د. احمد ابراهيم الفقيه: ليبيا.. الوفاق او الطوفان 27/8/2015 10:52 د. احمد ابراهيم الفقيه: ليبيا.. الوفاق او الطوفان
د. أحمد ابراهيم الفقيه بحث

ما يبدو واضحا لكل متابع للشان الليبي ان هناك اجماعا دوليا واقليميا، مدعوما برغبة عارمة صادرة عن قوى شعبية ليبية، وراي عام داخل البلاد، ضاق ذرعا بالنزاعات والصراعات المسلحة، وغير المسلحة الدائرة بين اللاعبين المحلين، بضرورة ان تصل هذه الاطراف المتنازعة في ليبيا الى  توافق حول انشاء حكومة وحدة وطنية، تنهي الصراع وتملأ الفراغ، وتعيد البلاد الى المسار الذي يمكن ان يفضى الى بناء الدولة واسترجاع الامن وتنشيط المؤسسات الامنية والعسكرية العاطلة والعاجزة عن اداء مهمتها.

نعم، لقد ضاق الراي العام الليبي، وقواه الشعبية، بهؤلاء المتصارعين فوق ارض ليبيا، والذين  لا يملك اغلبهم اي تفويض شعبي، ولا يمثل الا مجموعات جهوية، استولت على المشهد مغالبة، وبقوة السلاح، في مواجهة برلمان عاجز، وحكومة تابعة له، لا تسيطر الا على جزء من شرق البلاد، فكان ضروريا ان تتدخل اطراف خارجية، وقوى دولية، لها نفوذ وقوة تأثير وقدرة على فرض ارادتها على هذه الاطراف، لكي تستجيب لصوت العقل، وتلبي حاجة المواطن الليبي البسيط الذي وجد نفسه مطحونا ومسحوقا وممزقا بين هذه القوى المحلية، وهي محلية اسما، ولكنها في الواقع لها امتدادات في الخارج ولها اجندات مكلفة بتنفيذها، خاصة في الطرف الذي لا يمثل الشرعية، ولا يملك  تفويضا من الناس، ولكنه يملك سلاحا ورجالا اشتراهم بالمال السياسي، واستطاع ان يسيطر بهذا السلاح وهذا المال السياسي وهؤلاء الرجال الذي استمالهم بالمال او باثارة النزعة القبلية والمناطقية، في ان يكون رقما في المعادلة الليبية، وان يدع الاطراف الدولية تعمل له حسابا في المفاوضات والمشاورات والتسويات، ويضطر الجانب الذي يملك الشرعية، رغبة في انهاء حالة الاحتراب، وحقنا لدماء الليييين، ان يجلس معهم ويقبل الدخول في المفاوضات التي تديرها الامم المتحدة لاقتسام القرار السياسي الذي يرسم مصير البلاد بحضورهم والانصات لرغبتهم.  ولعلهم جميعا لم يدخلوا هذه المفاوضات طواعية، ولا امتثالا للارادة الدولية، ولا بالضرورة  رضوخا لارادة المواطن البسيط الذي  ضاقت به سبل الحياة، نتيجة هذه الاوضاع المتردية، ولكن عجزا عن قدرة اي منهم على حسب الصراع عسكريا، فالميليشيات التي استطاعت تحقيق نصر على جماعات مسلحة اخرى، واخرجتها من مواقعها في طرابلس لكي تصبح العاصمة تحت سيطرتها ونفوذها وتشكل حكومة ومجلسا تابعين لها، لم يكن ممكنا ان تستطيع مجابهة كامل الجيش الليبي متحالفا مع تلك الجماعات المسلحة التي طردتها، واقصى ما كانت تستطيع تحقيقه هو المحافظة على موقعها في العاصمة وبعض المدن في الجهة الغربية من البلاد، كذلك فان الجيش الوطني الذي يخضع لسلطة البرلمان والحكومة المؤقتة والذي يواجه حربا ضروسا في اماكن نفوذه في الشرق، ولم يستطع حسم معارك بنغازي مع المتطرفين الاسلاميين، ولاحسم هذه المعركة في درنة مع الدواعش، ولم يكن ممكنا وهو يقوم ببعض العمليات في الشرق ويؤلف فرقا عسكرية تناصره من قبائل الشرق كما حدث في ورشفانة، لم يكن ممكنا ان يحسم المعركة مع  الجماعات المسلحة التي تهيمن على طرابلس بعد ان كانت داعمة ومتحالفة مع الاسلام السياسي المعتدل كما يسمونه متمثلا في جماعة وحزب الاخوان المسلمين, ولم يحصل زحف هذه الميليشيات على طرابلس واخراج الحكومة وعدم التمكين للبرلمان الا بعد ان منى هذه الحزب وهذه الجماعة بخسارة الانتخابات وصار القرار ان ما ضاع عن طريق الصندوق، يجب تعويضه عن طريق القوة والمغالبة والسلاح، ونجحت هذه السياسة في ابقاء هذه الجماعة فاعلة في المشهد السياسي، وفي السعي لاقتسام السلطة بعيدا عن صندوق الانتخابات.

وكانت المسالة ستراوح في مكانها لوقت اطول، لولا دخول عامل جديد افزع الليببين، بمثل ما افزع دول الجوار، وافزع ايضا قوى المجتمع الدولي، هو هذا التمدد الداعشي، واستشرائه في ليبيا، الى حد سيطرته على مدينة سرت التي كان نظام الطاغية المنهار، يعدها لتكون عاصمة البلاد، بما يتوفر فيها من عوامل القوة المتمثلة في ميناء ومطار ومخازن للاسلحة ومجموعة من المؤسسات الاقتصادية، وبسبب رفض المجتمع الليبي لمثل هذا الاسلام المتطرف، فقد لجأت جماعة داعش الى الاجرام والتوحش ومداهمة الاحياء المدنية مثل الحي الثالث، وذبح المواطنين الامنين نساء ورجالا واطفالا، مما اطلق صرخة فجيعة واستنكار ترردت اصداؤها في اركان الارض الاربعة، لبشاعة ما حدث، وشكل هذا الزحف الداعشي عامل ضغط على كل الاطراف للتعجيل بالوصول الى حكومة الوحدة الوطنية، التي ستكون بالضرورة، العتبة الاولى، واللبنة الاولى في صيرورة البناء والتاسيس للدولة الجديدة.

ولقد سمعنا كلمات التفاؤل من السيد مندوب الامين العام في ليبيا، وحديثه عن قرب المصالحة وتشكيل هذه الحكومة، عدة مرات دون ان نرى شيئا يتحقق على ارض الواقع، ولكن هذه المرة التصريح بقرب الوصول الى الحل، لم يقتصر عليه ولكنه جاء من كل القوى الفاعلة في المشهدين الدولي والاقليمي وذات الاهتمام الخاص بليبيا، سمعناه من متحدثين رسمين على المستوى الاقليمي مثل امين عام الجامعة العربية، ووزير خارجية مصر كما جاء على لسان الناطق باسم الاتحاد الاوروبي ووزراء خارجية في دول الاتحاد الاوروبي مثل ايطاليا وفرنسا وبريطانيا، ولابد ان هذه التصريحات التي تبشر بانتهاء المفاوضات الى النتيجة المأمولة، لم تصدر من فراغ وانما من معطيات حقيقية تحتم هذا الحل الذي لا بديل له الا الطوفان.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

* ينشر متزامنا مع صحيفة العرب.

 

إضغط هنا للتعليق على الموضوع
Reader's Comments
محكم دولي
السيدة وفاء احتراماً لديمقراطيتك ، واسلوبك الرقيق سوف احتفظ برأي لنفسي ، ولن ابوح به لاحد إلا لزوجتي التي تعرف طبع النساء باعتارها طبيبة نساء وولادة، وشكرا على النصيحة القيمة…...
التكملة
وفاء
الى المعلق محكم دولي : احتفظ برأيك لنفسك وانت ورأيك غير مقبول بعد تعديك على السيد محمد المبروك...
التكملة
محكم دولي
أن الاستاذ الفاضل الدكتور أحمد الفقيه كعادته وضع اصبعه على بؤرة المشكل التي أدت إلي تفاقم الصراع بين اطراف النزاع، وهو غياب سلطة الدولة وضعف اداء المجلس الشرعي الذي وقف…...
التكملة
علي المحجوب
أستاذ احمد ، بارك الله فيك أنا من المتتبعين لمقالاتك التي تفيض بالوطنية والعقلانية دون تهريج ودون فتن مثل ما يفعل البعض ، هذا الأسلوب الذي ننشده من أناس مثقفين…...
التكملة