د. احمد ابراهيم الفقيه: قبل فوات الاوان 19/8/2015 23:14 د. احمد ابراهيم الفقيه: قبل فوات الاوان
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

هناك اجماع في العالم، عربا وعجما، شرقا وغربا، على استنكار الاجرام الداعشي الذي تعرض له سكان مدينة سرت، والمذابح التي طالت اهلها المدنيين العزل من السلاح، الذي ذهب ضحيته عددا كبير من الضحايا، من نساء ورجال واطفال، قتلوا بدم بارد، نحرا مثل الخراف، وفي وضح النهار، وقد ذكرت الاحصاءات الاولية ان عدد القتلى يزيد على 170 قتيلا، دون وجود قوة تستطيع حمايةهؤلاء المدنيين، فالجيش الليبي محاصر في جزء من البلاد، اقصى الشرق، تحت طائلة حظر دولي، يمنع وصول السلاح اليه، من اي مكان في العالم، اما الميليشيات بما فيها تلك التي تدعي انتسابا لثورة 17 فبراير، فهي مشغولة بتثبيت ملكها في البلاد، وسيطرتها على مناطق اعتبرتها حيازة لها، بما في ذلك العاصمة طرابلس التي تقع تحت سيطرة ميليشيات تسمي نفسها فجر ليبيا، ولا صالح لها في الخروج  من المدن التي تسيطر عليها، معنية بالتمكين لحكم الجماعة في الجزء الغربي من البلاد، تخشى اذا تحركت لنصرة المدنيين في سرت، التي تقع على بعد اربعمائة كيلومتر من العاصمة طرابلس، ان تفقد سيطرتها على هذا المركز الذي احتلته احتلالا،  وقد تاتي قوة منافسة، تاخذ مكانها، وهي التي سبق ان طردت قوات موالية للزنتان، كما دخلت في معارك مع قوى تتبع للجيش الرسمي، ولم تقم بزحفها وترتكب ما ارتكبته من انتهاكات وما حصل بينها وبين خصومها من حرب وما سقط من قتلى في صفوفها والصفوف المقابلة لها، لكي تترك العاصمة دون ثمن، او ان تضمن لنفسها شراكة في حكم البلاد في المرحلة القادمة، وهناك حراك ميليشياوي غير الموجود في طرابلس، متواجد في جنوب البلاد، وربما في جزء من شرق البلاد وغربها، يدخل في تحالفات ومساومات مع الدواعش انفسهم وتجمعهم بالدواعش اواصر الايمان باسلام سياسي متطرف واحد، ولا يضيرها ان تجد داعش قد حققت نصرا في هذه المدينة ذات الموقع الاستراتيجي من مدن ليبيا الرئيسية.

فمدينة سرت، تتمتع بموقع استراتيجي على الساحل الليبي، لانها حلقة الوصل بين شرق البلاد وغربها وجنوبها، توفرت لها بنية تحتية اكثر من اي مدينة اخرى، حيث كان النظام السابق يعتبرها العاصمة، وضخ المليارات من اموال النفط ليجعلها كذلك، ولها ميناء ولها مطار وبها قواعد عسكرية، بحرية وجوية، وتحظى باستقبال اكثر مقدار من المياه التي تاتي عن طريق الانابيب العملاقة للنهر الصناعي، وفي خليجها المسمى خليج سرت يقع الهلال النفطي بمواني التصدير الشهيرة مثل البريقة والزويتينه وراس لانوف الذي يضم مصنعا للبتروكيميات ايضا، وقد حظيت خلال العقود الاربعة من حكم القذافي باهتمام خاص، فهي مدينة اهله وانصاره، وبمثل ما كانت مسقط راسه، فقد كانت المكان الذي قطع فيه هذا الراس، ولعل هناك من اراد الثأر له من اهل هذه المدينة بمساعدة داعش على الوصول الى حكم سرت، نكاية باهل الحراك الثوري الذي اطاح بالاخ العقيد وتسبب في قتله، لكنه بالتأكيد نادم، اشد الندم، لانه دخل في صفقة مع الشر والاجرام والتوحش، وتنظيم ليس له صديق ولا صاحب ولا حليف الا الشيطان.

نعم، توالت صيحات الاستنكار والاحتجاج لما حصل في سرت، وخرجت بيانات الاستنكار من اغلب عوالم العاصم، الكبرى والصغرى، وتهاطلت دموع التماسيح من اهل السياسة في المجتمع الدولي، التي لا تصحبها مشاعر صدق ولا الم ولا تعاطف حقيقي، يدفع الى الفعل والعمل، وتصاعدت الة الاعلام تصنع جعجعة لا يصحبها طحينا، ودعت جامعة الدول العربية الى اجتماع طاريء لمندوبيها، يعقد في مقرها في  القاهرة، ليناقش الجرائم التي ترتكبها داعش في سرت، ولا احد يتوقع ان تكون للاجتماع فعالية، مثله مثل اجتماعات روتينية سابقة له تتناول الشأن الليبي، لا يصدر عنها الا بيانات الشجب والادانة.

هناك عذر تقدمه قوى المجتمع الدولي، وتستخدمه ذريعة في عجزها عن الفعل، فيما يتصل بالحالة المؤسفة في ليبيا واضاعها المتردية، وتجعل تحقيق مطلبها المرتبط بهذا العذر، شرطا لتقديم اية معونة الى ليبيا في اخراجها من الحالة المتأزمة التي تعيشها ويعيشها شعبها، بما في ذلك رفع الحظر على تسليح الجيش الليبي، وهو انهاء حالة الانقسام التي يعيشها اهل الحراك السياسي الليبي، والتي نتج عنها وجود حكومتين، احدهما في الشرق والثانية في الغرب، ووجود مجلسين للبرلمان شرقي وغربي، ووجود اكثر من جيش، غير الجيش الشعبي الرسمي الحكومي، في شكل ميليشيات اكثر قوة واكبر عددا من الجيش نفسه، وهو وضع يجب ان ينتهي على ايدي الليبيين، والوصول الى اقامة حكومة وحدة وطنية عن طريق المفاوضات التي تشرف عليها بعثة الامم المتحدة في ليبيا، تملأ الفراغ الذي تراه القوى الدولية سببا في انتشار الدواعش وقوى التطرف وسيطرتها على مناطق كثيرة من ليبيا، مع بقاء البلاد مسرحا لعصابات الاجرام الدولية التي تتاجر بالهجرة غير الشرعية، واسهمت في ان تجعل ليبيا مركز تجمع وترحيل لقوارب الموت التي تنطلق من شواطئها. ولا شك ان هذا المطلب الدولي، واستفحال الازمة الامنية في البلاد، وتفاقم المأساة التي يعاني منها اهالي سرت على يد التوحش والاجرامي الداعشي واستمراره وتناميه، يضع تحديا امام اهل الحراك السياسي، واطراف النزاع المشاركين في المفاوضات، يجعلهم مطالبين ومن شعبهم قبل اي اية جهة اخرى، بالارتفاع الى مستوى المسئولية، والاسراع بانجاز حكومة الوحدة الوطنية لانقاذ ما يمكن انقاذه قبل فوات الاوان، وقبل  ان تتحول ليبيا وامنها المنهار الى مشكلة عصية على الحل، مثل حال الصومال.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

* ينشر متزامنا مع صحيفة العرب.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
ا. العارف
قبل فوات الاوان هذا عنوان كتاب من تأليف دكتور عراقي كان استاذ بجامعة قاريونس...
التكملة
رمضان
اليميون قدموا نموذجا لتحرك الجموع ضد الهمج دعاة التدمير..تجدهم يتسابقون بحزمياتهم وشبشب بواصبع لمطاردتهم والقضاء عليهم اما نحن فالذكر فينا يخلي بيته ويفر ليعيش لاجئا وضيعا. تخيل كيف سيكون المشهد…...
التكملة
عُمر
لالوم على من وصفتهم ب "المليشيات" ولكن لومك يجب ان يكون على من وصفته ب "الجيش الشعبي الرسمي الحكومي" (مالكم كيف تحكمون)........
التكملة
أبن احمد
القرية القرية الأرض الأرض وانتحار رائد الفضاء.... ولكن ذاكرتنا قصيرة.....
التكملة
omar
وربما في جزء من شرق البلاد وغربها، يدخل في تحالفات ومساومات مع الدواعش انفسهم وتجمعهم بالدواعش اواصر الايمان باسلام سياسي متطرف واحد، ولا يضيرها ان تجد داعش قد حققت نصرا…...
التكملة
عبدالوهاب
لامتصاص الجهوية والتوتر وشبح التقسيم والصراع على السلطة لابد لكم من العودة الى دسنور 51 الغير معدل....
التكملة
د. أمين بشير المرغني
وصل الشرعية والعودة لدستور 31أغسطس 1969 هو الحل وطوق النجاه وبه يعود كلٌ الى مكانه. إن حكم سيبقى بين كر وفر وتنافس بين كل من يحمل السلاح ويستخدمه للاستحواذ على…...
التكملة