداً.

2. أول ما قام به الاستعمار الايطالي هوعزل البلاد عن محيطها للقضاء على بقية المجاهدين، الذين قاتلوا من أجل الحفاظ على الهوية الاسلامية للبلاد، وعلى رأسهم كان عمر المختار الذي لم تقض عليه الفتن الداخلية، لأن الحركة السنوسية نجحت في تجاوزها بالإسلام، وفي برقة على الأقل. ومن ضمن أثاث هذا الطابق سنجد سياج الجنرال غرتسياني، الذي يحاول السيسي اليوم تعويضه بسياج الكتروني، وهوأشهر من أن يحتاج إلى ذكر تفصيلي في باب خنق المجاهدين بعزلهم عن مصر وحرمانهم من أهم خطوط امدادهم، وهوما يتكرر في حق مجاهدي غزة اليوم، فالتاريخ يعيد نفسه.

3. ولما تم الأمر للمستعمر في طرابلس وبرقة وفزان تفضلت ايطاليا/المستعمرة على مستعمرتها بإسمها الجديد "ليبيا" سنة 1935/1936. وطالما كانت القضية معرفية، فمهم جداً هنا، أن يعرف الليبيون لمن يدينون باسم بلدهم، والجنسية التي يحملونها ويفتخرون بها.

4. وعندما آلت الأمور للإنجليز بعد الحرب العالمية الثانية، حافظوا على المنجز الايطالي، وحاولوا تطويره بالاتفاق مع الايطالين؛ فكان المشروع الشهير "بيفن-سفورزا" الذي يقوم على تقسيم ليبيا إلى ثلاث ولايات تابعة: طرابلس لإيطاليا، وبرقة لبريطانيا، وفزان لفرنسا.

5. تمكن الليبيون من اسقاط المشروع والاحتفاظ بليبيا قطعة واحدة، وتحقيق "الاستقلال"، رغم كل القلاقل والصعاب؛ واُجبر محمد ادريس السنوسي، الذي كان أميراً سعيداً في برقة، على أن يصبح ملكاً للمملكة الليبية المتحدة- رحمه الله.

6. نظراً لعدم استطاعة النظام الملكي تطوير نفسه، سياسياً، وفي الوقت المناسب، ظهر القذافي على ظهر دبابة واستقبلته الجماهير باعتباره المخلص المنتظر، أوعبد الناصر ليبيا بعبارة أخرى! وهكذا دخلت البلاد في نفق يزداد قتامة وطولاً كل يوم من أيام العقود الأربعة التي عمرها نظام القذافي! أربعين سنة وجماهير المنافقين والمغفلين تهتف، والقبائل تبايع، أوتجدد البيعة، كلما اهتز الكرسي من تحت الطاغوت بمحاولة انقلابية أومحاولة اغتيال.

7. عندما اندلع 17 فبراير كان لكل ليبي مشكلة  يعتقد أنها ستحل في اللحظة التي يزول فيها القذافي ونظامه. وحيث لم يستطع 17 فبراير حل ستة ملايين مشكلة في ستة أشهر، تحول الأمل إلى إحباط، وتحولت الثورة إلى حرب أهلية. وهذ قصة أطول من أن تفصل هنا؛ لكن وباختصار شديد تستحق القيادتان السياسية والثقافية في ليبيا -إن وجدتا- ادانة كاملة، لأنهما لم يضعوا الحقائق كاملة أمام الناس لتعي واجباتها أمام خطورة الساعة.

8. والسؤال الذي ينبغي طرحه على القيادتان الليبيتان (السياسية والثقافية) هو التالي: هل يتحقق مشروع بيفن-سفورزا، بإرادة ليبية، بعد موت بيفن سفورزا، مثلما تحقق مشروع الحرب الأهلية كحلم يتحقق لصاحبه (القذافي) بعد موته؟ من جانبي لا اعتقد أن الليبيين أوفياء للقذافي إلى درجة تصبح فيها رغبته محل تنفيذ بعد موته، ولكن المجتمع الليبي، أوجزء كبير منه، يتوجه إلى الوراء ويسير إلى الخلف (النظام الملكي/الفدرالي/ دستور51/ 63 ...إلخ!) وهذا هوما يجعل تنفيذ مشروع بيفن سفورزا بإرادة ليبية أمراً محتملاً، لأن الليبيين اسقطوا بيفن-سفورزا عندما كانوا يسيرون إلى الأمام، أما وقد أصبحوا يسيرون إلى الخلف فإن الوصول إلى بيفن سفورزا قد يكون المحطة القادمة على الطريق!

9. وهنا تنبغي الإشارة إلى أن الدولة الوطنية، الفاشلة أوالمرشحة للفشل، لن تفشل إلا لأنها مشروع فشل من أول يوم ولدت فيه: لأنها ولدت بإرادة استعمارية لا تريد دولة في جنوب المتوسط إلا بالقدر الذي يقمع السكان (وأقول السكان لأن البشر في المستعمرات ليسوا مواطنين وإنما أهالي/سكان). والشاهد على صحة قولي هوأن الحماية القانونية والمادية التي توفرها الدولة المتحضرة لمواطنيها لا توفرها دولة "ما بعد الاستقلال" إلا "للمستعمر" الذي أصبح أسمه "المستثمر". هذه هي الدولة الوطنية: دولة يرحب فيها بالمستعمر بصفته مستثمر، أوسائح، ويقمع فيها الساكنة طبقاً للتشريعات الفرعونية المنشورة في الجريدة الرسمية!

10. مشكلتنا -إذن- في عمقها معرفية وإن ظهرت لعوام الناس سياسية؛ والدولة الوطنية هي في جوهرها تطوير للمشروع الاستعماري الذي يجعل منها معتقل مثل معتقلات النازية. فمصر اليوم معتقل به ثمانين مليون مصري، والحكومة التونسية تحاول، لا شعورياً، تحويل تونس إلى معتقل به اثنى عشرة مليون تونسي، وبين تونس ومصر ستة ملايين ليبي تائهون في صحراء لا حدود لها. هذه هي حقيقة الدولة الوطنية التي ينبغي تجاوزها بإرادتنا قبل أن يتجاوزنا ويتجاوزها الزمن.. وإلى لقاء قريب.

محمد بن نصر
 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments

لا تعليقات على هذا الموضوع